عبد الله علي إبراهيم

هذه مذكرات عن الثورة الفرنسية أخذتها من "أوربا الثورية 1780-1850" (2000) كتاب زميلي السابق في شعبة التاريخ بجامعة ميسوري جونثان سبيبربر. جلست إلى الكتاب في أعقاب ثورة ديسمبر حين سقمت نفسي أحاديث مطلوقة عن الثورة اشترطت أن تنهض الثورة، متى قامت، بالتغيير الجذري بعد اسقاط النظام مباشرة وإلا صارت "انتفاضة" في أحسن الأحوال أو هرجاً وضلالاً.

وعرفت أن أياً من مشيعي تلك الخزعبلة لم "يشق" بطن كتاب عن ثورة ليعرف أن الثورة هي تعريفاً ثورة متى أسقطت حكومة النظام القديم. وبس. أما التغيير فلا يأتي لحزته لأنه مما تختلف الآراء فيه وسبله بين من ائتلفوا لإسقاط النظام القديم. ولا أعرف إن كان من يذيع هذا الضلال وقف عند الثورة الفرنسية (1789) وتضاريسها ليرى أنها اختلفت حول التغيير اختلافاً محلياً وأوربياً اختلافاً مضرجاً كبيراً. فلا الجمهورية ولا العلمانية اللتين هما المعنى الذي كان من وراء الثورة تحققا في اليوم العاقب لسقوط النظام القديم كما يتشهى بعضنا. ويكفي أن جرى استرداد الملكية لفرنسا ثلاث مرات ولم تتوطد الجمهورية إلا في ثمانينات القرن التاسع عشر. كما لم يقع فصل الدين عن الدولة إلا في دستور 1905 ولينص دستور 1958 صريحاً على العلمانية لأول مرة.
نحن، وذكرى ثورة ديسمبر على الأبواب، قبايل "تجديد البكا" على الثورة في تاريخنا. وهو بكاء كاليتم لانقطاعه عن تاريخ الثورات ويريد لثورة السودان أن تغير ما بنا في لمح البصر: short and sweet
أردت عرض هذه المذكرات عن الثورة الفرنسية حتى لا نخدع عن حقائقنا وثوراتنا بثمن جهالة بخس. وعينت الصفحة من الكتاب أمام تلخيصي لما فيها. وربما صادفت القارئ متاعب هنا وهناك لأن هذه المذكرات مما أردت منه أن أعرف عن الثورة لا أن أنشرها كما أفعل الآن.
(سيلقى القارئ غموضاً هنا وهناك كما وجدت أنا نفسي لدي عودتي لقراءة هذه المذكرات بعد سنوات من كتابتها. أردت فقط بها أن يرى شبابنا أن الثورة كينونة غريبة لا كما يبسطها صغار الأحلام: أنت ثرت وريني عمرت شنو؟ ولا أتوقع أن يطالع القارئ هذه المادة على صفحتي. هي للاحتفاظ بها كمذكرة المحاضرات"

