العلاج فى مستشفيات الحكومة.. رحلة عذاب
تاريخ النشر: 17th, December 2024 GMT
صرخة مواطنة.. تناشد وزير الصحة توفير الأنسولينأحد المرضى: جئت للمستشفى طلبا للعلاج فلم أجد إلا الإهمالالمرضى ينتظرون بالساعات.. والكل يشكو فى صالات الانتظار وغرف العلاج
فى صالات الانتظار المزدحمة، وعلى المقاعد المعدنية الباردة، يقفز صوت الصرخات الخافتة والأنين المكتوم ليروى حكايات المرضى الذين باتت رحلتهم للعلاج تشبه السير فى متاهة بلا مخرج، فى أروقة مستشفيات التأمين الصحى والمستشفيات الحكومية، تتعاقب مشاهد الإهمال وغياب الرعاية الصحية، لتضيف إلى أوجاع المرضى أعباء أخرى من القهر والعجز.
أميمة كريم، السيدة السبعينية، التى يكفيها حمل السنين والمرض، وجدت نفسها فى رحلة شاقة لا تنتهى بين عيادات التأمين الصحي، سعيًا خلف جرعة أنسولين قد تعنى الحياة بالنسبة لها، وبين الزحام والانتظار والصراخ المتكرر، تعلو تساؤلات المرضى عن حقهم فى العلاج بكرامة، وعن مصير تلك الآمال البسيطة فى نظام صحى ينصفهم.
ترصد جولة «الوفد» معاناة المواطنين خلف أسوار المستشفيات الحكومية، حيث تختلط مشاهد الألم بالحيرة والغضب، ويتحول المرضى من أصحاب حقوق إلى متسولين للرعاية، فهل تجد صرخاتهم صدى لدى المسئولين، أم تظل أوجاعهم حكايات تُروى بلا حلول؟
«أنا تعبانة ومش قادرة أتحرك، كل يوم رحلة عذاب للتأمين الصحى بكوبرى القبة عشان أجيب الجرعة اللى محتاجاها»، بهذه الكلمات بدأت السيدة أميمة كريم، 71 عامًا، من سكان حدائق القبة، سرد معاناتها اليومية للحصول على علاج الأنسولين MIXTARD 30/70.
تعانى أميمة، المصابة بمرض السكري، من عدم حصولها على الجرعات الكاملة من الأنسولين، الأمر الذى يزيد من معاناتها الصحية والنفسية، ورغم تقدم عمرها وصعوبة تنقلها، تجد نفسها مضطرة للتردد مرارًا على عيادة التأمين الصحى لتأمين جرعاتها، التى لا تتوفر بشكل كامل، وزحام المرضى له عامل أساسى فى إرهاق جسدها فتغادر طابور الصيدلية.
توجهت أميمة بنداء عاجل إلى وزير الصحة والسكان، مطالبة بتوفير الجرعات اللازمة بشكل منتظم مع مراعاة احتياجات كبار السن وتوفير معاملة خاصة أهمها الاحترام وعدم وجود موظفين يرفعون أصواتهم عليهم احترامًا لتقدم أعمارهم، قائلة: «أنا ست كبيرة ومش قادرة أتحمل المشاوير دي، لازم يتوفر العلاج فى مكان واحد، ويكون فى أماكن مخصصة لكبار السن وبشكل مستمر عشان أقدر أعيش بكرامة»، صرختها ليست صوتًا فرديًا، بل تعكس معاناة الكثير من مرضى السكر الذين يواجهون أزمات متكررة فى توفير الأدوية الأساسية، فهل تجد استجابة سريعة تخفف عنهم هذا العبء؟
معاناة بلا نهاية فى عيادات الدمرداش
«بقالنا ساعات قاعدين هنا ومحدش بيبص علينا»، بدأ أحد المرضى الحديث وهو يجلس على كرسى حديدى فى عيادة الأورام بمستشفى الدمرداش، محاولًا مقاومة الألم الذى ينهش جسده، يقول بصوت ضعيف: «مش عارف أتحمل أكتر من كده.. الألم شديد، وكل اللى محتاجه إن الدكتور يسمعنى ويشوف حالتى الصحية»، وأمامه يصطف العشرات ممن يعانون من نفس المصير، فى انتظار لا يعلمون نهايته.
