سلطنة عمان تتبنى تقنيات متقدمة لاحتجاز الكربون
تاريخ النشر: 14th, December 2024 GMT
- تتطلع سلطنة عمان لتطبيق تقنية التقاط الكربون من الهواء مباشرة (DAC).
- يجري استكشاف إمكانية التمعدن الطبيعي باستخدام الصخور الغنية بالبيروتي المتوفرة في شمال عمان لتخزين ثاني أكسيد الكربون بشكل دائم.
- مشروع "الآفاق الزرقاء" يهدف إلى دمج إنتاج الهيدروجين الأزرق والأمونيا الزرقاء عبر احتجاز الكربون.
اتخذت سلطنة عمان، ممثلة بوزارة الطاقة والمعادن، خطوات رائدة نحو تطوير تقنيات التقاط الكربون وتخزينه، كأحد الوسائل الفعالة للحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، ما يسهم في مكافحة تغير المناخ وتحقيق أهداف الاستدامة.
أكد الدكتور فراس بن علي العبدواني، مدير عام المديرية العامة للطاقة المتجددة والهيدروجين، لـ"عمان" أن وزارة الطاقة والمعادن أسست فريق عملا مركزيا مشتركا بين القطاعين العام والخاص، وعَيّنت مستشارا عالميا لوضع الأطر التنظيمية لمشاريع التقاط الكربون وتخزينه وتطوير الهيدروجين الأزرق.
وتدرك سلطنة عمان أهمية تأسيس بنية تنظيمية قوية لدعم هذه المشروعات وتسهيل الاستثمار فيها بطرق آمنة وفعالة. وقد شمل هذا الفريق مجموعة من الجهات والشركات الرائدة لتأسيس إطار قانوني وتنظيمي شامل للقطاع، مع نهج يركز على تحليل الفجوات بين الأنظمة القائمة وتلك المطلوبة لدعم المشروعات التقاط الكربون واسعة النطاق.
ويتوقع أن يسهم هذا الإطار في جذب الاستثمار الدولي وتسريع تنفيذ المشروعات المستقبلية والحالية، كما يشمل العمل دراسة تكنواقتصادية لسيناريوهات مختلفة لتقييم الجدوى الاقتصادية لقطاع التقاط الكربون واستخدامه وتخزينه، مع قياس تأثير السياسات المقترحة على الجدوى الاقتصادية.
سلسلة قيمة تخزين الكربون
وأضاف العبدواني، إن وزارة الطاقة والمعادن عقدت عدة ورش عمل حول سلسلة قيمة تخزين الكربون في سلطنة عُمان، تناولت التحديات التنظيمية وخيارات معالجة قضايا احتجاز ونقل وتخزين ثاني أكسيد الكربون، مع التأكيد على أهمية إنشاء تشريعات خاصة بنظام احتجاز وتخزين الكربون، أو تعديل القوانين القائمة فيما يخص حقوق الملكية والتقييم البيئي ومشاركة الجمهور، بما يتوافق مع المعايير الدولية.
وناقشت الورش أيضًا سيناريوهات نشر تقنيات التقاط الكربون وتخزينه واستخدامه، والهيدروجين الأزرق في سلطنة عُمان، إلى جانب تقدير إجمالي الاستثمار المطلوب لتنفيذ هذه المشروعات، وجدوى استخدام إيرادات النفط والغاز الناتجة عن الاستخلاص المعزز للنفط لتغطية تكلفة البنية الأساسية لنقل ثاني أكسيد الكربون وتخزينه. كما تطرقت النقاشات إلى تحديد أسعار الكربون، والقيمة المضافة للهيدروجين الأزرق مقابل الغاز الطبيعي المسال، وتأثير هذه المشاريع على القيمة المضافة للاقتصاد الوطني وسوق العمل.
