لم ترشح أية تفاصيل عن الاجتماع الذي عقد يوم الجمعة الماضي في ولاية فلوريدا بين الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب، وأمين عام حلف الأطلسي «الناتو» الجديد مارك روته، الذي تولى منصبه في أكتوبر(تشرين الأول) الماضي، خلفاً لينس ستولتنبرغ.
لكن بالتأكيد أراد روته الوقوف على مستقبل العلاقات بين «الناتو» والرئيس الأمريكي الجديد، واحتمالات ما يمكن حصوله في ظل المواقف التي كان أعلنها ترامب في حملاته الانتخابية التي أثارت قلقاً أوروبياً، خصوصاً تجاه الأمن الأوروبي والعلاقات عبر الأطلسي، إضافة إلى الدعم الأمريكي لأوكرانيا.
المتحدثة باسم «الناتو»، فرح دخل الله، اكتفت بالقول إن ترامب وروته «ناقشا كل القضايا الأمنية العالمية التي تواجه حلف شمال الأطلسي»، إلا أن ذلك مجرد عنوان للمحادثات، ولا يكفي للتعرف إلى موقف الرئيس الأمريكي المنتخب، مما ينوي اتخاذه من مواقف تجاه القضايا الخلافية التي ستتخذها إدارته، بعد أن تتسلم مهامها في يناير (كانون الثاني) المقبل.
ففي ولايته الأولى برزت مخاوف من احتمال توقف الدعم الأمريكي للحلف، وفَرض على الدول الأعضاء زيادة حصتها 2 بالمئة في ميزانية الحلف، وهو الآن يهدد بعدم ضمان حماية دول «الناتو» إذا لم تخصص ميزانية أكبر للدفاع، أي زيادة حصتها أكثر من 2 بالمئة، ولهذا فإن أمين عام الحلف يحاول التوصل مع ترامب وإدارته، لضمان عدم وضع شروط وطلبات «متطرفة»، لا تستطيع الدول الأوروبية الوفاء بها، إضافة إلى ما تنوي إدارة ترامب اتخاذه من مواقف تجاه الحرب الأوكرانية، بعدما كان الرئيس الأمريكي المنتخب قد أعلن أنه سوف يسعى إلى وقفها، ما يعنيه ذلك من توقف الدعم الأمريكي لكييف، وترك أوروبا تتحمل تكاليف الحرب لوحدها، وهو ما لا تستطيع تحمله.
أما اختيار ترامب لماثيو ويتيكر سفيراً لواشنطن لدى «الناتو»، باعتباره «محارباً قوياً ووطنياً مخلصاً، وأنه سيضمن تعزيز مصالح الولايات المتحدة والدفاع عنها وتعزيز العلاقات مع حلفائنا في الناتو»، فهو إجراء روتيني، لكن ذلك لا يعني أنه تراجع عن مواقفه السابقة، حيث يتوقع أن يقوم ويتيكر بعد تثبيت تعيينه بالضغط على دول الحلف، لزيادة إنفاقها الدفاعي، كما تتوقع المصادر الأمريكية.
حاول روته في لقائه الأول مع ترامب اللعب على المخاوف من العلاقات بين روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران، لمواجهة تهديدها بشكل جماعي وحمله على تغيير مواقفه، وهو ما أشار إليه خلال قمة بودابست في السابع من نوفمبر (تشرين الثاني) مع القادة الأوروبيين بقوله: «أنا أتطلع للجلوس مع الرئيس ترامب للبحث في كيفية مواجهة هذه الدول» المتهمة بمساعدة روسيا في حربها، إلا أنه من السابق معرفة ما إذا كان ترامب اقتنع بالمخاوف التي أبداها روته، ومفاقمة عدم الاستقرار الاستراتيجي، أو ما إذا كان سيتكيف مع مواقفه المعلنة ويتخذ قرارات براغماتية، تتفق مع الحقائق العالمية الجديدة التي تبرز من خلال القوى البازغة التي تعمل من أجل نظام عالمي أكثر مساواة وعدلاً.
لم تعد الولايات المتحدة هي نفسها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي قادرة على امتلاك القوة والنفوذ وغير المقيدة، فقد تعافت قوى أخرى، وبرزت قوى جديدة باتت تشكل موجة عالمية للتغيير، وشريكاً حتمياً في النظام العالمي الجديد إلى جانب الولايات المتحدة، وهو أمر لا شك يدركه الرئيس ترامب، كي تبقى «الولايات المتحدة عظيمة».
