السلطان هيثم.. القائد الذي يصنع عُمان الجديدة
تاريخ النشر: 24th, November 2024 GMT
عندما نقرأ أحداث التاريخ ونتصفح مساراته نجد بشكل واضح أن الدول والشعوب تقف، دوما، عند مفترق الطرق، ويتحدد مصيرها في منعطفات الأحداث على أيدي قادتها الذين يصنعون التحولات الكبرى التي يتضح حجمها وأبعادها البنائية والتأسيسية بعد حين: بعد سنوات وربما عقود وأحيانا بعض نصف قرن أو أكثر؛ فليس سهلا أن يشكل الباحث أو المتأمل للأحداث التاريخية رؤية متكاملة في لحظة تداعي الحدث وتوالي تفاصيله.
في كتابه "الأبطال" يطرح المؤرخ الإسكتلندي توماس كارليل رؤية عميقة عن دور القادة العظماء في تشكيل مسار التاريخ فيعتبر "البطل" هو الشخص الذي يتمتع بصفات استثنائية، تجعل منه مصدر إلهام لأمته/شعبه، ويمنحه القدرة على التأثير العميق في مجريات الأمور وتوجيه الناس في اللحظات الحاسمة. البطل، في نظر كارليل، ليس مجرد شخصية تاريخية عظيمة، بل رمز للقوة الروحية والأخلاقية التي تشع منها أفكار وإلهام قادران على تحريك الشعوب وتغيير مصائرهم.
ويرى كارليل بأن التاريخ الإنساني هو في جوهره تاريخ الأبطال، وأن هؤلاء القادة العظام هم المحرك الأساسي للتغيرات الكبرى.
واللحظات الحاسمة في التاريخ تتطلب ظهور أبطال عظام يمتلكون القدرة على تحويل مسار الأمور، ويمثلون الأمل الأخير للشعوب في الأوقات العصيبة. والقائد البطولي هو الذي يظهر في هذه اللحظات ليوجه الأمة ويمنح الناس رؤية واضحة للمستقبل.
وهذه الرؤية التي يطرحها كارليل تبدو شديدة الوضوح في عهد حكام أسرة ألبوسعيد منذ الإمام المؤسس أحمد بن سعيد وإلى اليوم حيث يتسنم عرش عُمان العظيم جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، الذي تتجسد فيه بشكل واضح موصفات "البطل" الذي جاء لأمته في لحظة حاسمة وعند مفترق طرق وألهم فيها الأمل واستطاع بحكمته تحويل مسار الأمور في لحظة تحولات كبرى في المنطقة والعالم إلى حيث الاستقرار والقدرة على بناء يقين بالمستقبل.
كان المشهد الداخلي والخارجي في عُمان شديد التعقيد في اللحظة التي وصل فيها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه إلى سدة الحكم؛ فقد كانت عُمان، سليلة التاريخ والأمجاد تعيش في لحظة إقليمية وعالمية شديدة التعقيد، وفي لحظة داخلية صعوبة بعد رحيل السلطان قابوس الذي فُجع به الجميع.. كانت عُمان تعيش أزمة مالية خانقة أثرت على الاقتصاد ورفعت المديونية إلى رقم تاريخي، وتعيش أزمة صحية بسبب جائحة كوفيد19، وتعيش حزنا كبيرا على رحيل السلطان قابوس.. بدا الأمر شديد التعقيد، ومسارات حلوله صعبة للغاية لأنها ترتبط بالمشهد العالمي، حركته المالية وحركته الاقتصادية ومسارات التعافي من الوباء لم تكن واضحة على الإطلاق ليس في عُمان فقط ولكن في العالم أجمع. وأمام هذا المشهد كان لا بد من "بطل" يستطيع أن يصنع تحولا تاريخيا يبدأ من الداخل بإعادة اليقين إلى الناس ويجري إصلاحات اقتصادية ومالية وهيكلية في بنية الحكومة، ثم يمتد الأمر إلى الخارج للعمل على حفض حدة التوترات الإقليمية.
