وجهت وزارة التجارة الصينية، اليوم الأربعاء، طلبا بأن ترفع الولايات المتحدة على الفور الرسوم الجمركية المفروضة، على واردات الصلب والألومنيوم الصينية. جاءت تعليقات الوزارة، ردا على لجنة لتسوية المنازعات تابعة لمنظمة التجارة العالمية، بعدما خلصت إلى أن "الصين تفرض رسوما إضافية، على بعض الواردات من الولايات المتحدة".



وقالت الوزارة إن الصين، "علمت بما توصلت له لجنة منظمة التجارة العالمية وتدرس تقريرها، مضيفة أن السبب الأساسي، يكمن في "السلوك الأحادي والحمائي" للجانب الأميركي".

وتابعت قائلة "الإجراءات المضادة التي اتخذها الجانب الصيني وفقا للقانون هي خطوة مشروعة لحماية حقوقه ومصالحه المشروعة".

المصدر: السومرية العراقية

إقرأ أيضاً:

الرمال المُتحركة في التجارة العالمية

 

 

د. يوسف بن حمد البلوشي **

yousufh@omaninvestgateway.com

 

تتعرض ساحة التجارة العالمية لتحولات جذرية، مدفوعة إلى حد كبير بالرسوم الجمركية المفروضة من الولايات المتحدة الأمريكية على مُعظم دول العالم، بنسب مُتفاوتة، لدواعٍ استراتيجية تهدف إلى إعادة هيكلة النظام العالمي بحيث تواصل الولايات المتحدة احتفاظها بالهيمنة وتحد من انطلاقة الصين الاقتصادية وكذلك لدواعٍ اقتصادية لإعادة هيكلة الاقتصاد الأمريكي، بحيث يستطيع تقليل العجز في الميزان التجاري، ويُعيد توطين الصناعة ويجتذب المزيد من الاستثمارات إلى الاقتصاد الأمريكي، ولدواعٍ سياسية بحيث تمارس واشنطن الضغط على الدول المختلفة من خلال التفاوض على هذه الرسوم للحصول على صفقات تجارية أكثر فائدة للاقتصاد الأمريكي، بما يضمن حماية أفضل للصناعات الأمريكية، حسب وجهة النظر الأمريكية وكذلك تقديم بعض التنازلات حول قضايا معينة والحد من التعامل مع الصين.

ويُمثِّل هذا التحوُّل في السياسة الجمركية الأمريكية، تحديًا وفرصًا غير مسبوقة في الوقت نفسه. ومن المتوقع أن ينجم عن الرسوم الجمركية المفروضة إرباكًا في سلاسل التوريد العالمية، وانخفاضًا في الطلب العالمي، وتباطؤ التجارة العالمية، وتخفيض معدلات النمو، وتعظيم التوجهات لمزيد من القيود والإجراءات الحمائية، وقد يتحول الوضع إلى حرب تجارية عالمية شاملة، وخاصةً أن دول العالم لن تقف مكتوفة الأيدي حيال تعرض اقتصاداتها للتهديد.

وتشير الإحصاءات إلى أنَّ العديد من الدول، مثل: الصين وفيتنام والدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، استفادت من التصدير إلى السوق الأمريكي العملاق، وأن فرض الرسوم الجمركية الجديدة قد غيَّر المشهد التنافسي بشكل جذري. وقد تواجه هذه البلدان رسومًا مُتزايدة على تصدير سلعها، مما يخلق حافزًا قويًا للمُصنِّعين داخل هذه الدول للبحث عن مواقع إنتاج بديلة من شأنها أن تسمح لهم بالحفاظ على الفعالية من حيث التكلفة والوصول إلى السوق الأمريكية.

وفي السياق المحلي وبفضل موقعها الجغرافي الاستراتيجي، وقدراتها الصناعية المُتوَسِّعة، واتفاقية التجارة الحرة المُهمة مع الولايات المتحدة، فإنَّ سلطنة عُمان في وضع جيِّد لجذب مثل هذه الشركات التي تبحث عن مواقع إنتاج ذات تكلفة جمركية أقل لدخول السوق الأمريكي.

