صدى البلد:
2025-02-28@22:34:17 GMT

ما حكم من لم يستطع الوفاء بالنذر؟ ..الإفتاء تجيب

تاريخ النشر: 24th, November 2024 GMT

ما حكم من لم يستطع الوفاء بالنذر لعدم القدرة .. ورد سؤال لدار الإفتاء تقول صاحبته “ ما حكم من لم يستطع الوفاء بالنذر لعدم القدرة ”.

أكد الشيخ محمد عبد السميع، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، أن الإنسان عليه أن يوفى بما نذره فإن لم يستطيع فعليه أن يخرج كفارة يمين.

أوضح الشيخ محمد عبد السميع، فى إجابته عن سؤال « ما حكم من لم يستطع الوفاء بالنذر لعدم القدرة » عبر البث المباشر لدار الإفتاء المصرية على موقع الفيس بوك أنه يجب على الإنسان أن يوفى بنذره فإن لم يستطع وعجز فعليه أن يخرج كفارة يمين كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (كفارة النذر كفارة يمين) فكيفى الإنسان إذا ما نذر وعجز ان يطعم عشرة مساكين.

وأشار الى أن دار الإفتاء حددت أقل مبلغ للوفاء بالنذر هو مائة جنيه فإن لم يستطع الفرد فصيام ثلاثة أيام .

ونوه إلى إن الوفاء بالنذر واجب على كل مسلم تعهد بعمل شيء لوجه الله طالما كان مستطيعا لقوله تعالى " يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا"

كفارة عدم الوفاء بالنذر

قال الشيخ محمود شلبي، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، إن النذر هو شيء يوجبه الإنسان على نفسه عند حصول منفعة أو درء مفسدة، فالإنسان يكلف نفسه به ولم يوجبه الله عليه.

وأضاف الشيخ محمود شلبي، فى إجابته عن سؤال ( نذرت نذرًا ولا أستطيع الوفاء به فماذا أفعل؟)، أن الإنسان إذا نذر شيئًا لله فلابد عليه أن يوفي ما أوجبه على نفسه، فيكون أوجب هذا الأمر بهذه العبادة فلو ضاقت بالإنسان ولم يستطيع بعد ان ألزم نفسه باداء قربه معينة أو عبادة معينة ففتح لنا الشرع الشريف أفاق التيسير والتخفيف وعند هذه المشقة والتعسر بالإنفاذ عن القيام بما أوجبه على نفسه من العبادة يأتى التيسير.

أوضح الشيخ محمود شلبي، أنه من لم يستطيع أن يفى بنذره فعليه أن يخرج كفارة اى إطعام 10 مساكين أو ما فى قيمتهم، وإن لم يستطيع أن يخرج مال أو أن يطعم والحالة غير متيسرة فعليه أن يصوم 3 أيام بنية الكفارة وبهذا يكون انتهى النذر.

حكم الوفاء بالنذر على دفعات

ورد إلى لجنة الفتوى بمجمع البحوث الإسلامية سؤال عبر صفحته الرسمية يقول صاحبه: " ما حكم الوفاء بالنذر على دفعات نظرا لعدم استطاعتي الوفاء به على مرة واحدة ؟

ردت لجنة الفتوى بمجمع البحوث الإسلامية: لا حرج على الناذر أن يوفى بنذره مقسطًا ؛ لأن المطلوب الوفاء متى استطاع لذلك سبيلًا عملا بقوله تعالى " يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا ".. وقوله- صلى الله عليه وسلم-: " من نذر أن يطع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصيه " ، والواجبات تؤدي على قدر الاستطاعة قال تعالى " فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ " وقال صلى الله عليه وسلم "إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم"؟.

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: كفارة عدم الوفاء بالنذر النذر الله علیه لم یستطیع علیه أن أن یخرج

إقرأ أيضاً:

(نص + فيديو) كلمة السيد القائد في استقبال رمضان 1446هـ

حَيَّاكُمُ الله وَأَهْلاً وَسَهْلاً وَمَرحَباً.

أُرَحِبُ بِكُم جَمِيعاً، كُلَّ الحَاضِرِين، بَارَكَ اللهُ فِيْكُم وَوَفَّقَنَا وَإِيَّاكُمْ.

أَعُـوْذُ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيْمِ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ المُبين، وَأشهَدُ أنَّ سَيِّدَنا مُحَمَّداً عَبدُهُ ورَسُوْلُهُ خَاتَمُ النَّبِيِّين.

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّد، وَبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّد، كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارضَ اللَّهُمَّ بِرِضَاكَ عَنْ أَصْحَابِهِ الْأَخْيَارِ المُنتَجَبين، وَعَنْ جَمِيعِ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وَالمُجَاهِدِين.

أيُّهَا الإِخْوَةُ الأَعِزَّاء:

السَّـلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ؛؛؛

جرت العادة أن نتحدَّث في آخر جمعةٍ من شهر شعبان، على مدى السنوات الماضية؛ للفت النظر إلى شهر رمضان المبارك، والتهيئة من أجل الاستعداد الذهني والنفسي، للإقبال على شهر رمضان المبارك، بما ينبغي من الاهتمام، وعدم التأثر بالحالة الروتينية الاعتيادية، التي تجعل الإنسان لا يستشعر الأهمية الكبيرة والفرصة العظيمة للشهر المبارك.

ورأينا أهمية ذلك بالنظر إلى ما كان يقوم به رسول الله "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم"، وهو الأسوة والقدوة، ففيما رُوِي عنه، وما نُقِل لنا عنه، وما صح لنا عنه، كان يلفت النظر ما قبل شهر رمضان إلى العناية بشهر رمضان، إلى كيفية استقباله، إلى كيفية اغتنامه، إلى الحث على الاستفادة منه كفرصةٍ عظيمة، وعادةً ما يلفت النظر من شهر رجب إلى شهر شعبان، وتكون الجمعة الأخيرة من شهر شعبان- بنفسها- محطة مهمة؛ ولـذلك نُقِلت عنه عدد من الكلمات والخُطَب، التي كان يلفت النظر فيها بشكلٍ أساسي إلى شهر رمضان، والاستعداد الذهني والنفسي له، ثم في أول ليلةٍ من ليالي شهر رمضان له مقاماته وكلماته، كذلك في أول العشر الأواخر من شهر رمضان يلفت النظر إلى عظمة الفرصة، والمنحة الإلهية للشهر الكريم، وما فيه من البركات ومضاعفة الأجر، وما له من نتائج مهمة، إن أحسن الإنسان الاستفادة منه، ومن عطاء الله فيه.

