سوريا: سقوط الأسد وارتدادات الربيع العربي؟
تاريخ النشر: 10th, December 2024 GMT
مثلما يحدث مع الزلازل، الجميع يعرف بأن منطقة معينة يضرب فيها الزلزال يوما، ولكن لا أحد يعرف بالتأكيد التاريخ المحدد لوقوعه، هو ما يحدث في العالم العربي من تطورات وهزات جيوسياسية عميقة، أبرزها ما يجري في سوريا بانهيار النظام الجمهوري – الملكي لعائلة الأسد وزبانيته يومي 7 و8 ديسمبر/ كانون الأول 2024 وقد تكون أنظمة أخرى مرشحة.
وهكذا، يعتبر العالم العربي منطقة زلازل حقيقية، تسجل زلزالا تلو الآخر بشكل مفاجئ، يعلم الجميع بوقوعها، لكن لا يتم اتخاذ البناء المناسب للتخفيف من تأثيراتها، التي قد تكون خطيرة عندما تضرب.
وإذا كانت الزلازل الطبيعية تقع بسبب تحرك الصفائح التكتونية، واهتزاز سريع ومفاجئ للأرض ناتج عن تعاظم الضغط الناشئ عن إزاحة في الطبقات الصخرية تحت سطح الأرض، فهذا تعادله في العالم العربي سياسيا، صفائح تكتونية من نوع آخر.
نتحدث عن وجود عناصر تفجر الوضع مثل الفقر وخروقات حقوق الإنسان وسرقة ونهب أموال الشعب وتهريبها إلى الخارج وجعل أجهزة الدولة الإدارية والأمنية والقضائية والعسكرية والاستخباراتية في خدمة الفرد ومجموعة الفاسدين، التي تدور في فلكه وتحتكر شعارات الوطنية وتتفنن في الحديث عن العدو الخارجي والداخلي، بينما هي تشكل أكبر عدو للوطن والشعب.
وقد أظهرت تجارب إسقاط طغاة من نوع المصري حسني مبارك والتونسي زين العابدين بن علي نموذجا حيا في هذا الشأن، وها هو بشار الأسد ينضاف إلى اللائحة، وهي اللائحة التي ما زالت مفتوحة.
كثيرة هي التساؤلات المطروحة حاليا ومنها، نوعية التكتيك العسكري العالي للمعارضة، أو الجماعات المسلحة وهو نسخة من التكتيك التركي، الأمر الذي يؤكد كيف تدرب هؤلاء في الكليات العسكرية التركية، ثم مناورات روسيا للحفاظ على قواعدها العسكرية طرطوس البحرية وحميميم الجوية، ثم مآل التعاون العسكري مع إيران، على الرغم من الاختلافات المذهبية الدينية، وكيف سيكون موقف المسلحين الجدد من حرب قطاع غزة.
غير أن التساؤل المركزي الآن هو هل يمكن اعتبار ما يجري في سوريا هو حلقة من حلقات الربيع العربي في صيغة جديدة ومغايرة. حتى الآن يتم التعامل مع هذا التساؤل بنوع من الريبة والشك والتوجس، تتساءل الأنظمة العربية هل هي موجة من التغيير مقبلة، وبدورها تنتظر الشعوب بدهشة لما يقع في سوريا وهل سينتقل إلى دول أخرى.
في البدء ورغم شتى التأويلات، تعتبر الجماعات المسلحة بقيادة الجولاني بشكل أو آخر امتدادا للانتفاضات التي شهدتها سوريا في إطار الربيع العربي، الذي انفجر نهاية 2010 وبداية 2011، ولا تعتبر امتدادا لانتفاضة أخرى، أو عامل آخر مثل حرب العراق، على الرغم من العوامل الجديدة التي طرأت ومنها الخارجية، حيث تبقى النواة هي نتاج الربيع العربي، هي نتاج سنوات طويلة جدا من القتل والاغتيال والقهر.
