قياس أثر التشريع في النظام القانوني العُماني
تاريخ النشر: 17th, December 2024 GMT
د. أحمد بن محمد الهنائي **
أسند المُشرع العُماني بموجب المرسوم السلطاني رقم (88/2020) إلى وزارة العدل والشؤون القانونية العديد من الاختصاصات المُتعلقة بإعداد ومراجعة واقتراح مشروعات التشريعات، وذلك على النحو الآتي:
إعداد، ومُراجعة مشروعات المراسيم السلطانية، واتخاذ إجراءات إصدارها. مراجعة مشروعات القوانين واللوائح والقرارات ذات الصبغة التشريعية التي تعدها وحدات الجهاز الإداري للدولة، وغيرها من الأشخاص الاعتبارية العامة قبل إصدارها، ونشرها في الجريدة الرسمية.اقتراح مشروعات القوانين والمراسيم السلطانية، وإصدار اللوائح والقرارات ذات الصلة باختصاصات الوزارة.
ومفاد ذلك أنَّ مشروعات القوانين التي تحال من قبل الحكومة إلى مجلس عُمان – كونه السلطة التشريعية في الدولة – لإقرارها أو تعديلها، تستوجب أن تكون قد أعدت أو روجعت من قبل وزارة العدل والشؤون القانونية بموجب الاختصاصات المسندة لها. وعلى غرار اختصاص مجلس عُمان بموجب المادة (48) من قانون المجلس الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (7/2021) يكون لوزارة العدل والشؤون القانونية كذلك اقتراح مشروعات القوانين والمراسيم السلطانية وغيرها من التشريعات ذات الصبغة التشريعية.
وبموجب تلك الاختصاصات فإن وزارة العدل والشؤون القانونية تشترك مع مجلس عُمان في اقتراح مشروعات القوانين، وبموجب ذلك فإنه يقع على هذه الوزارة عند مراجعة التشريعات – سواء أكانت قوانين أو لوائح تنظيمية – وجوب استحضار العناصر اللازمة لقياس أثر التشريع في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبغض النظر عن التشريع محل المراجعة أكان تشريعًا جديدًا أو تشريعًا بإجراء تعديلات على تشريع نافذ.
وتكمن الغاية من ذلك في وجوب وضع منهجية لقياس الأثر التشريعي، والإحاطة بكافة الجوانب التي يتفيأها التشريع من حيث التطبيق، وذلك عبر تجميع كافة المعلومات والمعطيات الخاصة بالتشريع محل المراجعة وتحليل تلك المعلومات تحليلاً دقيقًا يتسم بالشفافية والمساواة، فضلاً عن وجوب المشاركة المجتمعية للفئة ذات الاختصاص بتطبيق التشريع، مع مراعاة سيادة القانون والحوكمة في التنفيذ، دون إغفال إلى دراسة التكلفة الاقتصادية وتفنيد العائد الإيجابي للتشريع محل المراجعة، ومن ثم طرح كافة البدائل التشريعية، وصولاً إلى اختيار البديل الأفضل والأنسب في ضوء نتيجة تقييم العوامل الخاصة بتطبيق منهجية قياس أثر التشريع.
ومن نافلة القول أن تطبيق منهجية قياس أثر التشريع لا تنقضي بمجرد صدور التشريع ونفاذه، بل تمتد هذه العملية إلى ما بعد التطبيق العملي للتشريع، وبطبيعة الحال تختلف مدة قياس أثر التشريع من تشريع إلى آخر بحسب التشريع ذاته، فهنالك من تتضح معالم قياسه خلال أمد قصير كسنتين أو ثلاث سنوات وأخرى تحتاج إلى فترة أطول قد تصل إلى عشر سنوات أو أكثر.
ولئن كانت منهجية قياس الأثر التشريعي تجد اختصاصها الأصيل لوزارة العدل والشؤون القانونية كونها المختصة – دون غيرها – بإعداد ومراجعة واقتراح التشريعات إلا أنها يجب كذلك أن تكون حاضرة لدى كل من: وحدات الجهاز الإداري للدولة والأشخاص الاعتبارية العامة عند عرض مشروعات التشريعات الخاصة بها، كون تلك الجهات هي الأجدر والأقرب في تطبيق التشريعات الخاصة بها، ومن ثم تكون قد رصدت كافة الجوانب الإيجابية والسلبية للتشريع محل المراجعة، عوضًا عن وجوب تمتع أعضاء مجلس عُمان بالقدرة على استخدام منهجية قياس الأثر التشريعي كونه يمثل السلطة التشريعية.
