يمن مونيتور:
2025-04-06@05:16:42 GMT

رحلة البحث عن 150 ألف سوري في “أرخبيل التعذيب”

تاريخ النشر: 18th, December 2024 GMT

رحلة البحث عن 150 ألف سوري في “أرخبيل التعذيب”

يمن مونيتور/ بلومبيرغ

جلست فاتن رمضان على سرير في شقتها تشاهد فيديوهات على هاتفها المحمول واحدًا تلو الآخر لرجال منهكين ومُبللين بالدموع يتم تحريرهم من السجون في حماة بعد سيطرة الثوار على المدينة السورية.

اظهر أحد المقاطع لفترة وجيزة رجلًا يرتدي نظارة، بثوب بني تقليدي وسترة رمادية ثم أعادت تشغيله مرات عدة للتأكد قبل ان تصيح “أبي، أبي، أبي ما زال حيًا!”.

بينما يحاول السوريون استيعاب نهاية نظام استمر لأكثر من 50 عامًا، يسعون لفهم كل شيء، بدءًا من من سيحكم البلاد وصولًا إلى مكان ثروة عائلة الأسد، لكن لا قضية أكثر حساسية من مصير عشرات الآلاف من الأشخاص الذين اختفوا على يد أجهزة الأمن التابعة لبشار الأسد وأبيه حافظ من قبله.

بالنسبة لرمضان، البالغة من العمر 39 عامًا والتي تم اعتقالها وتعذيبها في عام 2013، فإن هدفها هو معرفة ما حدث لوالدها، محمد، فقد تم اعتقاله قبل عقد من الزمن وأُعلن لاحقًا وفاته، رغم أن جثمانه لم يُسلَّم أبدًا.

تحطمت فرحة ابنة محمد رمضان عندما اتصل بها الرجل الذي ظهر في الفيديو من سوريا ليخبرها أنه ليس الشخص الذي ظنت هي ووالدتها وشقيقاتها أنه قد يكون، ومع ذلك، عاد بصيص الأمل مرة أخرى بعد أن سيطر الثوار على دمشق، واندفع الناس نحو سجن صيدنايا سيئ السمعة شمال العاصمة للبحث عن أحبائهم.

اظهر أحد مئات الفيديوهات التي وثّقت اقتحام صيدنايا أسماء مدينتها ووالدها وشقيقها أنور — الذي اعتقل أيضًا وأُعلن وفاته على الورق فقط من قبل النظام — محفورة على جدران زنزانة في السجن.

قالت رمضان، وهي طبيبة حصلت على حق اللجوء في فرنسا عام 2020، عبر الهاتف من مدينة روان: “سأواصل البحث عن أبي وكل مفقود”، وأضافت وهي التي فقدت زوجها وابنتها في الحرب الأهلية السورية : “أريد أن أجمع كل الأدلة لمحاسبة المجرم بشار وضباطه وشبيحته”.

وصفت منظمة هيومن رايتس ووتش الشبكة المعقدة لأجهزة الأمن التابعة لعائلة الأسد بأنها “أرخبيل التعذيب”، حيث كانت هذه الأجهزة تدير أو تسيطر على أكثر من 100 مركز اعتقال في جميع أنحاء سوريا، تعتقل وتعذب بشكل تعسفي معارضي النظام ومنتقديه.

كما تورطت تلك الأجهزة في نظام حكومي “لمعالجة وإخفاء الأعداد المتزايدة من المحتجزين الذين قتلوا أثناء الاعتقال”، وفقًا لتقرير صدر في 6 ديسمبر عن الآلية الدولية المحايدة والمستقلة، وهي جهة أنشأتها الأمم المتحدة لجمع الأدلة على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في سوريا.

ستحدد مسالة محاسبة النظام ما إذا كانت الفصائل المتحاربة والطوائف والعرقيات المختلفة في سوريا ستتصالح مع الماضي أو تغرق في دورة جديدة من الانتقام.

وتمتلك الدول الأوروبية ودول الشرق الأوسط، التي واجهت موجات من اللاجئين وهجمات إرهابية سابقة مرتبطة بسوريا، مصلحة مباشرة في استقرار هذه الدولة ذات الموقع الاستراتيجي في شرق البحر الأبيض المتوسط.

يقول فضل عبد الغني، مؤسس ورئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان، التي حققت في الفظائع وجمعت بيانات تتعلق بالحرب الأهلية السورية المستمرة منذ 13 عامًا ونصف: “ملف المفقودين هو قضية هائلة معقدة تضم العديد من العوامل والمتغيرات”.

