تحتفي العاصمة الألبانية تيرانا بجامعها الكبير الجديد نمازجاه (جامع الصلاة) بعد أكثر من عقدين على انتهاء نظامها الشمولي الذي تبنى سياسة "إلحاد الدولة" ورزح تحت وطأتها مجتمع يمثل المسلمون بمختلف طوائفهم أكثر من نصف سكانه.

ووقعت ألبانيا تحت النفوذ الإيطالي في عشرينيات القرن الماضي ثم أصبحت دولة شيوعية تحظر الممارسة الدينية وفقا للدستور من عام 1944 إلى عام 1991، ونظر الشيوعيون الألبان إلى الدين باعتباره تهديدًا مجتمعيًا يقوض تماسك الأمة، وضمن تلك السياسات، تم التنديد بالأديان -لا سيما الإسلام- باعتبارها "أجنبية"، وتم انتقاد رجال الدين مثل المفتين المسلمين باعتبارهم متخلفين اجتماعيًا ولديهم ميل إلى أن يصبحوا عملاء لدول أخرى لتقويض المصالح الألبانية، ودمر النظام الشيوعي من خلال سياسته أسلوب الحياة الإسلامي والثقافة الإسلامية في ألبانيا التي عرفت الإسلام منذ القرن الـ15.

واستولت الدولة الشيوعية على المباني الإسلامية وحولت مئات الجوامع في البلاد إلى أماكن للتجمع وقاعات رياضية ومستودعات وحظائر ومطاعم ومراكز ثقافية ودور سينما في محاولة لمحو تلك الروابط بين المباني الدينية والناس.

وحتى بعد سقوط الشيوعية في ألبانيا في عام 1991، اشتكى الألبان المسلمون كثيرًا من التمييز ضدهم. وبينما تم بناء كاتدرائيتين (أرثوذكسية شرقية وكاثوليكية)، لم يكن لدى المسلمين في ألبانيا حتى عام 2016 مسجد مركزي وكان عليهم الصلاة في الشوارع. في عام 1992، وضع الرئيس آنذاك، صالح بيريشا، الحجر الأول للمسجد الذي سيتم بناؤه بالقرب من ساحة نمازجاه، بالقرب من البرلمان الألباني. تأخر البناء بعد أن اعترض رئيس البرلمان، بيتر أربنوري، على المشروع.

جامع تيرانا والبلقان الأكبر

وقرر رئيس بلدية تيرانا آنذاك، إيدي راما (رئيس الوزراء حاليا)، بناء المسجد في عام 2010 في المدينة التي كان بها 8 مساجد فقط، بعد أن كان عددها 28 مسجدا في عام 1967. خلال الأعياد الإسلامية، تمتلئ ساحة إسكندر بك (مركز المدينة) بالمصلين المسلمين، ويعود مسجد أدهم بك إلى العصر العثماني ويعد حاليًا المسجد الرئيسي في تيرانا، يتسع لـ 60 شخصًا فقط. كما أن الأمطار تجعل حضور خطب الجمعة عملية شاقة.

تم افتتاح المسجد رسميًا في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2024، في حفل ألقى فيه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الألباني إيدي راما كلمات للجمهور، ومن المتوقع أن يزيد المسجد من نشاط السياحة وسيحل محل مسجد أدهم بك في وسط المدينة باعتباره المسجد الرئيسي بالعاصمة.

وأعرب رئيس الوزراء الألباني إيدي راما، عن شكره لتركيا على بناء مسجد "نمازجاه" ولفت إلى أن الجامع أصبح الآن ميراثا لشعب بأكمله، مشيدا بما أسماه "اللفتة التي تعزز الروابط بين البلدين". وأوضح أن مسلمي ألبانيا كانوا ينتظرون منذ وقت طويل لحظة افتتاح المسجد الذي استكمل بناؤه بمساهمة من رئاسة الشؤون الدينية في تركيا.

استوحي تصميم المسجد من العمارة العثمانية الكلاسيكية. يحتوي على 4 مآذن، يبلغ ارتفاع كل منها 50 مترًا، في حين يبلغ ارتفاع القبة المركزية 30 مترًا. يضم الطابق الأول من المسجد مركزًا ثقافيًا ومرافق أخرى. تم بناء المسجد على قطعة أرض تبلغ مساحتها 10 آلاف متر مربع بالقرب من مبنى البرلمان الألباني. يتسع المسجد لما يصل إلى 8 آلاف شخص للصلاة داخل المسجد و2000 شخص في الخارج، بإجمالي 10 آلاف شخص.