المصدر: موقع 24
كلمات دلالية: عودة ترامب عام على حرب غزة إيران وإسرائيل إسرائيل وحزب الله الانتخابات الأمريكية غزة وإسرائيل الإمارات الحرب الأوكرانية عودة ترامب الولایات المتحدة الرئیس الأمریکی
إقرأ أيضاً:
أوكرانيا و«سلام القوة»
خلافاً للسنوات الثلاث السابقة، استهلت الحرب الأوكرانية - الروسية عامها الرابع، بالحديث عن السلام، على الرغم من كوابيس القصف والقتل والتدمير، في تحوّل مثير لم يكن متاحاً قبل شهرين، حتى في أكثر أحلام المتفائلين بانتهاء الحرب.
لم يكن أحد ليأخذ وعود ترامب إبّان حملته الانتخابية بإنهاء الحرب الأوكرانية خلال 24 ساعة على محمل الجد، وحتى بعد عودته إلى البيت الأبيض لم يتوقع الكثيرون أن يبادر ترامب بمثل هذه السرعة للاتصال بنظيره الروسي بوتين، وأن يرسل فريقاً تفاوضياً لوضع أسس لقاء الزعيمين المنتظر للتوصل إلى اتفاق حول إنهاء الحرب. لكن سرعان ما تبيّن أن ترامب جدّي للغاية في وضع حد للحرب، وأنه ينطلق في مسعاه من جملة أمور كلها تستند إلى فرضية السلام القائم على القوة. فهو يستند أولاً إلى أن الولايات المتحدة هي القوة الأعظم في العالم، وأنها قادرة تحت قيادته على إطفاء نيران الحروب والصراعات المشتعلة في العالم. كما أنه يرى أن روسيا في موقع الطرف الأقوى في الصراع الأوكراني، وأن ميزان القوى مختلّ لصالحها في مواجهة أوكرانيا وحلفائها الأوروبيين، بعد أن أخرج الولايات المتحدة من ساحة الصراع، مشدداً على أنه لا ينبغي السماح باندلاع حرب عالمية ثالثة بسبب أوكرانيا. الأهم أنه بدا متفهماً لدوافع موسكو إلى شنّ الحرب، ومنها مطالبة روسيا بإعادة صياغة الأمن الأوروبي على أسس عادلة، والإجحاف الذي لحق بها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي لجهة الزحف الأوروبي على مناطق نفوذها في أوروبا الشرقية، ورفضها قبول انضمام أوكرانيا لحلف «الناتو». كما أنه يرى أن أوروبا التي اعتمدت تقليدياً على الحماية الأمريكية لم تفعل شيئاً لحل الأزمة الأوكرانية بقدر ما حشدت قواها الاقتصادية والعسكرية تحت مظلة «الناتو» لخوض حرب استنزاف طويلة ضد روسيا، على أمل الانتصار في هذه الحرب.وعلى النقيض من إدارة بايدن، يرى ترامب أن المشكلة أوروبية في الأساس، وأنه لا مصلحة أمريكية في الانخراط فيها، حيث تتحمل الولايات المتحدة العبء الأكبر من التكاليف، بينما يزداد إنفاق الدول الأوروبية على التنمية والرفاه الاجتماعي. ولذلك فقد طالب ترامب الدول الأوروبية بزيادة نفقاتها الدفاعية، والإسهام في موازنة حلف «الناتو»، بما يصل إلى 5 في المئة من إجمالي ناتجها المحلي. بهذا المعنى، هناك انقلاب كامل في الموقف الأمريكي إزاء الصراع الدائر في أوكرانيا، وهو ما يفسر استبعاد الاتحاد الأوروبي من طاولة التفاوض مع روسيا حول أوكرانيا، وإن لم يغلق الباب كلياً في وجهه.
كما يفسر لماذا يصر ترامب على صفقة المعادن الثمينة مع كييف لاسترداد مليارات الدولارات التي أنفقتها إدارة بايدن على إرسال الأسلحة والمعدات العسكرية إلى أوكرانيا.
وبالمحصلة، يعتقد ترامب أن السلام يصنعه الأقوياء، وأن أوروبا الضعيفة وحتى أوكرانيا الممزقة عليها أن تقدّم التنازلات، لصالح نظام عالمي جديد يتشكل يبدو أنه لا مكان فيه للضعفاء.