هذا يبرز بعض الأطروحات وكنت من المدافعين عنها في هذا الركن منذ سنوات وفي كتابي «انتفاضة الكرامة في العالم العربي» الصادر باللغة الإسبانية عام 2012، بالتأكيد أنه يجب رؤية الربيع العربي مثل مسلسل ممتد في التاريخ على شاكلة النهضة الأوروبية، أو إقامة الدول الأوروبية للديمقراطية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. إذ أن تاريخ الأحداث لشعب ووطن، أو أمة بمفهومها الواسع مثل العربية – الإسلامية لا يعد مباراة في كرة القدم، أو رياضات أخرى مرتبطة بالزمن القصير جدا، بل هي منعطفات تاريخية تخضع لما يلي:
أولا، فترة زمنية تشمل جيلين أو ثلاثة أجيال لترسيخ فكرة التغيير لتحقيق تغيير جذري حقيقي للانتقال إلى مرحلة مختلفة، خاصة في حالة العالم العربي والإسلامي، الذي خضع لقرون من هيمنة الفكر الظلامي، ثم الاستعمار، وأخيرا أنظمة ديكتاتورية وسلطوية بعضها من أسوأ الأنظمة خلال الخمسين سنة الأخيرة في العالم مثل حالة النظام السوري. وبالفعل، فقد ترسخت فكرة وحلم التغيير لدى الشعوب العربية حاليا، فرغم عودة الديكتاتورية في دول مثل مصر وتونس والفوضى في أخرى مثل ليبيا واليمن، أصبحت الشعوب العربية تتوق للتغيير لأنها لا تريد أن تكون حالة شاذة بين شعوب العالم وفي التاريخ، أي قدرها هو أنظمة ديكتاتورية. ويمكن الاستشهاد في هذا الصدد بدول أمريكا اللاتينية، فقد شهدت بداية الديمقراطية في العقود الأولى من القرن العشرين، لكنها سقطت لاحقا في يد أبشع الديكتاتوريات العسكرية مثل حالتي تشيلي والأرجنتين والآن تعيش في ديمقراطيات تحاكم رؤساءها.
ثانيا، هذا المسلسل يواجه تحديات كبرى يمكن تصنيفها في حالة الربيع العربي بـ»الثورة المضادة» كما وقع في أوروبا في القرن التاسع عشر ومثال أمريكا اللاتينية السابق، وهي إصرار شريحة من المسؤولين والمواطنين على رفض التغيير والإبقاء على الوضع السائد بالعنف المفرط. وهذا يترتب عنه نكسات في بعض الأحيان، توحي بأن التغيير مستحيل. وبالفعل رأينا بعد الربيع العربي كيف تحركت دول عربية وأجنبية، لتشكل الثورة المضادة لوقف مسلسل التغيير، وروجت لسردية سعت للتحذير من الربيع العربي، وكأنه كفر وزندقة وفوضى. وأحيانا، قد يحمل التغيير جماعات تحركت باسم الحرية وتصبح ضد الحرية، وقد يحدث هذا في سوريا بسبب طبيعة المقاتلين المنحدرين سياسيا من الفكر الإسلامي السياسي المتشدد، ويقدمون أنفسهم حاليا بأنهم براغماتيين سيحترمون على الأقل الحد الأدنى من الديمقراطية، التي ستضمن التعايش بين مختلف الإثنيات والمذاهب في هذا البلد.
ثالثا، تلعب وستلعب قوى أجنبية دورا يختلف بين الثانوي والرئيسي في توجيه دفة تطورات الأحداث، وسيعتقد المواطن أن كل شيء مخطط له في مكاتب الدراسات الاستراتيجية في الغرب، وما الشعوب سوى دمية تتقاذفها مصالح الدول الكبرى. والواقع أن الدول الإقليمية والقوى الكبرى تتأقلم مع التغييرات وتبادر بإجراءات توحي بأن كل شي مخطط له سلفا.
ختاما، وعليه، طالما يستمر القمع وخروقات حقوق الإنسان ونهب الثروات وغياب الديمقراطية في العالم العربي، سيستمر حلم الربيع العربي في صيغ مختلفة لأن الشعوب العربية لا تريد أن تكون حالة شاذة بين شعوب العالم، أي قدرها أنظمة سلطوية، وأن مفهوم الربيع العربي هو أوسع وأشمل وأصبح يعني «العيش في ظل الكرامة والحرية» وأن على الحكام التعلم من التجارب السياسية حتى لا يكون مصيرهم مثل بشار الأسد وحسني مبارك والقذافي و..