يقول الإمام غازميند تيقا إن المسجد كان ضروريا لآلاف المسلمين الذين كانوا يصلون في الشوارع بجوار المساجد الأصغر حجما في جميع أنحاء المدينة.

"كان المسجد ضروريا للغاية. منذ بداية الخدمات الدينية (بعد سقوط النظام الشيوعي)، كانت جميع الطوائف الدينية في ألبانيا ترغب في بناء شيء للعبادة يكون رمزا، ومكانا لاستيعاب المؤمنين. "إن شاء الله، فسيفساء، بانوراما الانسجام بين الطوائف الدينية تكتمل ببناء وافتتاح مثل هذا المسجد، لأن جميع الطوائف الأخرى اكتملت، وكنا الوحيدين المتبقين بدون كائن عبادة بهذا الحجم"، كما يقول الإمام.

على بعد أقل من 100 متر توجد كاتدرائية كاثوليكية وأبعد نحو المركز توجد كاتدرائية أرثوذكسية. لكن ألبانيا دولة ذات أغلبية مسلمة، تشكل ما يزيد قليلا عن 50 في المئة من سكانها البالغ عددهم 2.4 مليون نسمة. الديانة الثانية الأكثر اتباعًا هي الكاثوليكية بنسبة 8 في المئة والمسيحية الأرثوذكسية بنسبة 7 في المئة، وفقًا لتعداد عام 2023. تعيش الجماعات الدينية المختلفة معًا بسلام في ألبانيا دون توترات.

"يأتي زوار من ديانات أخرى إلى هنا. أنا مندهش من أن المؤمنين من ديانات أخرى يأتون ويرفعون أيديهم ويصلون. لقد ورثنا ذلك كألبان، ونحن نموذج جيد جدًا. لقد كنا دائمًا جيدين مع بعضنا البعض، وأستطيع أن أقول مقتنعًا تمامًا، أيضًا بصفتي رئيسًا لمثل هذا المسجد، ومثل هذا المجمع، أن هذا سيكون مصدرًا للخير، والانسجام بين الألبان"، كما يضيف تيقا.

تعايش ديني

ويقول عبد الله كيلي، وهو مسلم ألباني: "يكمل مثل هذا المسجد الثلاثي للأديان، وهي الكاتدرائية الأرثوذكسية في الأسفل، والكاتدرائية الكاثوليكية والآن المسجد. وهذا متساوٍ، مثل تقاليدنا التي عشنا خلالها دائمًا في وئام، ويسير على ما يرام بيننا".

ويدير المسجد مؤسسة وقفية، وسيكون لوقف الديانة التركي (رئاسة الشؤون الدينية التركية) تمثيل في مجلس إدارتها. وبصرف النظر عن القاعات الكبيرة للعبادات الدينية، يحتوي المسجد على قاعة مؤتمرات في الأسفل، وأخرى للندوات، ومنطقة كبيرة للمعارض ومكتبة من طابقين. وهو مفتوح للجمهور وليس للمسلمين فقط.

وقد أحضر ميرفان جاكوبي من مقدونيا الشمالية المجاورة مجموعة من الأصدقاء لزيارته. "لقد اكتشفنا حقًا أن هذا مسجد جميل، مليء بالمؤمنين الملتزمين تمامًا بحماس ديني"، كما يقول.

مع عمارته العثمانية مع بعض عناصر التقاليد الألبانية، يجذب المسجد بالفعل العديد من السياح الغربيين. بعد صلاة الجمعة، يلتقطون صورًا لقبته المزخرفة وجدرانه.

جاء مارك جيه ميليما، سائح هولندي من أوتريخت، لزيارة ألبانيا. قرر رؤية المسجد الجديد عندما علم بافتتاحه، قائلا "تساءلت عما حدث هنا لأنني أعرف ألبانيا من بلد مغلق للغاية، والآن أصبحت مفتوحة. لذلك، كنت فضوليًا جدًا بشأن ما حدث هنا وكيف هو. والمسجد، التقينا به بالصدفة، لأنني لم أكن أعرف أن المسجد جديد. تجولنا حول هذا المكان وقلنا، واو، يبدو هذا جديدًا جدًا. لذلك، دخلنا".

