سياسات ثقافية جديدة لتحقيق الاندماج الوطني
تاريخ النشر: 30th, November 2024 GMT
قفزًا على التعريفات الكلاسيكية لمفهوم الثقافة، فإننا نعتمد على علم الاجتماع الثقافي والذي ندين فيه بالفضل إلى الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو (1926-1984م) إذ معه بات الفعل الثقافي يملك تجسيده الخاص، مما سمح باستنبات مناهج تحليلية تعمل على تفكيك تشيوءاته الذاتية، وهذا أمر اعتمدته غالب التأسيسات النظرية الحديثة والتي أنتج مفاهيم جديدة في معنى الثقافة وموقعها ودورها وتجلياتها المعلنة والمختمرة.
إن المشغل الرئيس الذي يهمنا هو كيف يمكن للديناميات الثقافية المختلفة أن تساهم في رتق النسيج الاجتماعي، وهو نسيج متداخل نعم، لكنه في الحال ذاته يعيش انغماساته الخاصة على مستوى تلوينات إثنية وعرقية ومذهبية وغيرها من أشكال البناء الاجتماعي في الوطن العربي، وهو نسيج مهدد بأعباء متجددة مفروضة عليه من قِبل العالم الغربي وليبراليبته المنتجة للفصل بين الإنسان والمجتمع. وحادينا في ذلك أن يكون الفعل الثقافي هو آخر القلاع الحصينة في هويتنا العربية والتي نحتمي في منائرها من حالات التشظي والتركيب المختل للهوية والذات، ولنفعل ذلك فإن المطلوب أن نعيد اكتشاف أو تحرير الأبعاد العاطفية والمادية لتاريخنا الثقافي العربي، تاريخنا الذي هو ذاكرة الأمة، والذي تحتاجه شعوبنا بقوة فقط لتحفظ نفسها من التحلل والانخرام وكلفته البالغة والتي أقل فواتيرها تفكك المجتمع وعلو النعرات الضيقة ضد الهوية الجمعية، والفائدة التي سنجنيها من إعلاء الثقافي في مجتمعاتنا هي تثبيت الحق الإنساني في التعبير عن ذاته دون إكراه، فالثقافة كونها تتجلى إبداعيًا في منتجات كثيرة فإن المعنى الغائب أو لنقل المعطل لفاعلية الثقافة في المجتمع يعود إلى إكراه من نوع خاص، وهو تغييب الأنثربولوجي في الثقافة، ولندلل بصورة أوضح فإننا نشير إلى أن الثقافة العربية وبعد انتعاشتها في ثلاثينيات القرن الماضي وبروز أسماء أعادت إليها بريقًا ظل مخمدًا بسبب الهيمنة الغربية فإن أعمال طه حسين والعقاد وقبلها جرجي زيدان وفرح أنطون والبساتنة (=بطرس ووديع البستاني) فإن نظرتنا إليها إنها كانت محاولة لضخ الروح في الهوية الثقافية للأمة العربية، لكنها وعلى ما قدمته من إنجازات عظيمة وقعت ودون أن تقصد في خطأ كبير، ما هو؟ الخطأ أنه ما كان يمكن لهؤلاء إلا اتباع السياق الأوروبي في لحظتها وهو سياق كان يعتبر الثقافة بنية في الطبقة، وليست طبقة قائمة بذاتها، ولذا استبعدت في ذاكرتنا مظاهر شتى للثقافة الشعبية، والتي نراهن بأننا اليوم في أمس الحاجة إليها كونها هي المسرب الذي سيسمح بتمتين البنية الاجتماعية ويفتح الباب واسعًا أمام الابستيمات الثقافية المهمشة والمبعدة رغم أصالتها في السياق، وهو أمر في الحقيقة بالغ الأهمية، لأننا نعتقد بأن الجملة المختبئة في مفهوم الصراع الاجتماعي هي إنسان هذا المجتمع، ولو فكر معي قارئ الكريم كيف يمكن أن تحتشد قوى غائبة في الفضاء الثقافي وتسهم بقوة بالغة مع الاتجاهات العليا للثقافة، كيف ستساهم في تقوية الفعل الاجتماعي والسبب أنها تعبير مكثف عن الحالات الفردية أو المهملة في التاريخ الاجتماعي.
