تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

لطالما كانت الحروب مصدرًا للدمار، ليس فقط فى الأرواح والممتلكات، ولكن أيضًا فى الثقافة والتراث، ففى خضم الصراعات الدموية، لا يقتصر أثر الحرب على القتل والتشريد فحسب، بل يمتد ليطال الهوية الثقافية لشعوب بأكملها، حيث يتعرض التراث الثقافى الذى يشكل جزءًا لا يتجزأ من تاريخ وهوية الشعوب، للتدمير المتعمد أو الإهمال خلال الحروب، مما يؤدى إلى خسارة لا يمكن تعويضها ليس فقط للبلدان المتأثرة، بل أيضًا للإنسانية جمعاء.


فى العصر الحديث، أصبح تدمير التراث الثقافى إحدى الأدوات التى تستخدمها الأطراف المتصارعة فى الحروب لتقويض هوية الأمم المستهدفة ولم يعد الأمر مقصورًا على القتل والتدمير المادي، بل أصبح أيضًا حربًا على الذاكرة، والتاريخ، والانتماء من خلال تدمير الآثار والمعالم الثقافية، يتم مسح جزء كبير من تاريخ الشعوب، مما يسهل إعادة كتابة التاريخ وصياغة هويات جديدة قد تتوافق مع رغبات القوى المسيطرة.
الحروب لا تقتصر على معركة فى الجبهات الأمامية فحسب، بل تشمل أيضًا معركة على الأرضية الثقافية، حيث تصبح المعابد، المكتبات، المساجد، الكنائس، والمزارات، أهدافًا عسكرية تستهدف التدمير فى العديد من الأحيان، يرافق التدمير عمليات نهب لأثمن القطع التاريخية، مما يضاعف من حجم الخسارة المادية والمعنوية، ففى سوريا على سبيل المثال، تعرضت العديد من المواقع التاريخية لدمار هائل خلال الحرب الأهلية، حيث تم تدمير آثار تدمر التاريخية والمكتبات العامة، ما أثر على تاريخ مدينة كانت واحدة من أعظم العواصم الثقافية فى العالم القديم.
إحدى أخطر نتائج تدمير التراث الثقافى فى الحروب هو طمس الهوية الثقافية لشعب ما، الهوية الثقافية لا تتكون فقط من اللغة والديانة، بل من التاريخ والآثار والممارسات الثقافية التى تميز كل مجتمع عن غيره، وعندما يتم تدمير هذه الآثار والمواقع التاريخية، فإن الشعب يفقد مرجعيته الثقافية، وتصبح ذاكرته الجماعية مشوهة أو غائبة.
هذا ليس مجرد فعل من أفعال القتل العشوائي، بل هو محاولة ممنهجة لإعادة تشكيل هوية شعب، فى سياق نزاع طويل الأمد، على مر التاريخ استخدمت الحروب أدوات محو الهوية جنبًا إلى جنب مع أسلحة القتل والتدمير، من هدم المعابد القديمة وحرق المكتبات فى العصور القديمة، إلى تسوية المبانى بالأرض واستهداف دور العبادة فى الحروب الحديثة، حيث يصبح من السهل على القوى المتصارعة فرض تاريخ جديد أو هوية جديدة على شعوب بأكملها.
فى العراق، على سبيل المثال، دمرت الجماعات الإرهابية مثل داعش العديد من المعالم الأثرية الهامة فى مدينة الموصل، بما فى ذلك جامع النورى ومنارة الحدباء، هذه المواقع لم تكن مجرد أماكن عبادة بل كانت رموزًا ثقافية مهمة للهوية العراقية، وتحمل ذاكرة الشعب العراقى بكل تنوعه الدينى والإثني، وما زال هذا التدمير يشكل جرحًا عميقًا فى وجدان الشعب العراقي، ويمثل خسارة ثقافية عظيمة.
التراث الثقافى لا يشمل فقط الآثار المعمارية، بل يمتد ليشمل الرموز، العادات، الحرف، والموسيقى والقصص الشعبية التى تحدد كيفية عيش الشعب وتفاعله مع العالم من حوله، وعندما يتم تدمير هذه المكونات الأساسية للثقافة، يصبح من الصعب على الأجيال القادمة الحفاظ على الرابط مع تاريخهم وهويتهم.
إن محو هذه الذاكرة الجماعية لا يضر فقط بالحاضر، بل يؤثر بشكل طويل الأمد على قدرة الأجيال المقبلة على فهم تاريخها وإعادة بناء وطنها على أسس ثقافية قوية، فالأمة التى تفقد ثقافتها وذكرياتها التاريخية تصبح بلا جذور، ولا يمكنها التفاعل مع العالم من حولها بشكل كامل.
وفى ظل تزايد استخدام التراث الثقافى كهدف فى الحروب، تزداد الحاجة إلى آليات فعالة لحماية هذا التراث أثناء النزاعات المسلحة، وقد بدأت بعض المنظمات الدولية، مثل منظمة اليونسكو، فى اتخاذ خطوات للحفاظ على المواقع التاريخية والمعالم الثقافية أثناء الصراعات، فى بعض الحالات، تم تفعيل اتفاقيات دولية لحماية المواقع الأثرية والمعمارية من التدمير، ومنع تهريب الآثار.
إلا أن هذه الإجراءات لا تكفى إذا لم يتم تطبيقها بشكل صارم على الأرض، فالواقع الميدانى فى مناطق النزاع غالبًا ما يعكس غياب الرقابة أو عدم القدرة على تنفيذ هذه الاتفاقيات، لذلك يتعين على المجتمع الدولى تعزيز التعاون لتوفير الحماية اللازمة للمواقع الثقافية خلال الحروب، بما فى ذلك من خلال فرض عقوبات على الأطراف التى تقوم بتدمير هذه المواقع بشكل متعمد.
تدمير التراث الثقافى ليس مجرد جريمة ضد التاريخ، بل هو جريمة ضد الإنسانية بأسرها، إذ يؤدى إلى مسح هويات الشعوب وتحويلها إلى أسطورة، مما يجعل من الصعب إعادة بناء الوطن أو استعادة الماضى الثقافى المفقود فى عالمنا اليوم، حيث تزداد الحروب والنزاعات المسلحة ومن الضرورى أن نعى أهمية حماية التراث الثقافي، وأن نعمل على جعل هذه القضية أولوية دولية، ليس فقط من أجل الحفاظ على الآثار، بل أيضًا من أجل الحفاظ على ذاكرة الشعوب وتاريخهم وهويتهم.