يتجول إس بي ليم من ماليزيا بعدسته ويلتقط صورًا للمبنى الجديد والمصلين. "إنه مسجد رائع. لقد أعجبني هذا المسجد بشكل كبير، لأنه يُظهر أن هناك قدرًا كبيرًا من التسامح الديني"، كما يقول مشيرا لأن ألبانيا تبدو مثالا جيدا للعديد من الناس في العالم.

وافتتح المسجد رسميًا في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2024 ومن المؤمل أن يساعد في دفع السياحة وحرية الممارسة الدينية في العاصمة الألبانية.

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: حريات فی ألبانیا هذا المسجد ا المسجد مثل هذا رئیس ا فی عام

إقرأ أيضاً:

جلالة السلطان يؤدي صلاة عيد الفطر في جامع السلطان قابوس الأكبر ويتقبل التهاني

العُمانية:

احتفلت سلطنةُ عُمان اليوم بأوّل أيّام عيد الفطر السّعيد لعام 1446 هـ، وقد أدّى حضرةُ صاحبِ الجلالةِ السُّلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظهُ اللهُ ورعاهُ ـ صلاة العيد في جامع السُّلطان قابوس الأكبر بولاية بوشر بمحافظة مسقط.

وقد أمّ المُصلّين معالي الدّكتور محمد بن سعيد المعمري وزير الأوقاف والشؤون الدينيّة، الذي استهل خُطبة العيد بالتكبير والحمد لله تعالى على نعمائه وأفضاله والصّلاة والسّلام على نبيّه الهادي الأمين.

وأكّدت الخُطبة على أن الله سبحانه وتعالى خلق الوجود على انتظام واعتدال وتوازن في سنن الحياة، ووضع أحكام الدّين بيُسر، وعلينا أن نأخذ استقامته بلا عنف ورحمته بلا تهاون.

وبيّنت أن الغلوّ والتشدّد يجعلانه سياجًا من حديد، والتفريط فيه يصير ستارًا لا يحفظ جوهره. كما تطرقت الخُطبة إلى أن في بناء الأوطان توازنات واجبة قائمة على جذور الثبات وحماية القيم والتمسّك بالهُوية والبناء وذلك بالانتماء والولاء والتخطيط المدروس وأن السعي لذلك يتطلب جهدًا ليثمر.

وفيما يأتي نصُّ الخُطبة: //اللهُ أَكْبَــــــرُ.. اللهُ أَكْبَــــــرُ اللهُ أَكْبَرُ.. بَنَــى الكَــــــونَ بِتَـــــوَازُنٍ وَاكْتِمَــــــالٍ.اللهُ أَكْبَرُ.. أَقَامَ الوُجُودَ عَلَى انْتِظَامٍ وَاعْتِدَالٍ.

اللهُ أَكْبَرُ.. أَحْكَمَ الدِّينَ بِيُسْرٍ وَعَدْلٍ وَامْتِثَــالٍ.

اللهُ أَكْبَــــــرُ اللهُ أَكْبَــــــرُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ اللهُ أَكْبَــــرُ الحَمدُ للهِ، وأشْهدُ أنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ، وَأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، صَلواتُ اللهِ وسَلامُه عَليهِ وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ إلَى يَومِ الدِّينِ: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾أيُّهَا المُؤْمِنُونَ:التوازنُ ناموسُ الوجودِ: ﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ﴾، تَوَازُنٌ في: السُّنَنِ الكَونِيَّةِ، والوُجُودِ الإِنْسَانِيِّ، والنِّظَامِ البَشَرِيِّ: ففي سنن الكون: ﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ﴾؛ فَيَجْرِي الكَونُ فِي إِيقَاعٍ مُتَوَازِنٍ؛ فِي حَرَكَةِ الكَوَاكِبِ وَالنُّجُومِ، وَدَوَرَانِ الأَفْلَاكِ، وَانْتِظَامِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ.