سيدة مسنة تجلس بجواره، وهى تمسك بيدها دوسية بداخله التحاليل التى أجرتها منذ أكثر من شهر دون أن تحصل على موعد لمقابلة الطبيب، قالت بصوت يملؤه الحزن: «أنا جاية من الصعيد، وسافرت ساعات طويلة عشان أتعالج هنا، كل يوم أجى وأقعد بالساعات، وفى الأخر محدش يرد علينا، تعبنا يا ابنى»، عينها مليئة بالدموع، لكنها تحاول الصمود لأجل عائلتها التى تنتظر عودتها بالشفاء العاجل.
وعلى باب العيادة، شاب فى مقتبل العمر يتكئ على الحائط بسبب عدم وجود مكان للجلوس، قال بحسرة: «أنا عارف إن فيه ضغط على المستشفى من كل أنحاء الجمهورية، بس إحنا بشر هنعمل ايه، المرض مش بيستنى، وأنا حالتى بتسوء كل يوم بسبب التأخير ده»، أضاف بنبرة غاضبة: «مش قادر أصدق إن مفيش حد من المسئولين شايف اللى بيحصل هنا، هل لازم نموت عشان حد يتحرك.. ارحمونا يا جدعان».
داخل المستشفى ينعكس حجم الأزمة التى يعيشها المرضى، فى صالات الانتظار الممتلئة بالمرضى المنهكين الذين يتشاركون مشهد محزن يعكس تردى الخدمات الطبية، فى صورة مؤلمة، هذا هو المشهد الأول الذى يستقبلك به مستشفى 6 أكتوبر، الذى من المفترض أن يكون ملاذًا للراحة والعلاج، لكنه تحول إلى بؤرة معاناة لا تنتهي، حيث يعانى المرضى من غياب الأطباء وندرة الاهتمام الطبي، وسط تكدس مرهق ومشاهد مؤلمة لا تكاد تغيب عن ذاكرة من يدخلون هذا المكان.
بدات حبيبة أشرف، 43 عامًا أم لطفلين، من سكان شبرامنت، حديثها بالتنهد، ويبدو عليه الإرهاق والتعب، كانت تحمل طفلة صغيرة على ساقيها، وتجلس طفلتها الأخرى بجانبها، تتشارك العائلة فى انتظار الألم المرهق فى بيئة يغيب عنها الحد الأدنى من الرعاية والاهتمام، قائلة «نحن نعيش الألم والجميع يرى الوجوه المنهكة والعيون المتعبة تجسد حجم المعاناة التى يعيشها المرضى الذين ينتظرون دون جدوى فى صالة انتظار مكتظة بالمقاعد المعدنية وسط صرخات الأطفال الذى ينهش جسدهم المرض».
فى مشهد يكشف واقع الإهمال الذى يعيشه المواطنون، تجسد حبيبة معاناتها بوضوح، حيث تركت تواجه الألم فى صمت مطبق، تنتظر الفرج الذى يبدو بعيدًا عن الواقع المرير، موجة من الاستياء اجتاحت المكان، دفعتها لتسأل الدكتور محمود المعداوي، مدير مستشفى 6 أكتوبر للتأمين الصحي: «أين قسمك الطبى من هذا الإهمال المتفشي؟»
منذ الساعة السابعة صباحا، جلس سيد حامد، 51 عامًا، من منطقة بشتيل فى إمبابة، فى ممر انتظار مستشفى 6 أكتوبر للتأمين الصحى بالدقي، راجيا الحصول على العلاج الذى احتاجه، وقال: «أتيت إلى المستشفى لتلقي العلاج من آلام جسدية تفاقمت مع مرور الوقت، ولكن ما وجدته كان شيئًا آخر، زحام شديد، وإهمال طبى قاتل»
وأضاف: «تكدست الأعداد فى الممر، وكنت محاطا بوجوه تحمل علامات التعب والقلق، الكل لديه قصة معاناة، ولكن لا أحد يبدو مستعدًا للاستماع إلى المرضى.. فأين الاهتمام بالمريض؟»
وتابع: «مع مرور الوقت، بدأت أراقب الساعة، وكلما مرت دقيقة، زادت مشاعر الإحباط فى صدرى، كانت الساعة تشير إلى الواحدة بعد الظهر، ولا أثر لطبيب الباطنة الذى كنت أنتظره، فى هذا الصمت المحبط، ارتفعت أصوات الهمسات بين المرضى، (أين الطبيب؟)، كان السؤال يتكرر، وكنت أعلم أنه لا يوجد جواب، وكان الواضح أننا جئنا إلى مستشفى 6 أكتوبر للتأمين الصحى بالدقي، بحثا عن الرعاية، فلم نجد سوى ساحة انتظار بلا نهاية، فلماذا يتركوا كبار السن مثلى، ممن قضوا حياتهم فى خدمة المجتمع، فى هذا الزحام غير الإنساني؟، نحن نحتاج إلى اهتمام ورعاية، وليس إهمالًا مثلما يحدث داخل مستشفى 6 أكتوبر».