وهذه فعلاً مسألةٌ مهمة، يدركها الإنسان مع نفسه، وأن هناك فارقاً كبيراً: ما بين أن يدخل الإنسان في شهر رمضان بشكلٍ اعتياديٍ روتيني، وبغير اهتمامٍ مسبق، ولا استعدادٍ ذهنيٍ ولا نفسي، وما بين أن يدخل وهو في حالة استعداد ذهني ونفسي، ولديه اهتمامات، هي الاهتمامات التي لفت القرآن الكريم نظرنا إليها، وأكَّد عليها رسول الله "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ"، ولدى الإنسان كذلك أولويات، ولديه تركيز على أن يستثمر هذه الفرصة بأقصى ما يمكن، مع الاستعانة بالله تعالى، والدعاء والالتجاء إلى الله "جَلَّ شَأنُهُ"؛ ليوفقه لذلك، الإنسان بحاجة إلى معونة الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".

هذه الجمعة هي الجمعة الأخيرة من شهر شعبان، وهي أيضاً- كما يظهر- اليوم الأخير من شهر شعبان، ولذلك بداية شهر رمضان المبارك هو من الغد، من يوم السبت إن شاء الله، ولـذلك ليس هناك فجوة ما بين يوم الجمعة إلى بداية شهر رمضان، يعني: شهر رمضان هو على الأبواب، فالاستعداد الذهني والنفسي، ولفت النظر، هو في إطار أننا مع أننا في آخر جمعةٍ من شهر شعبان، هي أيضاً اليوم الأخير من شهر شعبان، وهي أيضاً محطة مباشرة للانتقال منها بشكلٍ مباشر إلى شهر رمضان المبارك.

ولذلك بهذه المناسبة، بما أنها اليوم الأخير من شهر شعبان، وأننا قادمون على شهر رمضان المبارك، فنحن نتقدم بأطيب التهاني والمباركة لأُمَّتنا الإسلامية كافَّة، ولشعبنا اليمني المسلم العزيز، ولإخوتنا المجاهدين المرابطين في الجبهات، وأيضًا لكل الذين هم في إطار المهام الجهادية من القوات المسلحة والأمن، في أداء مسؤولياتهم الإيمانية، وكل الإخوة الذين هم في موقع المسؤوليات التي هي لخدمة عباد الله، أو عمل في سبيل الله تعالى، ونتوجه إليكم أيضاً أيها الحضور الكرام- كذلك- بأطيب التهاني والتبريكات، وأيضاً لكل الأقارب والأرحام والأصدقاء، ولكل المحبين الأعزاء دفعة واحدة، تهاني دفعة واحدة للجميع.

لشهر رمضان المبارك من حيث النظرة الإجمالية في أوساط المسلمين أهمية لدى الجميع، الكل يدركون، أو يقرون بأهميته وعظيم فضله، وأيضاً بأن صيامه فريضةٌ من أهم فرائض الله، من الفرائض الكبرى، بل وركنٌ من أركان الإسلام، فمن حيث النظرة إلى شهر رمضان في أوساط المسلمين عامة، هي نظرة تعظيم وإجلال، واعتراف، اعتراف بفضله، اعتراف بأهميته، واعتراف بأنه موسمٌ مهمٌ للعبادة، والتقرب إلى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وفعل الخير، والإحسان... وغير ذلك من القربات؛ ولـذلك عادةً يوفر الناس الكثير من المصاحف، والكثير من المسابح، السُبحات التي تتوفر في الأسواق، وغير ذلك، فالجو العام هو جو مميز في العالم الإسلامي بشكلٍ عام، وشعبنا اليمني هو من أكثر الشعوب اهتماماً بشهر رمضان، وتعظيماً لشهر رمضان، وإقبالاً فيه على الطاعات، والأعمال الصالحة، والقربات المتنوعة، التي يتقرب بها الإنسان إلى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".

بالرغم من ذلك، مع هذه النظرة الايجابية من الجميع، في الوسط الإسلامي بشكلٍ عام، لكن لا يزال هناك فجوة ما بين النظرة، وما بين الاهتمام والاستثمار العملي، تتفاوت هذه الحالة من شعبٍ إلى آخر، وتتفاوت داخل الشعوب نفسها، البعض لديه حرص على الاهتمام بشهر رمضان المبارك، ولو في اتِّجاهات معينة، على مستوى الجانب الروحي: الاهتمام بتلاوة القرآن، أو جوانب معينة، فهناك فيما يتعلق بهذا الجانب: ما بين النظرة، والاعتراف بعظيم الفضل وأهمية الفرصة، وما بين التوجه لاستثمار هذه الفرصة كما ينبغي، لا يزال هناك تقصير كبير، ولا يزال هناك أهمية كبيرة للدفع، دفع الإنسان لنفسه، والدفع بالاتِّجاه العام بالنصح، والتذكير، والموعظة الحسنة... وغير ذلك، إلى الاستثمار لهذه الفرصة، ولاسيَّما أن الحرب الشيطانية المفسدة ضد هذه الأُمَّة، هي تهدف إلى:

إبعادها عن الاستفادة من مثل هذه الفرص العظيمة، والشعائر الإسلامية الكبرى، والفرائض الكبرى. أو السعي لتفريغها من محتواها المفيد والمؤثِّر، لتبقى طقوساً شكلية لا تستثمر في جوهرها، في لُبِّها، ولا في غاياتها والأهداف منها.

نحن كأُمَّةٍ إسلامية، والإنسان على المستوى الشخصي، بحاجة إلى أن يشعر هو بحاجته إلى اغتنام هذه الفرصة، من خلال ترسيخ النظرة لها من جهة، والتحرُّك للاستثمار من جهة أخرى.

