خلاصة القول.. سقط «الأسد» وسوريا لم تسقط
تاريخ النشر: 8th, December 2024 GMT
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
في اعتقادي أن سوريا لن تسقط بالمعنى الراسخ في أذهان الكثير، مثلما حدث في «ليبيا أو اليمن»، وإنما سوف يكون هناك اتفاقات، حتى وإن ظهر المشهد العام مضطربًا، لكن سيكون للدولة العميقة حسابات أخرى.
ما شاهدناه من تساقط المدن السورية، واحدة تلو الأخرى، دون مقاومة من القوات المسلحة الرسمية، بل وانحصارها بشكل تكتيكي ناحية العاصمة، يشير إلى أن هناك تفاهمات من الطرفين بأن التغيير حتمي في هذه الأثناء.
المشكل الأساسي هو نظام الرئيس بشار الأسد، حيث إن ما يسمى بالائتلاف الوطني السوري، الذي حظي بدعم دولي وتم الاعتراف به كشريك في الحوار، منذ اندلاع ثورات الخراب العربي في 2011 سعى إلى تغيير نظام حزب البعث العربي الاشتراكي «حزب الرئيس».
لماذا استمر النظام إلى الآنواكتسب النظام السوري استمراريته، من الدعم المطلق من ذراع إيران الطولى «حزب الله»، وكذلك روسيا إلى ما يقرب من 12 عامًا، حتى بدأت «موسكو» حربها مع أوكرانيا، وبدأت حرب لبنان بين حزب الله وإسرائيل، الأمر الذي قلل من المساندة.
جزء كبير من هذا إضافةً إلى تدخلات دول أقليمية ودولية، لتغيير المشهد السياسي السوري أدي ما بدأت به الجماعات المسلحة في الشمال يوم 27 نوفمبر الماضي، إلى انتهاز الفرصة التي تم التخطيط لها جيدًا، وإحكامها ووضعها قيد التنفيذ.
سوريا دولة ليست بالسهولة التي يعتقدها البعض، فهي قلب الشام النابض، وعضو مؤسس لجامعة الدول العربية، ولديها من الحضارة والتاريخ ما يجعلها تقف على أرض صلبة ولديها جيش خاض حروبًا ويعرف قيمة الوطن.
الجيش الوطني تفهم طبيعة المرحلةأرى أن الجيش العربي السوري تفهم جيدًا طبيعة المرحلة الراهنة التي يمر بها وطنه، وبناءً عليه أدرك مبكرًا حتمية تغيير الرئيس، حفاظًا على مؤسسات الدولة وأركانها، وأن العنف والمواجهة النارية لم تخلف إلى هدم ودمار ما تبقى من الدولة.
وهذا ظهر جليًا في خطاب رئيس الحكومة، محمد غازي الجلالي فجر اليوم، فأبرز أنه مستعد للتعاون مع أي حكومة يختارها السوريون، وأنه ليس حريصًا على أي منصب، ويمد يده للمعارضين للتعاون من أجل البلاد، وأشار إلى أن سوريا لكل السوريين، وأي قيادة يختارها السوريون سينقل لها كل الملفات.
ومن الناحية الأخرى، قال قائد الفصائل المسلحة في سوريا، إن المعارضة، ستترك إدارة شئون مؤسسات الدولة، في يد رئيس الحكومة حتى يتم انتقالها بشكل رسمي، وذلك بالتزامن مع الخطاب الذي ألقاه «الجلالي» فجر اليوم.
ربما في القريب العاجل ستكون الأمور أكثر إيضاحًا مما عليه الآن، وستظهر سيناريوهات قلب الشام الجديد، دعونا نرى دون أن نرسخ في أذهان بعضنا أنه فتح بعد إغلاق كما يروج له أهل الشر، فـ«سوريا» دولة.
