رامي بن سالم البوسعيدي

 

تمثل العلاقات بين سلطنة عُمان وجمهورية تركيا نموذجًا رائدًا في التعاون الإقليمي والدولي القائم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، ويمكن أن نقول بأن العلاقات العُمانية التركية تأخذ اليوم طابعًا أكثر انتظامًا وتعاونًا، مدفوعة بالرغبة المشتركة لتعزيز التعاون في مختلف المجالات.

وركزت الدولتان على تطوير العلاقات الاقتصادية؛ حيث ازداد حجم التبادل التجاري بينهما، مع تركيز على القطاعات الحيوية مثل الطاقة والبنية التحتية والسياحة، كما لعبت الدبلوماسية دورًا بارزًا في تعزيز العلاقات بين البلدين؛ حيث تبادل الطرفان الزيارات الرسمية على أعلى المستويات، آخرها زيارة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله- مما أسهم في توطيد أواصر الصداقة والتفاهم المشترك، وتجلّى هذا التعاون في توقيع العديد من الاتفاقيات الثنائية.

قبل أن نتحدث عن التبادل التجاري والتعاون الاقتصادي بين البلدين، يجب أن نلتفت إلى العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، والتي تأسست في أوائل السبعينيات، مع افتتاح السفارتين في مسقط وأنقرة، وشهدت العلاقات منذ تلك الفترة نموًا مستمرًا نتيجة للتنسيق المتبادل في القضايا الإقليمية والدولية، وشكّلت الزيارات المتبادلة بين قادة البلدين نقطة محورية في تعزيز التعاون ولمناقشة قضايا الأمن الإقليمي والتعاون الاقتصادي والاستثمار، وتُبرز الاجتماعات الدورية للجنة العُمانية التركية المشتركة، التي عُقد آخرها في عام 2022، التزام البلدين بتعزيز شراكتهما عبر مختلف المجالات.

التبادل التجاري بين سلطنة عُمان وتركيا يعد أحد المحاور الرئيسية للتعاون بين البلدين، حيث شهد نموًا مستدامًا خلال السنوات الأخير، ولوعدنا إلى عام 2018 فقد بلغ حجم التبادل التجاري 489 مليون دولار، بزيادة 55% مقارنة بعام 2017، وبحلول 2024 تجاوز حجم التبادل التجاري 1.3 مليار دولار، مع توقعات بمزيد من النمو نتيجة لاتفاقيات جديدة وتوسيع نطاق التعاون، خاصة مع تنوع الصادرات العُمانية إلى تركيا والتي تشمل خامات الحديد والألومنيوم والبولي بروبيلين، كما أن الواردات التركية إلى السلطنة تتنوع بين المواد الغذائية والأجهزة الصناعية والمنتجات الطبية والمعدات الكهربائية وغيرها.

كما يمكن القول إن قطاع الطاقة هو حجر الأساس لتوسع العلاقات المستقبلية بين البلدين؛ حيث من المتوقع أن يكون التعاون في مجال الطاقة من أبرز مجالات الشراكة بين البلدين في المرحلة المقبلة، خاصة بعد اتفاقية الغاز الطبيعي المسال والتي وقعت فيها شركة الغاز العُمانية اتفاقية مع شركة بوتاش التركية لتوريد مليون طن متري سنويًا من الغاز الطبيعي المسال لمدة عشر سنوات، وهي اتفاقية ذات أهمية كبيرة، فهي تأتي لتعزز أمن الطاقة في تركيا التي تعتمد على تنويع مصادرها لتلبية الطلب المتزايد، وفي ذات الوقت تثبت مكانة سلطنة عُمان كمصدر موثوق للطاقة العالمية.

ومن خلال هذه الاتفاقية يمكن أن تكون بداية آفاق التعاون في الطاقة المتجددة، ويمكن أن يتوسع التعاون ليشمل مجالات مثل مشاريع الطاقة الشمسية خاصة مع التجارب والإمكانات التي تملكها السلطنة في هذا المجال ويمكن من خلاله أن تدعم التحول التركي نحو الطاقة النظيفة، بجانب تقنيات الهيدروجين الأخضر ومع البنية التحتية المتقدمة في السلطنة في هذا الجانب يمكن لتركيا أن تستفيد من استثمارات مشتركة لإنتاج الهيدروجين الأخضر.

الرؤية المستقبلية للتعاون الاقتصادي مبشرة جدا، مع وجود قاعدة قوية من التبادل التجاري والتعاون في قطاع الطاقة، ويمكن أن تتوسع لتشمل التكنولوجيا والابتكار عبر تعزيز الشراكات بين الشركات التقنية في البلدين لتطوير حلول مبتكرة في الذكاء الاصطناعي والتقنيات الطبية، وإنشاء مراكز بحثية مشتركة لدعم الابتكار وريادة الأعمال، كما يمكن استكشاف فرص التعاون في مجال السياحة البيئية، حيث تتمتع السلطنة وتركيا بتنوع بيئي فريد، وهو ما يساهم في تعزيز الرحلات المباشرة بين البلدين للترويج للسياحة الثقافية والطبيعية.

