اليمن يتحدى التهديدات والتحَرّكات الصهيونية والأمريكية بتصعيد عمليات الإسناد لغزة
تاريخ النشر: 17th, December 2024 GMT
يمانيون../
مع تزايد تهديدات العدوّ الصهيوني بشن هجمات عدوانية واسعة على اليمن، تزامُنًا مع تحَرّكات أمريكية مكثّـفة للتصعيد ضد الشعب اليمني اقتصاديًّا وأمنيًّا وعسكريًّا.
يأتي تكثيف العمليات العسكرية المساندة لغزة باتّجاه عمق الأراضي الفلسطينية المحتلّة كَــــرَدٍّ صارم على كُـلّ هذه المساعي الترهيبية الرامية لإجبار صنعاء على وقف عملياتها والتخلي عن موقفها، وهو ما يمثل مأزِقا حقيقيًّا لِكُلٍّ من “إسرائيل” والولايات المتحدة وشركائهما؛ لأَنَّ العمليات اليمنية لا تشكل فقط تحديًا معنويًّا، بل تعكس جهوزية عسكرية لمواجهة أي تصعيد قادم، وهو ما يعني -وَفْــقًا للتجارب السابقة- المزيد من تطور القدرات والتكتيكات اليمنية؛ إذ بات من الواضح أن كُـلّ تحَرّك عدواني يشكل فرصة لرفع أداء القوات المسلحة والتغلب على المزيد من التحديات فيما يتعلق بإمْكَانات العدوّ.
الهجوم الصاروخي النوعي الذي نفَّذته القواتُ المسلحة، الاثنين، على هدفٍ عسكريٍّ في منطقة يافا المحتلّة (تل أبيب) وأدى إلى دخول ملايين المستوطنين الملاجئ وتوقف حركة مطار “بن غوريون” كان بمثابة صفعة تلقاها العدوّ الصهيوني الذي كان قد حرص خلال الأيّام الماضية على بث أخبار وتصريحات بشأن التحضير لشن هجمات واسعة على اليمن للانتقام من تصاعد العمليات اليمنية المساندة لغزة خلال الفترة الأخيرة.
وقد أجبر الهجوم وسائل الإعلام العبرية على تسليط الضوء على الخطر المتزايد من جبهة الإسناد اليمنية بشكل أكبر، وهو ما حاول العدوّ أن يحتويه من خلال إصدار تهديدات جديدة بأن العدوان القادم على اليمن سيكون “بلا ضبط للنفس”، لكن ذلك لم يفلح في إخفاء حقيقة المعضلة المتعاظمة التي بات يشكلها اليمن بالنسبة للعدو الذي ظن أن اتّفاق وقف إطلاق النار في لبنان والمتغيرات في سوريا ستسهم في خفض وتيرة العمليات اليمنية ليتفاجأ بالعكس.
يديعوت أحرنوت: “إسرائيل” في مأزِقٍ حقيقي بشأن التعامل مع الهجمات اليمنية
وفي هذا السياق قالت صحيفة “يديعوت أحرنوت” إنه “بينما تستمر التهديدات، فَــإنَّ “إسرائيل” في هذه الأثناء حذرة من اتِّخاذ إجراءات مرة أُخرى في اليمن، وهي في مأزق حقيقي حول كيفية الرد”.
ونقلت الصحيفة عن مصادر وصفتها بالمطلعة قولها إن: “مهاجمة الحوثيين أكثر صعوبة”.
ويشير ذلك بوضوح إلى أن تهديدات العدوّ الصهيوني لا تتضمن أي حَـلّ حقيقي للمشكلة التي تمثلها جبهة الإسناد اليمنية، فبرغم أنه يستطيع شن هجمات جوية عدوانية على اليمن، لكن تلك الهجمات لا تضمن تحقيق أي تأثير فيما يتعلق بمستوى عمليات الإسناد اليمنية، وقد ثبت هذا مرتين خلال الأشهر الماضية، ولم تخجل وسائل الإعلام الإسرائيلية من ترديد ذلك في العديد من التقارير، منها تقرير نشرته صحيفة “جيروزاليم بوست” مؤخّرًا وأكّـدت فيه أن “الضربات الإسرائيلية لم تنجح في ردع الحوثيين؛ إذ واصلوا مهاجمة “إسرائيل” بالطائرات بدون طيار والصواريخ”.
