تشو شيوان **

حظيت قمة مجموعة العشرين التي انعقدت مؤخرًا في ريو دي جانيرو باهتمام واسع من المجتمع الدولي، إذ أصبحت محورًا للتساؤلات حول شكل العالم الجديد الذي يجب أن يبنيه البشر، وآليات بنائه، ودور مجموعة العشرين في دفع إصلاح نظام الحوكمة العالمية. في هذا السياق، قدم الرئيس الصيني شي جين بينغ إجابات واضحة وشاملة خلال كلمته الرئيسية في القمة، مسلطًا الضوء على رؤية طموحة لمستقبل البشرية.

في خطابه، طرح الرئيس شي مفاهيم جوهرية، مؤكدًا على ضرورة "بناء عالم عادل قائم على التنمية المشتركة، وتعزيز نظام حوكمة عالمي أكثر عدلًا وإنصافًا من خلال العمل المشترك". كما أعلن عن ثماني مبادرات صينية لدعم التنمية العالمية، مشددًا على أهمية التعاون لتحقيق هذه الأهداف.

وعلاوة على ذلك، أوضح الرئيس شي رؤية الصين تجاه الحوكمة العالمية في مجالات الاقتصاد، والتمويل، والتجارة، والتحول الرقمي، وحماية البيئة. هذه الأفكار لاقت ترحيبًا واسعًا من المشاركين في القمة، حيث رأى المحللون أن الصين قدمت حكمة عملية وحلولًا ملموسة لدعم التنمية المشتركة، ووضعت خارطة طريق لتعزيز الحوكمة العالمية.

هذه الرؤية الصينية تعكس فهمًا عميقًا للتحديات التي يواجهها الاقتصاد العالمي واتجاهات التنمية البشرية، وتُبرز دور الصين كقوة مسؤولة تسعى لدفع الجهود الدولية نحو مستقبل أفضل.

لا يمكن للعالم أن يحقق تقدمًا حقيقيًا ما لم يشمل التحديث الجميع دون استثناء، بغض النظر عن حجم الدول أو مواردها. يجب أن تتكاتف الجهود لضمان ألا يتخلف أحد عن الركب، وهو ما يضع على عاتق مجموعة العشرين مسؤولية مستمرة لتعزيز الحوكمة العالمية ودفع عجلة التقدم التاريخي، انطلاقًا من ريو دي جانيرو كمحطة جديدة على هذا الطريق.

وباعتبارها عضوًا بارزًا في المجموعة، تؤكد الصين التزامها الثابت ببناء عالم متعدد الأقطاب يقوم على مبادئ المساواة والإنصاف. وتسعى لتحقيق عولمة اقتصادية عادلة تتميز بالشمول والمنفعة المشتركة، مع ترسيخ "البصمة الصينية" من خلال جهودها المستمرة لتعزيز التنمية المشتركة وتحسين منظومة الحوكمة العالمية. هذه الجهود ليست مجرد شعارات، بل تعكسها خطوات ملموسة تساهم في تقديم حلول عملية للعالم، وتجسد "القوة الصينية" في الساحة الدولية.

تؤمن الصين أن العالم الذي نحلم به يجب أن يتسم بالعدالة والمساواة، حيث تتمتع جميع الدول، كبيرة كانت أم صغيرة، باحترام متبادل يضمن حقها في السيادة والشراكة العادلة. في هذا السياق، تعتمد الصين على نهج يرتكز على ثلاثة مبادئ أساسية: أولًا: احترام سيادة الدول: لضمان استقلالية القرارات الوطنية. وثانيًا: المساواة بين الشمال والجنوب: لسد الفجوة بين الدول المتقدمة والنامية. وثالثًا: تعزيز التعاون المشترك: لخلق بيئة تدعم التنمية المستدامة للجميع، وقد تجلت هذه الرؤية بوضوح في مبادرة "مجتمع مصير مشترك للبشرية" التي أطلقها الرئيس شي جين بينغ، والتي تمثل جوهر السياسة الخارجية الصينية. وتدعو هذه المبادرة إلى بناء نظام عالمي جديد يقوم على الحوار والشراكة بدلًا من الهيمنة أو الإقصاء، ويهدف إلى تحقيق تنمية متوازنة وعادلة تخدم البشرية جمعاء.