ونظرًا لصغر حجم التبادل التجاري بين السلطنة والولايات المتحدة والذي لا يزيد عن 3% من إجمالي حجم التجارة الخارجية لعُمان، فإنه من المتوقع أن يكون التأثير المباشر للرسوم الجمركية محدودًا، لكن تأثيرها غير المباشر المُتمثِّل في انخفاض الطلب العالمي، وخاصةً صادرات الصين (التي تستورد أكثر من 90% من النفط العُماني) إلى الولايات المتحدة، وتراجع معدلات النمو العالمي؛ الأمر الذي سينعكس بشكل واضح على الطلب على النفط، ومن ثم انخفاض أسعاره.

والأرقام توضح أن قطاع النفط مثَّل في متوسط السنوات الأربعة الأخيرة أكثر من 33% من الناتج المحلي الإجمالي، و74% من الإيرادات العامة، و72% من إجمالي الصادرات. ومن الممكن أن تؤدي الرسوم الجمركية إلى زيادة تدفقات السلع إلى السوق المحلي، نتيجةً لمحاولة تصريف السلع التي تم إعادة توجيهها بسبب الرسوم الأمريكية. ومن المحتمل أن ترتفع أسعار بعض السلع المُستورَدة نتيجة للاضطرابات الناجمة من التحولات المهمة للرسوم الجمركية وتداعياتها على مختلف الأسواق، وما يُقابلها من إجراءات مُضادة وإعادة هيكلة سلاسل الإمداد العالمية.

الجانب المضيء في هذه القضية، أنه على الرغم من أن العديد من الدول قد تتأثر سلبًا بالآثار المترتبة على هذه الرسوم الجمركية، فإنَّه يمكن لسلطنة عُمان- نسبيًا- تعظيم الاستفادة من هذه التحولات، ومحاولة اجتذاب الاستثمارات الأجنبية- وخاصةً من الدول التي تعرضت لفرض رسوم جمركية مرتفعة- بما يُساعدها على تسكين استثماراتهم في السلطنة، ومن ثم التصدير إلى السوق الأمريكي، وخاصة مع وجود اتفاقية التجارة الحرة ومواقف السلطنة السياسية المُتزِنة وموقعها الجغرافي.

اتفاقية التجارة الحرة بين عُمان والولايات المتحدة تُمثِّل حجر الزاوية في المزايا التنافسية لسلطنة عُمان، ولذلك يجب تسليط الضوء عليها بشكل مُكثَّف، بما ستوفره للمصنعين من تخفيض كبير في الرسوم الجمركية والحواجز التجارية على مجموعة واسعة من السلع والخدمات؛ مما يوفر للمصنعين من سلطنة عُمان ميزة كبيرة، لا سيما عند مقارنتها بالشركات العاملة في البلدان ذات الرسوم الجمركية المرتفعة.

وحفَّزت اتفاقية التجارة الحرة بالفعل زيادة ملحوظة في تجارة البضائع الثنائية بين البلدين؛ ففي السنوات العشر التي أعقبت تنفيذ اتفاقية التجارة الحرة، زادت تجارة السلع بين الولايات المتحدة وسلطنة عُمان بأكثر من 50%؛ لتصل إلى أكثر من 3 مليارات دولار بحلول عام 2019. وبحلول عام 2023، ارتفع هذا الرقم إلى ما يقدر بنحو 3.5 مليار دولار أمريكي. والأهم من ذلك، أن وصول السلع العُمانية الصنع مُعفاة من الرسوم الجمركية أو برسوم مخفضة إلى السوق الأمريكية، على النحو المنصوص عليه في اتفاقية التجارة الحرة، من شأنه أن يُزيل عقبة رئيسية في التكلفة، ويضع عُمان كموقع تصديري جذاب للغاية للشركات الأمريكية.

