لجريدة عمان:
2025-04-06@22:44:38 GMT

هل العولمة محايدة تجاه الهوية والقيم؟

تاريخ النشر: 16th, August 2023 GMT

عندما بدأ الحديث عن العولمة وتطبيقاتها المتعددة في الاقتصاد والتنمية وعالم المعرفة والاتصال، في أواخر تسعينات القرن الماضي وبداية الألفية الثانية، وما تبعها من تطورات في عالم التقنيات الحديثة، وشبكات التواصل الاجتماعي، والتي هي نتيجة طبيعية للعولمة وتأثيراتها المختلفة والمتطورة في عالم اليوم، كانت بداية ظهور هذا النموذج الذي بدأ اقتصاديا كما في بداياتها، مع اتفاقية الجات، وغيرها من الآثار التي صاحبت هذا النموذج الجديد، الذي اُعتبر مفروضاً وليس اختياراً حراً من ناحية فتح الأبواب، لكل ما تأتي به العولمة من مؤثرات وتأثيرات في العوالم الأخرى.

وانقسمت النخب الفكرية والاقتصادية والسياسية، حول هذا العالم الجديد المتعولم الذي لا يحده الحدود ولا يسده سدود في هذا الانتشار السريع، أو في السماوات المفتوحة لكل شعوب العالم، فالبعض تحدث عن هذا الجديد المقبل الذي سيتم تعميمه، سيشكل خطراً على الهويات والقيم والعادات الخ: وسيكون مرتعاً لأفكار وثقافات خارج المحيط، أو كما قال أحدهم: (القرية أصبحت عالم)، في ظل التنافس الفكري وعدم التجانس الثقافي، وبما سيتم بثه أو نراه من خلال هذه الشبكات ووسائل التقنيات الحديثة، وأنه لا بد من الحذر والتنبه لهذا الوسائل المستوردة، لا نستطيع وقفها، ولا رفضها، ولكونها محملة بالأيديولوجيا الفكرية والثقافية، التي هي من منبعثة من فكر الآخر الذي يريد أن يعمم رؤيته، لكل الثقافات والحضارات الإنسانية الأخرى، وهي رؤية مسبقة جعلها الاستعمار هدفاً، منذ أكثر من قرن ونصف القرن، عندما جاء بحملته العسكرية للبلاد العربية، ولم يكتف بالاستعمار العسكري، بل حدد هدفه الاستعماري.. السياسي والفكري والثقافي، وهو بلا شك ـ كما يقول البعض ـ أن سعى ويسعى إلى إقصاء هوية الأخر المختلف، وتذويب فكره وثقافته أو ما يسميه البعض: (ربط الأطراف وإلحاقهم بالمركز)، كما أن الافتراض الذي يجب أن يسود ويلقى القبول هو التعدد والتنوع الفكري والثقافي بين كل الثقافات، وليس العكس.

ومن الباحثين العرب الذين كتبوا في هذا الجانب بعد ظهور العولمة، المفكر العربي المصري د, جلال أمين، الذي اعتبر إن الذين يهللون لهذه الظاهرة الجديدة:"يقعون في رأي في خطأ فادح، فهم يفهمون العولمة أو يحاولون تصويرها على أنها تنطوي على عملية "تحرر" من ربقة الدولة القومية إلى أفق الإنسانية الواسع، تحرر من نظام التخطيط الآمر الثقيل إلى نظام السوق الحرة، تحرر من الولاء لثقافة ضيقة ومتعصبة إلى ثقافة عالمية واحدة يتساوى فيها الناس والأمم جميعا، تحرر من التعصب لإيديولوجيا معينة إلى الانفتاح على مختلف الأفكار من دون أي تعصب وتشنج"، كما أن د. جلال أمين اعتبر أن هذه المعلومات التي تنساب من معلومات التي ظهرت عن العولمة بأنها(ملغّمة.. أي محملة بالألغام )!. والبعض الآخر من المتابعين والمهتمين لهذه التطورات، وهم في الأصل من المبهورين بكل ما يأتي من الغرب، بغض النظر عن ما يصاحب ذلك من مؤثرات وسلبيات، قد تلحق بمقدرات ومقومات الآمة وشخصيتها الذاتية، فأنهم اعتبروا هذه العولمة، وما يتبعها جوانب أخرى، مكسباً لا بد من قبولها، وأهمية التمسك بها، دون أن نخاف أو نتشاءم مما تنتجه من تطورات علمية أو فكرية، أو غيرها من المؤثرات المصاحبة لهذه العولمة، ومن هؤلاء المبهورين بهذه العولمة د.علي حرب الذي وصفها بأنها إحدى (فتوحات العصر الحديث)، ويتهم الناقدين للعولمة بالعجز والفشل في مناهضتهم لظاهرة العولمة حيث يخلقون المتاريس:"لكل جديد ثم يسبقهم الحدث فلا يجدي نفعا اختزال هذه الظاهرة الحضارية وهذه المنجزات التقنية إلى شكل جديد من أشكال النهب والهيمنة، بذلك تجرفنا العولمة ونتحول إلى جيب تاريخي يقع على هامشها، بقدر ما نتحدث عنها بلغة نضالية خلقية فقدت قدراتها على الفهم والتفسير. ومن يتخلى عن مهمة الفهم لا يحصد سوى العماء". وهذه الآراء المتباينة متوقعة بحسب الحمولة الفكرية لصاحبها وخلفيته الثقافية، وهي من الاختلافات الطبيعية، لكن مع ذلك نجد الكثير من بعض هؤلاء، عندما يندفعون إما بالتأييد أو الرفض يراجعون بعض ما تبنوه من رؤى فكرية بعد ذلك.