الرؤية التي طرحتها الصين تنطلق من فهم عميق للتحديات التي تواجه العالم اليوم. فهي لا تسعى فقط إلى معالجة القضايا الاقتصادية، بل تقدم نموذجًا شاملًا يعزز الحوار بين الحضارات، ويضع أسسًا متينة للتعاون في قضايا مثل التحول الرقمي، وحماية البيئة، والتنمية المستدامة. ومن خلال هذه الرؤية، تسعى الصين إلى بناء عالم متكامل يوازن بين المصالح الوطنية والدولية، ويضع الإنسانية في قلب العملية التنموية.

إن طريق التحديث العالمي الذي تدعو إليه الصين ليس مجرد هدف اقتصادي، بل هو مشروع حضاري يرسم ملامح مستقبل أكثر عدلًا وشمولًا، حيث يُمكن للجميع، دون استثناء، أن يكونوا شركاء فاعلين في بناء عالم أفضل.

وتؤدي الصين دورًا محوريًا في دفع إصلاح المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة، صندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية. وتؤكد الصين أهمية منح الدول النامية صوتًا أكبر في اتخاذ القرارات العالمية، بما يعكس التغيرات الاقتصادية والسياسية التي شهدها العالم في العقود الأخيرة، وعلى سبيل المثال، دعمت الصين زيادة الحصص والحقوق التصويتية للدول النامية في صندوق النقد الدولي. كما تدعو إلى إعادة هيكلة منظمة التجارة العالمية لضمان أن تكون سياساتها أكثر شمولًا وملاءمةً لاحتياجات جميع الدول، وليس فقط الاقتصادات الكبرى، وهذه المطالب الصينية أجد كما لو أن الصينَ، صوتُ الدول النامية ومدافعًا شرسًا عن الدول الصغيرة أمام الدول الكبرى ومن هنا تأتي أهمية الصين في خلق التوازن العالمي ولعب دورها المسؤول تجاه العالم وقضاياه المعقدة بحكمة صينية التي أثبتت حاجة العالم لها في هذا التوقيت بالذات مع ازدياد الصراع العالمي.

وتمارس الصين دورًا مُهمًا في تعزيز التعددية الدولية كبديل للسياسات الأحادية. من خلال مشاركتها في منظمات مثل مجموعة العشرين، منظمة شنغهاي للتعاون، وبريكس، تسعى الصين إلى تعزيز الحوار بين الدول والعمل الجماعي لحل القضايا العالمية. كما تستخدم دبلوماسيتها لحل النزاعات الدولية بطريقة سلمية، وهو ما تجلى في دورها بالوساطة بين أطراف النزاع في إفريقيا وآسيا والشرق الأوسط.

وفي ظل عالم متعدد الأقطاب ومتداخل المصالح، تمارس الصين دورًا بارزًا في دفع الحوكمة العالمية نحو مزيد من العدالة، ورغم التحديات، ومن هنا يمكن القول إنَّ نهج الصين الذي يركز على التعاون والشمولية، يعكسُ رؤيةً جديدة للنظام الدولي، قائمة على تحقيق التوازن بين التنمية المستدامة والاحترام المُتبادل بين الدول.

** صحفي في مجموعة الصين للإعلام، متخصص بالشؤون الصينية وبقضايا الشرق الأوسط والعلاقات الصينية- العربية

رابط مختصر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

سلطنةُ عُمان تشدّد على ضرورة تكاتف جهود الأسرة الدولية لتجاوز التحديات العالمية

العُمانية/ شددت سلطنة عُمان على ضرورة تكاتف جهود الأسرة الدولية لتجاوز التحديات التي تعترض عملها متعدد الأطراف في الوقت الراهن، والتمسك بمعايير الموضوعية والعدالة، بعيدًا عن التسييس والانتقائية.