وبالتالي فَــإنَّ حقيقة استمرار العمليات اليمنية وتصاعدها لا يعود إلى أن العدوّ الصهيوني مارس “ضبط النفس” إزاء اليمن كما يدعي في تهديداته الأخيرة، بل يعود إلى عدم امتلاكه أية خيارات مضمونة وفعالة للتأثير على نشاط جبهة الإسناد اليمنية وقرار قيادتها، وهو الأمر الذي دفعه في المقام الأول إلى الاستعانة بالولايات المتحدة وبريطانيا والدول الأُورُوبية في مهمة “ردع” اليمن، التي ثبت لاحقًا أنها مستحيلة حتى بالنسبة لهذه الأطراف أَيْـضًا
“ليندركينغ” يكشف عن مساعي تشديد الحصار على موانئ الحديدة و “فاجن” يكثّـف لقاءاته بالمرتزِقة
وفي هذا السياق أَيْـضًا فَــإنَّ الضربة الصاروخية النوعية التي نفذتها القوات المسلحة اليمنية على يافا المحتلّة يوم الاثنين، مثلت صفعة أَيْـضًا للولايات المتحدة التي أعلنت قبل ساعات من الضربة عن وصول حاملة الطائرات الجديدة (يو إس إس هاري ترومان) إلى منطقة عمليات القيادة المركزية، عبر شمال البحر الأحمر، لتحل محل حاملة الطائرات (أبراهام لينكولن) التي فرت من البحر العربي بعد تعرضها لهجوم يمني واسع، فالضربة الصاروخية برهنت أن تواجد حاملة الطائرات الأمريكية في المنطقة لا يغيّر شيئًا سوى على مستوى قرار مواصلة تصعيد العمليات اليمنية المساندة لغزة، أَو حتى على مستوى جهود التصدي لهذه العمليات ورصدها واعتراضها.
وهكذا فَــإنَّ الضربة ثبتت أَيْـضًا المأزق الذي تواجهه الولايات المتحدة فيما يتعلق بمهمة وقف جبهة الإسناد اليمنية أَو الحد من عملياتها، خُصُوصًا في هذا التوقيت الذي تكثّـف فيه واشنطن أَيْـضًا من تحَرّكاتها للتصعيد ضد اليمن، وبشكل معلَن، وعلى عدة مستويات منها المستوى الاقتصادي، حَيثُ زار المبعوث الأمريكي الخاص لليمن تيم ليندركينغ قبل أَيَّـام جيبوتي والتقى بمسؤولي آلية التفتيش والتحقّق التابعة للأمم المتحدة (يونفيم)؛ مِن أجلِ “منحها صلاحيات أوضح لاعتراض السفن المتجهة إلى موانئ الحديدة” بحسب ما نقلت صحيفة “الغارديان” البريطانية عن المبعوث؛ وهو ما يعني التوجّـه نحو إعادة تشديد القيود على وصول البضائع والسلع إلى الشعب اليمني، واستخدام سلاح التجويع مجدّدًا كورقة ابتزاز؛ مِن أجلِ وقف عمليات الإسناد اليمنية لغزة.
وبالتوازي مع تحَرّكات “ليندركينغ” يعقد السفير الأمريكي في اليمن ستيفن فاجن لقاءات مكثّـفة هذه الأيّام مع مسؤولي حكومة المرتزِقة وما يسمى “المجلس الرئاسي” الذي شكله النظام السعوديّ، بحضور رئيس مكتب مكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط بوزارة الخارجية الأمريكية، جيسي ليفنسون، لمناقشة مواجهة العمليات اليمنية المساندة لغزة، في مؤشر على مساع واضحة لتحريك المرتزِقة داخليًّا؛ مِن أجلِ إشغال القوات المسلحة وتشتيت جهودها.
وأمام هذه التحَرّكات العدوانية التصعيدية، فَــإنَّ تكثيف العمليات المساندة لغزة باتّجاه عمق الأراضي الفلسطينية المحتلّة، بما في ذلك الضربة الصاروخية الأخيرة، يعكس انسدادًا مبكِّرًا لكل آفاق التصعيد ضد اليمن، ويضع واشنطن مجدّدًا أمام الحقيقة التي تحاول أن تتهرب منها وهي أنه لا يوجد أي خيار مضمون لوقف عمليات الإسناد اليمنية سوى وقف الإبادة الجماعية الصهيونية في غزة، بل إن تصاعد العمليات اليمنية بالتزامن مع التحَرّكات التصعيدية والتهديدات الأمريكية والإسرائيلية يرسل رسالة استعداد، يعرف الأمريكيون والصهاينة أنها تنطوي على خطر أكبر، وهو أن القوات المسلحة ستحول أي تصعيد جديد لفرصة إضافية؛ مِن أجلِ تطوير القدرات والتكتيكات والأساليب لرفع فاعلية نشاط الإسناد والتغلب على الإمْكَانات والتقنيات المعادية، كما حدث في كُـلّ المراحل الماضية.