أُمَّتُنا بشكلٍ عام فيما تمرُّ به في هذه المرحلة من تاريخها، من تحديات كبرى، ومخاطر كبرى، وتحتاج إلى ما يفيدها، وإلى ما يساعدها، وإلى ما يوفِّر الوقاية لها تجاه هذه المخاطر، وتجاه هذه التحديات الكبيرة، والأخطار الكبيرة، والمؤامرات الكبيرة، والاستهداف من أعدائها، وفي مقدمتهم أمريكا وإسرائيل، مخاطر تُهدد أمتنا في دينها ودنياها، والأُمَّة في مقدمة ما تحتاج إليه تجاه هذه المخاطر، وهذه التحديات، في هجمة الأعداء في عدوانهم وحربهم الشاملة، حرب صُلبة، استهداف عسكري، واستهداف أيضاً بالحرب الشيطانية المفسدة، التي يطلق عليها الحرب الناعمة، التي خلاصتها: السعي لإضلال هذه الأُمَّة فكرياً وثقافيًا، وفي رؤيتها، وتوجهاتها، وثقافتها، وكذلك الإفساد على مستوى القيم، على مستوى الأخلاق، على مستوى الولاءات، على مستوى التوجهات... وغير ذلك، الأُمَّة تحتاج لما يساعدها لمواجهة هذه الهجمة، وفي مقدمة المتطلبات الأساسية، إلى:

القوة المعنوية، القوة المعنوية هي في مقدمة المتطلبات التي تؤهِّل الأُمَّة، وترتقي بها، لتكون في مستوى مواجهة هذه الهجمة الخطيرة عليها جداً في الدين والدنيا، القوة المعنوية: قوة الإرادة، قوة العزم، الصبر والتجلد، والطاقة الإيمانية، والصلة الوثيقة بالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، التي تحظى من خلالها بمدده، ومعونته، ونصره، وتأييده. وتحتاج إلى الرشد، إلى الوعي، إلى البصيرة، إلى الحكمة، إلى الفهم الصحيح، إلى الرؤية السليمة.

هذا في مقدمة المتطلبات الأساسية التي تحتاجها الأُمَّة قبل أي شيءٍ آخر، قبل المتطلبات المادية، المتطلبات المادية متوفرة لدى الأُمَّة، ولم تُغنِ عنها شيئاً، ولم تستفد منها بشيء، مع ضياع هذه المتطلبات الأولى والأساسية والمهمة، التي معها يكون لكل شيءٍ فاعليته وتأثيره، فالأُمَّة بحاجةٍ إلى ذلك؛ لتتحرك عملياً باتِّجاهٍ صحيح، بما يحقق لها الوقاية من شرِّ أعدائها، والوقاية أيضاً من العواقب الخطيرة جداً، الناتجة عن تفريطها وتقصيرها في مسؤولياتها، وعدم التزامها بتعليمات الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".

العطاء المبارك لشهر رمضان هو يفيد الأُمَّة في هذه المتطلبات الأساسية: في الجانب التربوي، في الطاقة الإيمانية، في القوة المعنوية، في قوة العزم، والإرادة، والصبر، والارتقاء اللازم في هذا الجانب المهم جداً، وكذلك فيما يتعلق بالرشد، والبصيرة، وزكاء النفوس، والصلة الوثيقة بالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، بما يساعد الأُمَّة لتتحرك عملياً للنهوض بمسؤولياتها العظيمة والمقدسة، التي توفر لها الوقاية من شرِّ أعدائها، ومن مخاطر التفريط والمعاصي فيما أمرها الله به "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"؛ لـذلك ينبغي أن يُشَكِّل كل ذلك حافزاً كبيراً، ودافعاً مهماً، فالمسألة مهمة، المسألة هي حاجة، وهي ضرورة، الأُمَّة في وضع خطير عليها، هذا على المستوى العام، والمستوى الجماعي، ومن جانبٍ مهم.

أيضاً الإنسان فيما يتعلق بمسيرة حياته، وهو يتَّجه في هذه الحياة نحو أجله، الإنسان يرحل من هذه الدنيا، وبعد هذه الدنيا آخرة، الإنسان بحاجة إلى أن يستقيم في هذه الحياة، بحاجة- مع انتمائنا للإسلام، وإقرارنا باليوم الآخر، وبالحساب والجزاء- بحاجة إلى أن نتَّجه الاتَّجاه الذي فيه نجاتنا، بحاجة إلى الله، وما يقربنا من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، بحاجة إلى أن نتزكى لتزكو نفوسنا، وأن نحمل الرشد والبصيرة والوعي، ونهتدي بهدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، ونستنير بنوره؛ لنسير في هذه الحياة بشكلٍ صحيح على الصراط المستقيم، في ما يوصلنا إلى الغايات والنتائج الكبرى؛ أمَّا الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" فهو غنيٌّ، غنيٌّ عن أعمالنا، عن صيامنا، عن كل ما نقدمه من الأعمال الصالحة.

الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" برحمته، وبفضله، وبكرمه، يهيئ لنا نحن عباده الفرص العظيمة، التي لها أهمية كبيرة من جوانب متعددة:

أهمية في أنفسنا، كيف نزكو، كيف نسمو، كيف نصلح. أهمية في ارتقاء وعيينا وبصيرتنا: كيف نكون أكثر رشداً ووعياً وفهماً وحكمةً وبصيرة.

فرصاً تساعدنا على الارتقاء الإيماني في القرب من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، فيما يزيدنا قرباً من الله بكل ما يترتب على ذلك من الخير العظيم في الدنيا والآخرة.

الفرص أيضاً فيما يتعلق بالتزود من الأعمال الصالحة، التي نحن في أمسِّ الحاجة إليها، بما يترتب عليها من الجزاء العظيم، والخير الكبير في الدنيا والآخرة.

الفرص التي تساعدنا لنكون أكثر ابتعاداً عن مزالق الهوى، ومزالق العصيان، وما يترتب عليه من الاتِّباع للشيطان، والهلاك معه والعياذ بالله.