المصدر: البوابة نيوز
كلمات دلالية: سوريا الجيش السوري فصائل سوريا سقوط سوريا الائتلاف الوطني السوري حزب البعث العربي الاشتراكي الرئيس بشار الأسد الأسد بشار الأسد
إقرأ أيضاً:
سيطرة “إسرائيل” على سوريا.. مقدّمة لحرب ضدّ إيران
في ما بدا جلياً أنه مخطّط إسرائيلي تركي أمريكي لإسقاط الرئيس بشار الأسد، قامت مجاميع مسلحة مكونة من عشرات الآلاف المدرّبة والمدعومة من قبل تركيا وأوكرانيا و«إسرائيل» بالهجوم على الجيش السوري انطلاقاً من إدلب باتجاه حلب، لتُتبعه بعد ذلك بالتوجّه إلى حماة وحمص التي توقّف عندها القتال بشكل مريب ليتمّ الإعلان بعدها عن انسحاب الجيش السوري من القتال وتسليم العاصمة السورية لهذه الجماعات المسلحة.
وقد تلى ذلك قيام «الجيش» الصهيوني بهجوم جوي كاسح، أدى إلى ضرب كلّ المطارات والقواعد العسكرية للجيش السوري وغيرها من المرافق، ليتمّ بعدها تقدّم بري باتجاه دمشق لإقفال طريق دمشق بيروت.
بعض المؤشرات تفيد بأنّ ما يجري في سوريا قد لا يكون نهاية المطاف، بل قد يكون مقدّمة للانطلاق نحو العراق ومنها إلى إيران، وفي هذا الإطار كتب مايك ويتني مقالاً في 1 ديسمبر، أي قبل أسبوع من سقوط نظام الرئيس الأسد، بعنوان «بالنسبة لنتنياهو، الطريق إلى طهران يمرّ عبر دمشق».
وبالنسبة للكاتب فإنّ سوريا تشكّل جزءاً لا غنى عنه من خطة «إسرائيل» الطموحة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، حيث تعتبر قلب المنطقة وتعمل كجسر بري حاسم لنقل الأسلحة والجنود من إيران إلى حلفائها، فضلاً عن كونها المركز الجيوسياسي للمقاومة المسلحة للتوسّع الإسرائيلي.
ويرى الكاتب أنه من أجل الهيمنة الحقيقية على المنطقة، يتعيّن على «إسرائيل» أن تطيح بالحكومة في دمشق وتضع نظاماً دمية لها شبيهاً بأنظمة الأردن ومصر، وبما أن نتنياهو استطاع إقناع واشنطن بدعم مصالح «إسرائيل» من دون قيد أو شرط، فلا يوجد وقت أفضل من الآن لإحداث التغييرات التي من المرجّح أن تحقّق خطة «تل أبيب» الشاملة.
وعلى هذا فإنّ بنيامين نتنياهو شنّ حربه البرية من الجنوب لخلق حرب على جبهتين من شأنها أن تقسم القوات السورية إلى نصفين، بالتنسيق مع هجوم الجماعات المسلحة من الشمال. وبعد الإطاحة بالأسد، وهو ما تنبّأ به ويتني، فإنّ حلم «إسرائيل» بفرض هيمنتها الإقليمية بات قاب قوسين أو أدنى، خصوصاً في ظلّ تعهّد ترامب بإعطاء الضوء الأخضر لشنّ حرب ضدّ إيران كجزء من صفقة مقايضة مع اللوبيات التي أوصلته إلى البيت الأبيض.
وفيما اعتبر الكاتب أنّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هو الوحيد الذي كان قادراً على وقف مفاعيل هذا المخطّط بتقديم الدعم اللازم للرئيس الأسد للصمود في مواجهته، إلا أنّ ما جرى كان معاكساً تماماً، إذ أنّ روسيا اختارت أن تتوصّل إلى تسوية مع تركيا، لحقن الدماء عبر دفع الأسد إلى القبول بتسليم السلطة.
لكنّ مراقبين اعتبروا أنّ هذا شكّل خطأ في الحسابات الاستراتيجية وقعت فيه روسيا، يماثل الخطأ الذي وقعت فيه قبل عقد من ذلك التاريخ حين تخلّت عن الزعيم الليبي معمر القذافي.
واعتبر محللون إسرائيليون أنّ سقوط الأسد شكّل ضربة استراتيجية لروسيا هي الأقوى التي تتعرّض لها منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، إذ أنّ هذا سيؤدّي إلى إضعاف حضورها في الشرق الأوسط بشكل كبير، ولن تستعيض روسيا عن خسارتها لسوريا بكسب ودّ الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية أو مصر.
