لجريدة عمان:
2025-04-05@03:05:27 GMT

علم النفس ، أثرٌ بدئي

تاريخ النشر: 16th, August 2023 GMT

أقف على جزء من الآية السابعة عشرة من سورة الرعد "فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ" وقفة متأمل، فأجد فيها من العدل الإلهي ما يجعل لساني يلهج شكرا له، لأن له وحده القدرة على بقاء النافع المفيد للناس، وذهاب ما لا ينفعهم. فلم يجعل لبشري هذه القدرة، وربما من أسباب ذلك أن الأهواء تتحكم في تحديد ما ينفع الناس وما لا ينفعهم، حال كانت هذه القدرة بيد البشر.

ومقالنا اليوم يسلط الضوء على عمل شخصية فريدة في التاريخ البشري، اتسمت هذه الشخصية بصفات جعلت محبيها يرفعونها درجة فوق البشر، ومناوئيها يُنزلونها دركة تحت الشياطين؛ وما بين محب صادق ومبغض مظهر للعداوة أو منافق، ظلت هذه الشخصية حاضرة رغم كل ما يثار حولها، وانتفع بأعمالها خلق كثير، كيف لا وقد لقبت شخصيتنا بلقب لا مثيل له من قبل وهو "الشيخ الرئيس" ، إنه الفيلسوف الأديب والطبيب الأريب ابن سينا.

أثرى ابن سينا المكتبة العربية بكتب عديدة أقلُّها جودة، أعلى مما تستطيع الأذهان المتوسطة الوصول إليه وبلوغ مرامه. وقد نبغ هذا العَلَم الكبير في عدة علوم فهي تتنازعه فيما بينها، كالفلسفة والطب وعلم النفس واللغة والموسيقى وغيرها. والكتاب الذي بين أيدينا اليوم ، هو "رسالة في معرفة النفس الناطقة وأحوالها"، وهي على صغرها تحوي من الكنوز ما يجعل المرء مذهولا من العبقرية الفذة لصاحبها.

يبتدئ ابن سينا رسالته بحمد الله والثناء عليه، والصلاة على نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم، بلفظ حلو رشيق، وحسن أنيق، وعذب سائغ، وحلو رائع، تدلنا على البراعة الأدبية العالية للفيلسوف الكبير. ثم يشرع في وصف رسالته ومنهجها. ومما شدني في رسالته؛ تسميته لعلم النفس بهذا الاسم أولا، وتحديد خارطة الطريق لهذه الرسالة حيث يقول "فهذه رسالة حررتها في علم النفس، وجعلتها ثلاثة فصول. الفصل الأول: في إثبات أن جوهر النفس مُغاير لجوهر البدن. الفصل الثاني: في بقاء النفس بعد فناء البدن. الفصل الثالث: في مراتب النفوس في السعادة والشقاوة بعد مفارقة النفس عن البدن". وهو شيء يندر وجوده في زمن ابن سينا، أعني هذه التقسمية المنهجية الواضحة التي تشبه كتابا منهجيا حديثا. مُتبِعا حديثه عن هذه الفصول بتفصيل ما في الخاتمة من موضوعات.

ثم يفصل ما تشتمل عليه رسالته، أي الفوائد التي يجنيها القارئ من قراءتها وهي "معرفة الإنسان نفسه، وما يؤول إليه حاله بعد الارتقاء... فإن معرفة النفس مرقاة إلى معرفة الرب" ، ولكنه يستدرك كي لا يتوهم القارئ بأنه أمام كتاب عادي يتناول أمر الجسم الخارجي، فيقول "ولو كان المراد بالنفس ... هو هذا الجسم لكان كل أحد عارفًا بربه، أعني خصوص معرفة، وليس كذلك؛ فهذه الرسالة تهديك إلى الأسرار المخزونة في عالم النفس الذي غفل عنه الدهماء من الناس، بل أكثر العلماء عنه غافلون..". ثم يشرع في بسط ما ذكره من الفصول.

