موقع النيلين:
2025-02-27@06:02:52 GMT

أبا والشيوعيون: حين وقف حمار نميري في الجاسر

تاريخ النشر: 28th, November 2024 GMT

أبا والشيوعيون: حين وقف حمار نميري في الجاسر
عبد الله علي إبراهيم
تقديم عبد الخالق السر
(دار المصورات 2024)
قال الزعيم الإسلامي أحمد عبد الرحمن عن دورهم في معارضتهم المسلحة في أبا: “الله يبرئنا من دماء الأنصار ويغفر ليهم”.
لا أعرف حادثة مثل ضربة أبا حتّت تاريخها عن بكرة أبيه كالشجرة في الصقيع لتستبقي منه شيطاناً رجيماً واحداً هو الشيوعيون في حالنا.

ومصير الواقعة، متى خلعت التاريخ عنها، أن تصبح لوثة. وصار هذا حالها: لوثة سامة عند الإسلاميين بصورة استثنائية.
فنجا من سعر اللوثة رئيس النظام المخلوع جعفر نميري وأركان حربه من كان بوسعهم وحدهم الأمر بالحرب واقتحام الجزيرة براً وجواً وبحراً. ومع ذلك أسبل عليهم الأنصار أنفسهم عفو الدنيا بعد ست سنوات من الواقعة. فغفروا لنميري ما تقدم من ذنبه فيهم في مصالحة 1977م. فتذرّع السيد الصادق المهدي لعقدها مع نظام مايو في رسالة للأنصار في 1979م مايو بانقشاع “الفئة التي تؤذي”، أي الشيوعيين. ومما يُستغرَب له انعقاد تلك المصالحة بعد ثمان سنوات طوالٍ من تخلُّص النظام من تلك الفئة المؤذية في 1971م. ومن ضمن ما تذرَّع به السيد الصادق لعقد تلك المصالحة وعد النظام بتأسيس” قانون السودان على الشريعة الإسلامية الغراء”، والاعتراف بمساهمة الإمام الهادي القتيل في خدمة الدين والوطن.
وما أعرف من نشط في تذنيب الشيوعيين بدم أبا مثل كُتّاب الحركة الإسلامية على أيامنا هذه يتوسَّلون بردمنا إلى مأرب معارض سفليٍّ للثورة. فحتى الأنصار غفروا في حين كفر الجيران. وتستغرب لمن لم يهدأ له مكر، قاصراً دور “الشرير” في أبا على الشيوعيين، في حين أكرمت دولتهم المبادة “سفاح” أبا المشير الركن جعفر نميري بجنازة دولة، حتى بعد أن خلعه الشعب لجرائمه بحقه بما في ذلك مقتلة أبا. بل ورسَّمت الإنقاذ أبو القاسم محمد إبراهيم، جنرال عموم حملة أبا، مشيراً ركناً من منازله تهفو إليه مجالسُها النيابية الباطلة بعد خمول.
بل لا أعرف وجهاً لكثيرين من الصفوة وسائر الشعب لا يفتأ يُحمِّلنا ضربة أبا وحدنا دون غيرنا، بينما يلهج بكرامات نميري الذي حكم فعدل فنام، ومات في بيت العائلة في ود نوباوي. يا للورع! ولا يتورع نفر من المستقلين، أو من يزعمون الاستقلالية كنوع من الورع السياسي، بمختلف المسميات، يتنادون إلى كورس إدانتنا متى تهيأ لهم. وهم الأصل في مايو. وكانوا الطاقم الذي تشبَّث بها حتى أخذتهم ثورة إبريل 1985م أخذاً وبيلاً. بل قال زين العابدين محمد أحمد، رئيس هيئة الأركان بالإنابة، الذي بعث، بأمر من نميري، أول دفعة طائرات مساء 27 مارس 1970م لضرب أبا كما سيرد، إن أول من طرح فتح أبا بالقوة في اجتماع مشترك لمجلس الثورة والوزراء كان موسى المبارك الحسن الذي بدأ السياسة مستقلاً، ثم وطنياً اتحادياً، ثم وزيراً في مايو حتى انتقل مُعجَلاً إلى رحمة الله.

