الثورة السورية وحديث العسكرة والسلمية
تاريخ النشر: 21st, December 2024 GMT
سقط نظام البعث في سوريا وهرب الطاغية بشار بصورة لم يتوقعها أحد، لم يتوقعها حلفاء بشار بوتين في روسيا والملالي في إيران ولو توقعوا ذلك ما استثمروا فيه بمليارات الدولارات وما أقامت روسيا القواعد الجوية والبحرية، ولم يتوقعها الغرب الذي كان يدير الحرب في سوريا بصورة تضمن استمرارها واستنزاف الجميع دون أن يستطيع طرف القضاء على الطرف الآخر، وهذا بالضبط ما كان يفعله الدبلوماسي النرويجي جير بيدرسون منذ أن انتقل من مستشار سياسي لبلده في دولة الكيان إلى مسؤول الأمم المتحدة عن الملف السوري.
وأكاد أجزم أن المعارضة المسلحة لبشار لم تكن تتوقع ذلك وربما لم تخطط له، وإنما كانت تريد أن توسع مناطق سيطرتها في الشمال لتسمح بعودة جزء كبير من اللاجئين وتكون ورقة ضغط تحرك بها الأمور التي كان يبدو أن الجميع راضون بها على هذا الحال.
لكن المعارضة قامت بإصلاح كثير من الأخطاء من قبيل الاقتتال الداخلي بين فصائلها وأقامت هيئة موحدة للقيادة "قيادة العمليات العسكرية" واستعدت لمعركة تعرف أنه لا مفر منها بعد أن أصبحت تتواجد في منطقة واحدة من مناطق خفض التصعيد الأربع، وهي المنطقة الموجودة في الشمال على الحدود التركية السورية.
قارن البعض بين وضع "أبو محمد الجولاني" أو أحمد الشرع بعد أن عاد إلى اسمه الأصلي وبين وضع د. محمد بديع، مرشد الإخوان في مصر، الذي رفع شعار سلميتنا أقوى من الرصاص، حيث يقبع الآن في السجن وبحوزته عدد من أحكام الإعدام رغم تقدم سنه ورفعه شعار السلمية، بينما الأول الذي وُضعت جماعته (النصرة أو هيئة تحرير الشام) على قوائم الجماعات الإرهابية ورصدت الملايين لمن يدل عليه؛ هو الآن الذي يحكم سوريا. هذه المقارنة قامت على أسس غير صحيحة ومقارنات غير عادلة
كانت نتيجة عملية ردع العدوان أن دخلت المعارضة حلب في 48 ساعة وبعدها مباشرة انسحب جيش بشار من حماة، وبينما الأنظار تتجه إلى حمص دخلت قوات المعارضة إلى دمشق ليتبين فرار بشار إلى روسيا تاركا أقرب معاونيه لمصائرهم. الغريب في الأمر أنه كان هناك ما يشبه القبول بما حدث أوروبيا وأمريكيا بل وروسيا وإيرانيا.
وعلى المستوى الشعبي والإعلامي بدأت التساؤلات، وكان أهمها ما يتعلق بسلمية الثورات وعسكرتها والمقارنة بين ما حدث في سوريا من تغيير وما حدث في مصر وتونس من انتكاس نتيجة التمسك بسلمية الثورة. وقارن البعض بين وضع "أبو محمد الجولاني" أو أحمد الشرع بعد أن عاد إلى اسمه الأصلي وبين وضع د. محمد بديع، مرشد الإخوان في مصر، الذي رفع شعار سلميتنا أقوى من الرصاص، حيث يقبع الآن في السجن وبحوزته عدد من أحكام الإعدام رغم تقدم سنه ورفعه شعار السلمية، بينما الأول الذي وُضعت جماعته (النصرة أو هيئة تحرير الشام) على قوائم الجماعات الإرهابية ورصدت الملايين لمن يدل عليه؛ هو الآن الذي يحكم سوريا.
هذه المقارنة قامت على أسس غير صحيحة ومقارنات غير عادلة لأسباب كثيرة:
أولها، أن الثورة السورية أيضا كان شعارها السلمية وظلت متمسكة به قرابة 10 أشهر رغم مواجهة النظام لها بالقتل المباشر وتوجيه السلاح إلى الرؤوس، ولم تحدث العسكرة إلا بعد أن انشق عدد كبير من الضباط من الجيش وأعلنوا مقاومتهم للنظام.