72 اكتنفت الثورة أزمة مالية لم تخرجها منها حتى السندات المالية بضمان أرض الكنيسة المصادرة. فلم يقبل الفرنسيون في المناطق المناصرة للقسس المنشقين على شراء الأرض، بل قابلوا من حاول ذلك بالاحتجاج والشنق سحلاً. وفرضت الحكومة تداول السندات التي اشتراها أهل المال من الناس بثمن بخس أدى إلى تدهور سعر العملة. فامتنع المزارعون من بيع محصولاتهم بالثمن البخس. فنقص المعروض من الطعام في الأسواق. وأدى هذا إلى نشأة فئة اجتماعية سياسية في المدينة عرفت ب"سانس-كولتس". وهي من العاملين بأيديهم من الحرفيين وصغار التجار وسيطة بين البرجوازية والعمال: برجوازية صغيرة. فهم يعملون بأيديهم ويؤجرون من يعملون بأيديهم. وظهرت سطوتهم في سقوط الباستيل 1789 وحصار فرسايل في أكتوبر 1791. ولما كانت الحكومة قد عادت إلى باريس أعطى ذلك السانس قوة للضغط زائدة.
ص 17-72. ومن تلك العوامل تورط فرنسا في حرب أوربية. فإلغاء النظام الإقطاعي في فرنسا أخاف أوربا. وقوى من هذه الحرب عامل للسياسة الداخلية هو المهاجرون الفرنسيون ممن كونوا فرقهم المسلحة على حدود فرنسا الشرقية. طالبت العناصر الأكثر جذرية في الجمعية التأسيسية (1791) بشن الحرب على المانيا لإيوائها المهاجرين لكسر ظهر عناصر الثورة المضادة. ومتى انتصروا في الحرب، حسب تقديرهم، كان سبباً لترويع المعارضة الداخلية وإخراسها علاوة على نشر مبادئ الثورة الفرنسية في الخارج. وافق الملك على الحرب على المانيا برغم أن بعض أسرته من بين "الثورة المضادة". وعارض روبيسبير، زعيم اليعاقبة، الحرب لأنها مشقة غير مأمونة العواقب. بدأت الحرب في 1792 وما لبث أن بدأ عوار الحرب للحكومة. فتناصرت قوى أوربا مع قوى الثورة المضادة. وكان متى احتلت الجيوش الأوربية موضعاً فرنسياً استعادت فيه النظم التي ألغتها الثورة. وصارت الحرب، التي اختلفت دوافع القوى الأوربية لدخولها، تعرف بحرب بين الثورة والثورة المضادة، الثورة والاستعادة (restoration). حرب لم تقع للإنسانية من قبل.
74 بدا للجذريين في باريس أن دروس الحرب تلك أن يعنفوا. فالوسطيون حاربوا بغير نفس بل انضم بعض قادتهم للعدو. وكان القائد العام لجيش الحكومة يراسل الأعداء. وكان جورج دانتون، من الجهة الأخرى، من نادي كوديلر متحمساً للحرب" قال: الجراءة والجراءة أكثر والجراءة ما يزال هي التي ستنقذ فرنسا". وبدأ الجذريون في الإعداد لانتفاضة جمعوا لها الحرس الوطني من سائر فرنسا (20 ألف) في مظاهرة في 10 أغسطس 1792. سارت للقصر الملكي وهزمت حرسه وقتلت أكثرهم. وأعلنت أن فرنسا جمهورية.
75 وفرضوا إرادتهم على الجمعية التأسيسية بحل نفسها وإجراء انتخابات جدية لجمعية تضع دستوراً للبلاد الجمهورية. وحدث ذلك واجتمع البرلمان في سبتمبر 1792.
75 تواصلت الحرب واقترب البروسيون (بروسيا) من باريس. واستقل السناس (البرجوازية الصغيرة) بأنفسهم عن الأندية. وأخذوا يستأصلون السجناء السياسيين من النبلاء والقسس المنشقة في ما عرف ب"السبتمبريين". وهي لعنة دم لاحقت الجذريين. وأمض ارتفاع الأسعار السناس أيضاً. وكان مقترحهم لاحتوائها هو تحديد الأسعار وإن لم يسلم الفلاحون نتاجهم صادرته الدولة.
وبذلك التصعيد صارت الجمعية التأسيسية ساحة مرة أخرى لمن أراد اطراد الثورة ومن رغبوا عن ذلك. منشأ اليمين واليسار كان خلال هذه الخصومة. صار جذريو الجمعية السابقة، قُرُيندنز، في صدام مع اليعاقبة الذين رغبوا في التحالف مع السانس ممن طلبوا تحديد الأسعار. وهو تعد على الملكية لم يقبله القريندز. وأشد خلافهم كان حول مصير الملك المخلوع. لم يمانع كثير من النواب من تقديم الملك للمحاكمة بتهمة الخيانة. ودفع الملك عن نفسه بأن دستور 1791 جعله مبرأ من مثل هذه المحاكمة. أما دفاع أنصاره المهجرون فكان أن الثورة هي الخيانة. ونشب الخلاف حول العقوبة. فأراد القريندز، متاثرين بعقيدة الملك المعصوم، تفادي قتله بأي صورة وبالدعوة لسجنه أو لنفيه وغيرها.