وفِي الوُجُودِ الإِنْسَانِيِّ: ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾، فَيَتَنَاغَمُ القَلْبُ مَعَ العَقْلِ، وَالرُّوحُ مَعَ الجَسَدِ، وَبَيْنَ المَاضِي وَالحَاضِرِ وَالمُسْتَقْبَلِ. وفِي النِّظَامِ البَشَرِيِّ: ﴿ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ﴾، حَيْثُ التَّوَازُنُ النَّفْسِيُّ فِي المَشَاعِرِ وَالعَلَاقَاتِ وَالسُّلُوكِ، وَبَيْنَ الحَقِّ وَالوَاجِبِ، وَالعَمَلِ وَالعِبَادَةِ، وَالحُرِّيَّةِ وَالمَسْؤُولِيَّةِ، وَالاقْتِصَادِ وَالاِسْتِهْلَاكِ. ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾؛ فَالحَيَاةُ بِهَذَا الوَعْيِ لَيْسَتْ سَاحَةَ نِزَالٍ بَيْنَ المُتَنَاقِضَاتِ، وَلَا مِيدَانَ صِرَاعٍ بَينَ الأَضْدَادِ، بَلْ مَنْظُومَةٌ مُتَكَامِلَةٌ؛ تَتَوَازَنُ فِيهَا القُوَى المُتَبَايِنَةُ بِتَرْتِيبٍ مُحْكَمٍ، وَتَتَبَادَلُ الأَدْوَارَ فِيمَا بَيْنَهَا بِتَوَازُنٍ عَمِيقٍ، فَوُجُودُهَا ضَرُورَةٌ لاِسْتِمْرَارِ الحَيَاةِ، وَتَعَاقُبِ أَطْوَارِهَا، وَتَجَدُّدِ عَطَائِهَا: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾.

اللهُ أَكْبَـــــــرُ اللهُ أَكْبَــــــرُ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ أيُّهَا المُسْلِمُونَ: كَانَ الصِّيَامُ شَهْرًا، وَحَلَّ العِيدُ يَوْمًا، وَفِي كُلٍّ حِكْمَةٌ: حِكْمَةُ التَّوَازُنِ فِي الحَيَاةِ؛ فَالسَّعْيُ يَتَطَلَّبُ جُهْدًا طَوِيلًا لِيُثْمِرَ، وَفَرَحًا قَصِيرًا يُذَكِّرُنَا بِأَنَّ للصَبْرٍ جَزَاءً، وَأَنَّ الجَزَاءَ لَيْسَ فِي يَوْمِ الفَرَحِ فَحَسْبُ، بَلْ فِي الرِّحْلَةِ الَّتِي سَبَقَتْ وُصُولُنَا إِلَيْهِ، وأن السَّعْيَ يَأْخُذُ العُمْرَ، وَالإِنْجَازُ لَحْظَةٌ، اللَّحْظَةَ الَّتِي تُعْطِي العُمْرَ قِيمَتَهُ. دَوْرَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ بَيْنَ التَّحَدِّي وَالانْتِصَارِ، بَيْنَ الأَخْذِ وَالعَطَاءِ، بَيْنَ الجُهْدِ وَالمُكَافَأَةِ. لِنَعِيشَ فِي تَوَازُنٍ بَيْنَ حَاجَتِنَا لِلْجُهْدِ وَالتَّعَبِ، وَرَغْبَتِنَا فِي الرَّاحَةِ وَالفَرَحِ: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾.

اللهُ أَكْبَـــــــرُ اللهُ أَكْبَــــــرُ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ أيُّهَا المُسْلِمُونَ: الدِّينُ مِيزَانٌ مُحْكَمٌ، وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ، فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ"؛ فَمَنْ شَدَّدَ حَتَّى جَفَّتْ رُوحُهُ، فَقَدَ الرُّوحَ، وَمَنْ تَرَخَّصَ حَتَّى ذَابَتْ حُدُودُهُ، فَقَدَ الطَّرِيقَ. فَلَا إِفْرَاطَ يُنْهِكُ، وَلَا تَفْرِيطَ يُضْعِفُ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. وَالتَّوَازُنُ أَنْ نَأْخُذَ مِنَ الدِّينِ اسْتِقَامَتَهُ بِلَا عُنْفٍ، وَنَأْخُذَ رَحْمَتَهُ بِلَا تَهَاوُنٍ: ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ﴾.

الغُلُوُّ فِي الدِّينِ كَمَنْ يَمْلَأُ سَفِينَةً فَوْقَ طَاقَتِهَا، وَالتَّفْرِيطُ فِيهِ كَمَنْ يَخْرُقُهَا، وَفِي الحَالَتَيْنِ، يَكُونُ المَصِيرُ غَرَقًا: ﴿ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا ﴾ وَالتَّوَازُنُ أَنْ نَسِيرَ بِهَا فِي مَوْجِ الحَيَاةِ، لَا ثِقْلَ يُنْهِكُ، وَلَا تَهَاوُنَ يُغْرِقُ: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾. الغُلُوُّ وَالتَّشَدُّدُ يَجْعَلَانِ الدِّينَ سِيَاجًا مِنْ حَدِيدٍ؛ يَضِيقُ حَتَّى يَسْحَقَ مَنْ بِدَاخِلِهِ، وَالتَّفْرِيطُ يَجْعَلُهُ سِتَارًا لَا يَحْفَظُ جَوْهَرَهُ.