كانت هذه المواصفات متوفرة في السلطان هيثم، الرجل الهادئ وصاحب النظرة العميقة والمتأملة، وكان العمانيون على يقين أنه يملك القدرة على إحداث التغيير في لحظة تاريخية لا تقبل التجريب.
واستطاع جلالة السلطان المعظم أن يعيد بناء المشهد الداخلي وفق رؤية واضحة المعالم هي رؤية "عُمان 2040" التي لم تكن رؤية تجريبية ظهرت في لحظة حاجة ماسة ولكنها رؤية بنيت على أسس عالية الدقة من التخطيط المحكم والمشاركة الشعبية. رسخ السلطان هيثم منذ خطاباته الأولى مصطلح "النهضة المتجددة" واستطاع هذا المصطلح ومعطياته التطبيقية التي وظفها الإعلام العماني بشكل مهني من تجسير الفجوة بين مرحلتين وبين عهدين، وألهم المصطلح العمانيين الذين شعروا عمليا أن النهضة "تتجدد" وأن هناك متغيرات حقيقية تجاوزت التغييرات العابرة إلى تغيرات هيكلية عميقة طالت بنية الحكومة التي أعيد هيكلتها بعد أقل من ثمانية أشهر من تولي السلطان لمقاليد الحكم، وبعد عام كامل عند إصدار نظام أساسي جديد للدولة وضع مسارا محكما لعملية انتقال ولاية الحكم ورسخ لدولة العدل والمساواة والحقوق ورسخ لمبدأ الحوكمة وكذلك للقيم الثقافية والأخلاقية التي تنطلق منها مبادئ سلطنة عمان.
وكانت الإصلاحات التي طالت الاقتصاد ومسارات الانفاق المالي والتي حققت نتاج إيجابية بشكل سريع فاق التوقعات هي الأكثر تأثيرا في يقين العمانيين وألهبت طموحاتهم وتطلعاتهم نحو غد أكثر إشراقا وأيقنوا سريعا أنه القائد/ البطل القادر على صناعة مستقبل مختلف لعُمان وفق رؤية تجمع بين تاريخ عريق واستراتيجيات حداثة، تمثل النهضة الشاملة.
ولكي نفهم جوهر الفكر القيادي الذي يتمتع به جلالة السلطان المعظم لا بد من العودة إلى الجذور التي نشأت فيها جلالة السلطان والتي شكلت وعيه بعُمان وبتاريخها وشكلت وعيه بالمنطقة المحيطة بعمان والتي تؤثر في كل مسارات الأحداث.
القيادة الأخلاقية
ولد السلطان هيثم في بيت حكمة وسياسة وبطولة فهو سليل سلاطين البوسعيد الذين حولوا عُمان إلى واحدة من أعظم إمبراطوريات العالم في القرن التاسع عشر وراكموا أمجادها عبر قرون طويلة من الفعل الحضاري، وتربى، حفظه الله، على القيم التي جعلت عُمان دولة ذات حضور مستقل وصوت معتدل في المحافل الدولية. ومر السلطان هيثم بتجارب صقلت تجربته القيادية. فعلاوة على أنه كان قريبا من الناس ومن نبضهم فقد كان على مستوى كبير من الوعي السياسي بعد سنوات طويلة من العمل في وزارة الخارجية حيث مركز الدبلوماسية العمانية وتماسها من القضايا العالمية ومواقفها الممتدة من عمق مبادئها السياسية والتاريخية، وعبر ذلك أدرك المحركات الثقافية التي تحرك الأمم والشعوب وتنعكس على سياساتهم الخارجية. كانت تلك التجربة مهمة جدا في بناء شخصية القائد في فهم الأبعاد الخارجية للعالم أجمع. ثم كانت تجربة وزارة التراث والثقافة والتي لا تقل أهمية عن تجربة الخارجية. وعبر هذه التجربة تعمق وعي جلالة السلطان بتاريخ وطنه ومنجزه الحضاري ومواطن قوته الأمر الذي جعله تصوراته حول المستقبل أكثر يسرا وسهولة.