إنَّ العلاقات العُمانية التركية، نموذجٌ ملهمٌ للتعاون المثمر بين الدول؛ حيث يجمع بينهما تاريخ دبلوماسي راسخ وتطلعات اقتصادية مُتنامية، ومع التركيز على تعزيز الشراكات في القطاعات الاستراتيجية، يمكن أن تصبح العلاقات بين عُمان وتركيا أكثر عمقًا وتأثيرًا على المستويين الإقليمي والدولي، مما يعزز من مكانتهما كركائز للاستقرار والتنمية المستدامة في المنطقة.

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

مصر وفرنسا.. أسس تاريخية وشراكة استراتيجية وتفاهم بكافة القضايا الإقليمية

زخم كبير تشهده العلاقات المصرية الفرنسية، إذ تستند هذه العلاقات إلى أسس تاريخية وحضارية يحرِص الجانبان على تطويرها بشكل مستمر والارتقاء بها على جميع الأصعدة، انطلاقا من الإرادة السياسية المشتركة بين البلدين.

كما مثلت المشاورات المستمرة بشكل دوري بين القيادتين السياسيتين في البلدين ركيزة أساسية في بناء التفاهمات السياسية في مختلف الملفات والقضايا، ولعل الزيارات الثنائية رفيعة المستوى المتبادلة بين القاهرة وباريس، دليل على عمق وقوة العلاقات السياسية بين الدولتين.

القضية الفلسطينية

وتحرص القاهرة وباريس على التشاور المستمر بشأن القضايا الإقليمية والدولية، التي يأتي على رأسها الملف الفلسطيني خاصة بعد التحديات التي يواجهها الناتجة عن العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة؛ إذ تتطابق الرؤى المصرية الفرنسية بضرورة وقف الحرب التي راح ضحيتها أكثر من مئتي ألف شهيد ومصاب؛ وبدء العمل على حل الدولتين لإنهاء الصراع المستمر منذ قرابة الثمانية عقود.

لبنان

ولم تختلف لبنان كثيرا عن فلسطين من حيث تطابق الرؤى بين القاهرة وباريس؛ حيث كانت رسائل وتصريحات البلدين داعية للحفاظ على وحدة واستقرار لبنان.

سوريا

المشهد السوري المعقد يأتي أيضا ضمن اهتمامات الجانبين؛ في ظل تنافس قوى إقليمية ودولية على تحقيق مكاسب، مستغلين في ذلك حالة السيولة السياسية التي تعيشها دمشق بعد سقوط نظام بشار الأسد.

السودان وليبيا

كما أن هناك دعما فرنسيا كبيرا للتحركات المصرية الداعية لوقف الاشتباكات في السودان والمطالبة بتوحيد الفرقاء الليبيين في ليبيا موحدة كذلك تعزيز التعاون المشترك بين الدول الأفريقية.

وشائج تاريخية وجسور تواصل ممتدة بين مصر وفرنسا وحرص من القيادتين على مواصلة ترسيخ الشراكة الاستراتيجية والتعاون القائم بينهما بما يحقق مصالح الشعبين والبلدين.

مقالات مشابهة

  • رئيس أوزبكستان ووزير الطاقة والبنية التحتية يؤكدان قوة العلاقات الاقتصادية المزدهرة بين البلدين
  • وزير الاستثمار يناقش مع سفير بريطانيا تعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين
  • الإحصاء: 2.9 مليار دولار حجم التبادل التجاري بين مصر وفرنسا خلال العام الماضي
  • مصر وفرنسا.. أسس تاريخية وشراكة استراتيجية وتفاهم بكافة القضايا الإقليمية
  • وزير الخارجية الفرنسي يزور الجزائر لتجاوز أسوأ أزمة بين البلدين
  • فقرات فنية تبرز الهـوية الثقافية العُمانية فـــــي افتتـاح دورة الألعـاب الشـاطئية الخليجية
  • مصر وسيشل.. شراكة متجددة وتوافق إقليمي شامل | تقرير
  • الخطوط الملكية المغربية والموريتانية للطيران تبرمان اتفاقية شراكة استراتيجية
  • الخارجية النيابية:زيارة السوداني المرتقبة لتركيا “لتعزيز العلاقات “بين البلدين
  • وزير الخارجية الفرنسي يزور الجزائر الأحد.. الهدف طي صفحة التوتر بين البلدين