المسيرة
المصدر: يمانيون
كلمات دلالية: جبهة الإسناد الیمنیة العملیات الیمنیة القوات المسلحة عملیات الإسناد المساندة لغزة على الیمن المحتل ة م ن أجل ف ــإن وهو ما
إقرأ أيضاً:
الحركة الصهيونية نشأتها، ودور بريطانيا في اقامة دولتها (1)
بسم الله الرحمن الرحيم
أ.د. احمد محمد احمد الجلي
(أ) الصهيونية المسيحية ،وتأثيرها في نشأة الحركة الصهيونية:
الحركة الصهيونية حركة استيطانية عنصرية استعمارية ،تتحذ من الدين وسيلة لترويج اهدافها ،ومن القومية اليهودية سبيلا لا قناع اليهود بها.
بدأت الحركة على يد الصهيونية المسيحية في أوروبا خلال القرن السابع عشر، وازدادت قوة وتأثيراً في القرن التاسع عشر. وذلك بدعم من المجتمعات الغربية الاستعمارية العنصرية.
بدأت الفكرة تتبلور في أوساط الجماعات البروتستانتية المتأثرة بنظريات نهاية الزمان، حيث اعتقدت هذه الجماعات بضرورة عودة اليهود إلى "أرض الميعاد" (فلسطين) كجزء من تحقيق النبوءات الدينية المذكورة في الكتاب المقدس.( التوراة)
بدأت قوة ونشاط الحركة الصهيونية تزداد في أوروبا أواخر القرن التاسع عشر كرد فعل على تزايد معاداة اليهود والفشل في تحقيق اندماجهم في المجتمعات الأوروبية. ومن ثم يمكن القول بان الغرب او أوروبا، قد أسهمت بشكل كبير في نشاة ونمو الحركة الصهيونية من خلال عوامل اجتماعية وسياسية واقتصادية أثرت في اليهود، وأدّت إلى نشوء فكرة القومية اليهودية، ومن أبرز تلك العوامل:
1-معاداة السامية والتمييز: ففي أوروبا، واجه اليهود موجات من المعاداة والتمييز على مدى قرون. ففي روسيا، كانت هناك مذابح واضطهادات ضد اليهود عُرفت بـ"البوغرومات" في أواخر القرن التاسع عشر. كما ظهر في فرنسا، قضية ألفريد دريفوس ( 1859 ـ-1935 )، وهو ضابط مدفعية فرنسي، يهودي الأصل، حوكم وأدين سنة 1894 بتهمة الخيانة و التجسس لصالح ألمانيا، وبيعه أسراراً عسكرية فرنسية إلى الألمان ، وبعد وضعه في السجن واتخاذه مثالاً لليهود المعادين للغرب، خرج من السجن لتفتح قضيته مجدداً وينال العفو بعد جدل استمر 12 عاماً. و أظهرت القضية مدى انتشار معاداة اليهود مما جعلهم يشعرون بضعف اندماجهم في المجتمعات الأوروبية.
2-القومية الأوروبية: في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، شهدت أوروبا صعودًا للحركات القومية التي دفعت الأقليات للبحث عن هويات قومية خاصة بها. وهذه الأجواء شجّعت العديد من المثقفين اليهود على البحث عن حل لمشكلة اليهود في أوروبا.
3-الهجرة اليهودية: مع زيادة الاضطهاد في أوروبا الشرقية، هاجر الكثير من اليهود إلى دول أوروبا الغربية. لكنهم لم يجدوا فيها الحلول الكافية، بل واجهوا تحديات جديدة مثل العزلة وعدم الاندماج في المجتمعات الاوربية، مما ساعد على انتشار الأفكار الصهيونية التي روجت لإنشاء وطن قومي لليهود.
