الشجر والحجر والإنسان.. علاقات معقدة
تاريخ النشر: 28th, November 2024 GMT
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
الإنسان ابن بيئته فهو يعيش في بيئة هو جزء منها يتفاعل معها ويؤثر فيها ويتأثر بها فهي كل ما يحيط بالإنسان من ماء وهواء ويابسة وفضاء خارجي، وكل ما تحتويه هذه الأوساط من جماد ونبات وحيوان وأشكال مختلفة من طاقة ونظم وعمليات طبيعية وأنشطة بشرية.
وعليه أن يعيى بيئته التي يعيش فيها كي يحافظ عليها من أجل مستقبله والجنس البشري جميعا فالعبث بالبيئة قد يهدد وجود الإنسان ذاته فالوعی البیئی هو إدراك الفرد لمتطلبات البیئة وتنمیة السلوکیات الصحیحة لدیه تجاه البیئة، ویکون ذلك من خلال تعریفه بمکوّنات البیئة والعلاقة التی تربط هذه المکوّنات معًا.
ومن هنا برزت أهمية التعرف على علاقة الإنسان بكل ما يحيط به من شجر وحجر وكل عناصر البيئة التي يتفاعل فيها ويهدف وجوده لعمارة الأرض التي تقله قال تعالى {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُون} [البقرة: 30]
وقد أظهرت الآية الغاية من خلق آدم هو استخلافه في الأرض ولمَّا خلق الله -تعالى- آدم -عليه السَّلام- أخبر الملائكة بأنَّه سيجعله خليفةً في الأرض، وأنَّ وُجوده في الجنَّة سيكون مؤقتًا، وأنَّه سينزل إلى الأرض لإصلاحها وإعمارها
وقد حدد المولى سبحانه وتعالى الغاية من خلق الإنسان وهى العبادة بمفهومها الأشمل حيث قال جل وعلا (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ) وهنا تتجلى الغاية العظمى لخلق آدم وهي عبادة الله سبحانه وتعالي وليس المقصود بالعبادة الصلاة والصيام فقط بل أداء التكليفات وكل ما يحقق الغاية الأولى وهي الخلافة في الأرض وإعمارها والخضوع الكامل لرب العزة سبحانه وتعالى
وقد خلق آدم من طين {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ *فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ *فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ *إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [ص: 71 ـ 74].
روى أحمد في المسند عن أبي موسى رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الأَرْضِ، فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الأَرْضِ، جَاءَ مِنْهُمُ الأَحْمَرُ وَالأَبْيَضُ وَالأَسْوَدُ وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَالسَّهْلُ وَالْحَزْنُ، وَالْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ».
فالأرض هي الأم الرؤوم التي خلقنا منها وإليها سنعود.. ولما كانت الغاية إعمار الأرض واستخلاف الإنسان فيها تلك التي خلق منها حيث قال تعالى {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ} (طه:55) تجلت قدرة الخالق في خلق آدم وتذليل جميع المخلوقات له ويظهر عظيم إبداعه الكون الرحب والأرض التي منها خلق الإنسان وما تحمله من شجر وحجر سخر للإنسان والكل مآله للتراب مرة أخرى فيتشكل الإنسان في رحم الأم وهو من الطين ويتغذى من الأرض ثم يشب عليها حتى يهرم ويشيخ ليعود للتراب وليكون جزءًا من بناء المخلوقات القادمة وهكذا تتوالى النوبات ليرحل جيل ويحل محله جيل ليتغذى الكل من أرض تحلل فيها أجداده..
الإنسان والحجر
وقد ارتبط الإنسان بالأرض منذ أن خلق وبإحساسه أنه من التراب يشعر بالخوف إذا ارتفع بعيدًا عنها أو ركب البحر سبحان الذي ذللها له وأمره أن يسير في مناكبها قال تعالى {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُور} (الملك: 15)
فقد ارتبط الإنسان بالحجر والأرض فعلاقة الإنسان بالحجر علاقة أزلية؛ فالحجر هو البيت الذي يأويه، وهو السور الذي يحويه، وهو اللحد الذي يبكيه، وقد يكون الحجر بالنسبة للإنسان؛ قلبًا يضنيه، أو مشاعرًا تشقيه، أو عقلًا يلغيه، أو فكرًا يرديه.