يعرض ابن سينا في بداية الفصل الأول من فصول الرسالة أقوال العلماء في "المراد بالنفس" مع نقد لأقوالهم وتبيان قوله ورأيه هو، داعما رأيه بالبراهين المنطقية المُدرَكَةِ بالتجربة البشرية المتماثلة عند كل إنسان. أعني بها تجربتنا مع البدن الذي هو زائل لا محالة، متعرض للزيادة والنقصان، مبرهنا على فنائه وبقاء جوهر النفس بثلاثة براهين أُبسِّطها -مع علمي بقصور هذا التبسيط الذي لا يغني عن قراءة الرسالة- في ؛ الذاكرة، الذاكرة الشرطية، الجوهر. ثم يستطرد في الفصل الثاني "في بقاء النفس بعد بوار البدن" في بسط ما توّصل إليه في الفصل الأول.

أما الفصل الثالث من هذه الرسالة وهو الفصل الذي عنوانه "في مراتب النفوس في السعادة والشقاوة بعد المفارقة عن الأبدان" يذكرني بكتاب معاصره وصديقه، الفيلسوف الكبير مسكويه "تهذيب الأخلاق" ، وفيه من التشابه معه الشيء الكثير، وكذلك الخاتمة. ويرى فيه بأن "النفس الإنسانية لا تخلو عن ثلاثة أقسام؛ لأنها إمَّا أن تكون كاملة في العلم والعمل، وإمَّا أن تكون ناقصة فيهما. وإمَّا أن تكون كاملة في أحدهما ناقصة في الآخر". ثم يشرع في شرح الفروقات بين هذه التقسيمات وأحوالها.

يفرد ابن سينا لرسالته خاتمة بديعة، يذكر فيها "العوالم الثلاثة التي هي عالم العقل وعالم النفس وعالم الجسم"، ثم يستطرد في شرح ما يذهب إليه. ومما تجدر الإشارة إليه، هو السبك المحكم لهذه الرسالة؛ فهي قصيرة مختصرة اختصارا لا يُخِلُّ بالمُراد منها والمطلب التي هي وسيلة للوصول إليه. كما أن ابن سينا يستشهد بالآيات الشريفة والأحاديث النبوية في كلامه وبراهينه التي ضمَّنها رسالته. وهو يذكرنا بأن العبقرية شرح أصعب الأشياء وعرضها، بطريقة سهلة يسيرة يستطيع كل إنسان فهمها.

لا يمكن الحديث عن هذه الرسالة دون ذكر الجهود الجبارة التي تقدمها مؤسسة هنداوي للثقافة العربية، وهي "مؤسسة غير هادفة للربح، تهدف إلى نشر المعرفة والثقافة، وغرس حب القراءة بين المتحدثين باللغة العربية" كما تُعرِّف نفسها، وهي تتيح الكتب العربية والرسائل الجادة كهذه مجانا، وبصيغ إلكترونية عديدة تتناسب مع أجهزة القراءة العصرية كجهاز Kindle، وKobo، وBarnes & Noble Nook، وSony Reader. وهي المؤسسة التي اعتمدت عليها في الحصول على هذه الرسالة النفيسة ورسالة أخرى وكتاب للشيخ الرئيس.

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: هذه الرسالة ابن سینا

إقرأ أيضاً:

بعد احتجاجها العلني.. عربي21 تحصل على رسالة من موظفة مايكروسوفت

"أيدي جميع موظفي مايكروسوفت ملطخة بالدماء. كيف تجرؤون جميعًا على الاحتفال بينما مايكروسوفت تقتل الأطفال؟ عارٌ عليكم جميعًا" هي جُملة أتت على لسان موظفة مايكروسوفت، ابتهال أبو سعد، لتُواجه بها الرئيس التنفيذي لشركة مايكروسوفت للذكاء الاصطناعي، مصطفى سليمان.

وتابعت أبو سعد، من قلب احتفال مايكروسوفت بعيدها الـ50، بالقول: "عار عليك. أنت مستغل للحرب ضد غزة. توقف عن استخدام الذكاء الاصطناعي للإبادة الجماعية".

