وصايا الرسول.. حقوق المسلم على أخيه
تاريخ النشر: 1st, December 2024 GMT
في حديث نبوي شريف، يبين النبي صلى الله عليه وسلم الحقوق المتبادلة بين المسلمين، ويوضح كيف ينبغي أن تكون علاقاتهم قائمة على الرحمة، والمودة، والتعاون.
هذا الحديث الذي ورد في جامع الترمذي هو مرشد سلوكي يحدد حقوق المسلم على أخيه المسلم، مؤكداً على أهمية الأخوة الإسلامية في بناء مجتمع متماسك وقوي. يعدد الحديث ستة حقوق، تبرز في مظاهر الحياة اليومية وتُظهر كيف أن الإسلام لا يهتم فقط بالعبادات الكبرى، بل أيضًا بالعلاقات الإنسانية البسيطة التي تعكس روح التعاون والتكافل بين أفراد المجتمع.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لِلمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ: يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِذَا لَقِيَهُ، وَيُجِيبُهُ إِذَا دَعَاهُ، وَيُشَمِّتُهُ إِذَا عَطَسَ، وَيَعُودُهُ إِذَا مَرِضَ، وَيَتْبَعُ جَنَازَتَهُ إِذَا مَاتَ، وَيُحِبُّ لَهُ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ". (رواه الترمذي)
أولى الحقوق التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم هي "التسليم" عندما يلتقي المسلم بأخيه. السلام ليس مجرد كلمات، بل هو تعبير عن السلامة والمحبة والود. عندما يقول المسلم "السلام عليكم"، فهو يرسل رسالة بالسلام إلى أخيه المسلم، ويحقق نوعًا من الألفة والطمأنينة بين الجميع. هذه التحية لا تقتصر على اللقاءات الكبيرة فقط، بل تمتد لتشمل حتى اللقاءات العابرة في الشوارع أو الأماكن العامة، مما يعزز التواصل الإنساني والإسلامي بين أفراد المجتمع.
ثاني حقوق المسلم على المسلم هو إجابة الدعوة. إذا دعا المسلم أخاه إلى أمر ما، سواء كان دعوة لتناول الطعام أو لحضور مناسبة، فيجب عليه الاستجابة إن لم يكن هناك مانع. الاستجابة للدعوة تظهر روح التعاون والمشاركة بين المسلمين، وتقوي أواصر العلاقة بينهم.
في هذا الحديث، يذكر النبي صلى الله عليه وسلم التشميت عندما يعطس المسلم، وذلك بقول: "يَرْحَمُكَ اللَّهُ". التشميت ليس فقط تعبيرًا عن اللطف، بل هو سنة تؤدي إلى تقوية الرابط الاجتماعي بين المسلمين، وتُظهر التعاطف والرغبة في سلامة الشخص الآخر. كما أن العطاس يعتبر فرصة لطيفة لإظهار الاهتمام بالآخرين ودعوتهم للمغفرة.
من الحقوق الأساسية التي يعززها الحديث، زيارة المريض. عندما يمرض مسلم، يجب على أخيه المسلم أن يزوره ويعزيه. هذه الزيارة ليست مجرد واجب اجتماعي، بل هي عمل تعبدي يعزز الرحمة والرغبة في التخفيف عن الآخر. زيارة المريض في الإسلام تمثل دعمًا معنويًا له وتضامنًا مع آلامه. كما أن زيارة المريض تقوي الروابط الإنسانية بين الأفراد وتذكرنا بأننا جميعًا في حاجة إلى العون والرعاية في الأوقات الصعبة.
حق آخر ذكره الحديث هو اتباع الجنازة. عندما يتوفى شخص من المسلمين، ينبغي على المسلمين أن يشاركوا في جنازته، وذلك ضمن إطار الاحترام المتبادل وحسن التقدير للموتى. اتباع الجنازة ليس مجرد تكريم للميت، بل هو أيضًا تذكير لنا جميعًا بضرورة الاستعداد للآخرة والتأمل في حقيقة الحياة والموت. هذه الممارسة تعزز شعور التضامن بين المسلمين وتذكرهم بأهمية الحياة الأخروية.
أخيرًا، من أعظم الحقوق التي أكد عليها النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث هو أن يحب المسلم لأخيه ما يحب لنفسه. هذه المقولة تتجاوز الأفعال الملموسة إلى عمق العلاقات الإنسانية في الإسلام. إن محبة الخير للآخرين هي أساس الأخوة في الإسلام، وهي التي تضمن تبادل المحبة والاحترام بين الناس. المسلم الذي يحب لأخيه ما يحب لنفسه يعكس بذلك روح التكافل الاجتماعي والتعاون في كل نواحي الحياة.