الإنسان هو جزء من الحجر بل قد يكون جله حجرًا، فقد خلقه الله تعالى من تراب، فتبارك الله أحسن الخالقين.
وقد غالى بعض البشر في تقديس الأرض وعبادة الأحجار ولا يدري أنها مخلوقة مثله بل تسبح ربها وتتبرأ من عبادته لها وهي رسول صامت يؤكد قدرة الخالق سبحانه وتعالى
حيث قال الشاعر مستنطقًا الأحجار
كَمْ حَسَدْنَا حِرَاءَ حِينَ تَرى ** الرُّوحَ أمينًا يغْذُوكَ بالأنْوارِ
فَحِراءُ وثَوْرُ صَارَا سَوَاءً ** بهما اشْفع لدولةِ الأحجارِ
عَبدُونا ونَحْن أَعْبَدُ لله ** مِنَ القائمين بالأسْحَارِ
تَخِذُوا صَمْتنَا علينا دليلًا ** فغدَوْنا لهم وَقُودَ النارِ
قد تجنَّوا جَهْلًا كما قد تجنَّوْه ** علَى ابْن مريم والحَوارِى
للمُغَالِى جزاؤه والمغَالَى ** فيه تُنجيهِ رحمةُ الغَفارِ
وهذه العلاقة أزلية لا تنفك أبدًا بل يحن الإنسان للأرض وتحنو عليه فيشعر فيها بالدفء والراحة وكلما تقدمت به السن انحنى ظهره في إشارة واضحة إلي قربه من تلك الأم التي تنتظره لتضمه في رحمها لتخرجه تارة أخرى للحساب والحياة الأبدية.
الإنسان والشجر ومظاهر التكريم
جاء التكريم حيث كرمه رب العزة بعقل ميز به عن سائر المخلوقات فالعقل هو الأداة الكبرى للمعرفة، ويتفرّع عنه التفكير، والإرادة، والاختيار، وكسب العلوم؛ لذلك كان الإنسانُ مسؤولًا عمّا يصدر عنه، قال تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا} [الإسراء: 36] وليس هذا فحسب بل جعله محور الرسالات السماوية حيث قال تعالى {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدَىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 38]
ولقد كرمه بأن سخر له ما في الكون من شجر وحجر وحيوان {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} [لقمان: 20]. وصرّح القرآن الكريم بأنّ الله تعالى خلق الأنعام، وملَّكها للإنسان، ثم ذلّلها له للركوب، والأكل، والمنافع، والمشارب، قال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا ركُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ *وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ} [يس: 71 ـ 73] ووجّه القرآن الكريم الإنسان إلى البحث في الكون، والتعرف على خواصّه وأسراره، والانتفاع به في الحياة.
فقال تعالى {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} [النحل: 14]. وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأنعام: 141].
فقد سخر الله كل شيء لخدمة الإنسان من جبال ومياه وأشجار وحيوان وكل مافي الأرض له وذلك ليتناسب مع كونه خليفة الله في أرضه وقد ضمن له حياة مطمئنة توافرت مواردها فجعل الرزق في السماء (وفي السماء رزقكم وما توعدون).