ووصف «سيد» الألم الذى يشعر به مؤكدا أن آلامه تتجاوز الجسد، وتعكس الإهمال الذى يلاحقنا كمرضى فى المستشفيات الحكومية، وهو إهمال ممنهج يجب أن يتوقف بتدخل الدكتور خالد عبد الغفار، وزير الصحة، لمعرفته الاهمال الذى يلاحق المرضى خاصة كبار السن، قائلًا: «إننى أستحق الرعاية، كما يستحقها كل مريض هنا، يجب أن تُعطى الأولوية لنا، لأننا نحن الذين كافحنا من أجل البقاء، والآن نجد أنفسنا فى حاجة إلى من يهتم بنا».
عيادات العظام
فى مشهد يعبر عن مأساة النظام الصحى المتردى داخل مستشفى 6 اكتوبر بالدقي، وقفت سيدة منهكة القوى، تحمل طفلها على كتفيها باكيًا من الألم الشديد، فى انتظار موظف تسجيل البطاقات الصحية، كانت ملامحها تعكس قلقًا عميقًا، بينما كانت تتوسل لحجز موعد لطفلها فى عيادة العظام.
لكن المفاجأة كانت فى رد الموظف العنيف، الذى صرخ بصوت عال قائلًا: «يا جماعة مفيش عظام، أنا قلت ومش هقول تاني، المدير قال لى متسجلش عظام تاني، خلصنا، مش هتكلم تانى كتير»، تلك الكلمات لم تكن مجرد إشارة إلى نقص فى الخدمات الطبية، بل كانت تجسيدًا لواقع مرير يعكس مدى الاستهتار بحياة المرضى فى مستشفى 6 أكتوبر بالدقى.
وفى صورة مأساوية تعكس جريمة الإهمال الطبى التى تتجلى فى أروقة المستشفى، تتمثل فى مشهد يبث الفزع والاستياء، يتجلى وجه من أوجه الجريمة الطبية التى تتربص بالمرضى فى مستشفياتنا الحكومية، المشهد لمساعد طبيب يفترض أن يكون رمزًا للشفاء والرعاية، يجلس على الأرض تحت حوض مياه، بينما تتناثر حوله بطاقات العلاج الصحى الخاصة بالمرضى، وكأنها أوراق مهملة لا قيمة لها، هذا المشهد تجسيد واضح للإهمال الجسيم الذى يعانى منه النظام الصحى فى المستشفى، بينما أصوات المرضى تتعالى فى الممرات، محملة بالإحباط والغضب والألم، ويتساءل شاكر إبراهيم، 45 عامًا، «كم الإهمال الذى نراه أمامنا فى صالات انتظار المستشفى وممراتها، يثير مخاوفنا مما يمكن أن يحدث داخل غرف العمليات».
عيادات الرمد
فى زحام متزايد من المرضى على عيادات الرمد، ينتظر العديد من المرضى، كل يحمل همومه وآلامه، مع مرور الوقت، تتصاعد مشاعر الإحباط والقلق بين المرضى، بينما تتجلى وقائع مؤلمة تعكس واقعًا مؤسفًا، بينما ينتظر المرضى بفارغ الصبر دخولهم، تطل عليهم إحدى طبيبات المستشفى، منشغلة بتقليم أظافرها وكأن الوقت ليس له قيمة، مشهد يجسد إهمالًا فاضحًا تجاه أولئك الذين يحتاجون إلى الرعاية الفورية، صرخات الاستياء تتعالى من بعض المرضى، الذين قال أحدهم: «هل يعقل أن ننتظر ساعات، بينما الدكتورة تفرغ وقتها لأمور شخصية لتجميل أطراف أصابعها؟».