وحاصل القول .. وبغية تجويد العمل التشريعي في سلطنة عُمان، أسوة بالدول المتقدمة في هذا المجال، نرى طرح التوصيات الآتية:
انشاء جهة مستقلة – هيئة، مجلس، لجنة – تختص بقياس أثر التشريع تتبع مجلس الوزراء. وضع إطار تشريعي ينظم منهجية قياس أثر التشريع. اقتصار منهجية قياس الأثر التشريعي على المجالين الاقتصادي والاجتماعي كمرحلة أولى، تتدرج مستقبلاً لقياس أثر مختلف التشريعات وفي كافة المجالات.المراجع:
قانون مجلس عُمان الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (7/2021). اختصاصات وزارة العدل والشؤون القانونية الصادرة بالمرسوم السلطاني رقم (88/2020).
** مستشار قانوني بالمكتب الوطني للمحاماة
رئيس مركز البحوث والدراسات الجامعية
دكتوراة في القانون الدستوري والعلوم السياسية
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
مؤتمر مسقط يدعو إلى دمج التشريعات الإسلامية لحقوق الإنسان في القانون الدولي الإنساني
اختتم المؤتمر الدولي الثالث حول "القانون الدولي الإنساني في ضوء الفقه الإسلامي"، الذي نظمته كلية العلوم الشرعية، أعماله بتوصيات لتعزيز حقوق الإنسان خلال الحروب والنزاعات المسلحة، وقد تم التأكيد في الجلسة الختامية على ضرورة تفعيل القضاء الجنائي الدولي من أجل حماية حقوق الإنسان، مع بناء مبادئ الشريعة الإسلامية والقانون الإنساني الدولي كأساس للمساهمة في التفاهم بين الأطراف المعنية.
ومن أبرز التوصيات التي خرج بها المؤتمر، الدعوة إلى ترجمة النصوص الإسلامية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان في النزاعات إلى عدة لغات ونشرها على نطاق واسع، كما أكد المشاركون على أهمية دراسة تجربة أئمة عمان في التعامل مع حقوق الإنسان أثناء الحروب، وتأسيس مجلس فقهي استشاري تابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي لتعزيز التواصل مع المنظمات الدولية المعنية.
وشددت التوصيات أيضًا على ضرورة التعاون بين الدول والمنظمات الإقليمية لإدماج المبادئ الإسلامية في القانون الدولي الإنساني، ودعم حماية الأسرى ومنع الانتهاكات الطبية في النزاعات، كما تم التأكيد على إنشاء مواقع إلكترونية مختصة للإبلاغ عن المفقودين والمصابين، وتكثيف الجهود الإنسانية لدعم اللاجئين والمتضررين.
أما في المجال القانوني، فقد دعت التوصيات إلى تفعيل القوانين الدولية الخاصة بحماية الأسرى، وضمان توفير الغذاء والرعاية الصحية لهم، إضافة إلى ضرورة تعزيز حماية المدنيين من خلال التوعية المستمرة، كما أوصت بضرورة استخدام وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي لنشر الوعي بالقانون الدولي الإنساني، وتنظيم حلقات عمل للعسكريين حول أخلاقيات الحرب.
جلسات اليوم الأخير
وقد شهد اليوم الأخير من المؤتمر جلسات علمية معمقة تناولت موضوعات حقوق الأسرى ومعاملتهم في ضوء الفقه الإسلامي والقانون الدولي الإنساني، وقد قدم الباحثون دراسات مقارنة تسلط الضوء على أوجه التوافق والاختلاف بين الفقه الإسلامي والاتفاقيات الدولية في هذا السياق.
وافتتحت الجلسة الأولى برئاسة الدكتور عبدالله الزبير عبد الرحمن، حيث قدم الدكتور خالد سعيد تفوشيت من ليبيا بحثًا عن حسن معاملة الأسرى في السيرة النبوية مقارنة بالقانون الدولي، كما ناقش الدكتور عبد الغني حوبة من الجزائر حق الأسير في ممارسة شعائره الدينية، وقدم الدكتور عبدالغفور السامرائي من العراق دراسة حول الحقوق المقررة للأسرى في الفقه الإسلامي والقانون الدولي الإنساني.