والجدير ذكره أن الرئيس الأسد نفسه وقع في أخطاء استراتيجية قاتلة حين اختار الابتعاد نسبياً عن إيران ومحاولة التقارب مع أبو ظبي والرياض للحصول منهما على مساعدات اقتصادية لترميم وضعه الاقتصادي المهترئ، لكنه وبعد سنوات من محاولات فاشلة فإنه لم يحصل على أي شيء مما كان يأمله، وقد أدى هذا الخطأ الاستراتيجي إلى أنه عند بدء هجوم الجماعات المسلحة عليه من الشمال فإن وضع جيشه ميدانياً كان معرى في ظلّ تقليص أعداد المستشارين الإيرانيين وقوات حليفة لهم في الميدان السوري، وبما أنّ التجربة أثبتت أن الدعم الجوي لا يغيّر مجريات الميدان، فإن هجوم الجماعات المسلحة جاء بالنسبة للأسد في وقت قاتل.
والجدير ذكره أنّ هذه العملية المدعومة من الولايات المتحدة و»إسرائيل» والقاعدة وتركيا ضدّ سوريا، باستخدام وكلاء ومجموعات مختلفة، تمّ التخطيط لها منذ فترة طويلة من أجل تحويل قوات الجيش السوري وزعزعة استقرارها وإرهاقها، والسماح لـ «إسرائيل» بالدخول من الجنوب، ومنع تدفّق الأسلحة إلى حزب الله من إيران إلى العراق وسوريا ثم لبنان.
هذا يجعلنا نستنتج أنّ الحرب الإسرائيلية على لبنان ستتواصل، وأنّ مفاوضات وقف إطلاق النار بين لبنان و»إسرائيل» ما هي إلا ملهاة من قبل «تل أبيب» لتنهي فيها عملية تموضعها على طريق بيروت دمشق لتقطع هذه الطريق من الجهة السورية وتمهّد لحملة جوية كثيفة على حزب الله، بذرائع تحمّل الحزب مسؤولية خرق اتفاق وقف إطلاق النار.
وهنا لن تحتاج «إسرائيل» إلى التغلغل البري في لبنان، بل إنها ستعتمد على الجماعات المسلحة التي سيطرت على العاصمة السورية لتقوم بالمهمة عنها عبر التغلغل إلى بيئات شكّلت حاضنات لهذه الجماعات في منطقة عنجر والبقاع الأوسط، وأجزاء من البقاع الغربي، وأيضاً في شمال لبنان انطلاقاً من تل كلخ إلى سهل عكار فمدينة طرابلس.
وقد ينطوي ذلك على مخاطر للدفع باتجاه تغيير ديمغرافي يؤدي إلى تهجير قسم كبير من الشيعة إلى العراق وتهميش الباقين منهم في لبنان، ليتمّ تقاسم النفوذ بين المسيحيين من جهة والسنة من جهة أخرى مع تأدية الدروز دور الموازن في العلاقة بين الطرفين، علماً أنه ستكون لـ «إسرائيل» الدالة الكبرى عليهم بعد احتلالها لجنوب سوريا وإدخالها دروز الجولان وجبل العرب تحت مظلتها.
من هنا فإنّ «إسرائيل» ستكون هي المهيمن على لبنان عبر تحالفها مع أطراف مسيحية تربطها بها علاقات تاريخية من جهة، ومع السنة في لبنان عبر الدالة التي سيمارسها عليهم الحكم السني في دمشق، مع تشكيل الدروز للكتلة الأكثر فاعلية في موازنة وضع النظام اللبناني الذي سيكون تحت القبضة الإسرائيلية.
ويرى المراقبون أنّ وقف إطلاق النار المؤقت، سيمنح «إسرائيل» الوقت للتعافي لأنها ضعيفة، والوقت لوضع استراتيجية مع الإدارة الأمريكية الجديدة التي ستكون الأكثر صهيونية في تاريخ الولايات المتحدة، أما بالنسبة لتركيا، فهي ستستغلّ ذلك لضمّ شمال سوريا في إطار مطالبتها بمدينة حلب.
لهذا فإنّ الرئيس التركي رجب طيب إردوغان كان مستعدّاً حتى للتنسيق مع جماعة قسد والاعتراف لها بسيطرتها على شرق سوريا.
أستاذ تاريخ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية