بوابة الوفد:
2025-01-15@09:09:17 GMT

«الفلسفة السياسية».. تفعيل التنظير لمجتمع أفضل

تاريخ النشر: 15th, December 2024 GMT

«الفلسفة ملهاش علاقة بالواقع».. «الفلسفة فى الكتب وبس، ونظريات الفلاسفة داخل الكتب وبس».. ستظل هذه الدعاوى وتلك العبارات هى الشيطان الماكر الذى يلعب بعقول قراء الفلسفة، بل والمانع ايضًا لكل من أراد الدخول والبداء فى قراءة هذا الفرع المعرفى الزخم، ما لم نُبين الدور الحقيقى الذى تشغله الفلسفة وهنا سنحاول خلال الكبسولة الفلسفية لهذا الأسبوع، بيان الدور المحورى الذى تلعبه الفلسفة من خلال أحد افرعها المسمى بـ «الفلسفة السياسية».

عزيزى القارئ تحاول الفلسفة على مر العصور ترشيد سلوكنا على نحو عقلانى، وهو ما يتطلب مفهومًا عامًا فى العالم الذى يتم فيه هذا الترشيد وفى أنفسنا بوصفنا كائنات فاعلة فيه. وتأتى السياسة لإتمام دور الفلسفة، من خلال وضع القوانين والضوابط التى يحتاجها المجتمع من أجل استقراره وتقدمه، وهنا كان لا بد من حدوث المشاركة بين الفلسفة والسياسة فى إنتاج مجتمع متماسك عضويًا، متكامل نسبيًا.

فكان من المستحيل على الفلاسفة أن يغضوا الطرف عن السياسة، لذلك يجب أن تُغذى الفلسفة السياسة بالمعايير، وبالنظريات المرشحة للفعل، وأن تعمل على توعية السياسى توعية تؤكد له مفهوم «إنسان»، وتجعله أكثر حساسية بمسئولياته. وليكن تساؤلنا، كيف تساعدنا الفلسفة السياسية على فهم المسائل السياسية فى عصرنا وحلها؟

إجابتنا عن التساؤل السابق تكمن فى الدور الذى تلعبه الفلسفة السياسية، حيث تعرضت لكل من أصل الدولة ومحاولة تفسير نشأة السلطة فى المجتمعات القديمة، ثم تطرقت لطبيعة الدولة والأسس التى تقوم عليها سلطتها، وحق السيادة بداخلها وصاحب السلطة فى إصدار القرارات فيها، والعلاقة بين الحكام والمحكومين، ومدى شرعية السلطة فيها وأنواع أنظمة الحكم، والشكل المثالى للسلطة، بمعنى أن الفلسفة السياسية تعرضت لكافة فروع علم السياسة وأن كانت تتركز فى الأساس على السلطة ذاتها.

لذلك تعتبر مؤلفات كبار فلاسفة الإغريق القدامى، وعلى رأسهم أرسطو وأفلاطون، هى أول المؤلفات التى تضمنت تحليلات سياسية قابلة لأن تشكل أساسًا لما أصبح يعرف فيما بعد بالفلسفة السياسية. وقد ألهمت هذه المؤلفات – وهو ما أكدناه على مدار ثلاثة أجزاء متصلة حملت عنوان «الفلسفة والسياسة.. رؤية فلسفية لسياسات الحضارات القديمة» نُشرت على بوابة دار الهلال الإلكترونية – عددًا من الفلاسفة والمفكرين الذين تتابعوا على مر القرون منذ العصر اليونانى القديم وحتى العصر الحديث. غير أن هؤلاء الفلاسفة والمفكرين طرحوا رؤى ونظريات وتحليلات سياسية شديدة الاختلاف والتبيان.

أضف إلى ذلك صديقى القارئ تتضمن الفلسفة السياسية فى نفس الوقت بعدًا وصفيًّا، أى إعطاء وصف للحياة الجماعية ووصف عمل الحكومة السياسية، وتوضيحيًا، أى التشكيك فى أصل المدينة والقوانين، وفهم أسباب تطور النظم، ومعياريًا، أى تحديد النظام الأكثر عدلًا. بقدر ما تسعى إلى تحديد مبادئ الحكومة الرشيدة من خلال البحث عن المبادئ الأخلاقية، ولهذا ترتبط الفلسفة السياسية ارتباطًا وثيقًا بالفلسفة الأخلاقية، أى أن التفكير فى الأخلاق، وخاصةً الفضائل، يسهم هذا فى تحديد ما ينبغى أن تكون عليه المدينة الخاضعة لحكم رشيد.

وفى الختام يمكننا القول إن الفلسفة السياسية هى اجتهادات ورؤى يطرحها المفكرون، لتفسير الظواهر والأوضاع السياسية القائمة، أو لصياغة نماذج لمجتمعات مثالية، أو فاضلة فى محاولة لتجاوز الواقع المعاش والتغلب على سلبياته. وقد اختلفت الموضوعات التى جذبت اهتمام المفكرين ودفعتهم لدراستها والتعليق عليها باختلاف العصور والأزمنة التى عاشوا بها. ولذلك يصعب فهم الأفكار السياسية وسياق تطورها بمعزل عن الزمان والمكان والبيئة الاجتماعية والسياسية التى ظهرت فيها تلك الأفكار. وبعبارة واحدة، على السياسى أن يحتك بالفلسفة ليستمد منها المعونة النظرية والأخلاقية، لتحسين المجتمع وتطويره لغدٍ أفضل.

