سودانايل:
2025-04-03@17:36:20 GMT

الزار بين التهميش الاجتماعي ورفض الاستعمار (1)

تاريخ النشر: 26th, November 2024 GMT

ينطلق هذا المقال من دراسة بعنوان (الأرواح والرقيق في وسط ‏السودان: الريح الأحمر في ‏سنار)، أجرتها الباحثة (سوزان م. كينيون). والدراسة هي إحدى الموضوعات التي وردت في كتاب بعنوان "الرق" الذي يضم مجموعات من المقالات التي ترجمها البروفسير بدرالدين حامد الهاشمي. وقد شرفني البروفسير الهاشمي مع آخرين لكتابة مقدمة الكتاب.

أجرت سوزان كينيون في بحثها الذي أجرته في مدينة سنار في حوالي عام 1980 بين آثار الرق وبين الزار كممارسات اجتماعية ‏ معروفة.
تحدثت كينيون في دراستها الميدانية عن طقوس الزار وتلبس ‏الأرواح. من بين ذكرت كينيون أن من يقوم بتنظيم طقوس الزار (في منطقة سنار تحديدا) هم أسر أو جماعات ترجع أصولها لجنوب السودان (السودان الجنوبي حاليا) لقبائل مثل ‏الدينكا والنوير...إلخ. وقد ربطت الباحثة بالتالي بين ممارسة ‏تلك الطقوس من قبل تلك الجماعات وبين تاريخ من الاسترقاق لأسلاف هؤلاء الأسر. وأن تلك الأسر تستعيد من خلال طقوس الزار ذكرى أسلافهم، وما كابدوه من عذابات ومعاناة ‏خلال رحلة الاسترقاق، التي استبيحت فيها أرواحهم وحرياتهم. تعتبر تلك الطقوس وفق تفسير الباحثة بمثابة ارتباط واتصال روحي مع أسلافهم وهي كذليك تأكيد على أوضاعهم الهامشية في المجتمع.‏ الجدير بالذكر أنه تمت مناقشة الكتاب في قاعة الشارقة في حوالي 2014. وقد شارك في مناقشة الكتاب لفيف من المهتمين بهذه الظاهرة ب إلقاء الضوء على عدة جوانب كانت قد وردت في الكاتب.
تعليقا على استنتاجات كينيون في بحثها الذي اطلعت عليه من الكتاب الذي أشرت إليه آنفاً فهناك عدة نقاط سأحاول التعليق عليها. من بين أهم تلك النقاط أن طقوس الزار في السودان ليست وقفاً على منطقة جغرافية معينة، ‏أو قبيلة أو إثنية بعينها. ظلت طقوس الزار (وربما زالت) منتشرة في كثير من مناطق ومدن ‏السودان، (وإن صارت أقل كثيرا من الفترة التي أُجري فيها البحث). وتأكيداً على ذلك فقد ذكرتٍ كثير من المصادر أن الزار موجود في العديد الدول في شرق أفريقيا وغربها كما هي موجودة في مصر وبعض دول الحجاز. تؤكد مصادر عدة أن الزار جاء إلى السودان، من الخارج لربما من الحجاز أو أثيوبيا. هناك رأي يقول بأن اسم الزار نفسه مشتق من الأمهرية (إثيوبية) كما ورد في كتاب (الزار و‏الطمبرة) للدكتور أحمد الصافي‏ ود. سميرة أمين وغيره من المصادر. وبالتالي فإن حصر الظاهرة في إثنية أو منطقة محددة كما ورد في تفسير كينيون، يعتبر مخالف للواقع.‏ بناء عليه يمكن القول أن الربط بين طقوس الزار وحالة التهميش لدى طيف أوسع من الإثنيات المختلفة أو في مناطق مختلف هو الاستنتاج الأقرب للمنطق والواقع ولإمكانية استخلاص نتائج يمكن قبولها بكل ثقة.
عند مناقشة بحث كينيون تتبادر إلى الذهن عدة أسئلة من بينها: هل يمكن أن ينطبق التصوّر الذي قدمته كينيون عن الجماعات التي تنظم طقوس الزار في سنار على كل مناطق السودان؟ وهل يمكن اعتبار مدينة سنار مثالا يمكن تعميمه على كل مناطق السودان الأخرى؟ ثم أيضاً ما هو موقع أو دور المشاركين في تلك الطقوس من الذين تنظم تلك الحفلات لأجلهم من التفسير أعلاه؟
يمكن القول إن حصر ممارسة الطقوس الزار على الأسر المنحدرة من جنوب السودان فقط هو استنتاج لا ينطبق ولا يمكن تعميمه على كثير من مناطق السودان ولا على من يقومون من ناحية أخرى. كذلك ليس هناك رابط واقعي أو فعلي يربط بين ممارسة الزار وبين معارضة الاستعمار على الأقل في وقت إجراء البحث في مدينة سنار، (وفي معظم مناطق السودان). من ناحية أخرى فإن ربط طقوس الزار بالتهميش الاجتماعي أو السياسي (أو الجندري كما ذكرت بعض المصادر) قد يكون أكثر شمولا وواقعية.
من بين تلك الأبحاث التي أشرت إليها، بحث بعنوان:( ‏المتلازمات الإثنية كاحتجاج مستتر على الاستعمار: ثلاثة أمثلة إثنوغرافية). وهو بحث كانت قد أجرته إليزابيث هيغيمان، المتخصصة في علم النفس. تذكر هيغيمان ثلاثة نماذج مختلفة لبحثها عن الزار وبعده الإثني كممارسة في ثلاثة مناطق مختلفة من بينها جنوب السودان. تربط هيغيمان ‏في هذا ‏البحث بين طقوس الزار، وبين تلبس الأرواح كوسيلة خفية لمقاومة الهيمنة الاستعمارية والصدمات النفسية والفواجع في بورتريكو. في اعتقادي أن تفسير هيغيمان لممارسة الزار هو الذي قاد كينيون للتماهي معه في الربط بين ممارسات الزار وبين معارضة الاستعمار. وكذلك في فكرة تلبس الأرواح كنوع من ‏التداعي النفسي المرتبط بذكريات سابقة من الاسترقاق وبحالة من التهميش الراهن.
في الختام أشير إلى أن الموضوع بامتداداته المتشعبة والممتعة قادني للاطلاع على بعض الكتابات حول نفس الموضوع وإن اختلفت زاوية التناول واختلف بالتالي التفسير. يعتبر بحث إليزابيث هيغيمان من بين الكتابات التي تثير الانتباه عند البحث في ظاهرة الزار. تأتي بأهمية بحث هيغيمان لأنه يتجاوز تناول الموضوع من جانبه الاجتماعي و/ أو الأنثروبولوجي، ليضم إليها الجانب النفسي والجانب المرتبط بالأسرة والجندر.