ووجهه لمصادر الرزق بل جعله يعتمد في غذائه على الأرض التي إذا نزل عليها الماء اهتزت وربت قال تعالى {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ۚ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۚ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [فصلت: 39]
{وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ (10) رِّزْقًا لِّلْعِبَادِ ۖ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا ۚ كَذَٰلِكَ الْخُرُوج (11) } [ق]
فينزل الماء على الأرض الميته فتهتز وتنبت الزرع الذي يبهج وتزداد بهجته بما يثمر وما الثمر إلا عناصر من الطين إذ أمر ربنا تلك الشجرة أن تستل من الطين عناصره المناسبة للإنسان وبما أن الإنسان مخلوق من الطين استوجب أن يتغذى على الطين وكيف وقد تغيرت حالة الطين لذا لا يناسبه إلا طين متغيرة حالته متمثلًا في بناتات وثمار غذيت على الطين فاستلت عناصره لصيبح طعامًا سائغًا للإنسان ولينمو ذلك الطين المتغير على طين متحول لأشكال وألوان ولتنقضي الحياة ويصير الكل مرة أخرى في الأرض لتنبت حياة جديدة على الأرض من خلال نسل جديد من البشر والشجر.
قال ضرار بن عمرو بن مالك
إذَا الرّجَالُ وَلَدتْ أوْلاَدُهَا وَجَعَلَتْ أسْقَامُهَا تَعْتادُهَا
واضْطَرَبَتْ مِنْ كِبَرِ أعْضَادُهَا فَهِيَ زُرُعٌ قَدْ دَنَا حَصَادهَا
المصدر: البوابة نيوز
كلمات دلالية: قال تعالى فی الأرض من الطین حیث قال خلق آدم الأرض ا
إقرأ أيضاً:
ثنائيات في أمثال السيد المسيح (6) .. اِغفِر واِرحَم.. في اجتماع الأربعاء
ألقى قداسة البابا تواضروس الثاني عظته الأسبوعية في اجتماع الأربعاء مساء اليوم، من كنيسة القديس الأنبا أنطونيوس بالمقر البابوي بالكاتدرائية العباسية.
ثنائيات في أمثال السيد المسيحواستكمل قداسته سلسلة "ثنائيات في أمثال السيد المسيح"، وقرأ جزءًا من الأصحاح الثامن عشر من إنجيل معلمنا متى والأعداد (٢١ - ٣٥)، وتناول مَثَل الملك الذي يغفر والعبد الذي لا يغفر، وربط بين المَثَل وأحد المخلع (الوحيد) الواردة قصته في الأصحاح الخامس من إنجيل معلمنا يوحنا ، مشيرًا إلى القساوة البشرية في أقصى صورها.
وأوضح قداسة البابا أن المَثَل يقدم عنصر الرحمة والتي لم تكن تتوفر لدى المحيطين بمريض بيت حسدا، وشرح رحمة الله الواسعة من خلال مشاهد المَثَل، كالتالي:
- في المشهد الأول يقدم لنا المَثَل مقارنة غير متوازنة بين الملك الذي يتنازل ويرحم ويترك الدين وبين العبد الذي يتعالى ويقسو ولا يترك الدين، ومريض بيت حسدا كان يريد الرحمة من المحيطين به "لَيْسَ لِي إِنْسَانٌ يُلْقِينِي فِي الْبِرْكَةِ مَتَى تَحَرَّكَ الْمَاءُ. بَلْ بَيْنَمَا أَنَا آتٍ، يَنْزِلُ قُدَّامِي آخَرُ" (يو ٥: ٧)، بينما رحمة الله واسعة "امْتَلأَتِ الأَرْضُ مِنْ رَحْمَةِ الرَّبِّ. بِكَلِمَةِ الرَّبِّ صُنِعَتِ السَّمَاوَاتُ، وَبِنَسَمَةِ فِيهِ كُلُّ جُنُودِهَا" (مز ٣٣: ٥، ٦).
يتكلم الأصحاح ذاته عن المعاملات الإنسانية والمغفرة للآخر، "كَمْ مَرَّةً يُخْطِئُ إِلَيَّ أَخِي وَأَنَا أَغْفِرُ لَهُ؟ هَلْ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ؟ قَالَ لَهُ يَسُوعُ: لاَ أَقُولُ لَكَ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ، بَلْ إِلَى سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ" (مت ١٨: ٢١، ٢٢)، وإجابة السيد المسيح فتحت أمامنا أن الرحمة بلا نهاية.