وَالتَّوَازُنُ أَنْ يَكُونَ الدِّينُ غِلَافًا مِنْ نُورٍ، يَحْفَظُنَا وَلَا يُقَيِّدُنَا: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾. الدِّينُ لَمْ يُنْزَلْ لِيَكُونَ اخْتِبَارًا فِي تَحَمُّلِ المَشَقَّةِ، بَلْ لِيَكُونَ طَرِيقًا لِلهِدَايَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالحَيَاةِ الطَّيِّبَةِ؛ فَمَنْ جَعَلَ مِنَ الدِّينِ سَاحَةً لِلْعَذَابِ، فَقَدَ رَحْمَةَ اللَّهِ، وَمَنْ جَعَلَهُ فَضَاءً بِلَا حُدُودٍ، فَقَدَ حِكْمَتَهُ: ﴿ طَهَ، مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ﴾. وَالتَّوَازُنُ أَنْ نَعِيَ أَنَّ الدِّينَ طَرِيقُ نُورٍ، لَا سَوْطٌ وَلَا سَرَابٌ: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾.

اللهُ أَكْبَــــرُ اللهُ أَكْبَــــرُ،لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ واللهُ أَكْبَــــرُ أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ: فِي بِنَاءِ الوَطَنِ تَوَازُنَاتٌ وَاجِبَةٌ؛ فِي قُلُوبِنَا جُذُور الثَّبَاتِ، وَفِي عُقُولِنَا أَجْنِحَة التَّغْيِيرِ، نَحْمِي قِيَمَنَا بِلَا تَعَصُّبٍ وَلَا أَذَىً، وَنُمَارِسُ حُرِّيَّاتِنَا بِلَا فَوْضَى، نَتَمَسَّكُ بِهُوِيَّتِنَا وَنَنْطَلِقُ فِي آفَاقِ التَّطْوِيرِ، وَنُوَازِنُ بَيْنَ الحُقُوقِ وَالوَاجِبَاتِ، فَلَا مَطَالِبَ بِلَا التِزَامَاتٍ، وَلَا تَقَدُّمَ دُونَ تَضْحِيَاتٍ، نَسْعَى بِلَا تَهَوُّرٍ، ولَا نُفَرِطُ فِي الرَّجَاءِ، وَلَا نَسْتَسْلِمُ لِلْيَأْسِ. الأَوْطَانُ تُبْنَى بِمَزِيجٍ مُتَوَازِنٍ بَيْنَ الانْتِمَاءِ العَمِيقِ وَالتَّخْطِيطِ المَدْرُوسِ، بَيْنَ الحُبِّ الَّذِي يُلْهِمُ، وَالوَلَاءِ الَّذِي يُرَسِّخُ، وَالعَقْلِ الَّذِي يُدِيرُ، بَيْنَ الطُّمُوحِ الَّذِي يَدْفَعُ، وَالوَاقِعِيَّةِ الَّتِي تُرْشِدُ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾.

اللهُ أَكْبَـــــــرُ اللهُ أَكْبَــــــرُ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ ﴿إنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾.

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيْمَاً كَثِيْرًا.اللَّهُمَّ اجْعَلْ لَنَا فِي كُلِّ أَمْرٍ رَشَدًا، وَمِنْ كُلِّ خَيْرٍ نَصِيبًا، وَبَارِكْ فِي أَعْمَالِنَا وَأَعْمَارِنَا، وَاجْعَلْ سَعْيَنَا زِيَادَةً مِنْ فَضْلِكَ، وَقُرْبًا إِلَى عَطَائِكَ.

اللَّهُمَّ احْفَظْ وَطَنَنَا عُمَانَ بِمَزِيدٍ مِنَ الْخَيْرِ وَالنَّمَاءِ، وأدمْ فيه العَدْلَ وَالأَمْن وَالرَّخَاءَ، مَحْفُوفًا بِرِعَايَتِكَ، مَحْرُوسًا بِعِنَايَتِكَ، وَأَدِمْ عَلَيْهِ الْعِزَّةَ وَالِاسْتِقْرَارَ.