وأضافت سيدة مسنة بصوت منخفض وسط المرضى: « أنا هنا من السابعة صباحًا، وقد أصبت فى ساقي، لم أعد أتحمل الانتظار، وكل ما أراه هو عدم مبالاة وإهمال ليس له أخر»، يتساءل أحدهم، «أين الإحساس بالمسئولية؟ كيف يمكن لطبيب أن يتجاهل المرضى بهذه الطريقة؟»، فيما تصرخ سيدة أخرى، «نحن فى حاجة إلى العلاج، وللأسف نواجه الإهمال بدلًا من الدواء».
قال حسن محمود، 35 عامًا، إن الإهمال المتفشى داخل مستشفى 6 أكتوبر بمثابة جرس إنذار للمسئولين، بدءا من وزير الصحة ومدير المستشفى، ليكونوا أكثر وعيًا بمعاناة المرضى الذين يستقبلهم الإهمال على أبواب الدخول، حتى تنظيم الاولوية من مقابلة الطبيب.
كشف الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمى لوزارة الصحة والسكان، فى تصريحات شهر ديسمبر 2024، أن نسبة انتشار مرض السكر من النوع الثانى بين البالغين فى مصر بلغت 15,6% للفئة العمرية بين 20 و79 عامًا، وأوضح أن عدد المصابين تضاعف ثلاث مرات خلال العقود الماضية، حيث يبلغ حاليًا 10,9 مليون مصاب، ومن المتوقع أن يصل العدد إلى 13 مليونًا بحلول 2030 و20 مليونًا بحلول 2045.
كما تبلغ التكلفة الطبية المباشرة (علاج، مضاعفات، أدوية، حجز بالمستشفى وبتر، فحوصات ومتابعة) لمرضى السكر فى مصر نحو ٢٢,٣ مليار جنيه مصرى، والتكلفة غير المباشرة (تغيب عن العمل، وفاة مبكرة) ٢,٩ مليار جنيه مصرى، وفقًا لدراسة شارك بها المعهد القومى للسكر فى عام ٢٠١٦، حول العبء الاقتصادى لمرض السكر عام ٢٠١٧.
وبلغ عدد قرارات العلاج على نفقة الدولة الصادرة من المجالس الطبية المتخصصة لعلاج مرضى السكر خلال الفترة من ١ يوليو ٢٠٢٣ إلى ٣٠ يونيو ٢٠٢٤ نحو ٢٦١٣١٣ قرارًا، استفاد منها ١٨٩٤١٦ مريضًا، بتكلفة إجمالية ٢٩٢,٥ مليون جنيه.
فيما بلغ عدد مرضى السكر المسجلين بالهيئة العامة للتأمين الصحى حوالى ٥٥ ألف مريض من النوع الأول، ومليون ونصف المليون من المسجلين بالنوع الثانى.
15,6% من البالغين فى مصر يعانون من السكري
٢٢,٣ مليار جنيه مصرى التكلفة الطبية المباشرة لمرضى السكر
٢,٩ مليار جنيه مصرى التكلفة غير المباشرة لمرضى السكر
10,9 مليون مصاب بمرض السكر حاليًا
13 مليون مريض بالسكر بحلول 2030
20 مليون مريض بالسكر بحلول 2045.
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: وزير الصحة مستشفيات التأمين الصحى المستشفيات الحكومية ملیار جنیه مصرى مستشفى 6 أکتوبر للتأمین الصحى وزیر الصحة
إقرأ أيضاً:
بين الخوف والنزوح والموت.. قصص مأساوية لأصحاب الأمراض المزمنة في السودان
لن تتمكن أسرة إبراهيم الطاهر من نسيان أيام سوداء عاشتها تحت وطأة معاناة عظيمة، بعد سيطرة الدعم السريع على مدينة سنجة عاصمة ولاية سنار أواخر يونيو/حزيران الماضي، حين تزامن دخول عناصر تلك القوات مع موعد غسل الكلى الراتب لعميد الأسرة إبراهيم الذي يعاني الفشل الكلوي.