4-دور المثقفين اليهود الأوروبيين: كان للمثقفين اليهود الأوروبيين دور كبير في نشر الأفكار الصهيونية مثل اليهودي النمساوي ثيودور هرتزل، الذي تأثر بقضية دريفوس وكتب كتابه "الدولة اليهودية" (Der Judenstaat) في عام 1896، كرد فعل على تصاعد معاداة اليهود في أوروبا،ودعا فيه إلى إقامة دولة لليهود، و يعتبر الكتاب النص المؤسس للحركة الصهيونية. قد أكَّد في هذا الكتاب على أن الحل الوحيد للمسألة اليهوديّة في أوروبا، بما فيها تنامي معاداة الساميّة هو تأسيس دولة لليهود.
هذه العوامل ساعدت في دفع اليهود إلى تبنّي فكرة القومية اليهودية والبحث عن وطن قومي، مما أدى إلى نشوء الحركة الصهيونية كحركة سياسية تهدف إلى تأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين.
وفي عام 1897م، عُقد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل بسويسرا، وتم فيه إعلان الهدف الرئيسي للحركة الصهيونية، وهو إقامة "وطن قومي لليهود في فلسطين"، تحت الحماية الدولية. وقد كان لهيرتزل موقف شهير مع السلطان العثماني عبد الحميد حيث طلب من السلطان بيع فلسطين (وكانت جزءً من سوريا)،وقدم للسلطان العديد من المغريات المادية نظير ذلك ،فما كان من السلطان الا أن قال قولته الشهيرة :" لا أقدر أن أبيع ولو قدما واحدة من البلاد لأنها ليست لي، بل لشعبي، ولقد حصل شعبي على هذه الإمبراطورية بإراقة دمائهم، وسوف ندافع عنها بدمائنا قبل أن نسمح لأحد باغتصابها منا"
. لكن السلطان عبد الحميد دفع ثمن موقفه المعارض للصهيونية بخلعه من منصبه، يقول السلطان عبد الحميد في رسالته إلى محمود أبو الشامات، شيخه الشاذلي قبل وفاته بفترة "إن هؤلاء الاتحاديين أصروا علي أن أصادق على تأسيس وطن قومي لليهود في الأرض المقدسة فلسطين، ورغم إصرارهم فلم أقبل بصورة قطعية هذا التكليف، وقد وعدوا بتقديم 150 مليون ليرة إنجليزية ذهبا، فرفضت بصورة قطعية أيضا، وأجبتهم بهذا الجواب القطعي الآتي: إنكم لو دفعتم ملء الدنيا ذهبا، فضلا عن 150 مليون ليرة إنجليزية ذهبا فلن أقبل بتكليفكم هذا بوجه قطعي".
وأضاف في رسالته "لقد خدمت الملة الإسلامية والأمة المحمدية ما يزيد على 30 سنة، فلم أسوّد صحائف المسلمين آبائي وأجدادي من السلاطين والخلفاء العثمانيين، لهذا لن أقبل بتكليفكم بوجه قطعي أيضا. وبعد جوابي القطعي اتفقوا على خلعي، وأبلغوني أنهم سيبعدونني إلى سالونيك فقبلت بهذا التكليف الأخير".
بل أن العرب بقيادة الشريف حسين:( 18531931 )،الذين لم يكونوا على علم بمؤامرة وعد بلفور، ومعاهدة سايكس -بيكو التي بموجبها ستقسم تركة الرجل المريض، وتقديم فلسطين لقمة سائغة لليهود ،حاربوا السلطنة العثمانية بدعمهم للحلفاء (فرنسا وبريطانيا) ،مقابل الوعد الكاذب بإنشاء مملكة عربية مستقلة عن السلطنة، فلا كانت المملكة، ولا كان السلطان، وسقطت الإمبراطورية العثمانية، ومعها العرب الذين باتوا تحت سلطة الانتداب الفرنسي – البريطاني، بتفويض من عصبة الأمم في مؤتمر سان ريمو. الذي عقده المجلس الأعلى للحلفاء فيما بعد الحرب العالمية الأولى، في مدينة سان ريمو، إيطاليا، في الفترة من 18 إلى 26 أبريل/نيسان 1920.
وهكذا يمكن القول بان الصهيونية المسيحية، كان لها دور كبير في دعم نشأة الصهيونية اليهودية، خاصة من خلال تحفيز الحكومات الأوروبية، ولا سيما البريطانية، على تأييد مشروع الهجرة اليهودية إلى فلسطين. ويظهر هذا الدور بشكل واضح في "إعلان بلفور" عام 1917، الذي أبدى دعم الحكومة البريطانية لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. والذي جاء نتيجة لتأثير الصهيونية المسيحية على السياسة البريطانية، والتعاون الوثيق بين القادة المسيحيين الصهاينة واليهود الصهاينة.