د. محمد عبد الله الحسين

Mohabd505@gmail.com

   

المصدر: سودانايل

كلمات دلالية: مناطق السودان من بین

إقرأ أيضاً:

طقوس العيد.. تقاليد راسخة

خولة علي (أبوظبي)
استقبلت الأسر في الإمارات عيد الفطر بكل حفاوة وترحاب، حيث تجمع هذه المناسبة بين الأجواء العائلية والفرحة التي تعم المكان، وحرصت الأسر الإماراتية على الطقوس التقليدية الراسخة في هذه المناسبة السعيدة، مثل تجهيز مجالس المنازل، لتكون في أبهى صورة لاستقبال المهنئين والضيوف، حيث تفوح الروائح الزكية للعود والبخور. 
بيئة مضيافة
تولي النساء الإماراتيات اهتماماً خاصاً بالعيد، فهن يحرصن على تجديد أدوات الضيافة والعناية بكل التفاصيل التي تجعل المناسبة مميزة، وعن ذلك تقول نريمان الزرعوني، (مهندسة تصميم داخلي): شهدت الأسواق على اختلاف أنواعها ازدحاماً ملحوظاً قبل حلول العيد، فالنساء تسابقن لشراء الأواني والأطباق الأنيقة التي تستخدم لتقديم الأطعمة والحلويات والأطباق الشعبية، إلى جانب فناجين القهوة العربية التي تعتبر جزءاً لا يتجزأ من الطقوس، هذه التحضيرات تضفي أجواءً من الفخامة والكرم على المائدة وتجسّد عادات وتقاليد البيوت الإماراتية، إضافة إلى شراء الفواكه وتنسيقها بشكل أنيق وجذاب، كما انتشرت الإضاءات في المساحات الخارجية للمنازل التي تجعل من ليالي العيد أكثر بهجة، في أجواء مفعمة بالترحيب والمحبة والكرم.