وفيما جاب مقطع المهندسة المغربية  أبو سعد، مختلف مواقع التواصل الاجتماعي، وتفاعل معه، كافة المدافعين عن القضية الفلسطينية، عبر العالم، حصلت "عربي21" على رسالة بعثث بها ابتهال، لزملائها في مايكروسوفت.

عرض هذا المنشور على Instagram ‏‎تمت مشاركة منشور بواسطة ‏‎Asharq News الشرق للأخبار‎‏ (@‏‎asharqnews‎‏)‎‏
وقالت ابتهال خلال الرسالة: "مرحبا جميعا، كما شاهدتم، لقد قاطعتُ حديث الرئيس التنفيذي لشركة مايكروسوفت للذكاء الاصطناعي، مصطفى سليمان، خلال احتفال الذكرى الخمسين الذي كان منتظرا. إليكم السبب".

وأوضحت: "اسمي إبتهال، وأعمل مهندسة برمجيات في قسم منصة الذكاء الاصطناعي بشركة مايكروسوفت منذ 3.5 سنوات. تحدثتُ اليوم، لأنني اكتشفتُ أن قسمي يُمكّن الإبادة الجماعية لشعبي في فلسطين".

"لم أجد خيارًا أخلاقيًا آخر. خاصة بعد أن رأيتُ كيف تُحاول مايكروسوفت قمع أي معارضة من زملائي الذين حاولوا تسليط الضوء على هذه القضية. على مدى العام ونصف الماضي، تم إسكات وتخويف ومضايقة مجتمعنا العربي والفلسطيني والإسلامي في مايكروسوفت دون أي محاسبة" وفقا للرسالة نفسها التي وصل "عربي21" نسخة منها.

وتابعت: "محاولاتنا للتعبير عن رأينا قوبلت إما بالصّمم أو بفصل موظفين لمجرد إقامة وقفة صمت. لم يكن هناك طريق آخر لجعل أصواتنا مسموعة".


"نشهد إبادة جماعية"
ابتهال عبر الرسالة نفسها، أبرزت: "على مدى العام ونصف الماضي، شهدتُ الإبادة الجماعية المستمرة للشعب الفلسطيني على يد إسرائيل. رأيتُ معاناة لا توصف وسط انتهاكات لحقوق الإنسان: القصف العشوائي، واستهداف المستشفيات والمدارس، واستمرار نظام الفصل العنصري..".

وأردفت: "كل هذا تم إدانته عالميًا من قبل الأمم المتحدة، والمحكمة الجنائية الدولية، ومحكمة العدل الدولية، والعديد من منظمات حقوق الإنسان. صور الأطفال الأبرياء المغطّاة بالدماء، وعويل الآباء، وتدمير عائلات ومجتمعات بأكملها، قد مزّقتني إلى الأبد".

واسترسلت: "حتى لحظة كتابة هذه الرسالة، استأنفت إسرائيل إبادتها الكاملة في غزة، والتي قتلت حسب بعض التقديرات أكثر من 300,000 فلسطيني في العام ونصف الماضي فقط. وقبل أيام، كُشف أن إسرائيل أعدمت 15 مسعفًا وعامل إنقاذ في غزة، واحدا تلو الآخر، قبل دفنهم في الرمال، وهي جريمة حرب أخرى مروعة. وفي خضم كل هذا، عملنا في "الذكاء الاصطناعي المسؤول" يُغذي هذا القتل والمراقبة".

عرض هذا المنشور على Instagram ‏‎تمت مشاركة منشور بواسطة ‏‎Arabi21 - عربي21‎‏ (@‏‎arabi21news‎‏)‎‏
"نحن شركاء في الجريمة"
تابعت ابتهال خلال الرسالة نفسها، التي ترجمتها "عربي21" عن اللغة الانجليزية: "عندما انتقلتُ إلى قسم منصة الذكاء الاصطناعي، كنتُ متحمسة للمساهمة في تقنيات الذكاء الاصطناعي المتطورة وتطبيقاتها لصالح البشرية..".

"لم أُخبَر أن مايكروسوفت سوف تبيع عملي للجيش والحكومة الإسرائيلية، بغرض التجسّس وقتل الصحفيين والأطباء وعمال الإغاثة وعائلات مدنية بأكملها" وفقا للرسالة ذاتها.