أدرك السلطان هيثم عبر قربه من نبض المجتمع وعبر فهمه العميق لثقافته ولوعي المجتمع المبني على وعيه التاريخي آمال العمانيين وخاصة أجيال الشباب منهم وبنى رؤيته على فكرة التوازن في الحفاظ على الهوية والانفتاح على العالم فكان يركز في كل مناسبة على البناء الأخلاقي والتمسك بالقيم العماني وبالوسطية والاعتدال رغم حديثه المستمر عن الدولة العصرية المتقدمة والانفتاح الاقتصادي.
هكذا تبدو شخصية السلطان هيثم واضحة المعالم، فالانفتاح من وجهة نظره لا يعني الانسلاخ من قيم المجتمع ومن مبادئه وهذا الرؤية هي رؤية القائد الذي لا يبني لحظة آنية تهمل البناء الحضاري، إنه قائد معني بالبناء الأخلاقي والحضاري الذي يمتلك صفة الاستدامة والبقاء والتأثير العميق.
رؤية عمان
لم تكن رؤية عمان 2040 التي يمكن أن ننظر لها باعتبارها مشروع حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم لعمان في لحظة تاريخية مهمة مجرد وثيقة تخطيط لتسيير العمل الحكومي في الدولة، إنما كانت انعكاسا لطموحات بلد بأسره كان يبحث عن رؤية في لحظة تحولات كبرى في العالم. كانت الرؤية تستند إلى تلك الطموحات التي تم بلورتها عبر دراسات معمقة واستشارات واسعة مع جميع فئات المجتمع. من يتأمل وثيقة الرؤية يدرك أنها تعزز فكرة أن الاستدامة والابتكار هما ركيزتان أساسيتان، وتستهدف تحويل التحديات إلى فرص واعدة، مع التركيز على العمانيين باعتبارهم الثروة الأهم والهدف والغاية النهائية من كل عمل.
وكان واضحا أن فكر السلطان هيثم الاستراتيجي المبني، كما سبق، على رؤية واسعة وعميقة لعُمان وللعالم يدرك خطر الاعتماد على النفط وحده في وقت لم يعد فيه النفط في المكانة العالية التي يمكن أن تضمن المستقبل في ظل التقلبات الاقتصادية العالمية؛ ولذلك، اتجه إلى تنويع مصادر الدخل، عبر تبني الاستثمار في الطاقة المتجددة وفي التكنولوجيا المتقدمة وفي قطاعات السياحة، والخدمات اللوجستية.. ورغم أن الطريق ما زال في عتباته الأولى في إطار إحداث تغيرات جوهرية في بنية اقتصادية إلا أن الأهداف بدأت تتحقق في الكثير من مسارات العمل وبدأت مساهمة القطاعات غير النفطية تنمو بشكل واضح. ومثل هذه الرؤية التقدمية ستصنع مع الوقت اقتصادا متينا ومستداما يستطيع يوفر حياة كريمة للأجيال القادمة.
إن ما يميز رؤية السلطان هيثم واستراتيجيته المستقبلية التي نقرأها في "رؤية عمان" هو ارتباطها الوثيق بالإنسان؛ فهي تهدف إلى تطوير التعليم والتدريب، ليكون أبناء عمان هم صناع المستقبل، وليس مجرد مستهلكين له.
لم تتوقف خطوات جلالة السلطان المعظم عند الخطط الاقتصادية من أجل الانتاج، بل امتدت لتشمل إصلاحات عميقة في بنية الاقتصاد وفلسفته وكذلك الإدارة وغاياتها. لقد شرع السلطان، أعزه الله، في سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية، تعيد هيكلة المؤسسات وتحقق الاستدامة المالية، وتزيد من كفاءة الأداء الحكومي.. وكان هذا التوجه مبنيا على فهم أن الإصلاح الاقتصادي ضروري لبقاء الدولة قوية ومرنة أمام التحديات الكبرى التي تحدث في العالم وتقلبات الأسواق والحروب التي بليت بها المنطقة. ومن بين أهم الإصلاحات التي أقرتها رؤية السلطان هيثم للحكم تنظيم سوق العمل، ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتطوير القطاع السياحي ليكون مصدرا مستداما للدخل خاصة وأن سلطنة عمان تمتلك مقومات سياحية استثنائية.