تقاليد متوارثة
وأوضحت موزة عبد الله، (باحثة في التراث)، أن طقوس للعيد تمثل إرثاً متجذراً في ثقافة الإمارات، فلطالما كان استقبال العيد يتطلب تجهيز المجالس بأفضل الوسائد، وتحضير أطباق الطعام التي تقدم للضيوف طوال اليوم، ومن بين أهم طقوس الضيافة التي لا تزال قائمة حتى اليوم تقديم القهوة العربية والتمر، وكانت تستخدم رمزاً للترحيب، حيث تستقبل «الدلال» الضيوف خلال الزيارة، كما كانت المجالس في السابق تحتفظ دائماً بسفرة مفتوحة لاستقبال الزوار في أي وقت. ولا تقتصر التحضيرات على الزينة فقط، بل تشمل أيضاً تجهيز الأدوات اللازمة لإعداد الطعام، حيث يتم شراء الأواني الخاصة، مثل القدور الكبيرة لتحضير العيش واللحم والهريس، إلى جانب تحضير أواني حفظ الطعام لضمان تقديمه بشكل طازج ودافئ طوال اليوم، وأحياناً يتم تبادلها مع الأقارب والجيران، فضلاً عن حضور الحلويات العصرية والشعبية، ومنها الحلوى العُمانية لاستقبال الزوار مع فنجان من القهوة.

أخبار ذات صلة عيد «زمن لوّل».. فرحة تسكن البيوت التشكيل الإماراتي.. ذاكرة تراثية غنية بالتفاصيل

نقوش الحناء
تعتبر الحناء جزءاً أساسياً من فرحة العيد، حيث تشير شيخة النقبي (ربة منزل) إلى أن الحناء من أهم التقاليد التي تحرص عليها في كل عيد، قائلة: «لا يكتمل العيد من دون الحناء، فنجتمع مع قريباتنا ونختار نقوشاً جميلة للفتيات والنساء، هذا التقليد يجعل العيد أكثر تميزاً، ويعزز من ارتباطهن بالتراث الإماراتي». 
وتؤكد النقبي أهمية شراء الملابس الجديدة، وتجهيز العطور والبخور التي تمنح المنازل طابعاً احتفالياً مميزاً، وتوفير مستلزمات الأكلات الشعبية التي لا غنى عنها بفوالة العيد، عدا عن تحميص القهوة وطحنها وحفظها جيداً، استعداداً لتحضيرها برائحة الهيل والزعفران.

الفرحة بالعيدية
تقول مريم المزروعي، (باحثة في التاريخ والتراث)، حرصت العائلات الإماراتية على تجهيز المستلزمات الخاصة بهذه المناسبة، حيث تكتسي المنازل بطابع خاص يعكس التقدير للضيوف والزوار، مع تحضير الملابس الجديدة التي يرتديها الجميع خلال أيام العيد، إلى جانب تزيين المنازل بالأضواء والألوان التي ترسم البهجة على الوجوه، كما يتم تجهيز العيدية وتقديمها بشكل مميز للصغار الذين ينتظرونها بلهفة وبهجة، باعتبارها الوسيلة التي تدخل السرور والفرح إلى قلوبهم. وتؤكد المزروعي أن طقوس العيد في الإمارات هي مزيج من المحافظة على التقاليد الراسخة، مع الابتكار في ممارسة الطقوس وإقامة الاحتفالات، مما يجعلها مناسبة غنية بالذكريات الجميلة والترابط الأسري.

مقالات مشابهة

  • السعودية تدين وتستنكر الغارات الإسرائيلية التي استهدفت 5 مناطق مختلفة في سوريا
  • وزارة الخارجية: المملكة تعرب عن إدانتها واستنكارها الشديدين للغارات الإسرائيلية التي استهدفت خمس مناطق مختلفة في سوريا
  • المملكة تدين الغارات الإسرائيلية التي استهدفت 5 مناطق في سوريا
  • كيف يمكن ان تغير عقلك الى الابد ؟
  • الاسئلة التي جائتني حول نشرة الكاهن (المشبوهة) التي يصدرها شبح يخفي اسمه
  • زيارة أبنائهم الراحلين.. من طقوس العيد التي استعادتها أسر شهداء الثورة
  • مناوي يكشف عن رؤيته للقوات التي تقاتل مع الجيش بعد انتهاء الحرب
  • طقوس العيد.. تقاليد راسخة
  • جمال رائف: الاحتشاد الشعبي في مصر يعكس دعم المواطنين ورفض تصفية القضية الفلسطينية
  • حزب «الوعي» يطلق «وثيقة سند مصر» لدعم الوطن في مواجهة التحديات ورفض مخطط التهجير