ولا شك القراءة المتأنية لكل الآراء تحدثت عن العولمة من أفكار وأحكام مسبًقة، وهو أن الغرب في كل سعيه وتحركاته، يريد أن يهيمن وأن تكون له السطوة، عندما يتم تعميم هذا النموذج عالمياً، وهذا يعطي الدليل أن كل ثقافة تريد أن تتسيد على بقية الثقافات الأخرى، وقد حدث هذا ويحدث بين كل الحضارات عبر التاريخ، ولذلك يتم الرفض لنموذج واحد أوحد، وكذلك ترفضه كل ثقافة تعتز بفكرها وثقافتها وقيمها، وحتى في الغرب نفسه هناك من يرفض تعميم النموذج الأمريكي في العولمة وشروطها على الثقافات الأخرى، أو مزاحمتها، مع أنهم ينتمون لفكر وديانة وثقافة واحدة, والجمهورية الفرنسية عندما جاءت اتفاقية الجات المتعلقة بحرية التجارة العالمية، كنتاج للعولمة، اعتبرت ذلك تهديداً لهويتها وثقافتها، ومن هنا فإنها ترى أن كل ثقافة أو هوية، تريد لنفسها أن تبقى في ضمير الأمة، وليست مهمشة من الثقافات الأخرى، وحتى الدول القريبة منها في الكثير من التجانس والتقارب، ففرنسا رفضت وانتقدت أي اكتساح من الثقافة الأمريكية، وتحدث عن ذلك حتى بعض المفكرين والفلاسفة الفرنسيين، مع أنهم عادة لا يهتمون بقضايا الهويات، من خلال توجههم الفكري الذي لا يلقى بالاً لمثل هذه القضايا، كونهم متحررين كثيراً من ذلك، وأن الخلاف مع الغرب نفسه التي تجمعهم معه أهم الصلات الفكرية والسياسية، ومع ذلك استنكروا ما تفعله الولايات المتحدة من تعميم رؤيتها ونظرتها السياسية والفكرية عليهم، ومن جانب آخر ـ وهذه من إشكالية التقلبات الفكرية والسياسية، في النظرة كما تفعلها فرنسا من جانبها تجاه من تنتقده، وما تفعله هي بنفس الطريقة تجاه الآخرين، ولذلك تتحرك هي نفسها بقوة وأكثر تجاه دول أخرى، في محاولة فرض نموذجها الثقافي والفكري على الآخرين، مع انتقادها أمريكا في تعميم نموذج العولمة عليها، خاصة في بعض البلدان العربية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وجنوبها من خلال تعميم (الفرانكفونية) اللغة الفرنسية وثقافتها، ومما قاله وزير الثقافة الفرنسي الأسبق في أحد المؤتمرات الدولية، مهاجماً الولايات المتحدة من أنها علمتنا قدراً كبيراً من الحرية، ودعت الشعوب إلى الثورة على الطغيان، أصبحت لا تملك اليوم منهجاً أخلاقياً سوى الربح، وتحاول أن تفرض ثقافة شاملة على العالم أجمع" ـ وأضاف قائلاً " أن هذا هو شكل من أشكال الإمبريالية المالية والفكرية، لا يحتل الأراضي، بل يصادر الضمائر ومناهج التفكير وطرق العيش".