وأضافت: "لو علمتُ أن عملي في تحويل المحادثات الصوتية سوف يُستخدم للتجسس على الفلسطينيين واستهدافهم، لما انضممتُ إلى هذه الشركة وساهمتُ في الإبادة الجماعية"، مؤكّدة في الوقت ذاته: "لم أوقّع لكتابة أكواد تنتهك حقوق الإنسان".

إلى ذلك، أشارت ابتهال، عبر رسالتها إلى تقارير وكالة "أسوشيتد برس" جاء فيها أنّ: "هناك عقد بقيمة 133 مليون دولار بين مايكروسوفت ووزارة الدفاع الإسرائيلية"، مبرزة: "ارتفع استخدام الجيش الإسرائيلي لذكاء مايكروسوفت الاصطناعي في مارس الماضي إلى 200 ضعف مقارنةً بما قبل 7 أكتوبر".

وتابعت: "تضاعفت كمية البيانات المخزنة على خوادم مايكروسوفت بين ذلك الوقت ويوليو 2024 إلى أكثر من 13.6 بيتابايت"، مشيرة إلى أن جيش الاحتلال الإسرائيلي: "يستخدم "مايكروسوفت أزور" لتحليل المعلومات المجمعة عبر المراقبة الجماعية، بما في ذلك المكالمات والرسائل النصية والصوتية".

"كما أن ذكاء مايكروسوفت الاصطناعي يدعم "أكثر المشاريع السرية والحساسة" للجيش الإسرائيلي، بما في ذلك "بنك الأهداف" والسجل السكاني الفلسطيني" وفقا للرسالة نفسها، التي أكّدت فيها أنّ: "سحابة مايكروسوفت والذكاء الاصطناعي" قد جعلا جيش الاحتلال الإسرائيلي: "أكثر فتكا وتدميرا في غزة".


وبيّنت أنّ: "مايكروسوفت تربح ملايين الدولارات من توريد البرمجيات وخدمات السحابة والاستشارات للجيش والحكومة الإسرائيلية. حتى أن مجرم الحرب بنيامين نتنياهو ذكر صراحة علاقته القوية بمايكروسوفت".

وختمت ابتهال، رسالتها لزملائها في الشركة، بالقول: "حتى لو كان عملكم غير مرتبط بالسحابة التي يستخدمها الجيش، فإن عملكم يُفيد الشركة ويمكنها من تنفيذ هذه العقود. بغض النظر عن فريقكم، أنتم تخدمون شركة تُسلّح الاحتلال الإسرائيلي".

واستطردت في الرسالة ذاتها التي حصلت "عربي21" على نسخة منها: "لا يمكن إنكار أن جزءا من رواتبكم، مهما كان صغيرا، يُدفع من دم الضحايا. سواء كنتم تعملون في الذكاء الاصطناعي أم لا، فإن صمتكم يُعد تواطؤًا. أصبح واجبنا الآن التصدي علنًا لانتهاكات مايكروسوفت لحقوق الإنسان".

مقالات مشابهة

  • بعد احتجاجها العلني.. عربي21 تحصل على رسالة من موظفة مايكروسوفت
  • روسيا تدعو "كل الأطراف" لضبط النفس إزاء "نووي إيران"
  • الكرملين يدعو كل الأطراف لضبط النفس بشأن برنامج إيران النووي
  • روسيا تطالب بضبط النفس تجاه برنامج إيران النووي
  • ???? خطاب مناوي .. شوية مع دول وشوية مع دول
  • حكم متابعة النفل بعد الفرض دون فصل بينهما بذكر أو كلام
  • منظمات إنسانية تعلق أنشطتها في ليبيا
  • «العنزة العنكبوت» مصطلح لا يعرفه الكثيرون.. تعرف إليه؟
  • هل يكتب نتنياهو وترامب الفصل الأخير؟
  • موقع لبناني عن السفير الروسي: تبرير الضربات الإسرائيلية لبيروت بأنها دفاع عن النفس غير مقنع