ص 77 وأراد القريندز بذلك ألا يقطعوا شعرة معاوية مع أوربا الملكية. وهي الشعرة التي أراد اليعاقبة قطعها. صوتت الجمعية لقتله بأغلبية قليلة بعد جلسة متصلة دامت 36 ساعة. وقتل في 21 يناير 1793 على المقصلة شهيداً مسيحياً باركه البابا في نزال قوى الشر. وكان السانس يغنون المارسليز. واحتدم الصراع بين الجماعتين. أراد القريندز إغلاق أندية اليعاقبة وغيرهم ووقف صحفهم. فجنح اليعاقبة إلى السانس فآزروهم باقتحام الجمعية في يونيو 1793 والمطالبة بنزع القريندز من عضويتها. فاستجاب اليعاقبة مسرورين.
وصار بوسع من تبقى من الأعضاء المضي قدماً في مواصلة الثورة. فقرروا التجنيد الاجباري وتنفير قوة الأمة كلها رجالاً ونساء شيباً وشباباً للنصر في الحرب من أجل الجمهورية.
87 واتبعوا إجراءات عنيفة ضد الثورة المضادة كبؤرة عملاء لقوة أجنبية. تكونت لجان الرصد لأعداء الثورة لفرز من معها ومن ضدها. انتزاع شهادات الولاء للثورة. وصار أهل الحظوة القديمة موضع ريبة. محاكم خاصة لمحاكمة الخونة. وتمت مصادرة ممتلكات المهاجرين المعادين. ونشأت لجنة السلامة العامة تتوج إجراءات العنف ضد الخصوم. وكافأوا السانس بتحديد الأسعار ومصادرة منتوج الفلاحين الممتنعين عن البيع. وكان ذلك خلافاً لعقيدتهم في السوق الحر. كان روبسبير من وراء لجنة السلامة. وجعلت أندية اليعاقبة نفسها حكومة من وراء الحكومة الرسمية في التربص بالأعداء. وكلما أوغلت اللجنة في العنف كلما خلقت طائفة من الأعداء لها. ففي مدن الجنوب انتصر المعتدلون على المتطرفين. وساءهم طرد القريندز المعتدلين من الجمعية في باريس فقاموا بعصيان سموا أنفسهم فيه الفدراليين. وكانوا مع الثورة رغم عدائهم للجمعية ويريدون لفرنسا أن تحتفظ بنظمها الباكرة للثورة من المصالح والدوائر الذاتية لا المركزة التي جرت لاحقاً على يد اليعاقبة. كانت وراء ثورتهم عوامل: 1-الدين لأن سكان غرب فرنسا أكثرهم تديناً، وهم ضد القانون المدني للقساوسة. وصارت تحرشات وصدامات طوال عامي 1791 و1792. وكان أهل غرب فرنسا ضد التجنيد الاجباري أيضاً لأن العمل بالجيش ليس في طبعهم أو ممارستهم. وجاء قساوسة متمردون ونبلاء لقيادة سخط غرب فرنسا على الجمعية.
81 وكونوا في مكان ما "الجيش الملكي والكاثوليكي" وساروا لباريس لإسقاط الجمعية. جماعة أخرى نهضت بحرب عصابات. وكلاهما متصل بالمهاجرين الآملين بتدخل بريطانيا. وجسد ذلك الصراع صدام الدين وثقافة عهد الأنوار المناوئة له. وكان صراعاً اتسم بالوحشية. ذبح الثوار أنصار النظام الحاكم في باريس ذبح الشياه وشيعوهم بالترانيم الدينية. ولما تلقى أنصار الحكومة عوناً قتلوا كل سجنائهم.
ص 80
عهد الرعب 1893 إلى 1794
أدى رعب الحكومة إلى ضحايا بلغوا 35 ألف موتاً بالسجن أو بواسطة المقصلة. أكثرهم كان من جنوب فرنسا الذين حملوا السلاح ضد الحكومة. ولا يشمل هذا من قتلوا في غرب فرنسا الذين ربما كانوا خمسة اضعاف ذلك العدد. ولكنهم ماتوا في قتال مباشر بين أطراف الحرب بين الحكومة والمنشقين عليها.
81 وما يجعل ارقام أولئك الضحايا قابضاً للنفس ليس أننا لم نشهد ضحايا أكثر منه في عصرنا ولكن لأنه وقع في محاولة لبناء فرنسا جديدة على بينة "جمهورية الفضيلة" في عبارة لروبيسبير. خلال الحرب الأهلية والخارجية عكف اليعاقبة على تدبيج نظام جديد لفرنسا استمر في صوره المتطرفة لسنة واحدة:
1-ثقافة جديدة لفرنسا تحل مكان الثقافة القديمة شملت تغيير التقويم. جعلوا الثاني والعشرين من سبتمبر 1792 بدء للتقويم الجديد الذي حل التقويم المسيحي. جعلوا الأسبوع 10 أيام تنتهي بيوم عطلة ليس هو الأحد. وسموا الشهور تسميات جديدة. مثلاً شهر الحرارة Thermidor وهو ذروة الصيف. وgerminal وهو من بعض مايو ويونيو وهو شهر نمو المحاصيل. ولم يقبل بالتقويم أحد للخبطته الأعياد الدينية واختزاله أيام العطلة. اقتصر التقويم على الاستعمال الرسمي حتى جرى إلغاؤه في 1806.
2-إصلاح الموازيين والمكاييل وضبط معاييرها. كانت المقاييس قبل الثورة مقاسة على جسد الملك. فالقدم في الواقع هو طول قدم الملك. جاؤوا بمقياس المتر مستفاداً من تراكيب الطبيعة. وجرى قبول هذه "البدعة".