الفرص التي لها أهمية كبيرة- كما قلنا- من جوانب متعددة:

يضاعف الله فيها الأجر. يجعلها مواسم لاستجابة الدعاء. لها أهمية في شؤون حياتنا في هذه الدنيا: تساعدنا على حل الكثير من مشاكل هذه الحياة، على تفادي الكثير من العقوبات الإلهية في هذه الحياة، على أن نحظى برعاية من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" بشكلٍ أعظم، يعني فيما نحن بحاجةٍ إليه.

هذه الفرص يهيئها الله لنا:

على مستوى اليوم والليلة، يعني: في مدار اليوم والليلة هناك أوقات معينة، مثل: أوقات الصلوات الفريضة، مثل ما هو الحال بالنسبة لوقت السحر ما قبل الفجر، كذلك فيما يتعلق بالثلث الأخير من الليل... وغير ذلك. على مستوى الأسبوع، مثلما هو الحال بالنسبة ليوم الجمعة. على مستوى الشهر. على مستوى العام.

مواسم متعددة.

من أعظم هذه المواسم، ومن أهمها، هو: موسمٍ سنوي، موسم شهر رمضان المبارك، بصيامه الذي هو- كما قلنا- من الفرائض الكبرى في دين الله، وهو ركنٌ عظيمٌ من أركان الإسلام، وبما في هذا الشهر من بركات، وخيرات، ومضاعفة الأجور، وبليلة القدر فيه، وليلة القدر أهميتها كبيرةٌ جداً: على مستوى الفضل، على مستوى مضاعفة الأجر، على مستوى استجابة الدعاء، ولها أهمية كبيرة جداً تتعلق بحياتنا؛ لأنَّها ليلة تقدير الأمور، ليلة للتدبير والتقدير من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" لشؤون حياتنا على مدى العام، فهي ليلة تمثل أهميةً كبرى لنا، إن كنا نفهم، إن كنا نعقل.

هذه الفرص، بما فيها فرصة شهر رمضان، مع ما جعل الله فيها للإنسان من منحة عظيمة:

مضاعفة كبيرة للأجور. مساعدة كبيرة على تزكية النفس، يعني: بما يساعد الإنسان على أن يحقق نقلات كبيرة، قفزات إلى الأمام في كل شيء: في الارتقاء الإيماني والأخلاقي، على مستوى زكاء النفس، في الاهتداء، في القرب من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، في المنزلة والدرجات. وعلى مستوى- كذلك- أن يفوز باستجابة من الله لأدعية مهمة، لمطالب مهمة لهذا الإنسان، وأن يتحقق لهذا الإنسان من الله رعاية واسعة.

فهي فرصة كبيرة جداً، لكن مهما كانت الفرص، مهما كانت الفرص، ومهما كان مستواها، إذا لم نُقبل نحن على هذه الفرص، إذا لم نستثمر نحن هذه الفرص، إذا لم نستفد نحن من هذه الفرص؛ نخسرها، تمرُّ هذه الفرص وقد أتيحت لنا، وهيأها الله لنا، وعرضها علينا، ودعانا إليها، ثم تذهب، وهذا- للأسف الشديد- هو حال الكثير من الناس، بالرغم من عظمة هذه الفرص وأهميتها، التي يمكن لها أن تكون فرصة يتحدد فيها مصير الانسان بكله في الدنيا والآخرة، يعني: معك فرصة في شهر رمضان المبارك:

أن تفوز فيه بأن يكتب لك الله التوفيق في بقية عمرك، والنجاة من عذابه، وأن تكون من أهل جنته، هذا في الحسابات الكبرى للإنسان المسلم، لمستقبله الأبدي، ولبقية حياته. وكذلك لديك فرصة بأن تتحقق لك مراتب إيمانية، الارتقاء لدرجات أكبر في إيمانك، تلمسها في زكاء نفسك، في صلاح نفسك. وأن تَحُلَّ لك إشكالات كبيرة؛ لأنَّ الإنسان يواجه إشكالات منبعها في داخل نفسه: مشاكل تربوية، عنده علل وآفات في نفسه، بحاجة إلى أن يُطَهِّر قلبه، أن يُزَكِّي نفسه، فتتحقق له هذه النتائج خلال شهر رمضان، كذلك على مستوى الرشد والبصيرة، على مستوى مشاكل في واقع الحياة، يمكنه أن يستثمر الفرصة لأن يستفيد منها.

الفرصة في شهر رمضان، في لفت النظر إليها، هناك نصوص كثيرة عن رسول الله "صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ"، يُعبَّر عن حجم هذه الفرصة، وعظمة هذه الفرصة، وأهمية هذه الفرصة، بـ (فتح أبواب الجنان كلها)، يعني: إلى هذه الدرجة يُعبَّر عن هذه الفرصة، الجنة تُعرض لك، تُقدَّم لك، هل تريد الجنة؟ هل تريد هذه السعادة الأبدية، هذا النعيم العظيم؟ هذا بالنسبة للآخرة، هناك أيضاً فيما يتعلق بعاجل الدنيا الكثير والكثير.

وفي الحديث عن رسول الله "صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ"، وهو يتحدث عن شهر رمضان المبارك: ((يَبْعَثُ اللهَ مُنَادِياً، يُنَادِي مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى طُلُوعِ الفَجْر كُلَّ لَيْلَة، إِلَى سَمَاءِ الدُّنِيا: يَا بَاغِيَ الخَيرِ هَلُمَّ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِر، هَلْ مِنْ دَاعٍ فَيُسٍتَجَابَ لَهُ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ يُعطَى سُؤلَه؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغفِرٍ يُغْفَرُ لَهُ؟ هَلْ مِنْ تَائِب فَيُتَاب عَلَيْهِ؟ وَلِلَّهِ عُتَقَاء عِنْدَ وَقْتِ الفِطرِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَان))، يعني: عرض كبير جداً.

ولكن هذا النداء الذي أخبرنا عنه رسول الله "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم" كل ليلة، من أول الليلة إلى آخرها، ((يَا بَاغِيَ الخَيرِ هَلُمَّ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِر))، نحن بحاجة إلى أن ننادي به أنفسنا كل ليلة في شهر رمضان، من بدايتها.