وقال أيضا الدكتور العبدواني: إن هناك مجموعة متنوعة من التقنيات المتقدمة لاحتجاز وتخزين واستخدام الكربون (CCUS)، تماشيا مع رؤية عمان 2040 وأهداف الحياد الكربوني بحلول 2050. وتشمل هذه التقنيات احتجاز الكربون من المنشآت الصناعية الكبرى ومحطات توليد الطاقة، وتخزينه في التكوينات الجيولوجية العميقة أوالآبار النفطية المستنفدة. كما تتطلع سلطنة عمان لتطبيق تقنية التقاط الكربون من الهواء مباشرة (DAC)، وتقنية الاستخلاص المعزز للنفط (EOR) عبر إعادة حقن ثاني أكسيد الكربون في حقول النفط. وإلى جانب ذلك، يجري استكشاف إمكانية التمعدن الطبيعي باستخدام الصخور الغنية بالبيروتي المتوفرة في شمال عمان لتخزين ثاني أكسيد الكربون بشكل دائم. وتهدف هذه التقنيات إلى تقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من الصناعات الثقيلة ومحطات الطاقة التي تعتمد على الوقود الأحفوري، مما يساعد سلطنة عمان على تحقيق الأهداف المناخية والوصول للحياد الصفري.
وفيما يتعلق بفوائد احتجاز وتخزين الكربون، أشار العبدواني إلى أن سلطنة عمان لديها استراتيجية وطنية للطاقة تهدف إلى تقليل انبعاثات الكربون من قطاع الطاقة، مما يعزز الانتقال إلى اقتصاد منخفض الكربون ويُقلل انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة 7% بحلول عام 2030.
وتتمثل الفوائد في تقليل الانبعاثات الكربونية بنسبة تُقدر بحوالي 15%، ودعم النمو الاقتصادي من خلال تحويل ثاني أكسيد الكربون إلى منتجات صناعية مثل الوقود أو البلاستيك، واعتباره مطلبا أساسيا لإنتاج الهيدروجين الأزرق كوقود انتقالي قبل التحول إلى الهيدروجين الأخضر، كما تسهم هذه الجهود في تعزيز مكانة سلطنة عمان كقائد إقليمي في تقنيات الطاقة النظيفة عبر التعاون الدولي وتكامل الأطر التنظيمية.
مشاريع احتجاز الكربون
أوضح العبدواني، أن وزارة الطاقة والمعادن تشرف حاليا على عدد من المبادرات المتعلقة باحتجاز وتخزين واستخدام الكربون، من بين هذه المشروعات مشروع "الآفاق الزرقاء" (Blue Horizons)، الذي يُنفذ بالتعاون بين شركة تنمية شل عمان (SDO) وشركة أوكيو (OQ).
يهدف هذا المشروع إلى دمج إنتاج الهيدروجين الأزرق والأمونيا الزرقاء عبر احتجاز الكربون، ويشمل إجراء دراسات حول الجدوى الاقتصادية والفنية للمشروع.
تعمل الوزارة على دعم هذه الدراسات لتهيئة البيئة الملائمة لمشروعات الهيدروجين الأزرق والأمونيا، بما يسهم في تحقيق أهداف سلطنة عمان في مجال الطاقة النظيفة والاستدامة البيئية.
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: ثانی أکسید الکربون الهیدروجین الأزرق الطاقة والمعادن الکربون وتخزینه احتجاز الکربون التقاط الکربون سلطنة عمان الکربون من
إقرأ أيضاً:
عُمان والبحار المفتوحة.. هندسة موقع استراتيجي لعصر الطاقة المتغيرة
يعيش العالم تحولات بنيوية تعيد تشكيل النظام الاقتصادي العالمي، كما يعيد تعريف محاور القوى فيه؛ الأمر الذي يجعل البحر يبرز بوصفه الساحة الجديدة التي تشير إلى القوة الجغرافية. العالم الذي اعتاد النظر إلى الموانئ، لعقود طويلة، باعتبارها أدوات لوجستية في معادلة التجارة، فإنه اليوم يرى تحولها إلى ما يمكن أن يكون عقدا استراتيجيا يربط الطاقة بالاقتصاد العالمي، وتسوية التوازنات بين الشرق والغرب. وتعمل سلطنة عُمان، بكثير من الهدوء، على مشروع عميق لإعادة هندسة موقعها البحري، مستثمرة ما تبقى من الفجوات بين مراكز النفوذ المتزاحمة.