القدس العربي
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات كاريكاتير بورتريه سوريا الربيع العربي سوريا الربيع العربي الثورة السورية سقوط الاسد مقالات مقالات سياسة مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة فی العالم العربی الربیع العربی فی سوریا فی هذا
إقرأ أيضاً:
الشرع وحده لا يكفي.. ماذا ينتظر سوريا؟
برز أحمد الشرع، مؤسس الفرع السوري لتنظيم القاعدة الإرهابي، كزعيم انتقالي لسوريا بعد الإطاحة بحكم الرئيس السابق بشار الأسد، الذي دام 55 عاماً، في حملة عسكرية خاطفة في ديسمبر (كانون الأول) 2024.
مؤيدو الشرع يؤكدون أن تحوله بدأ في إدلب
ورغم ماضيه المتطرف، يسعى الشرع لتقديم نفسه كموحِّد للبلاد، واعداً بإعادة بناء سوريا تحت رايتي الاعتدال والشمولية، ولكن قيادته تواجه تحديات جسيمة، وفق تقرير روبرت إف. وورث، كاتب مساهم في مجلة "ذا أتلانتيك" الأمريكية، منها: العنف الطائفي، والانهيار الاقتصادي، وانعدام الثقة بين الأقليات، ومهمة شبه مستحيلة لإقامة دولة من بين ركام ديكتاتورية، وحرب أهلية دمّرت البلاد لعقود.
Can One Man Hold #Syria Together?
A former jihadist has remade himself in a bid to remake a scarred and divided country. https://t.co/ZhJTcWiFUW
شكَّلَ إسقاط الأسد بحملة عسكرية بزعامة الشرع استغرقت 11 يوماً مفاجأة للعالم، حيث سيطرت قواته، بما فيها تحالف "هيئة تحرير الشام"، على مدن كحلب ودمشق بضبط نفس مدهش، متجنبة الانتقام الدموي المُتوقَّع من جماعة سابقة للقاعدة.
وفي حلب، روى مسيحيون تعاملاً محترماً من مقاتلي هيئة تحرير الشام، الذين وزعوا الطعام وحافظوا على الهدوء، وتناقض هذا الانضباط بوضوح مع الصورة النمطية للجماعات الإرهابية.
وفي خطاب تنصيبه بدمشق، قدم الشرع نفسه كـ"ابنٍ بار" لـ"أمٍّ حزينة" (سوريا)، مُتعهداً بملء فراغ السلطة ومنع أعمال الانتقام. إن تحوُّله من قائد متشدد – معروف سابقاً بلقب "أبو محمد الجولاني" – إلى رجل دولة أنيق يرتدي بذلات حديثة يرمز لمحاولته كسب الشرعية.
قال الشرع في خطابه محاولاً الابتعاد عن ماضيه العسكري: "قد تُسقِط الثورة نظاماً، لكنها لا تبني دولةً".
العنف الطائفي وتحديات الحكم
ورغم وعود الشرع، أصبحت الأقلية العلوية – طائفة الأسد – هدفاً للخطف والمجازر.
وما زالت الأقليات، كالمسيحيين والدروز، يشعرون بالتوجس من جذور الشرع، روى القس فراس اللطفي كيف أخفى رجالاً شيعة خلال سقوط دمشق.
ويسود القلق موقف الشرع الغامض من مستقبل سوريا، إذ يعد بالشمولية، ويتجنب التصريح بالديمقراطية. وحين سُئل عن تبني الديمقراطية، أجاب: "إذا كانت تعني أن يختار الشعب حكامه، فنعم".
ولا شك في أن وجود عناصر متطرفة داخل تحالف الشرع يُضعف صورته المعتدلة.
وظهرت التناقضات الأيديولوجية داخل النظام من خلال تعيينات مثيرة للجدل، مثل وليد كبولة، وهو المشرف التعليمي الذي دعا إلى "تطهير سوريا من العلويين والشيعة واليهود".
إعادة الإعمار والانهيار الاقتصادي
وتعاني بنية سوريا التحتية من الخراب. تفتقر المدارس إلى الورق والتدفئة؛ يتقاضى المعلمون 20 دولاراً شهرياً. وفي مستشفى ابن سينا النفسي قرب دمشق، يرتجف المرضى خلف القضبان، ويعيشون على تبرعات الطعام بينما توزع الممرضات السجائر لتهدئتهم. تساءلت ممرضة: "من سيبقى مع مجانين دون حصوله على راتب؟"
Many Syrians agree that after 14 years of brutal civil war, there is now a need for a strong pair of hands that can keep the country together.