وتتأهب قطاعات التصنيع في سلطنة عُمان لتحقيق نمو فعلي في هذه البيئة التجارية الجديدة، مثل قطاع البلاستيك، وهو بالفعل مُصدِّر كبير للولايات المتحدة، ومن المتوقع أن يُحقق مكاسب لافتة.

ومع فرض رسوم جمركية أمريكية مرتفعة على البلاستيك من كبار المُصدِّرين العالميين، أصبح المصنعون العُمانيون الآن في وضع مُتميز لتوسيع حصتهم في السوق الأمريكية.

وكذلك الحال في قطاع الألمنيوم والمعادن الأساسية، الذي يعد مجالًا آخر للفرص الواعدة في النمو؛ حيث تُعزِّز التعريفات الجمركية الجديدة للولايات المتحدة على واردات الصلب والألمنيوم القدرة التنافسية للمنتجين العُمانيين في السوق الأمريكية.

وفي حين أن صادرات عُمان الحالية من الآلات إلى الولايات المتحدة صغيرة نسبيًا، فإنَّ مشهد التعرفة الجمركية المتطور، يمكن أن يخلق فرصًا مُتخصصة، لا سيما في الآلات الصناعية المتخصصة.

وتمتد المزايا الاستراتيجية لسلطنة عُمان إلى ما هو أبعد من اتفاقية التجارة الحرة؛ إذ إنَّ الموقع الجغرافي للبلاد، على مفترق طرق آسيا وإفريقيا وأوروبا، يجعلها مركزًا حيويًا للشحن الدولي والخدمات اللوجستية. وقد استثمرت عُمان بكثافة في تطوير بنيتها الأساسية الصناعية؛ بما في ذلك المناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة، التي تجذب المستثمرين الدوليين بشكل مُتزايد. وتسعى الحكومة بنشاط لجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية، وتقدم حوافز متنوعة مثل الملكية الأجنبية الكاملة في معظم القطاعات، والإعفاءات الضريبية، والإعفاء من الرسوم الجمركية، لا سيما داخل مناطقها الحرة. وتعمل مبادرات مثل منصة "استثمر عُمان" على تبسيط عملية الاستثمار، ويُعزِّز برنامج إقامة المستثمر جاذبية عُمان. علاوة على أن سلطنة عُمان تُركِّز أيضًا على التحوُّل الرقمي والتصنيع الذكي لتعزيز كفاءة قطاعها الصناعي وقدرته التنافسية.

ولضمان الاستفادة الكاملة من هذه الفرص، يتعين على سلطنة عُمان تبنِّي نهج استباقي واستراتيجي. ومن الأهمية بمكان إطلاق حملة ترويج استثمار مُستهدفة، لجذب الشركات في البلدان الأكثر تضررًا من التعريفات الجمركية الأمريكية الجديدة. ويجب أن تؤكد هذه الحملة على مزايا نقل عمليات التصنيع إلى سلطنة عُمان، لا سيما الوصول المُعفَى من الرسوم الجمركية إلى السوق الأمريكية. ومن الأمور الحيوية أيضًا تقديم حزم حوافز مخصصة، وتطوير مناطق صناعية متخصصة، والاستثمار في تدريب القوى العاملة.

ولا يفوتنا هنا أن نُشير إلى أن الموقع الجغرافي لسلطنة عُمان يوفر إمكانية إعادة توجيه البضائع، وجدوى هذه الميزة الاستراتيجية تتوقف على الالتزام الصارم بقواعد "بلد المنشأ" للاتفاقية الاتحادية للتجارة الحرة بين الولايات المتحدة وسلطنة عُمان؛ لأنَّ إعادة شحن البضائع ببساطة عبر عُمان، دون تصنيع كبير أو مُعالجة ذات قيمة مضافة، لن تؤهلها للدخول مُعفاة من الرسوم الجمركية إلى الولايات المتحدة. وصُمِّمَت اتفاقية التجارة الحرة لتعزيز النشاط الاقتصادي الحقيقي، فيما تهدف قواعد المنشأ الخاصة بها إلى ضمان أن المعاملة التعريفية التفضيلية تعود بالفائدة على السلع التي يتم إنتاجها بالفعل أو تحويلها بشكل كبير داخل سلطنة عُمان. وهذا يستلزم جذب عمليات التصنيع التي ترتكز على قيمة مضافة كبيرة داخل سلطنة عُمان.