وفي الجلسة الثانية، تناول الدكتور محمد الشيخ بالن من المغرب حقوق الأسرى في المذهب المالكي والقانون الدولي الإنساني، بينما قدم الدكتور شكري الباجي من تونس دراسة مقارنة حول حرمة الحياة في الإسلام والقوانين الوضعية.
كما ناقش الدكتور عماد المرزوق من المغرب أحكام الأسرى في ميزان الفقه الإسلامي والقانون الإنساني الدولي، مؤكدًا على أهمية حماية هذه الفئة المستضعفة في ظل النزاعات. وقدم الدكتور نجيب بن عمر دراسة حول العدالة الجنائية الدولية في ظل النظام العالمي الجديد، متناولاً إشكالية فرض المسؤولية الجنائية على الدول وتأثيرها في تعزيز حقوق الإنسان.
اختتمت الجلسات العلمية بمناقشات مهمة حول كيفية تطبيق المبادئ الإسلامية في حماية الأسرى، ودعوة المشاركين إلى ضرورة توجيه الجهود لتعزيز الوعي بالقانون الدولي الإنساني في الأوساط العسكرية والمدنية.
حرمة الحياة
كما شهد المؤتمر الدولي الثالث "القانون الدولي الإنساني في ضوء الفقه الإسلامي" نقاشات مكثفة حول مفهوم حرمة الحياة بين التشريعات الإسلامية والقوانين الوضعية. في هذا الإطار، تناول الدكتور شكري الباجي من تونس أبعاد هذا الموضوع من منظور مقارن، مشيرًا إلى أن قدسية الحياة البشرية تعد أساسًا مشتركًا في كل من الفقه الإسلامي والقانون الدولي الإنساني، وبرغم التوافق الأساسي في هذا المفهوم، أشار الباحث إلى أن طريقة تطبيق هذا المبدأ تختلف بين النظامين؛ ففي حين أن الشريعة الإسلامية تستمد حرمة الحياة من نصوص القرآن والسنة، وتعد الاعتداء عليها من أكبر الكبائر إلا بحق شرعي يعتمد القانون الدولي على مواثيق حقوق الإنسان التي تضمن هذا الحق وتؤكد عدم قابليته للانتهاك.
أبرز الدكتور الباجي الفروقات الجوهرية بين النظامين القانونيين في التعامل مع بعض الاستثناءات مثل عقوبة الإعدام، وأحكام الحرب، والقتل دفاعًا عن النفس، مما أثار نقاشًا عميقًا بين المشاركين حول تأثير المرجعيات القانونية المختلفة على تطبيق مبدأ حماية الحياة في المجتمعات الحديثة.
حقوق الأسرى
وفي محور آخر من المؤتمر، تناول الدكتور عماد المرزوق من المغرب قضية حقوق الأسرى في ضوء الفقه الإسلامي والقانون الدولي الإنساني، موضحًا أن الإسلام يتعامل مع قضية الأسرى من خلال مبادئ تهدف إلى تحقيق السلم وحماية حقوقهم، وقد وضع الفقه الإسلامي أحكامًا تفصيلية تنظم معاملة الأسرى، تحفظ كرامتهم وتراعي حقوقهم، كما أن القانون الدولي الإنساني وضع معايير موحدة، كما هو منصوص عليه في اتفاقيات جنيف، وقد تم التركيز على الفروق بين النظامين، وضرورة سد الفجوات القانونية لضمان حماية أكبر للأسرى في النزاعات المعاصرة.
كما قدم الدكتور منصور رحماني من الجزائر دراسة تحليلية حول حقوق أسرى الحرب في الإسلام مقارنة باتفاقية جنيف الثالثة، حيث استعرض معاناة الأسرى عبر التاريخ وكيف أن الشريعة الإسلامية وضعت لهم حقوقًا لحمايتهم، وهو ما لم تُقرّه الأنظمة الغربية إلا بعد قرون مع اعتماد اتفاقية جنيف الثالثة.