3-إعادة تسمية الشوارع التي أطلقت على ملوك. استبدالها بأسماء لأبطال الأغاريق والرومان. وسمى اليعاقبة أولادهم بروتس وحتى فرانكلن (ألأمريكي) احتساباً للجمهورية. ويخاطب الواحد الآخر يا"مواطن" كسراً لنظام الألقاب.
وكان القصد هدم الكاثوليكية. زادوا بالاعتداء على الكنائس وتدنيس رموزها. ولم يسلم حتى القساوسة المطاوعين من التضييق فأضطر 18 ألف منهم لنزع الرداء الكنسي وقبلوا بمدنيتهم وأول مظاهرها الزواج مما كان محرماً عليهم.
واحتار الجذريون في ما يحلونه محل المسيحية. فأقترح البعض الإلحاد أو حكم العقل. فسموا كاتدرائية نوتردام بمعبد العقل. ثم انتهوا إلى نسخة هادئة من الدين الجديد هي ال"deist". وهي عقيدة تؤمن بوجود الرب. ولكنه تلاشي حين حرك الكون وأطلق عنانه. وانقطعت صلته بالكون والخلائق. وصار مصير الدين الجديد مصير التقويم: النفور منه. ولكن ثبت اليعاقبة مبدأ المواطنة أما السوية القانون فشملوا بها كل الذكور دون النساء. ونواصل.
تقويم الثورة الفرنسية "المدني" الذي ألغى التقويم المسيحي
Naming the Months
This is where the commissioners really got creative. They made up a whole set of new words, generally with French or Latin roots.
Fall
• Vendémiaire (from French vendange ‘grape harvest’)
• Brumaire (from French brume ‘mist’)
• Frimaire (from French frimas ‘frost’)
Winter
• Nivôse (from Latin nivosus ‘snowy’)
• Pluviôse (from French pluvieux ‘rainy’)
• Ventôse (from French venteux ‘windy’)
Spring
• Germinal (from French germination)
• Floréal (from French fleur ‘flower’)
• Prairial (from French prairie ‘meadow’)
Summer
• Messidor (from Latin messis ‘harvest’)
• Thermidor (from Greek thermē ‘summer heat’)
• Fructidor (from Latin fructus ‘fruit’)