يروي محمد إبراهيم للجزيرة نت بأسى بالغ كيف أن الأسرة اضطرت لجمع الأموال من الأقارب خارج السودان عبر تطبيق دفع إلكتروني للتمكن من استئجار عربة تنقل والده إلى مدينة الدندر، حيث مركز غسيل الكلى الملحق بالمستشفى هناك.
ومع تمكنهم من الوصول وبدء الأطباء ترتيبات إجراء الغسيل، اقتحمت قوات الدعم السريع المدينة وحاصرت المستشفى واغتالت أحد الكوادر الطبية، مما دفع العاملين في مركز الغسيل الواقع شرق المشفى إلى التوقف عن العمل من دون أي ترتيبات لاستكمال علاج المنتظرين.
يقول محمد إنهم لم يجدوا سيارة لإسعاف الوالد إلى مدينة القضارف أقرب نقطة علاجية- بعد أن سيطر الدعم السريع على الجسر الرئيسي في الدندر وتفشي حالة من الذعر مع إطلاق النار العشوائي، فاضطروا إلى حمله على سرير وجدوه قرب السوق.
وتابع: "حملنا أبي على السرير على أمل أن نجد سيارة، دون جدوى وتصادف ذلك مع موسم الأمطار، علما أن الطريق الرابط بين الدندر والقضارف ترابي". وبعد المشي عدة ساعات على الأرجل، يقول محمد وجدنا جرار ملحق به عربة مكدسة بالفارين، فتنازل بعضهم عن مكانه لنقل والده، لكن الأب لم يستطع تحمل قسوة الطريق وتوفي قبل الوصول إلى القضارف.
هناك اكتظاظ في مراكز غسيل الكلى في الولايات الآمنة بالسودان (الجزيرة) آلاف الفواجعتعد مأساة إبراهيم واحدة من آلاف الفواجع التي لحقت بأصحاب الأمراض المزمنة جراء تداعيات الحرب في السودان، التي أجبرت ما لا يقل عن 10 ملايين سوداني على النزوح داخليا أو مغادرة البلاد.
إعلانوفي خضم رحلات الفرار القسري، عاش المرضى أوضاعا صعبة يغالبون فيها مرارة النزوح وآلام المرض وضيق ذات اليد والخوف من المصير الغامض.
وفي بورتسودان شرق البلاد، رصدت الجزيرة نت معاناة العشرات من مرضى الكلى، حيث اضطرت المراكز لتقليص عدد الغسلات لمواجهة الضغط الزائد مع توافد مرضى من الولايات التي تشهد القتال، كما تحدث عدد من المرضى للجزيرة نت عن مشاكل في الحصول على الأدوية بسبب ندرتها وانقطاعها، أو ارتفاع أسعارها.
وتمثل أمراض السرطان والسكري والكلى والقلب أكثر الأمراض المزمنة تفشيا ويعاني منها بشكل أكبر كبار السن الذين يجدون صعوبة في التنقل من مكان لآخر، فيكون مصيرهم الموت البطيء، لا سيما في ظل دمار 80% من المؤسسات الصحية في السودان جراء القتال.
يقول مدير المراكز القومية لعلاج الأورام بالسودان دفع الله أبو إدريس للجزيرة نت إن ما لا يقل عن 20% من مرضى السرطان توفوا في منازلهم أو في المراكز، لعدم توفر العلاج أو لصعوبة مغادرة مناطق سكنهم، ويشير إلى أن 80% من المرضى كانوا يتلقون العلاج في مراكز ولايتي الخرطوم والجزيرة، لكنها توقفت عن العمل مع تمدد القتال ودمار المراكز.
ويشير أبو إدريس إلى أن المراكز العلاجية في الولايات الآمنة حاليا باتت تفتقر إلى العلاج الإشعاعي وهو مهم لـ70% من المرضى، مردفا أن "هذه أكبر مشكلة تواجه مرضى السرطان".
مركز غسيل الكلى في بورتسودان (الجزيرة) مواجهة المرض حتى الموتويستصعب المسؤول تحديد أرقام التردد الحالي للمرضى بالمراكز العاملة، مرجعا ذلك للتذبذب وفقا لخريطة نزوح العائلات، فبعضهم كما يوضح يزور مركزا بالقضارف ثم ينتقل إلى مدن أخرى، ومن ثم يتم تسجيل المريض في أكثر من مركز، ويتابع "هناك مرضى يسجلون ثم يختفون غالبا هاجروا خارج السودان أو وافتهم المنية.. لا نعلم الحقيقة".