إنضم لقناة النيلين على واتساب

المصدر: موقع النيلين

إقرأ أيضاً:

الصبيّ الذي رآني

أعتقد أنني كنت أتملص من كتابة الرواية بحيلة ما، لقد بدت الرواية للفتاة التي كنتها في مطلع العشرين عالما محفوفا بالقَداسَة لا يمكن سبره دون تكوين ذاتي ونفسي ومعرفي هائل؛ فالرواياتُ التي ظلتْ مفتونةً بعوالمها العذبة متوشّحة بالسحر والدهشة العالية وهي لم تكن ساحرة بل مجرد فتاة تطالع كتبا في بيئة اعتاد أفرادها أن تنتهي صلتهم بالكتب بمجرد فراغهم من المدرسة، فلم يكن الكتاب سوى فعلٍ ذي صلة بالدراسة فحسب. لكنها رغم جلافة تلك البيئة ومن أحاط بها في -حيّزها العائلي- ظلت تمضي كالمسرنمة إلى الحكايات المبثوثة في مختلف المجلات والكتب القصصية التي تصادفها، وتلوذ بظلها في شهور الصيف الملتهبة.

في البدء كانت الروايات باعثًا للتحايل على النهارات الرتيبة حين لا يستعرض التلفزيون -وهو وسيلة الترفيه الوحيدة في ذلك الوقت- ما يُشغل أوقاتنا.

أثار سلوكها القرائي هواجس من حولها، فحين يرونها مُقبلة على كتاب ما يسألون متعجبين: بعدك ما خلصتي المدرسة؟!

ظللت في حكمهم تلك التلميذة النجيبة التي ما فتأت تطالع كتبها المدرسية رغم نيلها الشهادة الثانوية.

بعد أن استحالت البذرةُ التي انكفأت تَرْويها بشتى المعارف إلى شجرة بجذور متنامية في روحها المطوّقة بأفكار خاصة ورؤى ممتزجة بتلك القصص والحكايات التي تجاوزتها إلى كتابة أول نص شعري لها كان أقرب إلى خواطر المراهقين. تكاثفت محاولاتها المربكة حتى تيقنت مع الوقت أن كتابة الشعر لا تستهويها كثيرا رغم أن بعض نصوصها التي بعثتها لصحف محلية انتخبت لترجمتها إلى لغات لا تتكلمها كالبرتغالية والإسبانية. ولم يمنعها ذلك من هجر الشعر أو هكذا خيّل لها؛ وكيف يمكن للكاتب أن يهجر جوهر اللغة.

جرفها خيالها المتدفق نحو حكايات مضمخة بشخوص مقيّدة في رأسها الصغير تود لو أن لها أجنحة كي تفضي إلى سماواتها طليقة. شخوص باتت مع الوقت تكلمها. تُنصت لرغباتها وتحزن على ما نالها من أعطاب روحية وأخرى تضحك على نكاتها وتداعب أحلامهم الموصولة بأحلامها الشخصية.

سرعان ما رأتها تنفلت رويدا رويدا من قاعها المزدحم إلى جمل ومفردات مُستغرِقة في محاولة فهمها وهي تمنح جزءًا بسيطا فحسب من تفاصيلها المُعبَأة. لتتحزّم على هيئة أول نص قصصي لها. تليها قصص أخرى، جلّها مطعّمة بالشعر.

كبرت وكبرت شخصياتها معها. وما عادت لصيق روحها وحدها بل رأتهم ينسلون من ضلعها إلى ضلوع الآخرين. وجدتهم يستفيضون بأسرارهم دون أن يحبطهم هاجس ما. رغم هلعها كأم رؤوم عليهم من لمسة عابرة تخذلهم. ورغم تحذيرها لهم من جلافة العالم وخلوّه من الحنيّة. لكنهم مَضَوْا كبالغين إلى مضمار الوجود.

تذكر أول انطباع مسّ كلماتِها حين دفعتْ بإحدى قصصها الطويلة إلى أول ملتقى ثقافي في حياتها الأدبية في ولاية خَصَب في بلدها عُمان حيث صادفت أقرانا مختلفين عنها، فهي تسكن خارج خارطة الوطن في دولة الإمارات.

كغريبة بدا لها الملتقى عالما مكتضا بالمتناقضات وبلجان تحكيم خبراتهم غضّة ترقوا إلى مرتبة نقاد بطبيعة الحال، «فكتّاب القصة في عمان بلا آباء» وفق تعبير البليغ للكاتب والروائي محمد اليحيائي. وهي كبقية المتقدمين في ضبابية الخطوات الأولى تسير نحو أسرار الكتابة البكر وغاياتها.

وحين ارتقت المنصة لتضيء نصها القصصي بصوتها المتهيّب كبقية زملائها الذين تعرفت عليهم خلال أيام الملتقى الممتد لسبعة أيام، فوجئت بنبرة أحدهم في لجنة التحكيم يَقْلب أوراق قصتها بين يديه مستنكرا: «انتي مقدمة قصة قصيرة ولا رواية، معقولة قصة من عشرين صفحة؟ معقبا قوله: ليلى روحي اكتبي رواية.. انتي مشروع روائية».