(ب) دور بريطانيا في اقامة الدولة الصهيونية : قد لعبت بريطانيا دورًا محوريًا في نشأة الصهيونية وإقامة الدولة الإسرائيلية، وذلك من خلال المحطات التاريخية التالية:
• ففي 2 نوفمبر 1917، أصدرت بريطانيا وعد بلفور الذي كان بمثابة تصريح رسمي تعهدت فيه بدعم إقامة "وطن قومي للشعب اليهودي" في فلسطين. « ونص التعهد على ما يلي: "تنظر حكومة صاحب الجلالة بعين العطف إلى إقامة وطن قوميّ للشعب اليهوديّ في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جلياً أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر. » وجاءهذا الوعد ضمن رسالة بتاريخ 2 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1917 مُوَجَّهَةٌ من وزير خارجيّة المملكة المتحدة آرثر بلفور إلى اللورد ليونيل دي روتشيلد أحد أبرز أوجه المجتمع اليهودي البريطاني، وذلك لنقلها إلى الاتحاد الصهيوني لبريطانيا العُظمى وإيرلندا. نُشر نص الوعد (أو الإعلان) في الصحافة في 9 نوفمبر/تشرين الثانيّ عام 1917.هذا الوعد جاء خلال الحرب العالمية الأولى عندما كانت بريطانيا تبحث عن حلفاء لتحقيق مصالحها الاستراتيجية، ولضمان دعم اليهود للحلفاء ضد ألمانيا.
• خلال الحرب العالمية الأولى، سيطرت بريطانيا على فلسطين بموجب نظام الانتداب الذي أقرته عصبة الأمم في عام 1922. وقد كان الهدف المعلن من الانتداب هو تنفيذ وعد بلفور وإنشاء المؤسسات الضرورية لإقامة الوطن القومي اليهودي. لعبت بريطانيا دورًا حاسمًا في تمكين اليهود من السيطرة على فلسطين خلال فترة الانتداب البريطاني من خلال عدة سياسات وإجراءات رئيسية:
• الانتداب البريطاني (1920-1948)فرضت بريطانيا انتدابها على فلسطين بموجب قرار عصبة الأمم عام 1920، حيث تم تضمين وعد بلفور ضمن صك الانتداب، مما أضفى عليه شرعية دولية.وفرت بريطانيا الحماية للمهاجرين اليهود وشجعتهم على الاستيطان، بينما كانت تفرض قيودًا شديدة على الفلسطينيين.خلال فترة الانتداب ساعدت بريطانيا في تسهيل الهجرة اليهودية إلى فلسطين وتوفير البنية التحتية لإقامة مستوطنات يهودية، فقد سمحت بريطانيا خلال فترة الانتداب بزيادة أعداد المهاجرين اليهود إلى فلسطين. خاصة بين عامي 1920 و1939، فزاد عددهم من نحو 60 ألفًا إلى أكثر من 450 ألفًا.3. تمكين اليهود اقتصاديًا وعسكريًا سمحت بريطانيا للحركة الصهيونية بتأسيس مؤسسات اقتصادية قوية، مثل الوكالة اليهودية، بينما فرضت قيودًا على الفلسطينيين.ودعمت تشكيل قوات شبه عسكرية صهيونية، مثل الهاجاناه، بينما قيدت التسلح الفلسطيني في المقابل، بل كانت تلاحق التنظيمات الفلسطينية التي قاومت الاستيطان.
• قمع المقاومة الفلسطينية:واجهت بريطانيا الثورات الفلسطينية بعنف شديد، وأبرزها:ثورة 1920 و1921: قوبلت بقمع دموي واعتقالات.ثورة البراق 1929: قامت بريطانيا بإعدام عدد من القادة الفلسطينيين.الثورة الكبرى:( (1936-1939 قمعت بريطانيا):تلك الثورة بوحشية،،واستخدمت أساليب قاسية، مثل القصف الجوي، الاعتقالات الجماعية، الإعدامات، وهدم المنازل ,قامت بريطانيا بنزع سلاح الفلسطينيين بينما تركت الجماعات الصهيونية تحتفظ بأسلحتها مما أضعف المقاومة العربية،و.اعتقلت ونفت العديد من القادة الفلسطينيين، مما أدى إلى فراغ قيادي استفادت منه الحركة الصهيونية
• ففي عام 1947، أحالت بريطانيا القضية الفلسطينية إلى الأمم المتحدة، التي اقترحت خطة تقسيم فلسطين إلى دولتين، واحدة عربية وأخرى يهودية. وهو ما عارضه العرب حينها، ومع تزايد الصدامات والعنف، انسحبت بريطانيا من فلسطين في 15 مايو 1948، ما سمح بإعلان قيام دولة إسرائيل في اليوم التالي.