من جهته بحث الباحث محمد بن سليمان بن ناصر الناعبي من سلطنة عمان في ورقته البحثية مفهوم حقوق الأسرى في الفقه الإسلامي والقانون الدولي، عبر دراسة مقارنة تحليلية. وقد استعرض الحقوق التي أقرها كل من الإسلام والقانون الدولي للأسرى، وناقش أوجه الاتفاق بين النظامين في ضرورة توفير معاملة إنسانية لهم، مشيرًا إلى الفروقات الجوهرية بين التشريعين. وفي ضوء ذلك، طرح مجموعة من التوصيات لتعزيز حماية حقوق الأسرى في النزاعات المسلحة وتقريب وجهات النظر بين النظامين القانونيين.
العدالة الجنائية الدولية
وناقش الدكتور نجيب بن عمر في ورقته البحثية إشكالية المسؤولية الجنائية الدولية للدول في انتهاكات حقوق الإنسان. وأكد أن فكرة المسؤولية الدولية الجنائية لا تزال موضع جدل، خاصة فيما يتعلق بإمكانية محاسبة الدول نفسها على الجرائم الدولية، وليس فقط الأفراد. وقد أشار إلى التحديات التي تواجه تطبيق قواعد القانون الدولي الجنائي، داعيًا إلى تطوير آليات قانونية تضمن امتثال الدول لتلك القواعد بعيدًا عن تأثير القوى السياسية الكبرى.
طرق وقائية لتنفيذ القانون الدولي الإنساني
وفي بحثه حول "موقف الفقه الإسلامي من الطرق الوقائية لتنفيذ القانون الدولي الإنساني"، أشار الدكتور أحمد الصادق البشير من السودان إلى أن تطبيق القانون الدولي الإنساني يظل غير فعال إذا لم يتم تنفيذه بشكل صحيح على الأرض. وأكد أن طرق الوقاية التي تم النص عليها في المواثيق الدولية قد تكون غير كافية، داعيًا إلى إضافة آليات جديدة مستوحاة من الفقه الإسلامي لضمان حماية ضحايا النزاعات المسلحة.
مبادئ التعامل مع اللاجئين
وقدم الدكتور علي محمد أسعد من سوريا دراسة مقارنة بين المعالجة القرآنية لمسألة اللجوء وما يقدمه القانون الدولي الإنساني، وأظهرت الدراسة أن القرآن الكريم قد تميز بالشمولية والإنسانية في تنظيم مسألة اللجوء، بينما أكد على ضرورة تحديث وتطوير القانون الدولي ليواكب التحديات المتزايدة في حماية اللاجئين، وأشارت إلى أن القانون الدولي يظل مهمًا في حماية حقوق اللاجئين، لكنه لا يتماشى تمامًا مع الحلول التي قدمها الإسلام في هذا المجال.
حقوق الأسرى بين الفقه والقانون
كما ناقش الدكتور محمد صابر الثابت من تونس حقوق الأسرى بين الفقه الإسلامي والقانون الدولي الإنساني، مشيرًا إلى أن الفقه الإسلامي قد وضع قواعد محكمة لحماية حقوق الأسرى من خلال القرآن الكريم والسنة، وهي تتماشى مع القيم التي يروّج لها القانون الدولي، رغم الاختلافات في الخلفيات التاريخية والنظريات الفقهية.
ضوابط الدفاع الشرعي
وتناول الدكتور جوهر قوادري صامت من الجزائر موضوع "ضوابط الدفاع الشرعي في إطار القانون الدولي الإنساني"، موضحًا أن الدفاع الشرعي يبقى مبررًا لانتهاك بعض القواعد الدولية، مشيرًا إلى ضرورة تطبيق الدفاع الشرعي وفقًا للقوانين الدولية وبشروط محددة، وقد دعا إلى مزيد من التنسيق بين ميثاق الأمم المتحدة واتفاقيات جنيف لضمان حماية المدنيين والعسكريين في النزاعات.
وفي الجلسة الختامية، تم مناقشة البيان الختامي للمؤتمر، الذي أكد على ضرورة تعزيز التعاون بين الفقه الإسلامي والقانون الدولي الإنساني، وأوصى المشاركون بضرورة تطوير آليات جديدة وفعالة لحماية الضحايا في النزاعات المسلحة، بما يتماشى مع التحديات المعاصرة، والعمل على تعزيز الوعي بمبادئ الفقه الإسلامي التي تقدم حلولًا إضافية في هذا المجال.