إن حديث "لِلمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ" يقدم لنا قاعدة ذهبية لبناء مجتمع إسلامي مترابط، يتمتع أفراده بالتعاون والمحبة. لا تقتصر هذه الحقوق على التفاعل الاجتماعي فقط، بل هي جزء من منظومة متكاملة تهدف إلى تعزيز الروابط الإنسانية في ظل الإيمان بالله ورسوله. هذه الحقوق تُعلمنا أن الإسلام لا يقتصر على العبادة الفردية فقط، بل يمتد إلى كيفية تعامل المسلم مع أخيه المسلم في حياته اليومية.
من خلال هذا الحديث، يمكننا أن نتعلم كيفية بناء علاقات أخوية قائمة على الاحترام والمودة. إذ يجب أن نسعى جاهدين لتطبيق هذه الحقوق في حياتنا اليومية، بدءًا من السلام عند اللقاء، وصولًا إلى محبة الخير للآخرين كما نحبه لأنفسنا. هذه المبادئ يمكن أن تُحدث تغييرًا إيجابيًا في المجتمع، حيث تساهم في تقوية الروابط بين المسلمين، وتقلل من التوترات والخلافات التي قد تنشأ في المجتمعات.
حديث "لِلمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ" هو تذكير دائم بضرورة تعزيز الروابط الإنسانية في إطار الدين، وتطبيق هذه المبادئ في حياتنا اليومية. إذا تمسكنا بهذه الحقوق وعشنا بها، فإننا نساهم في بناء مجتمع مسلم قوي ومتماسك، قادر على مواجهة التحديات بروح التعاون والمحبة. فلنحرص على أن نكون دائمًا مصدر خير لأخينا المسلم في كل وقت وحين، ولنجعل من هذا الحديث نبراسًا يهتدي به الجميع في تعاملاتهم مع بعضهم البعض.
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: ل لم س ل م ع ل ى ال م س ل م س ت النبي صلى الله عليه وسلم حقوق المسلم على أخيه المسلم حقوق المسلم على المسلم النبی صلى الله علیه وسلم حقوق المسلم على بین المسلمین أخیه المسلم هذا الحدیث هذه الحقوق
إقرأ أيضاً:
الوطن والمواطن.. خط أحمر
د. محمد بن خلفان العاصمي
الدعوات التي يُوجِّهُها البعض من الذين تنكَّروا للوطن للخروج والتظاهر، إنِّما هي دعوة باطل يُراد بها شر البلاد والعباد، وإنْ غُلِّفَت بغلاف المصلحة والقضايا الوطنية وشعارات مُحاربة الفساد والظلم، لكنها لا تعدوا شعارات جوفاء تهدف إلى الفوضى ونشر البلبلة داخل الوطن المُستقر، وجلب الفساد إلى المؤسسات وتعطيل الخطط الوطنية والتعدي على الحياة الآمنة للناس، ونشر الخراب والدمار والصراع بين أبناء الوطن، والتفرقة بين أبناء الشعب الواحد إلى شيعٍ وطوائفَ متناحرةٍ، يفقد معها الإنسان حقوقه المشروعة، ويضيع معها جهد السنوات الطويلة من البناء والتعمير.
وما الأمثلة التي نشاهدها حولنا إلّا دليل على كل ما أذكُرُه، ولا نحتاج لكثير من البحث والتفكير للوصول إلى هذه النتيجة الحتمية، والرد على من يدعي أنها وسيلة لاسترداد الحقوق وغيرها فيكفي أن يكون هذا أكبر دليل على نواياه الخبيثة عندما يطلب أمراً هو أساس ومنهج عمل الدولة.
في فترة ما عُرف بـ"الربيع العربي"- الذي أُعِده شخصيًا عكس ذلك- ظهر المُحرِّضون الذين كانوا يدفعون الناس للتظاهر والخروج للشوارع ويدفعونهم لمهاجمة مؤسسات الدول؛ بل وقتل الأفراد الذين يخالفونهم ويدافعون عن مكتسبات الوطن، بينما هم جالسون خلف شاشات أجهزة الكمبيوتر والهواتف وفي أستوديوهات التلفزيون تحت مكيفات الهواء، وعندما تحقق لهم ما أرادوا قفزوا إلى المشهد يُديرونه ويستفيدون من الفرص المتاحة، ورموا من خرجوا إلى الشوارع داخل سجون الاعتقال وأصبحوا هم المتصدرين للمشهد. وهذا كان هدفهم من الأساس واستخدموا الناس كأدوات لتحقيق أهدافهم، وما أشبه الليلة بالبارحة، فمن يحرض يعيش بعيدًا عن المشهد ويملك سجلًا حافلًا من الفساد والتعدي والظلم وينادي بالحريات والحقوق بكل صلافة وجه. منتظرًا الفرصة المناسبة ليتقدم كالفاتح إلى المنصة، ولكن هيهات أن يكون أبناء هذا الوطن كما يحلم هؤلاء الفاسدون.