ولا شك أن هذه النزعة التوسعية في الهيمنة التي شعر بها الأقربون من الغرب، فما بال الدول البعيدة البعيد والمختلفة مع الغرب في جوانب كبيرة وخاصة العلم العربي والإسلامي، ودول أخرى كثيرة، ومنها حتى الدول في آسيا تتحدث عن اختراق لثقافتها وهويتها الفكرية، ومنها حتى الصين، فهذه النزعة التي يسخًرها الغرب لتحطيم الثقافات والهويات الأخرى، هي مسألة واقعية، وليست مجرد توهمات أو مجرد توقعات، كما أن العولمة وإن كان الجانب الاقتصادي يأخذ الأولوية لهذا الجانب، لكن العولمة ليست خالية من الأيديولوجيا المضادة للثقافات الإنسانية، وتسعي لإزاحتها من التأثير لدى هذه الشعوب، ولكنها تبرر هذا الاكتساح العملاق من القدرات والإمكانيات لديها، بمقولات حديثة وجذابة، مثل التقدم الاقتصادي والرخاء المادي والديمقراطية والليبرالية، وغيرها من المفاهيم التي لا شك في جاذبيتها ظاهرياً، لكن البعض يشكك في هذه المقولات ويعتبرها مجرد طرح فضفاض ومغاير للواقع، الذي تستهدفه هذه العولمة، وما سبقها من مفاهيم في هذا السياق، ولا شك أن أية ظاهرة من الظواهر الإنسانية، ومنذ فجر التاريخ وحتى عصرنا، فيها من الايجابيات وفيها من السلبيات، وليست تحمل إلا جانباً واحداً مما تحمله، ولكنها في المقابل تقاد من عقول لهم فكرهم ورؤيتهم وثقافتهم، وهي واقع نعيشه، سواء أردنا أم لم نرد، لكنها تدار من أشخاص يريدون مصالحهم ورؤيتهم الخاصة، وفيها الجانب السياسي والاقتصادي والفكري، ويملكون أيديولوجية لا تخفى على المتابع الحصيف، فالمخاوف من هذا التمدد والاكتساح واقعة، من هنا تأتي أهمية الفرز والانتقاء، مما نأخذه، ومما يجب تركه والتحذير والانتباه له.

والبعض بتحدث عن أهمية التفاعل الحضاري، كضرورة إنسانية، وهذا رأي مقبول في مسألة التفاعل مع الثقافات الأخرى، ورفض الانغلاق والانكفاء على الذات، وهو أيضاً مستحيل أن يحصل في عصر هذا الانفتاح الكبير، لكن هناك فارقاً كبيراً بين التفاعل الحضاري، والتبعية الحضارية من قبل ثقافة أخرى، كونها ضد التميز والإبداع، وهو ما ينبغي يسود في كل الحضارات والثقافات.

المصدر: لجريدة عمان

إقرأ أيضاً:

طارق البرديسي: ما حدث في السودان كارثي.. وغياب الغرب يؤكد وجود مؤامرة

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

أكد الدكتور طارق البرديسي، خبير العلاقات الدولية، أن الحرب الحالية في السودان لها تأثيرات كارثية على الأوضاع السياسية والاجتماعية في البلاد، مشيرًا إلى أن الانقسامات الداخلية والتشظي في المؤسسات الوطنية تسهم في إضعاف الدولة وتهديد استقرارها.

وفي مداخلة هاتفية مع قناة "إكسترا نيوز"، أوضح البرديسي أن التجارب التي مرت بها بعض الدول العربية بعد عام 2011 أظهرت أن الحروب الأهلية والانقسامات الداخلية تؤدي في النهاية إلى انهيار الدول.

وأكد ضرورة الحفاظ على وحدة المؤسسات الوطنية مثل الجيش والشرطة والقضاء والتشريعات لضمان استقرار البلاد.

وأشار البرديسي إلى أن استمرار الصراع في السودان قد يكون نتيجة لتدخلات إقليمية ودولية، لافتًا إلى أن غياب الدور الغربي وعدم التدخل لإنهاء الأزمة يعكس وجود مصالح خفية تساهم في استمرار الفوضى وعدم الاستقرار في المنطقة.

وأضاف أن الحل الوحيد لإنهاء الأزمة السودانية يكمن في الحفاظ على جيش وطني موحد يحتكر السلاح والقرار العسكري، محذرًا من مخاطر تقسيم القوات المسلحة بين أطراف متعددة، مما يهدد وحدة السودان واستقراره الداخلي.

وشدد البرديسي على أن التجربة المصرية في الحفاظ على وحدة الدولة واستقرار مؤسساتها تعد نموذجًا يمكن الاستفادة منه، مؤكدًا أهمية وحدة الصف السوداني في إنهاء النزاع واستعادة الاستقرار.

مقالات مشابهة

  • الفوضى بمعنى اللاسلطة
  • اللهم نصرك الذي وعدت ورحمتك التي بها اتصفت
  • "التعريفات الجمركية".. سقوط العولمة أم تدشين نظام عالمي جديد بمعطيات مختلفة
  • طارق البرديسي: ما حدث في السودان كارثيا وعلى الغرب دعم الجيش
  • طارق البرديسي: ما حدث في السودان كارثي.. وغياب الغرب يؤكد وجود مؤامرة
  • لحظة سقوط العولمة أم تدشين نظام عالمي جديد؟!
  • الحرب على غزة وتجديد الإمبريالية
  • أبعاد الاستقبال العسكري الرسمي لصدام حفتر في أنقرة
  • الاحتلال الصهيوني.. إرهاب دولة برعاية الغرب ووصمة عار في جبين الإنسانية
  • 14 أبريل.. "تربية قناة السويس" تطلق مؤتمرها الطلابي الثامن لتعزيز القدرات والقيم بعصر التكنولوجيا