المصدر: البوابة نيوز

كلمات دلالية: الحروب الشعوب الذاكرة الثقافية التراث الثقافة التراث الثقافي الآثار التراث الثقافى فى الحروب

إقرأ أيضاً:

دراسة: ممارسة الرياضة لمدة 30 دقيقة تعمل على تحسين الذاكرة

نشرت صحيفة "الغارديان" تقريرا لمراسلة العلوم، نيكولا ديفيس ، قالت فيه إنه بالنسبة للأشخاص الذين يذهبون إلى العمل على الدراجات الهوائية أو من يبدأون يومهم بالمشي السريع فإن فوائد ممارسة بعض التمارين الرياضية المبكرة مفهومة جيدا.

ويعتقد العلماء الآن أن النشاط ليس مجرد فكرة جيدة لتحسين اليوم التالي - يمكن أن يرتبط النشاط البدني بزيادة طفيفة في درجات الذاكرة في اليوم التالي أيضا.

وأظهرت دراسة من جامعة كلية لندن أن 30 دقيقة من النشاط المعتدل إلى القوي والنوم لمدة ست ساعات على الأقل في الليل، يمكن أن تساهم في تحسين الأداء الإدراكي في اليوم التالي.

وقالت الدكتورة ميكايلا بلومبرغ، المؤلفة الأولى للدراسة، "الخلاصة هي أن النشاط البدني مفيد لدماغك والنوم الجيد يساعد في ذلك".



وأشار الباحثون إلى أن النشاط البدني كان مرتبطا سابقا بتحسينات قصيرة المدى في الوظيفة الإدراكية وانخفاض خطر الإصابة بالخرف.

ومع ذلك، أشارت بلومبرغ إلى أن العديد من الدراسات التي تبحث في التأثيرات قصيرة المدى كانت مبنية على المختبرات، وتتبعت في المقام الأول الاستجابات على مقياس زمني يتراوح من دقائق إلى ساعات. اقترحت هذه الدراسات أن الفوائد قد ترجع إلى زيادة تدفق الدم إلى الدماغ وتحفيز المواد الكيميائية المعروفة باسم الناقلات العصبية.

ويقول الباحثون الآن إنهم نظروا في التأثير قصير المدى للنشاط البدني الذي يتم إجراؤه في الحياة الواقعية، ولم يجدوا فوائد للدماغ فحسب، بل كشفوا أيضا أن هذه الفوائد تستمر لفترة أطول من المتوقع.

