يكون مخطئا كل من يعتقد أن رئيس حكومة الحرب بنيامين نتنياهو سيقبل بوقف الحرب، التي كان يخطّط لها منذ العام 2006، والتي أتت ظروفها عن طريق "حرب الاسناد" لتقدّم له على طبق من فضة ما يحتاج إليه من حجج لتنفيذ ما لم يستطع تحقيقه في حرب تموز. فهو عندما أعطى الأمر من نيويورك بتوجيه الضربة القاضية على المقر الرئيسي لـ "حزب الله" في حارة حريك، والتي أسفرت عن استشهاد أمينه العام السيد حسن نصرالله كان يهدف إلى تقويض كل مسعى لفرض هدنة الـ 21 يومًا تمهيدًا لوقف نهائي للنار.

يومها وافق لبنان على المقترح الأميركي والفرنسي من دون أي شروط، ولكنه طالب بضمانات دولية لرعاية الحلّ المتفق عليه. ولكن نتنياهو لم يتأخرّ كثيرًا لينسف كل الجسور التي يمكن أن توصل الساعين إلى الاستقرار في المنطقة عبر تهدئة الجبهة اللبنانية عندما تحدّى الإرادة الدولية واستمرّ في حربيه في غزة وفي لبنان.

فنتنياهو الذي التقى الموفد الأميركي آموس هوكشتاين أصرّ على شرطيه بالنسبة إلى حرية حركته الجوية عندما يرى أن أمنه الشمالي مهدّد، وكذلك بالنسبة إلى شكل لجنة مراقبة تنفيذ أي اتفاق يمكن التوصل إليه عبر الوساطة الأميركية بين لبنان وإسرائيل يكون شبيهًا بالاتفاق البحري. وهذان الشرطان سبق للبنان عبر الرئيس نبيه بري الذي يفاوض باسمه وباسم "حزب الله" أن رفضهما جملة وتفصيلًا. ولكن هذا الواقع لن يثني الإدارة الأميركية الحالية، بموافقة ضمنية من الرئيس المنتخب دونالد ترامب، عن مواصلة مساعيها توصلًا إلى تسوية مقبولة من طرفي النزاع. إلا أن واشنطن تعترف بأنه دون الوصول إلى نتيجة مضمونة عقبات كثيرة ومن بينها وأهمّها أن تل أبيب ترفض أي تسوية لا تأخذ في الاعتبار هاجس أمن المستوطنات الشمالية، يقابلها هاجس لبناني آخر لجهة تعرّض كل مناطقه الجنوبية والبقاعية وفي الضاحية الجنوبية لبيروت لاعتداءات هستيرية متواصلة.

وفي اعتقاد الذين يتواصلون مع هوكشتاين أن المفاوضات التي بدأها في كل من بيروت وتل أبيب على أساس ما ورد في الورقة الأميركية، والتي تعتمد في الأساس على مندرجات القرار 1701 مع بعض الإضافات التجميلية لا يمكن توقّع تذليل ما يعترضها من شروط وشروط مضادة بين ليلة وضحاها، بل يتطلب الأمر القليل من الصبر والإصرار على مواصلة التفاوض من خلال استثمار ما يمكن اعتباره أرضية مشتركة من التوافق الضمني للانطلاق منها كأساس مقبول من الجميع نحو تذليل نقاط الخلاف وتضييق رقعة الخلاف. وهذه المهمة، باعتراف هوكشتاين نفسه، ليست سهلة، بل تتطلب عملًا متواصلًا ومضنيًا.

وإلى أن يحل مكانه رجل الأعمال الأميركي ستيف ويتكوف، الذي سيعينه ترامب كموفد رئاسي إلى المنطقة سيواصل هوكشتاين ما بدأ به، وهو الذي تربطه باللبنانيين كما بالإسرائيليين علاقات تتعدّى إطار مهمته الديبلوماسية. ولكن هذه المثابرة تفرض أن يلاقيها طرفا النزاع بتقديم بعض التنازلات، إذ لا يمكن التوصّل إلى أي تسوية ما لم يبدِ الجميع، وبالأخصّ في الجانب الإسرائيلي، الاستعداد الكافي للتنازل عمّا يعتبره أولوية، وهي تأمين الاستقرار للمستوطنات الشمالية.

أمّا الجانب اللبناني فقد أبدى ليونة ظاهرة كمقدمة لتسوية يجب أن تأخذ في الاعتبار الإطار العام للسيادة الوطنية، أي بمعنى أن إطلاق يد إسرائيل في لبنان بالشكل الذي تطالب به لا يمكن لعاقل أن يقبل به مهما كانت الظروف، ومهما اشتدّ الضغط الميداني. وهذا ما بدا واضحًا في كلام الأمين العام لـ "حزب الله" الشيخ نعيم قاسم في كلمته الأخيرة حين أشار إلى أن نَفَس "المقاومة" طويل، وهي على استعداد لمواصلة القتال إلى قيام الساعة.

وعلى رغم هذه الأجواء الملبدة فإن الرئيس بري، وعلى غير عادته، بدا مرتاحًا لما وصل إليه معلومات من واشنطن عن جدّية قرب التوصّل إلى اتفاق وشيك، مع ميله الشديد إلى أن الحذر واجب حتى "يصير الفول بالمكيول".
  المصدر: خاص لبنان24

المصدر: لبنان ٢٤

إقرأ أيضاً:

ليس المهم كيف تنشر.. ولكن كيف تكتب؟!