ibrahima@missouri.edu  

المصدر: سودانايل

كلمات دلالية: الثورة الفرنسیة الثورة المضادة عن الثورة غرب فرنسا

إقرأ أيضاً:

بين قيود الأمس وأفق الغد: عقلٌ يتوق إلى التغيير لكنه يرتجف من الجديد

كانت ليلة مشحونة بالتوقعات، ليس لأنها حملت ميلاد طفلٍ فحسب، بل لأنها حملت معها ولادة أمل أيديولوجي جديد. لم يكن مجرد حدثٍ عائلي، بل أشبه بمؤتمر فكري، جلس الأب، اليساري حتى النخاع، بينما الأم، البعثية، كانت تستعد لاستقبال المولود. لم يكن ثمة خلاف بينهما إلا على الاسم, هل سيكون لينين إكراماً لماركسية الأب، أم ميشيل وفاءً لنضال الأم والأسرة الممتدة؟. احتشد الجميع حول غرفة الولادة. ترقبوا الصرخة الأولى، لكن ما حدث كان أبعد ما يكون عن التوقعات. فتح الطفل عينيه، نظر حوله بتمعّن، كأنه يمسح الساحة السياسية التي جاء إليها للتو، وسط ذهول الجميع، صرخ قائلاً: الجماعة ديل قاعدين؟. التفت الجميع إلى الأب. رفع حاجبيه في دهشة، يحدّق بنظرة فاحصة، كأنه يحاول التأكد إن كان هذا الطفل قد جاء فعلاً من صلبه أم أنه لا يخضع لقوانين الطبيعة، باغتهم الطفل بسؤال ملؤها العتاب، لا يخلو من براءة،: (طيب مارقنّا ليه)؟.

الإشكالية لا تكمن في الخصوم التاريخيين، للطفلٍ وأبويه، أم في الأحزاب، وحركات الكفاح المسلح. بل تتجلى جوهر الأزمة في بنية فكرية أكثر عمقاً، متشبثة بأيديولوجية مغلقة، لا ترى في الحقيقة سوى انعكاسٍ مشوّه لقناعاتها، ولا تتسع للآخر إلا بوصفه نقيضاً. ترى الحقيقة ملكية خاصة لا تقبل القسمة، وتعتبر الرأي المخالف تهديداً، لا مجرد اختلاف في وجهات النظر. الأزمة ليست في الأسماء والمسميات، بل في الذهنية التي تجعل الانتماء لأي عقيدة أو حزب أو فكرة سجناً يحجب استيعاب التنوع. فهل المشكلة في اللاعبين، أم في قواعد اللعبة؟ كيف ننتظر ولادة أفكار جديدة من عقول تأبى المراجعة، وتخشى المساءلة؟ عندها التنوع خطراً، والاختلاف جريمة، والمخالف خصماً ينبغي اجتثاثه، وتبني خطابٍ سياسي أو ديني يمجّد الإقصاء، ويبرّر العنف، متدثراً بثوب المشروعية الزائف، لابد من تبني فكر لا يهاب النقد، بل يستمد منه اتساعه وثراءه، ويتحرر من سجن الأيديولوجيات الجامدة التى لا تتحقق إلا بانفتاح العقل على الأسئلة، وإدراك أن الحقيقة ليست ملكاً لأحد. ومواجهة الذهنية العاجزة عن استيعاب الاختلاف، والتي تؤجج الغضب وتدفع بالمجتمعات نحو الانفجار. الإقصاء، مهما بدا مغرياً لنخبٍ تخشى فقدان امتيازاتها، لا يخلّف سوى مزيدٍ من الانقسام والاحتقان، في دورة مغلقة من التآكل الذاتي.