((يَا بَاغِيَ الخَيرِ هَلُمَّ))، الخير معروضٌ لك، الجنة معروضةٌ لك، المغفرة معروضةٌ لك، الرحمة معروضةٌ عليك؛ لكن أَقْبِل أنت، لا تحصل عليها بدون أن تأخذ بأسبابها العملية، دون أن تتَّجه وفق ما أتاحه الله لك من أعمال، من التزامات تتحرك على أساسها، فهذه الدعوة، وهذا النداء: ((يَا بَاغِيَ الخَيرِ هَلُمَّ))، ألا تريد الخير لنفسك؟ انهض، تحرك، لا تُضِع هذه الليالي المباركة، وتهدر هذا الوقت الثمين العظيم، الذي لا مثيل له في بقية العام.

((وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِر))، حَذِّر نفسك، أَقْصِر، لا تتَّجه لفعل الشر في أعظم وقتٍ لفعل الخير، يعني: تتعامل مع المسألة بتنكرٍ تام، واتِّجاه معاكس تماماً، معناه: أنك تجني على نفسك جنايةً كبيرة.

لـذلك علينا أن نُذَكِّر أنفسنا في كل ليلة من ليالي شهر رمضان، وننادي نحن أنفسنا: ((يا باغي الخير هلم))، وأن نُقْبِل، وننطلق، ونتحرك بنشاط، باهتمام؛ للاستفادة من هذه المحطة السنوية العظيمة، بما منح الله فيها من الفرص الكبيرة.

فيما وردنا عن رسول الله "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم" من الخطب، التي هي في الجمعة الأخيرة من شهر شعبان، وهي تُبيِّن لنا أيضاً عظمة هذه الفرصة وأهميتها، ما يجب أن نلتفت إليه بشكلٍ كبير، إحدى خُطب رسول الله "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم" في آخر جمعةٍ من شهر شعبان، قال فيها: ((أَيُّهَا النَّاس، إِنَّهُ قَدْ أَقْبَلَ إِلَيكُم شَهْرُ اللهِ بِالبَرَكَةِ، وَالرَّحْمَةِ، وَالمَغْفِرَةِ، شَهْرٌ هُوَ عِنْدَ اللهِ أَفْضَلُ الشُّهُور، وَأَيَّامُهُ أَفْضَلُ الأَيَّام، وَلَيالِيهِ أَفْضَلُ اللَيالِي، وَسَاعَاتُهُ أَفْضَلُ السَّاعَات)).

لاحظوا، ((أَقْبَلَ إِلَيكُم شَهْرُ اللهِ))، هذا تعظيمٌ له عندما سُمِّي بشهر الله، هذا من التعظيم له بما جعل الله فيه من الخير والبركات، أقبل بماذا؟

بالبركة: كيف نحصل على هذه البركة؟ بالتلهي بالأشياء الأخرى عن اغتنام هذا الشهر؟ بالغفلة؟ بتضييع الوقت؟ أو بالاتَّجاه العملي، بالالتزام العملي، بأداء ما افترض الله علينا، بالإقبال بما علينا أن نُقبل فيه في هذا الشهر الكريم، ونتحدث- إن شاء الله- في سياق الكلمة عن بعضٍ من هذه الأمور. والرحمة: الرحمة معروضةٌ عليك بشكل كبير، هي معروضةٌ على الدوام، لكن في هذا الشهر هناك فرص كبيرة، وهناك أجور مضاعفة. والمغفرة: والإنسان بحاجة إلى المغفرة، أكبر خطر على الإنسان هو الذنوب، أكبر شيء يؤثِّر على الإنسان سلباً في نفسه وحياته هو الذنوب، الإنسان بحاجة إلى المغفرة، أكبر خطر في الدنيا والآخرة على الإنسان هو الذنوب.

شهر له هذه الميزة بين كل الأوقات الأخرى، يعني: هو أعظم وقت، على المستوى الزمني مميز جداً؛ لأنَّهُ أُتيحت فيه فرص عظيمة جداً، وله فضل كبير.

((شَهْرٌ هُوَ عِنْدَ اللهِ أَفْضَلُ الشُّهُور، وَأَيَّامُهُ أَفْضَلُ الأَيَّام، وَلَيالِيهِ أَفْضَلُ اللَيالِي، وَسَاعَاتُهُ أَفْضَلُ السَّاعَات))؛ لـذلك من الخطأ الجسيم ومن الغبن، الإنسان يغبن نفسه حينما يُفرِّط في هذا الوقت الثمين، ويضيعه في الأشياء التافهة، أو في المعاصي والعياذ بالله، أو يهدره في حالة فراغ، لا يستثمر هذا الوقت الذي يحقّ استثمار كل دقيقة فيه، بحيث لا تضيع.

((هُوَ شَهْرٌ دُعِيتُم فِيهِ إِلَى ضِيافَةِ اللهِ))، بقي أن تَقبَل أنت هذه الدعوة، الله يريد أن يستضيفك في هذا الشهر، وضيافته معروضٌ عليك فيها ما هو أهم مما يُقدَّم على الموائد الأخرى للناس إذا استُضِيفوا، يعرض عليك الجنة، الأجر، الفضل... أشياء كثيرة في هذه الدنيا وفي الآخرة، لكن أَقْبِل أنت، استجب لهذه الدعوة.

((وَجُعِلتُم فِيهِ مِنْ أَهْلِ كَرَامَةِ اللهِ))، هذا عندما تقبل، الله يعرض عليك هذه الكرامة، التي ترتقي بك في المنزل الإيمانية عند الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وفي واقعك النفسي، وفي واقعك في هذه الحياة، وفي مستقبلك للآخرة؛ لكن يبقى أن تَقبَل أنت، لا تُعرِض عن هذا العرض السخي، العظيم من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".