من الصعب معرفة عدد الأشخاص الذين اختفوا، لكن تقديرًا حديثًا للجنة الدولية للمفقودين وضع العدد عند حوالي 150,000 شخص.

قدرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن هناك ما لا يقل عن 160,000 شخص تعرضوا للاعتقال التعسفي والاختفاء القسري منذ مارس 2011، عندما قمع الأسد الاحتجاجات السلمية ضده، مما أشعل حربًا متعددة الطبقات شارك فيها أطراف داخلية وخارجية، وحتى أغسطس الماضي.

لكن ليس جميعهم عانوا على يد نظام الأسد، فمن بين هؤلاء، حوالي 87% اعتقلهم النظام، بينما البقية احتجزتهم أطراف أخرى منخرطة في النزاع، بما في ذلك هيئة تحرير الشام، الفرع السابق لتنظيم القاعدة، التي قادت الإطاحة بالأسد وسيطرت على دمشق.

ويقدّر فضل عبد الغني أن حوالي 31,000 شخص أُطلق سراحهم منذ أن بدأ الثوار هجومهم الخاطف الشهر الماضي.

ومع اكتشاف المزيد من السجون المؤقتة والمقابر الجماعية، سيكون العدد الإجمالي للمعتقلين والمفقودين أعلى في النهاية.

في بداية الصراع، كان يُعتقد أن النظام يتبع منهجية لدفن جثث من أُعدموا شنقًا في السجون، أو عُذبوا حتى الموت، أو أُعدموا خلال مداهمات مناطق المعارضة، إضافة إلى الجنود الذين عصوا الأوامر، في مقبرة واقعة على طريق مطار دمشق الدولي.

لكن رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا وغيرها من الجهات استخدمت صور الأقمار الصناعية لتوثيق التوسع السريع في موقعين آخرين شمال العاصمة.

يقول دياب سريّة، المؤسس المشارك للرابطة وسجين سابق في صيدنايا: “ريف دمشق عمليًا أصبح مقبرة جماعية كبيرة”.

ويخشى سريّة، المقيم في تركيا ولديه فريق يعمل على الأرض في سوريا، أن تضيع بعض الأدلة وسط الفوضى أثناء بحث الناس عن أقاربهم وأصدقائهم.

في شقتها في برلين، شاهدت فدوى محمود المشاهد من صيدنايا بصدمة، فهي تبحث عن ابنها ماهر وزوجها عبد العزيز الخير.

كان الخير معارضًا قديمًا لعائلة الأسد، وقد سُجن على يد حافظ الأسد في التسعينيات، ثم أُطلق سراحه من قبل بشار في عام 2005، ليعاد اعتقاله مرة أخرى في عام 2012.

اعتُقل الخير مع شخصين آخرين فور وصولهم إلى مطار دمشق بعد زيارة إلى بكين، ولم يُسمع عنهم شيء منذ ذلك الحين.

تقول فدوى “هذه القضية تهم كل سوري”، ثم اضافت “إنها في صميم الحقيقة والعدالة التي نتوق جميعًا إليها”.

بعد اقتحام سجن صيدنايا، توجهت أُمية خنشو، الناشطة المعارضة ومنظمة الاحتجاجات من مدينة دوما قرب دمشق، إلى المساجد التي نُقل إليها المعتقلون المحررون وإلى مشارح المستشفيات التي أودعت فيها جثث الموتى، بحثًا عن “أصدقاء الثورة”.

تم اعتقالهم جميعًا في السنوات الأولى للانتفاضة وأُفرج عنها لاحقًا، لكنهم اختفوا.

وقالت خنشو، البالغة من العمر 51 عامًا: “هم بالتأكيد ماتوا لأن النظام كان انتقاميًا بشكل خاص تجاه دوما، لكن الناس ما زالوا يريدون إغلاق هذا الملف”.

يقول مالك سليم، الموظف المدني، إنه يشعر بنشوة لرؤية النظام يسقط بعد معارضته سرًا لعقود.

ولكنه يخشى كسوري علوي مثل عائلة الأسد، من العقاب لأن أجهزة الأمن كانت تتألف إلى حد كبير من أفراد من الطائفة ذاتها.