والحقيقة أننا سنظل مدينين لميشيل فوكو الذي لفت انتباهنا إلى أهمية تمييز الثقافة بمظاهرها المختلفة كموضوع للدرس، وهو أمر يخلصه لنا فوكو في منهجه التحليلي القائم على تحليل الأنماط المختلفة للفعل الثقافي ومقاربتها كتعبير عن ذاتية الإنسان، بل هي جوهر تكوينه الذاتي وهي التعبير الأشمل على خصوصيته التاريخية، إن الثقافة عنده كيان ديناميكي يتمتع بدرجة عالية من الاستقلالية كونه يعمل على إنتاج المعنى بصورة خالدة، وهي معاني تتغذى على الفرد الاجتماعي والذي هو تجسيدٌ لهذه العمليات يستقي منها حضوره، بل يؤسس عليها وجوده، ويُطْعِم منها ذاكرته الحية ليتمكن من إتمام أشكال مختلفة من الاتصال بمجتمعه. إن الثقافة هنا هي الإنسان متجليًا في الفضاء الاجتماعي، وقد أوصلنا شغله (=فوكو) التفكيكي إلى نتيجة ذهبية وهي ضرورة الاعتراف بأن البنية الثقافية العامة والتي تُفْرَض على كامل السياق التكويني للمجتمع ينبغي أن تجعلنا قادرين على الاعتراف بأدوار أخرى لأنماط مشاركة في وعينا التاريخي بأنفسنا ولهذه الأنماط آلياتها في إنتاج الحقائق الاجتماعية، إنها الدعوة إلى الاعتراف بالهوية الثقافية غير المساهمة في البنية العامة لماهية الوجود الثقافي للمجتمعات، وكم تحتاج المجتمعات العربية إلى هذا النهج لتحمي نفسها وتحافظ على تماسكها وستحصل حينها على حالات من الإغناء الإبداعي تبرز أكثر قوة هذه المجتمعات.
لذا فإن دعوتنا إلى المؤسسات المعنية بإدارة الشأن الثقافي أن تولي اهتمامها لضرورة صياغة سياسات ثقافية جديدة تستجيب للمتغيرات الراهنة، وتقوم بدفع أفراد المجتمع وتكويناته المختلفة للإسهام في تحقيق أمنها الثقافي، وهو ما سيمدها بالطاقة المعرفية الكافية لصناعة وجدان وطني قوي ومنتج ومتماسك وفعّال..
إنها الحاجة الماسة إلى سياسات ثقافية فاعلة تتجاوز الشكلانية إلى الموضوع.. (=الإنسان).
غسان علي عثمان كاتب سوداني
المصدر: لجريدة عمان
إقرأ أيضاً:
مصرف لبنان المركزي يعلن استقلاله عن "التأثير السياسي"
أعلن حاكم مصرف لبنان المركزي الجديد، كريم سعيد، أن المصرف المركزي سيكون مستقلاً في اتخاذ قراراته، ومحمياً من التأثير السياسي، لضمان تجنب تضارب المصالح.
وأكد سعيد، بحسب تصريحات نقلتها وسائل إعلام لبنانية، اليوم الجمعة، أن جميع الأموال الخاصة، بما في ذلك الودائع، محمية بموجب القانون اللبناني، مشيراً إلى ضرورة العمل على إعادة جميع الودائع تدريجياً من قبل المصارف.
وأوضح أن المصرف المركزي والدولة اللبنانية يتحملان مسؤوليتهما في هذا الصدد، مع إعطاء الأولوية لإنقاذ صغار المودعين.
وشدد على ضرورة استكمال أي تدقيق جنائي، وفرض عقوبات على المتورطين في المخالفات المالية، إضافة إلى تعزيز جهود مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وقال كريم سعيد إن جميع البنوك مطالبة بزيادة رؤوس أموالها تدريجياً عبر إضافة أموال جديدة، وإلا فسيكون عليها الاندماج مع بنوك أخرى، محذراً من سحب تراخيص المصارف التي ترفض الاندماج.
وأشار حاكم مصرف لبنان إلى أن المصرف المركزي سيقيّم ويحلل جميع الخطط التي أعدتها الحكومتان السابقة والحالية لإعادة جدولة الدين العام.
حاكم مصرف لبنان الجديد، كريم سعيد، أكد خلال مراسم تسلمه المنصب على ضرورة العمل تدريجيًا على سداد جميع الودائع، مع التركيز على صغار المودعين والفئات المتوسطة، مطالبًا البنوك بزيادة رؤوس أموالها أو الاندماج مع بنوك أخرى إذا لم ترغب بذلك.
وأوضح سعيد أن المصرف سيواصل التدقيق… pic.twitter.com/3AFugRZaqA
كما أكد سعيد أن المصرف المركزي سيعمل على رفع لبنان من القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي، في إطار الجهود الرامية إلى استعادة الاستقرار المالي، وتعزيز الثقة في القطاع المصرفي.