إلى قوله: ((فَاسْأَلُوا اللهَ رَبَّكُم بِنِيَّاتٍ صَادِقَةٍ))، استثمروا هذه الفرصة بالدعاء، وفي مقدمة ما تطلبونه ابتداءً هو ماذا؟ ((فَاسْأَلُوا اللهَ رَبَّكُم بِنِيَّاتٍ صَادِقَةٍ، وَقُلُوبٍ طَاهِرَة، أَنْ يُوَفِّقَكُم لِصِيامِه وَتِلَاوَةِ كِتَابِه))، من البداية، مما يدعو به الإنسان هو هذا، في مقدمة ما تطلبه من الله: أن يوفِّقك الله لصيام شهر رمضان، لتلاوة القرآن فيه، لاغتنامه بما ينبغي اغتنامه فيه من الأعمال الصالحة والقُرَب إلى الله.

((فَإِنَّ الشَّقِيَّ مَنْ حُرِمَ غُفْرَانَ الله فِي هَذَا الشَّهْرِ العَظِيم))، فعلاً الإنسان إذا لم يحظَ خلال شهر رمضان بالحصول على المغفرة، لم يحظَ بمغفرة الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، معنى ذلك: أنَّه كان مُعرضاً، فَوَّت أعظم فرصة لكسب مغفرة الله "جَلَّ شَأنُهُ"، لم يُقبِل على الله بطلب المغفرة، والتوبة النصوح، والإقبال الصادق والجادّ إلى الله، والدعاء.

ومعنى ألَّا تحظى بالمغفرة: أنك بقيت حاملاً لوزرك، لذنوبك، التي لها تأثيرٌ خطيرٌ عليك في الدنيا، وفي مستقبلك في الآخرة، والنتيجة هي: الشقاء، معناه: أن تكون شقياً، وفعلاً الإنسان يشقى جداً يشقى بالذنوب، يشقى بها في الدنيا وفي الآخرة.

((وَاذْكُرُوْا بِجُوعِكُم وَعَطَشِكُم فِيه جُوعَ يَومِ القِيامَة وَعَطَشَهُ))؛ لأن هذا مهمٌ للإنسان، الإنسان قد يصل به الحال في غفلته إلى أن ينسى يوم القيامة، وينسى الآخرة، وينسى ما فيها: من الثواب العظيم، الذي هو رضوان الله وجنته؛ أو العقاب الشديد، الذي هو غضب الله، وسخطه، وعقابه، ونار جهنم التي توعد الله بها العصاة والمفرِّطين، وهي حالة خطيرة على الإنسان، أحياناً لا تكفي الموعظة للإنسان، مع الموعظة مثل هذا الذي يُذكِّر الإنسان في واقعه ما يُحِسُّ به حتى من الجوع والعطش.

((وَتَصَدَّقُوا عَلَى فُقَرَائِكُم وَمَسَاكِينِكُم))، أيضاً إحساسك بالجوع والعطش يذكرك بالآخرين، بجوعهم، وعطشهم، ومعاناتهم، من؟ الفقراء والمساكين، والصدقة هي من أعظم القرب إلى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".

((وَوَقِّرُوا كِبَارَكُم، وَاَرْحَمُوا صِغَارَكُم، وَصِلُوا أَرْحَامَكُم، وَاَحْفَظُوا أَلْسِنَتَكُم، وَغُضُّوا عَمَّا لَا يَحِلُّ النَّظَرُ إِلَيْهِ أَبْصَارَكُم))؛ لأن الإنسان حتى يكون مقبولاً منه العمل في شهر رمضان، لابدَّ من التزام التقوى، أن يتقي الله خلال شهر رمضان، يجتنب المحرمات، ويستفيد من هذه الفرصة العظيمة بـ:

الإحسان، بفعل الخير. حتى بمثل هذه القيم من الرحمة: التعامل مع الآخرين بالرحمة، بالتوقير للكبار، الرحمة بالصغار، الاهتمام بأمر الناس وحالهم. صلة الأرحام. حفظ اللسان من أهم ما يحتاج إليه الإنسان في شهر رمضان؛ لأن كثيراً من المعاصي تأتي من خلال اللسان، وهي خطيرة على الإنسان، ومحبطةٌ لقبول الأعمال، وهذه مسألة مهمة. أيضاً الغض للبصر عمَّا لا يحلُّ النظر إليه، في هذا الزمان هناك آفات كثيرة في هذا الجانب: القنوات الفضائية التي تعرض مواد إباحية محرمة، مواقع التواصل الاجتماعي، الإنترنت ومواقعه... وغير ذلك، حتى في الشوارع في المدن وغيرها، الإنسان يحرص على أن يغض بصره عمَّا لا يحلُّ النظر إليه.

((وَعَمَّا لَا يَحِلُّ الاِسْتِمَاعُ إِلَيْهِ أَسْمَاعَكُم))، حواس الإنسان وكل جوارحه يحفظها ويصونها من المعاصي، مما لا يحل، هناك في قائمة ما لا يحل الاستماع إليه هناك أشياء كثيرة، وتفاصيل كثيرة عادةً ما يأتي التذكير بها:

سواءً من كلام الناس: فيه الغيبة، والنميمة، والكذب، والباطل، والزور، ودعم الباطل... وأشياء كثيرة. أو من الأشياء الأخرى، مثل: الأغاني المحرمة... وغير ذلك.

((وَتَحَنَّنُوا عَلَى أَيْتَامِ النَّاس، يُتَحَنَن عَلَى أَيْتَامِكُم))؛ لأن الإنسان إذا كان هو حنوناً على أيتام الناس، فمن ضمن ما يكافئه الله هو رعايته في أيتامه، يوم يفارق هو هذه الحياة.

إذاً هو موسم عظيم، كما يُبيِّن لنا رسول الله "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم"، أنه بهذه الأهمية، بهذا المستوى العظيم جداً، لكن كيف نغتنم هذا الموسم؟ هذا ما يجب أن يكون في إطار ما هدى الله إليه في القرآن الكريم، وعلى لسان رسول الله "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم".

فِي الْقرْآن الْكريم بيَّنَ اللهُ "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" لنا ما ينبغي أن نركِّز عليه نحن، وأن نسعى للاستفادة منه، من خلال شهر رمضان المبارك في صيامه وما فيه من البركات؛ ولـذلك الله قد حدد لنا ما ينبغي أن نركز عليه؛ حتى لا نُضِيع الوقت في اهتمامات أخرى، يخترعها الإنسان هو من نفسه لنفسه، دون الاهتداء بما هدى الله إليه.