وثانيا، أن الثورة في سوريا وحتى بعد عسكرتها لم تستطع أن تواجه حلفاء بشار بعد ان أدار العرب لها ظهورهم، فبعد أن كادت تجتاح كل سوريا في عام 2015، تدخلت روسيا بطائراتها وإيران بالمليشيات الشيعية (حزب الله من لبنان، والنجباء من العراق، ومليشيات فاطميون وزينبيون من أفغانستان)، فتراجعت المعارضة إلى الحدود السورية التركية.
ثالثا، أن تكلفة هذه العسكرة كانت قرابة المليون شهيد وتهجير ما يقرب من نصف الشعب السوري (أكثر من 12 مليونا) إلى كل بقاع الدنيا، وهُدمت الحواضر في حلب وحماة وألقيت البراميل المتفجرة على المدنيين، وكعادة روسيا استعملت سياسة الأرض الحروقة.
رابعا، أن الذي حمى فصائل المقاومة بعد أن تراجعت إلى الشمال كان الاتفاقات التي عقدتها تركيا مع إيران وروسيا لخفض التصعيد، وأقامت تركيا قواعد لها في مناطق سيطرة المعارضة، ولولا ذلك لفتكت بها المليشيات مثل ما فعلت مع فصائل المعارضة في جنوب سوريا في درعا والسويداء، حيث جرى حصارها إلى حد التجويع حتى اضطرت إلى عقد اتفاقات مع النظام وتركت الجنوب وذهبت إلى إدلب في الشمال.
وخامسا، أن ما أتاح الفرصة للمعارضة هو طوفان الأقصى وتداعياته من سحب المليشيات الشيعية من سوريا، ثم إضعاف قدرات حزب الله واغتيال أمينه العام والصفوف القيادية الأولى؛ إلى الحد الذي دفعه للخروج من معركة إسناد غزة.
سادسا، انشغال روسيا في حرب أوكرانيا التي تقترب من إكمال عامها الثالث، مما اضطرها إلى بعض قواتها من سوريا.
ينبغي على ثوار سوريا أن يكونوا على المستوى من حيث التماسك وعدم الاختلاف، ومن حيث محاسبة كل المجرمين ورموز النظام، والظن أن تركيا لن تتركهم وتحركاتها كلها تصب في هذا الاتجاه
سابعا، الموقف التركي ليس في الدعم السياسي فقط وإنما في مجالات الدعم اللوجستي الأخرى إلى الدرجة التي جعلت أردوغان يعلن توجه المقاتلين إلى دمشق، في وقت كانت الأنظار موجهة فيه إلى حمص، وما أعلن عنه وزير الخارجية التركي هاكان فيدان من أن تركيا أقنعت روسيا وإيران بعدم التدخل لإنقاذ الأسد.
هذا التدخل التركي جاء نتيجة الشعور بتهديد الأمن القومي التركي، فالكيان الصهيوني لم يعد بينه وبين تركيا إلا بضع ساعات، ومحاولات إقامة كيان كردي على حدودها لم تتنازل عنها أمريكا. ويهم أردوغان أن يرتب الأمور قبل أن يدخل ترامب إلى البيت الأبيض، ثم استعادة حزب العدالة والتنمية لمكانته الشعبية بعد أن فقد كثيرا من حاضنته بسبب اتهامه بالتخلي عن تطلعات الشعوب وتماهيه مع الثورة المضادة في المنطقة العربية، ثم -وهذا هو الأهم- ضغط وجود 3 ملايين مهاجر سوري في تركيا واستثمار المعارضة لهذا الملف وتعليق كل الإخفاق الاقتصادي عليه.
ثامنا، ما زالت الأخطار تحيط بالثورة السورية ويجتمع كل الضباع لإفشالها، وها هو بيدرسون لا يكاد يغادر دمشق بعد أن كان يظل مختفيا لسنوات طالما كان نظام بشار بعيدا عن الخطر، ولهذا ينبغي على ثوار سوريا أن يكونوا على المستوى من حيث التماسك وعدم الاختلاف، ومن حيث محاسبة كل المجرمين ورموز النظام، والظن أن تركيا لن تتركهم وتحركاتها كلها تصب في هذا الاتجاه.
ونحن جميعا نحتاج أن نكون في ظهر الأحرار في سوريا لأن نجاح التحول في بلد محوري من حيث الموقع والسكان، ومن حيث التاريخ والحضارة لا بد سينعكس على كل دول المنطقة.