فقد سليم شقيقه وابن أخيه عندما شن مسلحون إسلاميون، بما في ذلك جبهة النصرة، السلف لهيئة تحرير الشام، هجوما عنيفا على قريته وبلدات أخرى قريبة في أغسطس/آب 2013، ولا يزال العديد من القتلى الذين بلغ عددهم نحو 200 شخص والمختطفين الذين تجاوز عددهم 100 شخص في عداد المفقودين حتى يومنا هذا.

وقال سليم: “نحن أيضا نتألم”.

المصدر: يمن مونيتور

كلمات دلالية: المعتقلين سوريا

إقرأ أيضاً:

كيف نقرأ سوريا الأسد عبر الدراما؟

كان المسلسل التلفزيوني السوري، خلال عقد الثمانينيات، قد بدأ بالتحول التدريجي الواضح من محلية تداوله ليصبح حالة عربية عامة، دون أن يجازف بسورية الموضوع وهمومه، أو حتى بخصوصية الشكل التي عهدناها، بل نجح إلى حد بعيد في «سورنة» ذائقة المشاهد العربي البسيط.

كان لافتًا أن تشهد تلك الحقبة القلقة، وصولًا إلى عام 2011، اهتمامًا ملحوظًا ومتناميًا بهذا القطاع من قبل الدولة السورية، وهي التي سعت بدورها إلى إدراج صناعة الدراما ضمن جدول أعمالها وأجندتها السياسية والاقتصادية، ليصبح المسلسل التلفزيوني السلعة السورية الأغلى والأشهر بين صادرات تلك البلاد إلى محيطها العربي، إلى درجة أن عابد فهد يحكي ساخرًا بأن بشَّار الأسد عندما يذهب إلى اجتماع القمة العربية يُسأل عن «باب الحارة».

ثورة فنية استثنائية صنعتها كوكبة من المواهب الفذة التي صُقلت على خشبات المسرح السوري العريق، ونجاح باهر غالبَ بشراسة التفوقَ التقليديَّ للسينما المصرية، حتى بدا وكأن المصريين والسوريين قد تقاسموا في ما بينهم حصة الإنتاج الفني العربي؛ إذ أصبحت صناعة المسلسلات مهنة من تخصص الفنانين السوريين، بينما يحتفظ نُظراؤهم المصريون بحق احتكار صناعة السينما. غير أن نجاح صناعة الدراما في سوريا لم يكن محصلة فورة إبداعية عفوية؛ بل كان ثمرةً لشراكة خلف الكواليس بدت أقرب لتحالف شديد التعقيد والحذر بين الوسط الفني وكتَّاب النصوص وشركات الإنتاج من جهة، والدولة الأمنية في سوريا من جهة أخرى.

سقوط النظام في سوريا وما تكشف عنه من أقبية تعذيب ومقابر جماعية أعاد لكثير من العرب ذكرياتهم عن سوريا التي عرفوها عن طريق المسلسلات، في محاولة منهم للمطابقة بين الصورة والواقع. أمامنا إذن وقت طويل لنحاول قراءة سوريا الأمس عبر الدراما، عبر أعمال مثل «مرايا» و«بقعة ضوء» و«قلم حمرة» و«ضيعة ضايعة» و«الولادة من الخاصرة»... إلخ. حتى المسلسلات التاريخية، لا بدَّ أنها تقول شيئًا عن سوريا الحديثة. ولنا أن نتساءل في المقابل: كيف صنعت الدراما السورية، في ظل نظام مستبد، حالتها الفريدة في التحرش بالخطوط الحمر؟ كيف عبَّرت عبر النقد الساخر حينًا والجاد حينًا عن المسكوت عنه في بلدان عربية أخرى لطالما نُظر إليها على أنها أكثر حرية من بلاد البعث؟ بل كيف ساهمت جرأة الفنان السوري، رغم تلك الظروف، في تشجيع الدراما العربية في أماكن أخرى وتحريرها من كثير من القيود؟ كيف يمكن تفسير هذه المفارقة التي تشي بتناقض في مكان ما؟

المدخل الأول الذي يلوح لتفسير هذا التناقض هو علاقة النظام البراجماتية مع الفن، بما في ذلك الفن المعارض بالتحديد، أو علاقة الفنانين البراجماتية مع النظام. يمكننا أن نفهم ذلك «التحالف» بين مختلف أطراف الصنعة كحالة صحية تنشأ من تلاقي «المصالح» بين السلطة والفنان ورأسمال، بالطريقة التي شرحها جمال سليمان في حواره المثري مع جاد غصن قبل نحو ثلاثة أشهر فقط على سقوط النظام، السقوط المفاجئ شكلًا وتوقيتًا مهما بدا متوقعًا منذ مدة.