الله "جَلَّ شَأنُهُ" قال عن صيام شهر رمضان المبارك: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}[البقرة:183]، هنا يٌبيِّن الله بقوله "جَلَّ شَأنُهُ": {كُتِبَ} بأن فريضة صيام شهر رمضان هي فريضة إلزامية؛ لأنه فريضةٌ من فرائض الله، الصيام لشهر رمضان هو فرضٌ من فروض الله، ركنٌ من أركان الإسلام، وهو في شرع الله حتى لمن قبلنا في الرسالات الإلهية؛ لأهميته، لضرورته، للحاجة الشديدة إليه، الله هو العليم بنا، وبما يصلحنا، بما يسمو بنا، بما يفيدنا، بما ينفعنا حتى صحياً، يعني: معروف عن الصيام أن له فوائد نفسية، تربوية، صحية، فوائد متنوعة وكثيرة، فهنا يبيِّن الله أهميته، ولهذا جعله فريضة إلزامية؛ للحاجة الضرورية إليه للإنسان؛ أمَّا الله فهو غنيٌ عنَّا وعن أعمالنا.

ثم يحدد لنا ويبِّين لنا "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" أول مكسب مهم للغاية من الصيام، وهو مكسبٌ لنا نحن، قال "جَلَّ شَأنُهُ": {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}[البقرة:183]، وهذه مسألة مهمة جداً للإنسان، الإنسان عندما يتَّجه إلى تقييم ما هي المخاطر التي تُشكِّل خطراً عليه، والإنسان حريصٌ بفطرته على نجاة نفسه، وعلى تحقيق الخير لنفسه، على ما فيه السَّلامة له، ما فيه النجاة لهم، على ما يُشكِّل وقايةً له، وقايةً له من أكبر المخاطر، من أكبر الشرور، فالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" عندما قال: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}[البقرة:183]، هو ينبِّهنا على الخطر، والوقاية منه.

الخطر الكبير، الخطر الحقيقي بالنسبة للإنسان، هو: المخالفة لتوجيهات الله تعالى، المخالفة لتعليمات الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، التي فيها الوقاية للإنسان، فيها السلامة للإنسان؛ لأن الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" فيما هدانا إليه، وأمرنا به، وفيما نهانا عنه، هو نبَّهنا وأمرنا بما فيه السَّلامة لنا، فيه الخير لنا، فيه الوقاية لنا من أكبر المخاطر التي تُشَكِّل خطورة كبيرة علينا، فالإنسان إذا أراد أن يعرف مصدر الخطر على نفسه، هو في هذا الجانب بالتحديد، يعني: في المخالفة لتعليمات الله وتوجيهات الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، من هنا يأتي الشر، يأتي الخطر.

عندما نتأمل في ما هي العناوين في ما فيه المخالفة لتعليمات الله وتوجيهات الله: هي المفاسد، وهي المنكرات، الفواحش، الرذائل، هي أيضاً ما يتعلَّق بالظلم، بالبغي، فالقائمة قائمة كلها جرائم، ومفاسد، ومظالم، قائمة سيئة، السيئات؛ ولهـذا من العناوين البارزة لكل المعاصي هو السيئات، سيئات بكل ما تعنيه الكلمة، في أثرها في نفس الإنسان، تَحُطه عن نفسيته الإنسانية، عن جوهره الإنساني، عن القيم الإنسانية الفطرية، يتحول حتى أسوأ من كثيرٍ من الحيوانات، بل قد يصل به الحال أن يكون أسوأ من كل حيوان؛ ولـذلك تصل الحال بالبعض من الناس، كما قال الله عنهم: {كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ}[الأعراف:179]، يقول عن نماذج معينة: {كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ}[الأعراف:176]، عن نماذج أخرى: {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا}[الجمعة:5]، عن نماذج أخرى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ}[الأنفال:22]، شرَّ الدواب، يتحول الإنسان شر دابة على وجه الأرض، ينحط عن قيمته الإنسانية، وهذا على مستوى واقعه النفسي، ما يخسره في نفسه.

الجوهر الإنساني، بالفطرة التي أودعها الله في نفس الإنسان، يساعد الإنسان على أن يسمو، أن يكون بمستوى ما كرَّمه الله به؛ لأن الله كرَّم الإنسان في خلقه، {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}[التين:4]، في نظام حياته، وكذلك أيضاً في رزقه، في نعم الله عليه، كلها فيها تكريم، {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا}[الإسراء:70]،  فالله كرَّم الإنسان، لكن الإنسان ينحط عن هذا التكريم العظيم بالمعاصي، بالمخالفة لتوجيهات الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وفي نفس الوقت يشقى في الحياة؛ لأن كل تعليمٍ من الله في أمره ونهيه، في هدايته ونوره، هو لما فيه الخير للإنسان، فالمخالفة وراءها شر؛ ولـذلك الإنسان عند كل مخالفة لتعليمات الله وأوامره الملزمة، وهدايته المهمة، هو يفتح على نفسه باب شر، باباً من أبواب الشر، كلما تمادى أكثر؛ كلما فتح على نفسه أبواباً أكثر من الشر، من الخطر، من الشقاء، من الهلاك، من العقوبات الكثيرة، من النتائج الوخيمة على المستوى الشخصي، وعلى مستوى المجتمعات، وعلى مستوى الأمم، وهذا ما ذكر الله لنا نماذج كثيرة عنه في القرآن الكريم، كيف هلكت أممٌ بأسرها نتيجةً لذلك.

وأيضاً عندما نتأمل في واقع أُمَّتِنا الإسلامية فيما وصلت إليه من شتات، من فرقة، من ذلة، من تسلط أعدائها عليها، من قهر أعدائها لها، من سيطرة أعدائها عليها، يسومونها سوء العذاب، وما نراه لدى معظم الأنظمة من ذل وهوان أمام اليهود، أمام النصارى، أمام أمريكا وإسرائيل، هذا نتيجةً لماذا؟ لمخالفات، مخالفات لتوجيهات من الله: إعراض عن هدى الله تعالى، وعن تعليمات قيِّمة وعظيمة ومهمة، فيها الخير، فيها العزَّة، فيها الشرف، فيها الكرامة، فيها السعادة في الدنيا والآخرة، فكان للمخالفات نتائج سيئة في كل المجالات.