لم يكن منتدى القطاع البحري والموانئ والطاقة الذي بدأت أعماله في مسقط اليوم مجرد منتدى قطاعي، كان واضحا أنه يأتي في سياق التعبير الدقيق عن إدراك عُمان لطبيعة المرحلة، وفهمها أن الموقع الجغرافي لا يكفي وحده لضمان النفوذ أو الاستمرارية. فالقرب من مضيقي هرمز وباب المندب يمنح سلطنة عُمان أفضلية عبور، لكنه لا يضمن دورا محوريا إلا إذا صيغت حوله منظومة لوجستية متكاملة تستجيب للمعايير الجديدة المتمثلة في الكفاءة التشغيلية، والحياد الكربوني، وربط الطاقة بالتكنولوجيا الذكية.
ومن خلال فهم مضامين النقاشات التي شهدها اليوم الأول من المنتدى بدءا من تطوير منظومات الوقود البحري المستدام، إلى تعزيز التحول الرقمي في إدارة سلاسل الإمداد، يتضح التغير الواضح في فلسفة الاستثمار العُمانية. فلم يعد الهدف مجرد توسيع البنية الأساسية، بل الانتقال إلى تكوين بيئة لوجستية مرنة قادرة على امتصاص صدمات الأسواق، ومواكبة تحول الطلب العالمي من الوقود الأحفوري إلى مصادر الطاقة البديلة.
غير أن هذا التحول يضع عُمان أمام معادلة معقدة: كيف توازن بين طموحاتها اللوجستية ومصالح القوى الكبرى المتنافسة على النفوذ البحري في المنطقة؟ وكيف تبني منظومة طاقة مستدامة في بيئة لا تزال رهينة لتقلبات أسعار النفط والغاز، ومخاطر اضطراب حركة الشحن العالمي نتيجة النزاعات الإقليمية؟
إزاء هذه المعطيات، بلورت سلطنة عُمان استراتيجية مزدوجة المعالم؛ فهي من جهة، تعزز قدراتها المحلية عبر الاستثمارات في موانئ حديثة ومراكز إمداد للطاقة النظيفة؛ ومن جهة أخرى، تنوع شراكاتها الدولية بطريقة تحافظ على استقلال قرارها البحري والطاقي. ونجاح هذا الرهان مربوط بقدرتها على تجاوز منطق الاعتماد الأحادي على الموقع الجغرافي، والتحول إلى قوة معرفية وتقنية قادرة على صياغة الحلول بدل الاكتفاء باستقبال السفن العابرة.
من هذه الزاوية، فإن أهمية المنتدى لا تكمن فقط في استعراض الفرص، بل في كشف التحديات التي تواجه كل دولة تطمح إلى بناء حضور بحري عالمي تتمثل في تصاعد التنافس على خطوط الإمداد، والتغير السريع في تقنيات الطاقة، وتزايد الضغوط الأخلاقية والبيئية على الصناعات البحرية. بمعنى آخر، معركة المستقبل لن تكون فقط حول من يملك الميناء الأكبر أو الأسطول الأوسع، بل حول من يملك المرونة التكنولوجية والبصيرة الاستراتيجية الأبعد.
وإذا استطاعت عُمان أن تواصل الاستثمار في رأس المال البشري والابتكار التقني بالزخم ذاته الذي أظهرته مبادرات مثل مجموعة أسياد، فإنها في طريقها لتكون مركز ثقل أساسيا في معادلة الطاقة واللوجستيات العالمية خلال العقود القادمة خاصة في عالم تتراجع فيه أولوية المسافة لصالح معايير الاستدامة والابتكار التكنولوجي في رسم شبكات التجارة العالمية؛ لذلك فإن موقع سلطنة عُمان يمكن أن يتحول إلى أكثر من مركز عبور، ليغدو نقطة توازن حيوية بين شرق يتصاعد وغرب يعيد رسم استراتيجياته. والذين يدركون مبكرا أن الذكاء والمرونة تتفوقان على الجغرافيا، هم من سيرسمون خريطة البحر الجديد.