التورط في مستنقع المحاصصة والعنصرية ليس مجرد خلل سياسي، بل هو داءٌ يقوّض فكرة الدولة ذاتها، فيحيلها من مشروعٍ للبناء إلى ساحةٍ لتصفية الحسابات، وحين تُختزل السلطة إلى مجرد غنيمة تُقتسم، لا أمانة تُحمل، تتحول معايير الاختيار إلى محض ولاءات، لا كفاءات. فيُقصى أصحاب العقول النيّرة لأنهم لا ينتمون إلى الدوائر المغلقة، ويُقرَّب الأتباع لا لجدارتهم، بل لولائهم الأعمى. هي ذاتها العقلية التى تبدد الموارد في معارك جانبية بدلًا من توجيهها للتنمية، وتُعيد إنتاج الفشل بوجوهٍ جديدة، متناسية أن الشعوب، مهما طال سباتها، تستعيد وعيها وقت يحين أوان الحساب. هذه العقلية لا تدرك ان الزمن لا يرحم والتاريخ لا ينسى، وأن اللحظة التي ينهض فيها الوعي، ولو تأخر، ستكون اللحظة التي يُكنس فيها هذا الإرث البالي، فالشعوب قد تُرهَق، لكنها لا تُهزَم، وقد تُخدع لبعض الوقت، لكنها تأبى أن تعيش في الظل إلى الأبد.

ما لم تتغير العقلية، سيبقى الوطن عالقاً في دائرة مغلقة،. فالأوطان لا تُبنى بالموروثات الفكرية الراكدة، بل بعقول تتجدد، ترى أبعد من حدود المعتاد، وتدرك أن الجمود هو تعطيل لتفعيل برنامج التكليف. كل كائن في هذا الكون خُلق بسعة استيعابية محدودة، كالأجهزة التي نستخدمها بعضها لا يملك قدرة على التحميل (Download)، وبعضها يتفاوت في سعة التحميل. غير أن الإنسان، وحده، هو الكائن الذي مُنح سعة غير محدودة. فكان مؤهلاّ لحمل برنامج الأمانة الذي استعصى على السماوات والأرض والجبال، لا لعجزها المادي، ولكن لأن البرنامج (software) يتجاوز بنيتها وقدرتها على الاستيعاب. وحده الإنسان امتلك السعة التي مكّنته من تحميل برنامج الامانة، ليظل كائناً متفرداً بين المخلوقات، ولكن كم إنسان ظل هذا البرنامج غير مفعل في داخله وبقي بلا أثر، الفارق بين من يعي أمانته ومن يفرّط فيها ليس في التحميل، بل في التفعيل. وإلا فإنه يصبح كحامل للأسفار، مجرد مستودعٍ للمعلومات لا روح فيها ولا إبداع.

العقلية التي لا تدرك أن الزمن ثروة، وتراه عبئاً ثقيلاً يسعى للتخلص منه، تفرط في أعظم ما تملك. وكذلك المنهج العقيم الذي يعجز عن إيقاظ شغف الطالب بالمعرفة، يتحول إلى سجن للفكر، يحشو الأذهان دون أن يفتح أمامها أبواب الاكتشاف. يبقى مجرد تكرارٍ عقيم لا يلامس الوجدان. كم من طالب حفظ نظريات الفيزياء دون أن يلمس في سقوط التفاحة لحظة إلهام، وكم من قارئ طوى آلاف الصفحات دون أن يجد فيها ما يضيء له الطريق. بدون المعرفة، لا يمكننا إعادة بناء مؤسسات قوية تُدار بالكفاءة والنزاهة، لا بالمحسوبية أو الولاءات الضيقة. ويتحول الولاء للأشخاص أو الجماعات دون للوطن. أي تجاوز لهذا الإطار المؤسسي ليس إلا امتداداً للجنجويدية السياسية. حين تُدار العدالة خارج مؤسسة القضاء، وتُقام المحاكمات وفق الأهواء السياسية لا القانون، وحين تشارك الأحزاب في السلطة الانتقالية دون تفويض شعبي، فإنها تمارس نفس الجنجويدية السياسية التي تقوض الدولة بدلاً من أن تبنيها. الإصلاح لا يتحقق بتغيير الوجوه، بل بتغيير القواعد، حيث يصبح القانون هو السيد، وتُدار الدولة بمعايير واضحة لا تخضع للمزاج السياسي أو المحاصصة الضيقة.