 

 

د. أحمد بن علي العمري

 

لقد أصبحت الكتابة مُيسَّرة ومتاحة للجميع وكذلك تسهلت عمليات النشر؛ فالكل يكتب والكل ينشر، والآخرون يصورون فيديوهات ويحكون سيناريوهات، وهناك من يكتب المقال وهناك من يكتب حتى الكتاب ومن يُبدي رأيه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، هذا إضافة لمن يحاضر ويقيم المؤتمرات والندوات عبر العالم سواء كان ذلك حضوريًا أو عبر الاتصال الإلكتروني، ويكاد أن يتساوى المُلقون والمُتلقِّين؛ فالجميع يشارك كلا حسب مستواه ومقدرته وإمكانياته المتعلم وغير المتعلم والكبير والصغير والذكر والأنثى.

وقد بلغ السيل الزبى عند بعض الكتاب دون التحقق من المفيد والغث والسمين والهزيل والجيد والضعيف، وكل له متابعيه ومحبيه ومعجبيه وحتى المدافعين عنه.

لكن ماذا عن الفكرة والمضمون والمحتوى وهذا هو الجوهر ولب الموضوع وبيت القصيد؛ فجودة الكتابة أهم بكثير من نشرها؛ حيث إنَّ المحتوى الأساسي كالفكرة والأسلوب والعمق هو المرتكز بينما الشكل كالتوزيع والمنصات والتسويق تبقى أمورًا ثانوية.

ومن الضروري التأكيد على الأولوية؛ إذ إن الكتابة القوية هي العمود الفقري لأي عمل أدبي أو فكري وبدونها يفتقد الموضوع تأثيره بغض النظر عن قنوات النشر.

وفي هذا العصر الرقمي أو ما يسمى بعصر الذكاء الاصطناعي، يمكن لاستراتيجيات النشر توسيع وتسريع الوصول لكنها لا تعوض عن ضعف المحتوى، ومثال على ذلك منشورات التواصل الاجتماعي الفيروسية التي تفتقر إلى العمق تختفي بسرعة من كل منصة؛ سواءً كانت كتباً أو مدونات أو مقالات أو حتى تغريدات تتطلب أسلوبًا مختلفًا لكن الجوهر يجب أن يبقى أصيلا وقويًا.

في السياق العربي؛ حيث البلاغة والأدب لهما مكانة عالية، ويتضح التركيز على جودة الكتابة أكثر إلحاحًا لأن الكتابة القوية تحترم القارئ وتترك أثرا طويل الأمد.

مثال على ذلك "ألف ليلة وليلة" بقيت آثارها إلى يومنا هذا، رغم تغير طرق النشر عبر القرون. وفي عصرنا هذا كتاب ناجحون على المنصات مثل مدونة أو (Medium) يعتمدون عمق الأفكار أكثر من الترويج، وعليه فإن النتيجة الحتمية والمؤكدة تقول: المحتوى أولًا ثم النشر.

ولهذا فإنني أوصي نفسي وأوصي الجميع أن نستثمر الوقت في تطوير الحرفة الأدبية وأن نستخدم أدوات النشر كوسيلة لا كغاية؛ لأن الكتابة الحقة هي الأساس الذي تبنى عليه جميع أشكال النشر مهما تطورت المنصات.

إن التأثير الحقيقي يظل نابعًا من قدرة الكلمات على لمس العقل والقلب معًا والنشر الذكي يوسع دائرة الوصول لكنه لا يخلق المعنى من العدم. لهذا اجعل دائمًا قلمك صادقًا وسوف تجد طريقك إلى القارئ، حتى لو بدأت من زاوية صغيرة في هذا العالم المترامي الأطراف.

وفي كل الأحوال يجب المراعاة والتقيد والالتزام بالخطوط الحمر أكانت دينية أو وطنية أو اجتماعية.

ولكل ما سبق نؤكد أنه: ليس المهم كيف تنشر؛ بل المهم كيف تكتب؟

حفظ الله عُمان وسلطانها وشعبها. وكل عام والجميع بألف خيرٍ ومسرة.

رابط مختصر

مقالات مشابهة

  • قبيل زيارته إلى فرنسا... الرئيس اللبناني يؤكد أن التطبيع مع إسرائيل "ليس مطروحا الآن"
  • "دون تسوية في أوكرانيا".. ألمانيا ترفض رفع العقوبات عن روسيا
  • وزير المالية عن تعيين حاكم جديد لمصرف لبنان: سنرى ما الذي سيحصل في الجلسة
  • الحرارة ستصل إلى 30.. لبنان في ذروة الموجة الدافئة ولكن الأمطار عائدة قريباً هذا ما كشفه الأب خنيصر
  • وزير العمل يُسلم عاملتين 64 ألف جنيه بعد تسوية ودية مع إحدى الشركات
  • جلسة لجنة المال تبحث في تسوية معاشات التقاعد وتعويضات نهاية الخدمة
  • واشنطن تضغط على بيروت لإبرام اتفاق مع تل أبيب
  • ضغط أميركي لإبرام اتفاق مع تل أبيب: أكبر من هدنة وأقل من تطبيع
  • بعد اللغط الذي حدث أثناء زيارة رئيس الجمهورية.. توضيح من نقيب الأطباء البيطريين
  • ليس المهم كيف تنشر.. ولكن كيف تكتب؟!