بدا حكمه وفق إدراكها جَلِفا وهي تلكمه في ذاتها لاستسهاله خوض أيّ كان لكتابة رواية! بل خطر ببالها لو كان ماركيز بجلال قدره طلب منها كتابة رواية في ذلك الوقت لأبت؛ لقناعتها بأنها ما تزال أرضًا بكر لم ترتوِ بعدُ جيّدًا كي تفضّ قداسة الروايات!

ظلت تراوح بين بقية أجناس الكتابة الأخرى كالقصة بأنماطها المتباينة القصيرة منها والأقصوصة والومضة وكتابة رسائل سردية ومقالات بأنواعها وأدب أطفال ويوميات دون أن تدنو ولو قليلا من الرواية إلا حين أدركت أنها قطعت مرحلة النضج التي تعوزها لتعبر حدودها. لملمت ذاتها ككاتبة تخوض تجربة مربكة دون أن يفوتها استنساخ طقوس كتابها الأحبّ كمحاولة طريفة لتبدو كالروائيين. تذكر أنها جلست حينها كما كان يفعل كاتبها المفضل ساراماغو حين سئل عن طقوسه في كتابة الرواية، فأجاب متهكما كعادته: أن تجلس فتكتب فحسب.

انهمكت في مواجهة حاسوبها والخوف يرابط حول أفكارها المتلاطمة، رغم ذلك تجاوزت هواجسها ومضت كلماتها بسلاسة في الفصل الأول. لكن اندفاعها خبا في الفصول المتلاحقة. ظلت لليال عديدة تحاول جذب خيوط الأحداث ومداعبة الشخصيات في محاولة منها لاستنهاضها نحو غاياتها. لكن بلا جدوى.

هناك حكايات تستدعيها بقوة وتخذلك؛ فهي ليست لك وأنت لست راويها وهناك حكايات تأتيك مطواعة، هي وحدها حكايتك وما عليك سوى أن تمنحها الأمان وقليلا من الإنصات لتتخلق وتمنحك عالما خلابا. في يوم بدا رتيبا ومألوفا لولا زيارة أختها التي سردت لأمها بقلب وجل عن عصابة أفريقية تموّه أطفالا لتخطف شبابا من أهل البلد. كانت تتنصت للحكاية بفضول يليق بكاتب يبحث عن مادة خام ليشكلها، لا تدري ماذا حل بكيانها بعدها؟

ففي الليلة ذاتها سحبتها قوة ما وأجلستها رغما عنها أمام حاسوبها في مواجهة ملف وورد جديد وصوت صبي أفريقي انبثق لا تدري من أين.. يرجوها بحسٍّ معبأ بالأسى قائلا: أرجوك اكتبي حكايتي... أرجوك.. أرجوك...

ظل يرجوها حتى انصاعت كالممسوس ليملي عليها حكايته بينما أصابعها تندفع نحو كلمات متلاحقة تتخلق على صفحة الوورد البيضاء حتى نمت إلى عالم مكتظ ومكتمل في روايتها الأولى «دفاتر فارهو».

ليلى عبدالله قاصة وروائية عمانية

قدمت الورقة في مهرجان القرين الثقافي في دولة الكويت الشهر الجاري في ندوة حملت عنوان: شهادة إبداعية في الرواية والنقد من يحتاج الآخر؟

مقالات مشابهة

  • 26 مايو.. الحكم على سائق أتوبيس متهم بقتل آخر في الجيزة
  • 26 مايو الحكم على سائق أتوبيس لاتهامه بقتل أخر فى الجيزة
  • ما الذي أشعل فتيل الحرب في السودان؟
  • الصبيّ الذي رآني
  • 200 مليار ريال استثمارات بالقطاع اللوجستي
  • الجاسر: إدارة الهلال نائمة
  • تأجيل محاكمة كبير مفتشي آثار إمبابة لـ26 مايو
  • الجاسر: الهلال يعاني من غياب إداري وجيسوس فقد السيطرة.. فيديو
  • طلعت مصطفى تكشف مبيعات ساوث ميد الساحل الشمالي 281 مليار جنيه.. وبنان في السعودية تسجل 68 مليار جنيه منذ مايو 2024
  • جريمة شرف تنتهي بالإعدام.. إحالة أب ونجليه للمفتي لقتلهم ابنتهم وعشيقها بـ 15 مايو