ما جدوى الثورات إن بقيت العقول سجينة ماضٍ يأبى أن يفسح المجال للجديد، تتقاذفها دوامة التكرار ويشلّها الخوف من المجهول؟ إن النهضة ليست في عدد الجامعات ولا في وفرة الأبحاث، ولا في اوارق تُكتب ثم تُنسى في أدراج الوزارات، بل في القدرة على التفكير وتحويل الرؤى إلى افعال. لماذا استطاعت أمم كاليابان والصين وسنغافورة ورواندا أن تنهض من تحت رماد الحروب والكوارث، لتصبح أمثلة تحتذى في البناء والتقدّم، بينما نقف نحن عند مفترق الطرق، نُثقِل كواهلنا بجدل عقيم، لا يُفضي إلا إلى معادلة صفرية، حيث لا غالب ولا مغلوب، بل استنزافٌ مستمر للفكر والوقت والجهد؟ أهو شُحّ الموارد، أم ندرة العقول التي تجرؤ على خوض غمار التغيير بعزيمة لا تعرف الانكسار؟ لا سبيل أمامنا سوى إعادة النظر في أسس تفكيرنا، وإشعال ثورة فكرية تعيد ترتيب الأولويات، وتؤسّس لمشروع وطني لا مكان فيه للتمييز أو الإقصاء، بل يؤمن بأن كرامة الإنسان، أيًّا كان دينه أو لونه أو أصله، هي حجر الزاوية لكل نهضة. فهل نمتلك الشجاعة لكسر قيد الانقسامات ورؤية تنوعنا كمصدر قوة لا كنقطة ضعف؟، الواقع لا يمنح مكاناً للعاجزين عن التفكير. إن لم نعدّ جيلاً من الشباب متسلح بأدوات التقدّم، قادراً على خوض غمار الصناعة والزراعة وكافة ميادين الحياة بإرادة لا تعرف السكون، فسنظل أسرى دوامة الأخطاء المتكررة، نتخبط ثم نتساءل عبثاً لماذا يسبقنا الآخرون بينما نظل نحن في المؤخرة.

abudafair@hotmail.com

   

مقالات مشابهة

  • فيدان في باريس.. محطة جديدة في مسار العلاقات التركية الفرنسية المتوترة
  • برلمانيون فرنسيون يطالبون بالرقابة على المساعدات الأوروبية لدمشق.. مدير المخابرات العسكرية الفرنسية السابق: المشاعر الطيبة لا تصنع سياسة أو استراتيجية.. والوضع يتطلب يقظة كبيرة
  • الحركة الإسلامية ومجزرة فض الاعتصام
  • بين قيود الأمس وأفق الغد: عقلٌ يتوق إلى التغيير لكنه يرتجف من الجديد
  • محافظ السليمانية: أنا لست من حركة التغيير
  • بينار دينير وكان يلدريم يرزقان بمولودهما الأوّل
  • الشرطة الفرنسية تبدأ تحقيقا بشأن “تهديدات” يزعم أنها وجهت للقضاة الذين أصدروا أحكاما على لوبان
  • مصطفى شعبان: الدراما المصرية قدمت موسما متميزًا وكان هناك تنوع كبير
  • الكاردينال بارولين يترأس القداس لمناسبة الجمعية السينودسية الثانية للكنائس بإيطاليا
  • لطيفة تنعي إيناس النجار «اخر مره شوفتك امبارح وكان عندي أمل»