• بعد الحرب العالمية الثانية، أوصت لجنة بيل (1937) ثم الأمم المتحدة (1947) بتقسيم فلسطين،و دعمت بريطانيا خطة التقسيم التي أقرّتها الأمم المتحدة، رغم معارضة الفلسطينيين، و رفض العرب. وانسحبت بريطانيا من فلسطين عام 1948 دون تنظيم أي تسوية عادلة، مما سمح للصهاينة بإعلان دولة إسرائيل وشن عمليات تهجير للفلسطينيين.وخلال انسحابها من فلسطين عام 1948، لم تتدخل بريطانيا لمنع المجازر الوحشية التي ارتكبتها العصابات الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني ، من طرد وقتل وتشريد وتدمير وترهيب ومن،أبرز تلك المذابح : مذبحة بلدة الشيخ ،1947حيث اقتحمت عصابات الهاغاناه القرية ولاحقت المواطنين العزل، وقد أدت المذبحة إلى مصرع العديد من النساء والأطفال حيث وبلغت حصيلتها نحو 600 شهيد وجدت جثث غالبيتهم داخل منازل القرية .ومذبحة دير ياسين، التي وقعت اثر عملية إبادة وطرد جماعي نفذتها عصاباتي الصهيونية في نيسان 1948 مجموعتا الإرغون وشتيرن ،وكان معظم ضحايا المجزرة من المدنيين ومنهم أطفال ونساء وعجزة، ويتراوح تقدير عدد الضحايا بين 250 و 368 ،ومذبحة قرية أبو شوشة : التي، راح ضحيتها 50 شهيدا من النساء، والرجال، والشيوخ، والأطفال، ضربت رؤوس العديد منهم بآلات حادة، وقد أطلق جنود لواء جعفاتي الذي نفذ المذبحة النار على كل شيء يتحرك دون تمييز ،ومذبحة الطنطورة : حيث قتل بدم بارد أكثر من 200 شخص، وقد خلفت المذبحة أكثر من 90 قتيلا دفنوا في حفرة كبيرة، وفي المقبرة التي دفنت فيها جثث القتلى من أهالي القرية في قبر جماعي، أقيمت لاحقا ساحة لوقوف السيارات كمرفق لشاطئ "دور" على البحر المتوسط جنوبي حيفا، وقد مهدت هذه المجازر لإعلان دولة إسرائيل.ولم تبذل بريطانيا أي جهود لمنع مثل هذه المجازر وما اعقبها من تهجير قسري للفلسطينيين خلال حرب 1948. وأدت هذه السياسات إلى ترسيخ الوجود الصهيوني، ومهدت الطريق لقيام إسرائيل على حساب الحقوق الفلسطينية، مما تسبب في نكبة عام 1948، وتهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين.
• وهذه المجازر تدحض الخرافة التي يسوقها الصهاينة من أن الفلسطينيين تركوا ديارهم بمحض إرادتهم، وتثبت أن التهجير كان قسرياً عبر ارتكاب المجازر والترويع .
فدور بريطانيا كان إذن أساسياً في تأسيس الدولة الإسرائيلية، سواء من خلال وعد بلفور الذي أعطى الشرعية الدولية للحركة الصهيونية، أو من خلال الانتداب الذي أتاح بتواطؤ ومساعدة البريطانيين، للقيادات الصهيونية فرصًا، لتنظيم المجتمع اليهودي واقامة المؤسسات العسكرية والمدنية الصهيونية.
ومن ثم يمكن القول بان بريطانيا لعبت دورًا رئيسيًا في تمكين إسرائيل من السيطرة على فلسطين من خلال توفير الدعم السياسي، الاقتصادي، والعسكري للحركة الصهيونية، في مقابل قمع المقاومة الفلسطينية بوحشية. وقد أدت هذه السياسات إلى نكبة 1948 وتهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين، مما أسس للصراع المستمر حتى اليوم.
أ.د. احمد محمد احمد الجلي
ahmedm.algali@gmail.com
يتبع