وأمام هذه التغيرات الهيكلية والإصلاحات الاقتصادية العميقة برز إيمان جلالة السلطان هيثم بمبدأ الحوكمة باعتبارها أحد أهم ضمانات الكفاءة، وأعطى السلطان، حفظه الله، الشفافية والمساءلة أهمية كبرى باعتبارهما قواعد ثابتة في إدارة الدولة، مؤكدًا أن الولاء الحقيقي لعُمان يعني خدمة الوطن بكل تفان. وأكد على أهمية فتح قنوات تواصل بين الحكومة والمواطنين، ليكون المجتمع شريكا في رسم السياسات المستقبلية وهذا التوجه يعكس إيمان السلطان بأن النهضة لا تتحقق إلا بتكاتف الجميع.
ورغم إلحاح القضايا المالية والاقتصادية في اللحظة التي جاء فيها جلالة السلطان للحكم إلا أنه لم يتجاوز قيد أنملة الاهتمام بالقضايا الثقافية وبترسيخ الهوية الوطنية والتمسك بكل قوة بالقيم والمبادئ الأخلاقية التي تبقى صمام الأمان لأي مجتمع. ويبقى الحفاظ عليها أحد أهم أولويات القائد الذي تنطلق رؤيته من عمق مجتمع وثقافته.
كان هذا المسار الإصلاحي الهم الأول والأساسي الذي شغل جلالة السلطان هيثم المعظم منذ العتبات الأولى لعهده الميمون، لكنه لم يكن الهم الوحيد فقد كانت السياسة الخارجية ملحة جدا نظرا للأحداث الكبرى التي كانت تتشكل في العالم. حافظ جلالة السلطان المعظم على نظرية الحياد الإيجابي الذي تتبناه سلطنة عمان في سياستها الخارجية، وأضاف جلالته، أعزه الله، رؤيته الخاصة التي تعزز من دور عُمان كوسيط موثوق ومؤثر في الإقليم. ورغم الأحداث الكبرى والفاصلة التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأربع الماضية إلا أن عُمان لم تفرط في مبادئها السياسية التي الراسخة بل زاد تمسكها بها ونستطيع فهم ذلك من خلال قراءة مواقفها من الحرب الظالمة على قطاع غزة. أكسب عاهل البلاد المفدى السياسة الخارجية العمانية زخما جديدا يجمع بين الحوار والسعي لتحقيق السلام في منطقة تعصف بها التوترات ولكن دون تفريط في المبادئ والقيم. لقد أعطى جلالة السلطان المعظم خلال أحداث كبيرة محيطة بعمان درسا مهما في الحفاظ على استقلال القرار السياسي وعدم التأثر بالأحداث ولكن، أيضا، دون تفريط في العلاقات الطيبة مع دول العالم.
المشهد جميل لكن التحديات موجودة
يبدو المشهد مشرقا جدا، وهو كذلك لكن التحديات لم تختفِ على الإطلاق والعالم ما زال يعيش لحظات من غياب اليقين في قضايا كثيرة.. ما زال الاقتصاد العالمي متذبذب، وما زالت التغيرات المناخية تفاجئنا بحجمها وعُمان من بين الدولة المتأثرة بهذا التغيير بشكل كبير، وما زالت أزمات المنطقة مشتعلة ومعقدة جدا وعصية على الحل.
لم يكن العالم في يوم من الأيام خاليا من التعقيدات ومن الأزمات والتخطيط الجيد والثقة من شأنها أن تفتح آفاقا لمسارات المستقبل، وهي مسارات ممكنة جدا عندما تتوفر الإرادة والعزيمة والعمل الجماعي.