اللَّهُمَّ أَيِّدْ سُلْطَانَنَا هَيْثَمَ بِنَصْرٍ مِنْ عِنْدِكَ، وَثَبِّتْهُ بِعِزٍّ وَتَمْكِينٍ مِنْ لَدُنْكَ، وَاحْفَظْهُ بِحِفْظِكَ، وَأَسْبِغْ عَلَيْهِ نِعَمَكَ، وَأَطِلْ فِي الْخَيْرِ عُمْرَهُ، وَأَدِمْ عَلَى يَدَيْهِ عِزَّ عُمَانَ وَرَخَاءَهَا.

اللَّهُمَّ وَحِّدْ قُلُوبَ شَعْبِهِ عَلَى الْحَقِّ وَالْوِئَامِ، وَأَلِّفْ بَيْنَهُمْ بِالْمَحَبَّةِ وَالْوِفَاقِ، وَازْرَعْ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِخْلَاصَ وَالْوَفَاءَ، وَأَعِنْهُمْ عَلَى الْعَمَلِ وَالْبِنَاءِ.

اللَّهُمَّ يَا نَاصِرَ الضُّعَفَاءِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، كُنْ لَهُمْ فِي فِلَسْطِينِ وَغَيْرِهَا عَوْنًا وَنَصِيرًا، وَارْفَعْ عَنْهُمُ الْخَوْفَ وَالضَّعْفَ، وَأَبْدِلْهُمْ أَمْنًا وَفَرَجًا، وَأَبْرِمْ لَهُمْ أَمْرَ رُشْدٍ وَعَدْلٍ وَانْتِظَامٍ.

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِكُلِّ مَنْ آمَنَ بِكَ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدُّعَاءِ.

﴿ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)//.

وبعد الانتهاء من الصّلاة تقبّل حضرةُ صاحبِ الجلالةِ السُّلطان هيثم بن طارق المعظم ـ أيّدهُ اللهُ ـ التهاني بهذه المناسبة السّعيدة، وقد بادلهم جلالتُه التهنئة، متمنيًا لهم عيدًا طيبًا مباركًا، سائلًا الله لهم قبول الطاعات ومضاعفة الحسنات.

ولدى خروج جلالةِ عاهل البلاد المفدّى من جامع السُّلطان قابوس الأكبر أطلقت مدفعيّة سُلطان عُمان بالجيش السُّلطاني العُماني إحدى وعشرين طلقةً، تحيّةً لجلالةِ السُّلطان المفدّى ـ أعزّهُ اللهُ ـ.

بعد ذلك غادر الموكبُ السّامي لجلالةِ السُّلطان المعظم وسط دعوات أبناء شعبه بأن يحفظهُ ويبارك في أيّامه وأعياده، ويُعيد عليه هذه المناسبة وأمثالها أعوامًا مديدة.

أدّى الصّلاة بمعيّة جلالتِه عددٌ من أصحابِ السُّمو أفراد الأسرة المالكة الكريمة، وجناب السّادة والسّادة البوسعيد، وعددٌ من أصحاب المعالي الوزراء والمستشارين، وقادة قُوات السُّلطان المسلحة والأجهزة العسكريّة والأمنيّة، وعددٌ من أعضاء مجلسي الدولة والشورى، وأصحاب السّعادة الوكلاء والولاة، وعددٌ من الرؤساء التنفيذيين، وجمع من المشايخ والمواطنين.

مقالات مشابهة

  • نائب: اقتحام الشرطة الإسرائيلية للمسجد الأقصى انتهاك للمقدسات الدينية
  • أول رد رسمي من الأوقاف بشأن فيديو لعب الأطفال في مسجد بالإسماعيلية
  • مصر تحذر من أي محاولات للمساس بالمقدسات الدينية في القدس
  • الوقف السني يعاقب إمام جامع في بغداد بسبب صلاة العيد
  • الوقف السني يعاقب إمام جامع بسبب صلاة العيد
  • الاحتلال يكثف غاراته على غزة وتقصف المسجد الإندونيسي / شاهد
  • صليت صلاة العيد في مسجد السفارة السودانية بالعاصمة الصينية بكين
  • أول قُداس إلهي لرئيس أساقفة ألبانيا الجَديد يوانيس
  • جلالة السلطان يؤدي صلاة عيد الفطر في جامع السلطان قابوس الأكبر ويتقبل التهاني
  • بحضور محافظ الغربية.. رئيس جامعة طنطا يؤدي صلاة العيد في مسجد السيد البدوي