✍️ Daniel Thorpe https://t.co/dgJNNJQXoZ
ويعاني الاقتصاد المُنهك بالحرب والعقوبات من العزلة. اعتماد الأسد على تجارة الكبتاغون خلّف إرثاً ساماً. داهمت قوات الشرع مستودعات تخزين كان يسيطر عليها ماهر الأسد (شقيق بشار)، وأحرقت كميات ضخمة من المخدرات. لكن تحويل الميليشيات المعتمدة على التهريب لخدمة الجيش والدولة تحدّ لا يعرف أحد نتيجته.
تؤدي العقوبات الدولية، المفروضة بسبب تصنيف هيئة تحرير الشام كإرهابية، إلى خنق سبل التعافي. ويُحجم الغرب عن تقديم المساعدة برغم مناشدات الشرع. أما تركيا، الداعم الرئيس، فتفتقر للأموال اللازمة، بينما تباطأت وعود الخليج.
وحذر محللون من أن "فشل الشرع في إنعاش الاقتصاد سيؤدي إلى تفكيك تحالفه" متخيلين سيناريو ليبي من الفوضى.
مناورات سياسية ووحدة هشة
برعت حنكة الشرع في صفقاته السياسية كالاتفاق مع الأكراد. وفي مارس (آذار) 2024، منح حكماً ذاتياً للشمال الشرقي، مُدمجاً ميليشياتهم المدعومة أمريكياً في الدولة. وأُطلقت الأفراح أعيرة نارية، لكن التوترات باقية: الأكراد يسيطرون على النفط، والمفاوضات المستقبلية ستختبر مدى ولائهم. أما الدروز فيقاومون الاندماج. طالب زعيمهم الشيخ حكمت الحجري بـ"دولة قانون" قبل نزع السلاح. وفي إدلب، أظهرت تجربة "شبه الدولة" بزعامة الشرع نجاحاً؛ فقد كبح المتطرفين، وأقام المحاكم وأعاد الخدمات.
التصور الشعبي: أملٌ مقابل شكوك
السوريون منقسمون. بعضهم، كالمصور ضياء السيد، يرون الشرع "صاحب رؤية". كان ضياء موثِّقاً جيداً لجرائم الأسد، وأشاد بجهود الشرع وتركيزه على "طي الصفحة". أما آخرون، وخاصة العلويين، فيرونه "ذئباً في ثياب حمل". وقال ناشط علوي: "نخشى أن يظهر الجولاني الذي بداخل الشرع".
مؤيدو الشرع يؤكدون أن تحوله بدأ في إدلب، حيث حكم بنزعة براغماتية. أقام "ديوان مظالم" لمعالجة شكاوى المواطنين، وتقبل الاحتجاجات سواء إسلامية أو علمانية. "تعامل بحكمة مع الحركات"، هكذا قال الجراح خلدون الملاّح، الناجي من وحشية تنظيم داعش الإرهابي.
وأشارت المحللة السياسية دارين خليفة إلى تحوله التدريجي بقولها: "إنه إسلاموي براغماتي يقرأ سياسات المنطقة".
أمة عند مفترق طرق
وحذر معد التقريرمن أنه إذا تعثر الإعمار، فقد يصبح الفشل الليبي نموذجاً محتملاً لمستقبل سوريا. وتعتمد عملية التعافي الاقتصادي بشكل حاسم على المساعدات الخارجية ورفع العقوبات، لكن الغرب تساوره شكوك كبيرة بشأن المستقبل السوري.
وتواجه قيادة أحمد الشرع تحدياً رئيساً يتمثل في التوفيق بين ماضيه العنيف وصورته الحالية كرجل دولة. ورغم أن كاريزميته وقدرته على إبرام الصفقات توفر أساساً هشاً للوحدة الوطنية، فإن الانقسامات العميقة في سوريا - بسبب التوترات الطائفية والانهيار الاقتصادي والتدهور المؤسسي - تشكل تهديداً وجودياً.
ويكمن الاختبار الأهم للشرع، وفق الكاتب، ليس في المجال العسكري، بل الأخلاقي: هل يستطيع، بصفته جهادياً سابقاً، إعادة تشكيل نفسه كقائد لإعادة بناء سوريا؟، أم أن إرث سجون الأسد و"دولة الخلافة" سيبقى يطارد مستقبل البلاد؟ الإجابة تتوقف على قدرته على تجاوز ماضيه وإقناع الشعب بالسير في الاتجاه ذاته.