ولتعظيم نمو الصادرات إلى الولايات المتحدة بموجب اتفاقية التجارة الحرة، يجب على سلطنة عُمان أن تستهدف بشكل استراتيجي التصنيع في القطاعات التي تتمتع فيها بنقاط القوة الحالية أو المزايا المُحتملة، وضمان التحول الكبير للمواد غير الأصلية، والامتثال الكامل لقواعد المنشأ الخاصة باتفاقية التجارة الحرة. ويشمل ذلك: الاحتفاظ بسجلات دقيقة والتعامل مع الجمارك الأمريكية وتوفير وثائق شفافة.

ومن وجهة نظرنا، تُمثِّل الرسوم الجمركية الأمريكية الجديدة والمزايا الاستراتيجية لعُمان "فرصة ذهبية" لسلطنة عُمان، لتصبح لاعبًا أكثر فاعلية وبروزًا في سلاسل الصناعة والتجارة حول العالم. وذلك من خلال ما يلي: تعظيم الاستفادة من اتفاقية التجارة الحُرة، والعمل على جذب الاستثمار الأجنبي المباشر في القطاعات ذات الإمكانات العالية بشكل استراتيجي، خاصةً من الدول التي تتعرض لرسوم جمركية مرتفعة مثل الصين وفيتنام، وكذلك التركيز على وضع استراتيجية وسياسات المحتوى المحلي وضع التنفيذ السريع؛ حيث لا بُد من التركيز على الداخل ورفع كفاءة الإنتاج ودعم الشركات العُمانية، لا سيما تلك التي تسعى لدخول السوق الأمريكي.

إنَّ الدرس الأهم الذي تُسطِّره الأحداث الأخيرة هو كيفية تسخير السياسات العامة المالية وغيرها لإعادة التوازن في جانبي الدورة الاقتصادية من خلال التحفيز والدعم والمساندة لجوانب التحصيل والمدخلات للعملة الصعبة من خلال الصادرات من السلع والخدمات وجذب الاستثمارات وكذلك من خلال رفع الرسوم ووضع الاشتراطات للحد من سرعة خروج الأموال من الاقتصاد مقابل الواردات من السلع والخدمات وتحويلات الأرباح.

 

** مؤسس البوابة الذكية للاستثمار والاستشارات

رابط مختصر

مقالات مشابهة

  • الصين تقدم شكوى لمنظمة التجارة العالمية بشأن رسوم ترامب
  • الصين ترفع رسومها الجمركية الانتقامية على الولايات المتحدة إلى 84% اعتبارًا من 10 أبريل
  • كيف سيصمد العالم أمام طوفان ترامب التجاري؟ الصين تصعّد، وتركيا تسعى للتوازن!
  • الولايات المتحده ترفع الرسوم الجمركية على السلع الصينية الى 104%
  • رغم الخسائر العالمية.. الصين تحشد أسلحتها الاقتصادية أمام رسوم ترامب الجمركية
  • كندا تقدم شكوى لمنظمة التجارة العالمية بشأن رسوم ترامب
  • الرمال المُتحركة في التجارة العالمية
  • كندا ترفع شكواها لمنظمة التجارة العالمية ضد رسوم ترامب
  • الصين تعلن نيتها إعادة الولايات المتحدة إلى مسار التجارة الصحيح
  • الخارجية الصينية: الولايات المتحدة تمارس الهيمنة الاقتصادية تحت شعار المساواة