ووضحت سلطنة عُمان خلال كلمة ألقاها سعادةُ السّفير إدريس بن عبد الرحمن الخنجري المندوب الدائم لسلطنة عُمان لدى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية في جنيف في الدورة الـ 58 لمجلس حقوق الانسان أنها تواصل متابعة تداعيات الحرب في غزة بقلق بالغ، وما أسفرت عنه من خسائر فادحة في الأرواح، حيث خلفت عشرات الآلاف من القتلى والجرحى من المدنيين الأبرياء على مدار أكثر من 13 شهرًا مشيرة إلى أنها كشفت بوضوح عن عجز المؤسسات الدولية في تحمل مسؤولياتها تجاه وقف الجرائم الوحشية التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني.

وقال سعادةُ السّفير إن هذه الأزمة وضحت أن مبادئ حقوق الإنسان، التي يفترض أن تكون مرجعية عالمية، أصبحت في العديد من الأحيان مجرد شعارات تُدار وفقًا للمصالح والنفوذ، مما أدى إلى تبرير جرائم الإبادة الجماعية، والتهجير القسري، والانتهاكات المستمرة التي يعاني منها الشعب الفلسطيني منذ سنوات.

وأضاف سعادتُه في الوقت الذي فشلت فيه العديد من المؤسسات الدولية في تقديم المساعدات الإنسانية اللازمة أو اتخاذ قرارات حاسمة لوقف الحرب، نجد أن بعض الدول الغربية قد رفضت اتخاذ إجراءات رمزية لصالح الشعب الفلسطيني، معتبرة أن ذلك يشكل تهديدًا للمصالح الإسرائيلية.

ولفت سعادة السفير إلى أن العالم يقف اليوم عند مفترق طرق للوصول إلى مجتمع دولي يقوم على مبادئ التعاون والاحترام المتبادل، والامتثال للقانون الدولي، وحماية حقوق الإنسان لجميع الشعوب مشيرًا إلى أن الوقت قد حان لتجديد دور مؤسسات الأمم المتحدة، بما في ذلك مجلس حقوق الإنسان، لتصبح أكثر تمثيلًا ومصداقية وفعالية في معالجة القضايا الجوهرية، وأن تكون منبرًا للأمل والسّلام المستدام.

مقالات مشابهة

  • واشنطن تلغي معظم المساعدات الخارجية لوكالة التنمية الدولية
  • هل يمكن للدول الانسحاب من منظمة الصحة العالمية؟ الأمر ليس بهذه البساطة
  • سلطنةُ عُمان تشدّد على ضرورة تكاتف جهود الأسرة الدولية لتجاوز التحديات العالمية
  • «الباعور» يبحث التحديات التي تواجه «الوكالات الدولية
  • منظمة التجارة العالمية تراجع واردات تركيا من السيارات الصينية
  • "معلومات الوزراء" يستعرض في تحليل جديد دور التجارة العالمية في تعزيز الأمن الغذائي.. 25٪ من إجمالي الإنتاج الغذائي يتم تداوله على مستوى العالم بشكل يعكس أهمية التجارة الدولية للأغذية في توفير الغذاء
  • ماكرون: أميركا لا تستطيع محاربة الصين وأوروبا في نفس الوقت
  • التسويق الرقمي والشراكات الدولية.. بوابة رواد الأعمال العمانيين إلى الأسواق العالمية
  • الجامعة السويسرية الدولية تحذر من الجامعات الوهمية التي تستخدم اسمها في مصر
  • إبراهيم عيسى: 80% من المساعدات التي تقدم لسكان قطاع غزة مصرية