ويمضي أبو إدريس للقول إن حجم الخسائر المعروف لدينا هو المأساة الإنسانية لمرضى السرطان، خاصة أن الذين لم يستطيعوا النزوح عليهم أن يواجهوا المرض بقسوته حتى الموت. كذلك الذين نزحوا لم تستطيع الدولة أن توفر لهم معينات المعيشة، حتى لو فرضنا وجود العلاج، مما يجعلهم يعيشون كابوسا لا نهاية له. ويتابع "الدولة طبعا ظرفها حرج وهي تواجه تحديات بحجم قارة.. لكن على المنظمات المساعدة في توفير سكن لائق لعائلات المرضى حتى يتمكنوا من مواصلة العلاج دون معاناة وتشرد".
إعلانوفي جانب آخر من المعاناة، تتحدث الطبيبة وئام الشريف للجزيرة نت عن معاناة بالغة لمرضى الضغط والسكري جراء انقطاع العلاجات وارتفاع أسعارها إن عثر عليها، مع توقف خدمات التأمين الصحي التي كانت تقدم عديدا من العلاجات لأصحاب الأمراض المزمنة مجانا.
وتتحدث عن أن فترة عملها بمستشفى الحصاحيصا، قبل اجتياح الدعم السريع، شهدت نقصا مريعا في الأدوية واضطرار المرضى لشراء جرعات الأنسولين من السوق السوداء، حيث وصلت قيمة المصل لنحو 10 آلاف جنيه (5 دولارات تقريبا) بينما قد يحتاج بعض المرضى لأكثر من جرعة في اليوم الواحد.
ولاحقا، سيطر الدعم السريع على المستشفى، فغادرها غالب الأطباء المختصين وعمدت القوات للاستعانة بأفراد غير مختصين وبات التعامل في المشفى بالأدوية التي تنهب من مواقع أخرى، إذ لا تصل العلاجات إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الدعم السريع، وهو ما يؤدي -كما تقول وئام- إلى وفيات بأرقام مرتفعة.
نقص حاد في الأدوية المنقذة للحياة
وبشأن مرضى القلب، توضح وئام أنهم متنوعون، فبعضهم كان يتعرض لذبحات صدرية ويتم استقباله في أقسام الطوارئ حيث تتوفر الإسعافات، وبعد استقرار أوضاعهم يتم إرسالهم إلى مستشفى مدني، ويتم هناك تحديد طبيعة الحالة وإذا ما كانت بحاجة لتدخل جراحي أم لا، لكن كل ذلك توقف مع تمدد القتال إلى ولاية الجزيرة ليكون مصير الآلاف من المرضى مجهولا.
وحسب أديبة إبراهيم عضو اللجنة التمهيدية لنقابة أطباء السودان، التي تحدثت للجزيرة نت، فإن الوضع الصحي في كل ولايات السودان يواجه نقصا حادا في الأدوية المنقذة للحياة والمحاليل الطبية والمعملية، مع انعدام الفحوصات المهمة الخاصة بالدم وأمراض السكري من المرافق الحكومية، علاوة على انعدام الأدوية الخاصة بالأمراض المزمنة وغيرها من الأدوية الضرورية، مع وجود جزء منها في الصيدليات الخاصة بأسعار مرتفعة. كما تم إغلاق المستشفيات ومراكز غسيل كلى لنفاد المحاليل المستخدمة في الغسيل الأسبوعي.
إعلانوتضيف أن كل ذلك أدى إلى معاناة المرضي وضعف المناعة لديهم والتعرض للأمراض الوبائية المنتشرة في البلاد.
وناشدت أديبة طرفي النزاع لوقف الحرب وفتح ممرات آمنة لترحيل المرضى، خصوصا كبار السن والأطفال والحوامل وذوي الأمراض المزمنة، لأقرب المشافي لتلقي العلاج، وأيضا توفير كل الأدوية المنقذة للحياة في المستشفيات والمراكز الصحية المتبقية.