غير أن الحديث عن «مصالح» متبادلة بين الفنان وسلطة الأمر الواقع ليس بقصد تعكير براءة تلك الحقبة الفنية أو لمصادرة مصداقيتها. والأهم من ذلك أنه لا يطعن في سمعة المواهب التي صنعت من تناقضات تلك المرحلة عصرًا ذهبيًّا للدراما السورية، والدفع بالتالي لاتهام الوسط الفني دون تمييز بالتواطؤ وخيانة الفن والناس معًا، كما يحدث الآن. قطعًا كلا... بل على العكس! فتلاقي المصالح ليس أكثر من توصيف واقعي وعقلاني، بل وذكي إلى حد بعيد في وصف العلاقة الجدلية والتبادلية التي جرت عليها الأمور دائمًا وأبدًا بين الرقيب والثقافة بصفة عامة، كما يحدث في أي مكان وزمان.

ما يحسب لأجيال من الفنانين السوريين، وما يجعل من تجربتهم مع السلطة حالةً عربية مميزة، هو نجاحهم بنسبة تثير الإعجاب في كسب رهان التعبير عبر تلك العلاقة المصلحية المزدوجة، الرهان الذي يحدده سؤال: من يوظف الآخر في النهاية للتعبير عن نفسه؟ هل تعبر السلطة عن نفسها عن طريق الفن أم يعبر الفن عن نفسه تحت أعين السلطة وبموافقتها وفي عقر دارها؟ فقد يصبح المشهد ذاته الذي يريده الفنان تعبيرًا عن قضية اجتماعية أو سياسية حرجة هو ذاته الذي يريده النظام خدمةً لغرض آخر؛ كالتنفيس عن احتقان الشارع أو تصدير صورة مضادة مغايرة للسمعة الشائعة عن نظام يحارب حرية التعبير ويقمع الفن والثقافة.

هذه القراءة المزدوجة ذات الوجهين، للمشهد التمثيلي الواحد، هي ما تجعل من محاولة تحليل أسلوب صناعة الفن المعارض، في دولة كسوريا أيام البعث، مسألة أكثر تعقيدًا والتباسًا مما يبدو وفقًا للتبسيط الشائع.

وبطبيعة الحال، لم يكن هذا الرهان مضمونًا دائمًا لصالح الفن على حساب السلطة، ولطالما كان مغامرة خطيرة استدعت تطوير الموهبة الفنية، نصًّا وأداءً، بما يؤهلها للتعامل مع الفن بوصفه إيماءً، واحتجاجًا مبطنًا، ومقاومة عبر الحيلة. ومع أنني لستُ من أنصار النظرية التي تقول إن «الإبداع يولد من رحم المعاناة» دائمًا، لكن الحرمان والمنع قد يكون في كثير من الأحيان محرضًا على اكتشاف طرائق تعبيرية جديدة لإنقاذ الفن من التحول للخطابية المباشرة.

سالم الرحبي شاعر وكاتب عُماني

مقالات مشابهة

  • ما هي خطة “الأصابع الخمسة” التي تسعى دولة الاحتلال لتطبيقها في غزة؟
  • كيف نقرأ سوريا الأسد عبر الدراما؟
  • شاهد بالفيديو.. في مشهد مؤثر.. نبات “الريحان” الشهير بعطره الفواح ينبت ويغطي مقابر شهداء “السريحة” بولاية الجزيرة الذين تم قتلهم على يد مليشيا الدعم السريع
  • ويليام وكيت في “شهر عسل ثانٍ” بعيدًا عن الأضواء
  • وزير الخارجية التركي: العلاقات بين دمشق وتل أبيب شأن داخلي سوري
  • فضيحة “الدرونز” التي كشفت مشاركة فرنسا في إبادة غزة
  • جامعة أبوظبي توثق أكثر من 4 آلاف ورقة بحثية في مؤشر “سكوبس” العالمي
  • في رحلة مع إنجازات المسؤول والشاعر والإنسان.. يطلق موسم جدة “ليالي في محبة خالد الفيصل”
  • فرنسا: فتح تحقيق بشأن “تهديدات” صدرت ضد القضاة الذين حاكموا مارين لوبان
  • دينا تكشف علاقتها بـ باسل الأسد.. وتشكك بفيديوهات سجن صيدنايا