[email protected]

 

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: محمد جادالله الفلسفة السياسية الفلسفة السیاسیة

إقرأ أيضاً:

مؤمنون بلا حدود

الثورة

عن مؤسسة «مؤمنون بلا حدود» للدراسات والأبحاث والنشر في بيروت، صدر حديثا كتاب جديد في الفلسفة الوجودية، للباحث العراقي أوس حسن. يتكون الكتاب من مئتي صفحة من القطع المتوسط، امتدت على تسعة فصول مع مقدمة وخاتمة، وقد أفرد الباحث فصلا لكل فيلسوف من أعلام الفلسفة الوجودية، مع تأكيده مفهوم المعنى عند هؤلاء الفلاسفة، إضافة لفصل يتضمن مفاهيم عن السيكولوجية الوجودية وكيفية العلاج الوجودي بالمعنى من خلال أهم مقولات الوجود.
يقول أوس حسن في مقدمة الكتاب: «إن العديد من الأفراد يعيشون حياتهم وفقاً لمبدأ التوازن مع العالم، ويحاولون قدر الإمكان تجنب الألم والحصول على اللذة قدر المستطاع. أما الوجودية، فلا ترى أن هناك هدفا للإنسان يتمثل في السعادة، بل ترى أن الإنسان موجود ليعطي معنى لهذا العالم، من خلال وجوده في قلب التوتر؛ فالإنسان هو القيمة العليا للوجود، وهو محكوم بالاختيار والقرار حتى في أقسى الظروف وأشدها تحطيما. لذا، فالوجودية هي فلسفة الإنسان الشجاع؛ لأنها تحتم عليه أن يدخل في دوامة الألم والرعب، وأن يكون واعياً بانفعالاته الأصيلة، وبإرادته المتحفزة من قلب الخطر. ويرى الكاتب أنه قد ترسخ لسنوات طويلة انطباع خاطئ في أذهان الناس عن الوجودية، بوصفها فلسفة الإحباط والتشاؤم، التي قد تقود إلى الانتحار أو الجنون أو الانحراف الأخلاقي. لكن علينا أن نفرق بين الوجودية كمنهج يساعد الإنسان في الولوج إلى مسارات غير مكتشفة في الحياة ، وأدواتها أو آلياتها التي اتجهت إلى تحليل معاناة الكائن الإنساني وتفسير ما يعتريه من مشاعر جوانية كالاغتراب، والألم، واليأس، والقلق، وهذا هو الخلط الذي لم ينتبه إليه الكثير من النقاد والقراء.
كذلك فالطب النفسي ينظر إلى حالات الاكتئاب والعزلة والقلق، بوصفها أمراضا نفسية ينبغي التعاطي معها علاجيا بالأدوية، أو إزالة واقعها من منظور الفرد.
لكن السيكولوجية الوجودية ترى في تلك الانفعالات مشاعر استثنائية تسم الوجود الإنساني بالأصالة، أو حالات روحية باطنية في بعض الأحيان، إذا ما تنبه لها الفرد وكان واعيا بذاته، لذلك فالإنسان يستطيع أن يجد معنى في المعاناة، وأن يتحمل مسؤولية آلامه بروح شجاعة.
يقول دوستويفسكي: «يوجد شيء واحد فقط يروعني، وهو ألا أكون جديرا بآلامي».
يتطرق حسن أيضا إلى مفهومي العدم والغياب ودور كل منهما في تشكيل كينونتنا، بل والوجود برمته، وكيف يمكن لهذين المفهومين أن يضيفا معاني مبهمة وساحرة في حياتنا اليومية، وأن يحفزا المخيلة على الإبداع والخلق.
وحول مشكلة المعنى في عصرنا الحديث يذهب الباحث إلى أن عصرنا الراهن يتسم باللايقين وانعدام المعنى، فالعالم يتلاشى من حولنا والوجود يختفي ما إن نمسك به،
وعليه فإن أزمة الفلسفة الحقيقية هي أزمة الوجود الإنساني على هذه الأرض، فغياب الإنسان يعني غياب العالم، ومن هنا يمكننا القول إنَ الفلسفة الوجودية هي فطرة الوعي البشري، منذ أن وجد إنسان الحضارات الأولى، ومنذ أن اخترع البشر الكتابة، فالألم والحزن والاغتراب والغياب والفقدان، ليست مجرد مفاهيم مجردة، وإنما حالات وجودية ثابتة في النفس البشرية لها فاعليتها وتأثيرها في العالم الموضوعي وفي الحدث الزماني، وقد رافقت الإنسان في الماضي، وما زالت ترافقه في الحاضر، وستبقى مستمرة معه في المستقبل. فمهما تخلخلت وتغيرت المعاني والحقائق تبقى هذه الحالات الوجودية التي ذكرناها هي الأكثر قدرة على الثبات والرسوخ في الكينونة، وعلاقتها مع الزمان من حيث هي صراع وبحث دؤوب عن المعنى. وهذا المعنى لا ينبثق إلا من فجوة يتركها العدم في فراغ الوجود، أو من أثر يخلّفه الغياب إلى الأبد.

مقالات مشابهة

  • فصل السياسة عن الدين
  • صن رايز أفضل تجربة ضيافة فى الغردقة بأفضل المواقع المميزة
  • كيف تتحكم المذهبية والعرقية فى النزاع السورى؟
  • الفلسفة في مواجهة التطرف
  • وزير الطاقة يعلن الاستثمار في المعادن بما فيها اليورانيوم
  • سيرة الفلسفة الوضعية  (3)
  • مؤمنون بلا حدود
  • لتنشيط الذاكرة.. أطعمة تساعد على التركيز فى الامتحانات
  • المجوهرات.. و"الملكية"
  • سجل ذكرياتنا عبر العدسة