هكذا بدا جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم فيما نعتبرها سنوات التأسيس لعده الميمون قائد حمل قضايا وطنه على عاتقه وعاهد شعبه منذ اليوم الأول من يبقى مخلصا لقضاياه. لقد مزج بين عراقة الماضي التي تتمته به سلطنة عمان ورؤيته للمستقبل مستندا إلى إرادة صلبة وإيمان عميق بوطنه. ومرة أخرى لم تكن رؤيته مخطط اقتصادي بل حلم جماعي يسعى إلى تحقيق نهضة شاملة ومستدامة، يشارك فيها كل مواطن من أجل عُمان التي نحلم بها جميعا.
إنه "البطل" الذي تحدث عنه كارليل، قائد صادق مع نفسه ومع الآخرين، وقادر على مواجهة الحقائق ولديه عمق في فهم العالم وقدرة على رؤية الحقيقة ويملك القوة على اتخاذ القرارات المصيرية ومستعد للوقوف مع الحق مهما كانت التحديات.
* عاصم الشيدي رئيس تحرير جريدة عمان
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: جلالة السلطان المعظم سلطنة عمان فی العالم حفظه الله فی لحظة رؤیة ع لم تکن
إقرأ أيضاً:
رؤية “الشهيد القائد” لـ “حزب الله” وقيادته وكوادره: سادة المجاهدين وأشجعُ المؤمنين
يمانيون../
حظي حزبُ الله اللبناني وأمينُه العام الشهيدُ حسن نصر الله باهتمامٍ كبيرٍ لدى الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي، مُحْيي المشروعَ القرآني، والذي كان يكرّر الحديث عن نصر الله وحزبه وجهاده ودوره وصدقه وإخلاصه وقيادته وولائه في أكثر من درس وَمحاضرة.
اتخذ الشهيد القائد في معظم محاضراته، حزب الله والشهيد حسن نصر الله، قُدوة في الجهاد والمقاومة، ضد العدوّ الإسرائيلي والأمريكي، وكان كثير الاستشهاد بأداء حزب الله، وقيادته وكوادره المخلصة والمؤمنة ووصفهم بـ”سادة المجاهدين في هذا العصر”، ولعل أبرز المواضع التي تشير إلى حزب الله، في محاضراته كانت في مجال تقديم الشواهد على مصداقية القرآن الكريم، في وعوده بالنصر لأولياء الله وتثبيتهم، مهما كانت إمْكَانيات أعدائهم، بشرط التحَرّك من منطلقات التوجيهات الإلهية والالتزام بالإرشادات القرآنية، والثقة بالوعود، والتسليم في السراء والضراء.
شواهدُ على مصداقية القرآن الكريم:
وفي هذا السياق يقول –رضوان الله عليه-: “من المهم جِـدًّا أن يتابع الناس عن طريق الفيديوهات العمليات الجهادية التي ينفذها حزب الله، وتجد فيها الآيات، وليس فقط مشاهد عسكرية، تجد فيها مصاديق للقرآن الكريم، مصداقًا للقرآن الكريم، تأييدًا للقرآن الكريم، أما اليهود ﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ فلا يوجد ما يجعلهم ينتصرون عليك، ولا أحد من حولهم يجعلهم ينتصرون عليك، ولا حبل من الله يبقى، ولا حبل من الناس، كُـلّ شيء يصبح متخليًا عنهم، فلا يُنصرون فعلًا”.
حرص الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي، من خلال محاضراته المختلفة على إعادة الأُمَّــة إلى مناهلها ومنابع عزتها وقوتها ممثلة بالقرآن الكريم وشواهده المبثوثة في خلق الله، والأحداث التي تمر أمامنا في كُـلّ زمان ومكان، مُشيرًا إلى أن ما تقوم به المقاومة الإسلامية في حزب الله هو من “الشواهد الحيّة على مصداقية القرآن الكريم بأن من اعتصم بالله فَــإنَّه يعتصم بمهيمن عزيز جبار متكبر”، مضيفًا: “ألم يشاهدوا حزب الله كيف يضرب “إسرائيل” هذه التي يحاولون أن نصمت عنها؟ يضربها وهو لا يبالي، ويتحداها من عند رأسها وهو لا يبالي، يمطر معسكرات إسرائيل بالقذائف”.