المحاسبة في المَثَل تشير إلى يوم الدينونة، ومبلغ عشرة آلاف وزنة يُبيّن ضخامة الدين على الإنسان، فالإنسان مدين لله بكسر الوصايا وكأنها دين لا يُغفر، ولا يغفر هذا الكسر إلا رحمة الله.
"تَمَهَّلْ عَلَيَّ فَأُوفِيَكَ الْجَمِيعَ" (مت ١٨: ٢٦)، هل نطلب من الله أن يتمهّل علينا حتى نحسن من سيرتنا، ونعيش في الوصية؟! فموقف الله من الإنسان متمثل في حبه وشفقته ورحمته وغفرانه، لأنها طبيعته.
"فَتَحَنَّنَ سَيِّدُ ذلِكَ الْعَبْدِ وَأَطْلَقَهُ، وَتَرَكَ لَهُ الدَّيْنَ" (مت ١٨: ٢٧)، "دَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ" (١ يو ١: ٧)، فالدين الذي علينا هو خطايانا وآثامنا ولذلك نلجأ إلى الله ليرفعها عنا ويرحمنا ونصير في بياض ناصع.
في المشهد الثاني يقدم المَثَل العلاقة بين العبد والعبد الآخر، "فَلَمْ يُرِدْ بَلْ مَضَى وَأَلْقَاهُ فِي سِجْنٍ حَتَّى يُوفِيَ الدَّيْنَ" (مت ١٨: ٣٠)، ونرى أن الإنسان أمام أخيه الإنسان تكون أذنيه صماء وقلبه حجريًّا بينما الله يستجيب للإنسان من كلمات قليلة يقدمها.
"فَلَمَّا رَأَى الْعَبِيدُ رُفَقَاؤُهُ مَا كَانَ، حَزِنُوا جِدًّا" (مت ١٨: ٣١)، برغم أن الدين كان قليلًا جدًّا إلا أن الإنسان يسقط في القساوة والخطية بسبب الغفلة والنسيان، فالله ينظر إلى الآثام العظيمة التي صنعها الإنسان ويرفعها عنه، ونحن ننظر إلى الآثام الزهيدة ونتوقف عندها ولا نغفر لبعضنا البعض.
"وَإِنْ لَمْ تَغْفِرُوا لِلنَّاسِ زَلاَتِهِمْ، لاَ يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمْ أَيْضًا زَلاَتِكُمْ" (مت ٦: ١٥)، الله ينظر إلى مقدار مغفرتنا للآخر لكي يعطينا الرحمة من عنده، وبنفس المقدار.
"فَلَمَّا رَأَى الْعَبِيدُ رُفَقَاؤُهُ مَا كَانَ، حَزِنُوا جِدًّا"، الله يسمع تنهدات البشرية من قسوة الآخرين، فعندما يسقط الإنسان في القساوة والخصام والعناد ينسى أن الله يمكن أن يرحمه، "وَالْقَادِرُ أَنْ يَفْعَلَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، أَكْثَرَ جِدًّا مِمَّا نَطْلُبُ أَوْ نَفْتَكِرُ" (أف ٣: ٢٠).
"أَفَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّكَ أَنْتَ أَيْضًا تَرْحَمُ الْعَبْدَ رَفِيقَكَ كَمَا رَحِمْتُكَ أَنَا؟" (مت ١٨: ٣٣)، الله يعاتب الإنسان لأنه بفعله يستبعد نفسه من نعمة الله.
وطرح قداسته تساؤلاً: أين نحن من هذه الرحمة؟
١- يجب أن نتذكر كل أيام حياتنا كيف يرحمنا الله ويغفر لنا ويستر علينا.
٢- يجب أن نتذكر أنه إذا غفرنا سيُغفر لنا وإذا لم نغفر سيضيع منا الملكوت، فصرخة مريض بيت حسدا صرخة مدوية للغاية "لَيْسَ لِي إِنْسَانٌ"، والأمر بيد الإنسان.