وعندما نتحدث عن الوطن، فنحن نشير إلى كل جزء ومُكَوِّن من مكوناته دون استثناء أو تخصيص، وأول هذه المكونات هو الإنسان العنصر الأهم والرئيسي في هذا الكيان، ولأن الإنسان هو هدف التنمية وأساسها في وطننا الحبيب، فقد وضعت الخطط والبرامج والتشريعات وأسست الدولة بكل كياناتها من أجل المواطن، وهذا أمر طبيعي في دولة تضع الإنسان في محور الاهتمام وتحفظ كرامته انطلاقًا من مبادئ الدين الإسلامي الحنيف والشريعة السمحاء ومبادئ الإنسانية التي كرّمته وجعلته في مكانة خلافة الله سبحانه وتعالى في أرضه، وما تدهورت الأمم إلّا عندما حادت عن هذا النهج واستنقصت من قيمة الإنسان ونالت من كرامته.
إن حفظ حياة الإنسان وضمان كرامته وتوفير أسباب العيش الكريم له وأمنه وأمانه جزء من واجبات الدولة، ولذلك وضعت التشريعات التي تجرم كل ما من شأنه المساس بهذه الحقوق، ولا تتساهل الدولة في هذا الجانب لأنها تدرك عاقبة ذلك على الفرد والمجتمع والدولة بشكل عام، وفي هذا الأمر فالجميع سواسية أمام القانون دون تمييز، وبحمد الله حفظت منظومة التشريعات والقوانين هذه الحقوق خلال العقود الماضية وجعلت من حقوق الفرد أمراً لا نقاش فيه ولا جدال، وعرفت سلطنة عُمان في أوساط المجتمع الدولي كإحدى الدول التي حفظت حقوق الإنسان سواء المواطن أو المقيم، ومن أجل هذا عرفت بهذه الصفة وعندما تذكر فتذكر بأنها بلد الأمن والأمان والحقوق.
إنَّ ثمن الأمن والأمان الذي ننعم به في هذا الوطن مكلف وعالٍ جدًا، ولا يأتي إلّا من خلال بذل كبير وجهد لا يدركه الكثيرون معتقدين أن ما نعيشه من حياة هانئة واستقرار هو أمر طبيعي يحدث في كل مكان من العالم، وهذا مخالف للحقيقة، فهناك منظومة أمنية متكاملة تعمل من أجل حماية المجتمع والإنسان وجعله يعيش حياة آمنة مستقرة لا يشعر فيها بأي تهديد على حياته أو ماله أو أهله، ولا يتعرض له أي أحد بأي مكروه أو أذى، وليت البعض منَّا يعلم ما يحدث في كثير من الدول وما يتعرض له الإنسان من حوادث جراء انعدام الأمن والأمان.
ولأن الشيء بالشيء يذكر فخلال إجازة عيد الفطر المبارك الماضية انتشرت نقاط تفتيش متعددة في شوارع وطرقات البلاد، والعديد منَّا تذمر من هذه النقاط ووجدها معطلة له عن أعماله ووجهته، وهذه النقاط لم نشاهدها منذ انقضاء جائحة كورونا إلى هذا اليوم، وفي ظل تذمرنا نسينا أن نتساءل لماذا وجدت الآن وفي هذا التوقيت، كما نسينا أن نتساءل عن حال الدول التي تمتلئ شوارعها بهذه النقاط الأمنية ولا يستطيع الفرد الحركة في وطنه بحرية ولا يتمكن من ممارسة حياته الطبيعية، وفوق كل هذا نسينا أن نقدر ما يبذل من جهد من قبل هؤلاء الرجال الذين يقفون في حرارة الشمس وهم صيام من أجل أمننا وأماننا، لقد أزعجتنا هذه النقاط التي وضعت من أجلنا وحفاظًا على سلامتنا.
لقد أُسِّست دولة القانون والمؤسسات- بحمد الله- لتعمل كمنظومة تحفظ الحقوق والحريات وتحارب الفساد، ولا ينكر ذلك إلّا جاحد مُفترٍ، وما ننعم به من أمن وأمان وكرامة وحرية هو نتاج هذه المنظومة التي أُسِّست عليها الدولة، وما زاد من رسوخ هذه الحقوق هو مقدار الوعي الوطني الذي يتمتع به أبناء هذا الوطن الذين وقفوا دائمًا صفًا واحدًا في وجه كل مخرب ومعتدٍ، وساهموا جميعًا في ترسيخ مفهوم المواطنة الصالحة التي حفظت الوطن والمواطن طوال السنوات الماضية، والتي سوف تستمر بإذن الله تعالى ولا عزاء للحاقدين الفاسدين المُحرِّضِين.