ويواصل حديثه متسائلًا: “ألم يكن حزب الله كمثل لكل الطوائف، ولكل المجتمعات؟ حزب الله ألم يقهر أمريكا وإسرائيل؟ أخرج أمريكا من لبنان، ضرب بارجاتها وجعلها تنسحب ذليلة ببارجاتها التي كانت تضرب بقذائف كبيرة جِـدًّا، أخرجهم من لبنان، ثم أخرج “إسرائيل” من لبنان، ويضربهم بمختلف الأسلحة التي يمتلكها، فقهر أمريكا و”إسرائيل”، حزب واحد!”.
سادة المجاهدين:
وفي سياق حديثه عن حزب الله، يصف الشهيد القائد، الحزب ومقاومته بأنهم “سادة المجاهدين في هذا العالم، وهم من قدموا الشهداء، هم من حفظوا ماء وجه الأُمَّــة فعلًا، وما زال هؤلاء يحافظون على ماء وجوهنا”، مؤكّـدًا أنهم “تشبعوا بروح القرآن الكريم، وأعمالهم كلها جهاد، كلها وحدة، كلها أخوة، كلها إنفاق، كلها بذل”.
ويوضح الشهيد القائد “أن هؤلاء المؤمنين ليسوا كالزعماء العرب الذين يمتلكون مئات الآلاف من الجيوش المسلحة بأحدث الأسلحة، لكنهم لا يستطيعون مواجهة “إسرائيل” مثل حزب الله؛ ولهذا يتساءل الشهيد القائد: “ألا يبدو أمامنا حزب الله عزيزًا؟ هل يمتلك شيئًا مما يمتلكه الآخرون؟ لا.. من أين هذه العزة؟ هي العزة الإيمانية: ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾”.
ويؤكّـد الشهيد القائد، أن “حزب الله، مجموعة من المؤمنين.. واستطاعوا أن يحصلوا على السلام، لكن ليس بالتخاذل، ولا بالسكوت”.
وفي السياق ذاته يؤكّـد الشهيد القائد أن للسلام سبيلًا واحدًا لا مكانَ فيه للسكوت ولا اليأس: “{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جميعًا وَلا تَفَرَّقُوا}، الله بكل ذلك يهدينا إلى السلام، يهدينا إلى سبل السلام، فكل من ينشد السلام، كُـلّ من يريد السلام، كُـلّ من يعرف أن ربه هو السلام، عليه أن يتحَرّك على أَسَاس القرآن”.
نموذجية حزب الله:
وفي السياق نفسِه، يقدم الشهيد القائد حسين بدرالدين الحوثي -رضوان الله عليه- في محاضراته الشهيد السيد حسن نصر الله، نموذجًا يحمل الروحية الإيمَـانية والثقافة القرآنية، وقائدًا مهمًّا وقويًّا تحتاجُه الأُمَّــة؛ حَيثُ يقول رضوان الله عليه: “يأتي في هذا الزمن مثلًا كالسيد حسن نصر الله، كحزب الله مثلًا ونصر الله؛ باعتبَاره شخصًا مهمًّا ورجلًا قويًّا ولديه حنكة قيادية عالية”.
وبكل أسى يتساءل الشهيد القائد: “هل تسمع وسائل الإعلام العربية تتحدث عن حزب الله؟ أَو تسمع وسائل الإعلام العربية تتحدث، أَو تعرض كلام نصر الله؟! يهربون من الرجل القوي، بينما أُولئك اليهود يبحثون عن الرجل القوي، كيف النتيجة الطبيعية لهذا؟ هو أن يكون هؤلاء ضعافًا بضعف زعمائهم، ضعافًا بضعف نفوسهم، ضعافًا؛ لأَنَّهم لا يحملون أي اهتمام بشيء”.