وفي المجلة الدولية للتغذية السلوكية والنشاط البدني، أفادت بلومبرغ وزملاؤها كيف طُلب من 76 بالغا تتراوح أعمارهم بين 50 و83 عاما، والذين لم يكن لديهم ضعف إدراكي أو خرف، ارتداء مقياس تسارع لمدة ثمانية أيام لتتبع نومهم ونشاطهم البدني أثناء قيامهم بحياتهم الطبيعية.

وكل يوم، تم إعطاء المشاركين أيضا اختبارات معرفية بسيطة عبر الإنترنت لاستكشاف انتباههم وذاكرتهم وسرعة معالجتهم للمعلومات، من بين قدرات أخرى.

وقال الفريق إن نتائجهم تكشف أن كل زيادة لمدة 30 دقيقة في النشاط البدني المعتدل إلى القوي في اليوم السابق تتوافق مع زيادة بنسبة 2-5% في درجات الذاكرة العرضية والذاكرة العاملة في اليوم التالي، على الرغم من أن الأخيرة فقط بقيت بمجرد النظر في بيانات نوم المشاركين.

وبينما أشارت بلومبرغ إلى أنه من الصعب القول ما إذا كان هذا يتوافق مع فرق ملموس - سريري - للمشاركين، قالت إن الخطوة التالية هي القيام بعمل مماثل مع الأشخاص الذين يعانون من ضعف إدراكي.

وقالت، "الفكرة هي بالنسبة للأشخاص الذين يعانون من ضعف إدراكي خفيف، فإن زيادة طفيفة جدا في الأداء الإدراكي على أساس يومي يمكن أن تحدث فرقا كبيرا".

كما وجد الفريق أن كل زيادة لمدة 30 دقيقة في السلوك المستقر كانت مرتبطة بانخفاض صغير في درجات الذاكرة العاملة في اليوم التالي.

وعلى الرغم من أن بلومبرغ قالت إن كيفية قضاء الوقت المستقر قد تكون مهمة، في حين أن أولئك الذين ناموا ست ساعات على الأقل في الليلة حصلوا على درجات أعلى للذاكرة العرضية والانتباه وسرعة الاستجابة الجسدية في اليوم التالي، بعد مراعاة مستويات النشاط البدني، من أولئك الذين حصلوا على قسط أقل من النوم.



ومع ذلك، فإن الدراسة لها حدود، بما في ذلك أن المشاركين لديهم مستويات عالية من التعليم، وصحة ممتازة ومستويات عالية من النشاط البدني اليومي.

وأضافت بلومبرغ أنه ليس من الواضح بالضبط ما الذي يدفع تأثير التمرين على الذاكرة في اليوم التالي، حيث يُعتقد أن فوائد النواقل العصبية لا تستمر إلا لبضع ساعات. وأشارت أيضا إلى أن آليات مختلفة قد تكون وراء الفوائد طويلة الأمد للتمرين على الدماغ.

وترتبط الدراسة بالتركيز على حماية أدمغتنا مع تقدمنا في السن. وقالت بلومبرغ: "نعاني جميعا من التدهور المعرفي مع تقدمنا في السن، إنه جزء طبيعي من الشيخوخة، لذا فإن هذه هي الفئة العمرية حيث نبدأ في التفكير: ما هي هذه الأشياء الصغيرة التي يمكننا القيام بها على أساس يومي لتحسين وظائفنا الإدراكية واستقلالنا ومشاركتنا الاجتماعية؟"

مقالات مشابهة

  • محمود حامد يكتب: حروب الإبادة الثقافية.. كارثة تواجه المجتمع الدولى
  • مستشار رئيس الجمهورية اليمني للشئون الثقافية في حوار خاص مع «البوابة نيوز»: الآثار اليمنية في خطر.. التعاون الدولى أساس للحفاظ عليها
  • ختام فعاليات الأسابيع الثقافية بإدارات الأوقاف الفرعية بالفيوم
  • أرواح في المدينة تختتم لقاءاتها بـ 2024 وتحتفي بـ شادي عبد السلام
  • الثقافة: تسجيل أي عنصر تراثي لدى اليونسكو يتطلب تقديم ملفا متكاملا
  • آخر لحظات رشدي أباظة قبل وفاته.. فقد الذاكرة والقدرة على النطق
  • "الأيام الثقافية التونسية" في "بيت الزبير" تحتفي بجزيرة جربة التراثية
  • صورة الملكة إليزابيث في قصر الأسد.. سرّ هذه الزيارة التاريخية
  • دراسة: ممارسة الرياضة لمدة 30 دقيقة تعمل على تحسين الذاكرة