سامح فايز يكتب: الحرب الثقافية (5)
تاريخ النشر: 1st, December 2024 GMT
قد يظن بعض القراء أن كثرة الحديث عن توظيف تكنولوجيا المعلومات ومنصات التواصل الاجتماعي فى الحروب الحديثة معناها خطر تلك المنصات فى المطلق وسوء ما تقدم من خدمات، وهو تفسير غير صحيح بالمرة، فالخطأ والصواب ثنائي لا يفترق فى توصيف أي معنى فى الحياة؛ بمعنى، قد نجد من يمارس مهنة الطب لإنقاذ جندي مصاب على الجبهة، وهناك طبيب آخر يمارس الطب بشكل غير شرعي لسرقة الأعضاء وبيعها فى السوق السوداء، وفى كلتا الحالتين دراسة الطب هي المشترك الأساسي، فهل معنى ذلك أن الطب كمهنة خطر على الأمن القومي؟!
نفس المسألة فى النظر إلى تكنولوجيا المعلومات ومنصات التواصل الاجتماعي وشبكات الإنترنت ومؤخراً الذكاء الاصطناعي.
بيد أن تلك الوسائل إمكانياتها أكبر وأعمق، وتأثيرها أخطر سلباً وإيجاباً؛ فالطبيب الذى يمارس المهنة بشكل غير شرعي تقع جريمته على مجموعة من الأشخاص يمكن حصرهم، أما من يوظف الذكاء الاصطناعي فى اختراق عقول الناس وتحريكهم فى الاتجاه الذى يحقق مصالحه ويضر بمصلحة الوطن فهو يحقق ضرراً يصيب الملايين، وفى الوقت نفسه من الصعب تتبع الجاني أو العثور عليه بسهولة، هذا إن عُثر عليه فى الأساس!
فى مقال الأسبوع الماضي تحدثت عن تدشين 150 ألف مدونة أسسها شباب مصري على شبكات الإنترنت عام 2005، طبقاً لإحصائية صدرت عن المجلس الأعلى للثقافة عام 2009.
تلك المدونات كانت متنفساً للشباب فى ظل محيط بيئي غير صحى وقاتل للحريات؛ ليس على المستوى الرسمي فقط، وإنما على المستوى الخاص أيضاً؛ فمؤسسات النشر الخاصة باتت تحت سيطرة مجموعات بعينها من المثقفين المتنفذين والمسيطرين على كل شيء.
هنا لم يجد الشباب متنفساً سوى المدونات، والتي أخرجت لنا لاحقاً العديد من الكتابات الصادرة عن دور نشر مصرية شهيرة، وأخرجت لنا أيضاً أدباء وأديبات أصبح لهم أسماء معروفة فى عالم الكتابة، وخرج من تلك المدونات المئات من الصحفيين، وكُتاب السيناريو، والشعراء، وكُتاب القصة، ورجال السياسة.
لكن فى نفس الوقت خرج من تلك المدونات آلاف المستخدمين ضد أوطانهم لأنهم لم يدركوا كيفية التعامل مع تلك الأشياء، وبات العمل على المدونة ساحة حرب ثقافية تقاتل فيها أجهزة مخابرات مختلفة للسيطرة على أكبر عدد من العقول.
المسألة نفسها تكررت مع منصات التواصل الاجتماعي مثل فيس بوك وتويتر، ومن خلال توظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي أصبح من السهولة بمكان على إدارة فيس بوك أن تحصل على ما يفكر فيه المستخدم بأسهل الطرق، وتوظيف ذلك فى الترويج للمنتجات وبيعها والتربح من اختراق عقول المستخدمين، وأغلبنا لاحظ فى أكثر من مرة ظهور إعلانات عن أشياء كان يفكر فيها ولم يخاطب أحداً فيها بالمرة، أو ربما تحدّث خلال «الماسينجر» أو مكالمة هاتفية قبل دقائق ثم فوجئ بالإعلان يقتحم عليه بروفايل فيس بوك الشخصي.
وهنا أقول لك لا تسأل كثيراً، فما حدث هو فى الواقع مهمة تطبيقات الذكاء الاصطناعي، التي استطاع الغرب خلقها من خلال تدشين خلايا عصبية ذكية تشبه خلايا مخ الإنسان، ولا يزال العمل على تطويرها مستمرا.
والهدف أن يصلوا بتلك الخلايا إلى المرحلة التي تطور فيها قدراتها العقلية دون الحاجة إلى تدخل بشرى، وهو الخطر الذى يخشاه الكثيرون؛ فمعنى قدرتها على تطوير ذكائها دون تدخل بشرى أنها ستصل فى مرحلة من المراحل إلى التفوق على الإنسان ذاته، وربما السيطرة والحكم، تلك المخاوف التي سخرنا منها كثيراً فى أفلام الخيال العلمي الغربية، لكنها لم تصبح مجرد خيال، وباتت حقيقة أو كادت!