ولأن الشهيد السيد حسن نصر الله، كان مليءَ الثقة بالله ودلت على ذلك مواقفه التي كانت نابعة عن شجاعة مستمدة من الله سبحانه وتعالى، فقد قدم الشهيد القائد في محاضراته، نصر الله كمثال للأشخاص الذي يثقون بالله من منطلق ثقتهم بالقرآن، حَيثُ يقول: الأشخاص الذين يثقون بالله يتكلمون بملءِ أفواههم بكل تحدٍّ لـ “إسرائيل” عند رأسها، حسن نصر الله، وأمثاله، بكل صراحة، وبكل قوة، من منطلق ثقته بصدق القرآن، أن هؤلاء -اليهود- أجبن من أن يقفوا في ميدان القتال صامدين، وجرَّبوهم فعلًا، جرَّبوهم في جنوب لبنان، كيف كانوا جبناء، يهربون، جندي واحد يرد قافلة، ورتلًا من الدبابات، الشاحنات العسكرية، أرعبوهم حتى أصبح اليهود متى ما خرج اليهودي من جنوب لبنان إلى داخل فلسطين يبكي من الفرح، ويقبِّل أسرتَه، خرج من بين غِمار الموت.
وكون الشهيد السيد نصر الله نموذجًا للقيادة المُلهَمة من سيرة أهل البيت التي لا يمكن أن يتحقّق أي نصر للأُمَّـة على أعدائها إلا تحت قيادتهم ورايتهم؛ يقول – رضوان الله عليه – في محاضرة يوم القدس العالمي: رأينا قائدًا من أبناء رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) حسن نصر الله، كيف أربك “إسرائيل”، وكيف قناة واحدة أربكت إعلامَ “إسرائيل”، وشَوَّشْت حتى على اليهود داخل “إسرائيل”، فعلًا لن يُهزم اليهود إلا تحت قيادة أهل بيت رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله)، تحت قيادة من ينهجون نهج علي، تحت قيادة من يوالون عليًّا (صلوات الله عليه)”.
المؤمنون الصادقون:
ووفقَ الشهيد القائد – رضوان الله عليه – فَــإنَّ موقف الشهيد السيد حسن نصر الله في كُـلّ جولة حرب مع العدوّ، كان موقف المؤمنين الصادقين، حَيثُ يقول: “انطلق أمين عام حزب الله بكلماته القوية يتحدى أمريكا، ويتحدى “إسرائيل”، ويشد من معنويات اللبنانيين، ويقول بعبارة: إن كُـلّ ذلك لا يرعب ولا طفلًا واحدًا في حزب الله، أليس هذا هو موقف الرجال، هو موقف المؤمنين؟ أم أُولئك الزعماء الذين يمتلكون أضعافَ ما يمتلكه حزب الله من المعدات، ويهيمنون على ملايين البشر، فيطأطئون رؤوسهم للأمريكيين، الذين يرسلون بطفل أمريكي، ولو بفرَّاش أمريكي فيطأطئ من يحكم ملايين البشر رأسه، ويعدهم بأنه مستعد أن يجند نفسه لخدمتهم، أما أُولئك الأبطال الذين آمنوا بقول الله تعالى -بعد أن يهيئوا أنفسهم ليكونوا بمستوى المواجهة في إيمانهم، في إعداد ما يستطيعون من قوة- صدَّقوا بقول الله تعالى: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}”.
هكذا قدَّم الشهيدُ القائد نموذجيةَ حزب الله وقيادته، وكوادره، حَيثُ كان يستثيرُ بها هممًا كانت خفتت، ويوقظ بها عزائمَ كانت انهارت، ويقوّي بها نفوسًا كانت قد ضَعُفت، مبينًا أن الأعداء وأدواتهم في بلداننا العربية كانوا يحاولون تغييب نموذجية حزب الله عن الوعي الجمعي لشعوبنا، فلا تكاد تجد شيئًا عنها في وسائل الإعلام العربية، بينما حقها أن تظل حاضرة بقوة، بما تمثله من مُثُلٍ أعلى، وأسوةٍ للأفراد والجماعات والأحزاب.
المسيرة: عباس القاعدي