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات كاريكاتير بورتريه سوريا الثورة السلمية السلاح سوريا سلاح ثورة سلمية مدونات مدونات مدونات مدونات مدونات مقالات مقالات مقالات اقتصاد سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة فی سوریا بین وضع من حیث بعد أن
إقرأ أيضاً:
هل تُخفي الغارات الإسرائيلية المتكررة على سوريا رسالة إلى تركيا؟
نقلت صحيفة "جيروزاليم بوست" العبرية عن مصدر أمني قوله إنه: "إذا تم إنشاء قاعدة جوية تركية في سوريا، فإن ذلك سيؤدي لقويض حرية العمليات الإسرائيلية"، في إشارة إلى أنّ ذلك يعتبر تهديدا محتملا تعارضه دولة الاحتلال الإسرائيلي.
وبحسب المصدر فإن قلق دولة الاحتلال الإسرائيلي من أن تسمح الحكومة السورية لتركيا بإقامة قواعد عسكرية، يأتي في ظل التعاون المتزايد بين دمشق وأنقرة، مردفا أن القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية، قد ناقشت الأمر خلال الأسابيع القليلة الماضية.
"استهدفت إسرائيلي أواخر آذار/ مارس الماضي القاعدة العسكرية "تي فور" المتواجدة بريف حمص في وسط سوريا، من أجل إيصال رسالة مفادها أنها لن تسمح بالمساس بحريتها في العمليات الجوية" وفقا للمصدر نفسه.
أيضا، قال عضو لجنة العلاقات الخارجية والدفاع في الكنيست الإسرائيلي عن حزب الصهيونية الدينية، أوهاد طال، إنّ: "على إسرائيل أن تمنع تركيا من التمركز في سوريا، وتعزّز تحالفها مع اليونان وقبرص، وتحصل على دعم أميركي ضد أنقرة".
ووصف طال، عبر تغريدة على موقع التواصل الاجتماعي "إكس" تركيا، بأنها "دولة عدو، ودعا إلى إغلاق السفارة التركية في إسرائيل فورا".
وكان موقع "بلومبيرغ" الأميركي، قد أفاد في شباط/ فبراير الماضي، بأنّ: "تركيا تدرس إقامة قواعد في سوريا وتدريب الجيش الجديد الذي يجري تشكيله من قبل الإدارة الانتقالية في دمشق".
وفي السياق ذاته، حذّر "المجلس الأطلسي" من أنّ: "دولة الاحتلال الإسرائيلي تخطئ في حساباتها السياسية والأمنية جنوبي سوريا، عبر سعيها لتفكيك البلاد ودفع المكون الدرزي نحو الانفصال"، محذرا من أنّ: "هذا النهج قد يؤدي إلى فوضى طويلة الأمد، ويعزز نفوذ إيران وعدد من الجماعات".
وتابع تقرير نشره "المجلس الأطلسي"، الأربعاء، أنّ: "إسرائيل تبنّت خطابا عدائيا تجاه الحكومة السورية الجديدة، حيث وصف رئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو، الحكومة السورية بأنها: حكومة إسلاميين مدعومين من تركيا، وطالب بنزع السلاح في جنوبي سوريا، ومنع قوات الحكومة من التمركز جنوبي دمشق، بزعم حماية الطائفة الدرزية".
وفي وقت سابق أمس الأربعاء، أعلنت الخارجية السورية أن دولة الاحتلال الإسرائيلي قد شنّت عدّة غارات على مطار حماة العسكري، مات أسفر عن تدمير المطار وإصابة مدنيين وعسكريين.
أيضا، كشفت عدد من المصادر عن أنّ مقاتلات جيش الاحتلال الإسرائيلي قصفت مبنى البحوث العلمية في حي مساكن برزة في دمشق؛ فيما استهدفت طائرات إسرائيلية أخرى، مطار تي فور العسكري في بادية حمص وسط سوريا، نتج عنه سقوط مصابين بعد أكثر من 10 غارات.
إلى ذلك، قالت الخارجية السورية إنّ: "الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة محاولة واضحة لتطبيع العنف مجددا داخل البلاد، وإن التصعيد الإسرائيلي غير مبرر وهو محاولة متعمدة لزعزعة استقرار سوريا وإطالة معاناة شعبها".
جرّاء ذلك، دانت الوزارة: "هذا العدوان والانتهاك السافر للقانون الدولي"، ودعت "المجتمع الدولي للضغط على إسرائيل لوقف عدوانها والالتزام بالقانون الدولي".