المصدر: الوطن
كلمات دلالية: الحرب الثقافية تكنولوجيا المعلومات منصات التواصل الاجتماعى الذكاء الاصطناعى الذکاء الاصطناعی
إقرأ أيضاً:
الصين ترد على رسوم ترامب بأغاني وفيديوهات من إنتاج الذكاء الاصطناعي
في رد غير تقليدي على قرارات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة بفرض رسوم جمركية جديدة تهدد الاقتصاد العالمي، لجأت وسائل الإعلام الحكومية الصينية إلى أسلوب ساخر ومبتكر يعتمد على الذكاء الاصطناعي لانتقاد السياسة التجارية الأمريكية.
أغنية ساخرة بالذكاء الاصطناعيفي 3 أبريل، نشرت شبكة CGTN الصينية فيديو موسيقي مدته دقيقتان و42 ثانية بعنوان:“Look What You Taxed Us Through (An AI-Generated Song. A Life-Choking Reality)”، الأغنية التي تولدها الذكاء الاصطناعي تسخر من الرسوم الجمركية الأمريكية عبر كلمات تغنى بصوت أنثوي بينما تعرض لقطات للرئيس ترامب.
ومن بين كلمات الأغنية:"أسعار البقالة تكلف كلية، والبنزين رئة. صفقاتك؟ مجرد هواء ساخن من لسانك!"
This is the story of T.A.R.I.F.F., an #AIGC sci-fi thriller about the relentless weaponization of #Tariffs by the United States, and the psychological journey of a humanoid????️ towards its eventual self-destruction. Please watch: pic.twitter.com/JkA0JSLmFI
— China Xinhua News (@XHNews) April 4, 2025يختتم الفيديو بعرض اقتباسات من تقارير صادرة عن "Yale Budget Lab" و"الإيكونوميست" تنتقد بشدة سياسات ترامب التجارية، وتظهر كلمات الأغنية باللغتين الإنجليزية والصينية وكأنها موجهة مباشرة للرئيس الأمريكي من وجهة نظر المواطن الأمريكي المتضرر.
ووصفت CGTN الفيديو على موقعها بـأنه:"تحذير: المقطع من إنتاج الذكاء الاصطناعي، أما أزمة الديون؟ فهي من صنع الإنسان بالكامل".
وفي خطوة مشابهة، أطلقت وكالة أنباء الصين الرسمية شينخوا، عبر منصتها الإنجليزية "New China TV"، فيلماً قصيراً بعنوان “T.A.R.I.F.F".
يجسد الفيلم الذي يمتد لثلاث دقائق و18 ثانية روبوتاً ذكياً يدعى:"Technical Artificial Robot for International Fiscal Functions"أو "روبوت الذكاء الصناعي الفني للوظائف المالية الدولية".
في الفيلم، يتم تشغيل الروبوت بواسطة مسؤول أمريكي يُدعى "د. مالوري" ويبدأ مهمته في فرض رسوم على الواردات الأجنبية.
في البداية، تأتي النتائج إيجابية، لكن حين يُطلب منه "تسريع الأداء"، يبدأ بتطبيق رسوم "عدوانية"، ما يؤدي إلى ارتفاع معدلات البطالة وتكاليف المعيشة، وتفاقم الأزمات التجارية.
في لحظة ذروة درامية، يُدرك الروبوت أنه أصبح أداة لتدمير الاقتصاد الأمريكي ذاته، فيقرر تدمير نفسه وسحب "د. مالوري" معه، في مشهد رمزي يشير إلى عواقب استخدام الضرائب كسلاح اقتصادي.
فيديو ثالث على أنغام "Imagine" و"We Are the World"في ذات اليوم، نشرت وزارة الخارجية الصينية فيديو مركباً مزيجاً من صور حقيقية وأخرى مُولدة بالذكاء الاصطناعي، على أنغام أغنيتي "Imagine" لجون لينون و"We Are the World".
يسأل الفيديو: "أي نوع من العالم تريد أن تعيش فيه؟"، مقدمًا مقارنة بين عالم تسوده "الطمع والرسوم" وآخر يُبشر بـ"الازدهار المشترك والتضامن العالمي".
خلفيات سياسيةتأتي هذه الإنتاجات في ظل التصعيد الأمريكي الأخير، حيث أعلن ترامب عن فرض رسوم جديدة بنسبة 34%، تضاف إلى رسوم سابقة بلغت 20%.
وردت الصين على لسان مسؤوليها بأنها "جاهزة للمواجهة حتى النهاية"، سواء كانت حرب رسوم أو تجارة أو حتى مواجهة أوسع.
الذكاء الاصطناعي كأداة للدعاية السياسيةتظهر هذه الحملات كيف تستخدم الصين الذكاء الاصطناعي ليس فقط في الابتكار التكنولوجي، بل أيضًا كأداة ناعمة للدعاية السياسية الدولية، بأسلوب يمزج بين الترفيه والرسائل العميقة.
وتبرز هذه الفيديوهات اتجاهاً متصاعداً نحو استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج محتوى سياسي هجومي وساخر.