يعني: لو أنَّ أمتنا عملت بقول الله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}[آل عمران:103]، هل كانت لتكون بما هي عليه من الذِّلَّة، والشتات، والضعف، والوهن، والعجز أمام العدو الإسرائيلي، أمام من ضرب الله عليهم الذلة المسكنة؟!

لو أنها عملت بقول الله تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}[آل عمران:105]، لو أنها عملت بهذا فعلاً، وكانت حذرةً من التفرق والاختلاف؛ لكانت على مستوى عظيم من القوة والصلابة، ولما كانت على ما هي عليه من الشتات، والفرقة، والضعف، الضعف الحتمي لشتاتها وفرقتها، وهكذا هي كثيرٌ من التوجيهات الإلهية.

لو أنَّ هذه الأمة عملت بشكلٍ مستمر بقول الله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ}[الأنفال:60]، كيف كانت لتكون في واقعها الاقتصادي، في واقعها العسكري، في واقعها المعنوي... على كل المستويات؛ لكن كم كانت النتائج السيئة، والمخاطر الكبيرة، وأبواب الشر التي فتحتها على نفسها بالمخالفات.

وهكذا على المستوى الشخصي، الإنسان في كل ما يخالف فيه ويعصي؛ يفتح على نفسه باب شر، وينتقص هو ينتقص هو من مستوى الرعاية الإلهية، من مستوى ما يرعاه الله به، ويتولاه به مما يتولى به عباده الصالحين، فالمسألة مهمة بالنسبة للإنسان، هو بحاجة إلى التقوى، التقوى كيف تتحقق؟ من خلال الصيام.

الإنسان من خلال الصيام يتعلَّم كيف يسيطر على نفسه، كيف يكبح شهوات نفسه، يتعلَّم قوة الإرادة، قوة العزم، يتعلَّم الصبر، والتجلد، والتحمل، يتعلَّم ضبط الغرائز والشهوات، وهذا يزيده قوةً معنوية ونفسية، وقوةً في التحمل، واستعداداً أكبر للالتزام بتعليمات الله تعالى، تجاه الأوامر، وتجاه النواهي؛ لأن من تعليمات التزامات عملية علينا أن نعملها، إذا لم نعملها وفرَّطنا فيها، ينتج عن ذلك نتائج سيئة علينا في الدنيا والآخرة، وأيضاً هناك نواهٍ ينهانا الله عنها، يحذِّرنا منها، إذا ارتكبنا الحرمات، وتجاوزنا حدود الله فيها؛ يكون لذلك آثار سيئة، ونتائج خطيرة في الدنيا وفي الآخرة.

فالمسألة بالنسبة للإنسان من خلال الصيام: أنه يتعوّد عملياً، عملية ترويض بشكل فعلي، يتعوَّد الانسان على الصبر، على التحمل، على قوة الإرادة، على التماسك، على ضبط الشهوات والغرائز، وهذا مهمٌ جداً؛ لكن يحتاج إلى استشعار، إلى انتباه، إلى تذكُّر لهذه المسألة ولهذه المدرسة المهمة؛ لكي من خلال الاستشعار تحصل على هذه النتيجة، هذه مسألة مهمة جداً.

وأيضاً لهذا أهميته في زكاء النفس، تزكو نفس الإنسان، يتخلَّص الإنسان من خلال ذلك من كثير من الترسبات السلبية التي قد ترسَّبت في نفسه، ميول نحو المفاسد، نحو المعاصي، وكذلك آثار أخرى، مثلاً: أحقاد، وأشياء من المعنويات الخطيرة جداً، الأمور المعنوية السلبية، التي ترسَّبت في نفس الانسان، فيتخلص منها، هذا جانب.

الجانب الآخر: لأنه مع الصيام هناك الاهتمام بالقرآن الكريم، {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}[البقرة:185]، مما في شهر رمضان أنَّه شهر نزول القرآن، وهذا يلفت نظرنا إلى الاهتمام الكبير الدائم بالقرآن، لكن في شهر رمضان عادةً يكون الاهتمام أكثر، وتكون النفوس مع الصيام، مع الأجواء المباركة لشهر رمضان، أكثر تقبُّلاً، أكثر قرباً، أكثر تهيئةً للاستفادة والانتفاع من خلال كتاب الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" بالتلاوة والاستماع، وهذه مسألة مهمة جداً؛ لأن الإنسان مع الجانب النفسي، مع آثار الصيام، مع أهمية الصيام على المستوى النفسي، يحتاج إلى الرشد، إلى البصيرة، إلى الوعي، إلى المعرفة الصحيحة، والفهم الصحيح، ولهذا قال الله: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}[البقرة:185].

الإنسان بحاجة إلى زكاء النفس، ومع زكاء النفس يحتاج إلى الهدى، إلى الرشد، إلى الوعي، إلى الفهم، إلى البصيرة، إذا لم يحصل على ذلك؛ يحصل عنده نقصٌ في التقوى، ولهذا يقول الله عن القرآن الكريم: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ}[البقرة:2]، وهذه مسألة مهمة جداً، فالقرآن الكريم من أعظم ما فيه، ومن أعظم دوره، الدور العظيم والأساس له هو: الهداية لنا، أن يدلنا، أن يرشدنا على الخير كله في الدنيا والآخرة، على ما فيه السعادة والعزَّة، على ما فيه الحلول لمشاكلنا في هذه الحياة، والإنسان بحاجة إلى هدى الله.

الحالة التي تعانيها أمتنا من الغباء الرهيب جداً، وهو أمرٌ مؤسفٌ للغاية، هو ناتجٌ عن ماذا؟ عن عدم الاهتداء بالقرآن الكريم، حتى أمام ما تواجهه من مخاطر كبيرة، من مشاكل كبيرة، في صراعها مع العدو الإسرائيلي، في هذه المسألة نفسها، الأمة بعيدة عن التركيز على الاهتداء بالقرآن الكريم، كيف تواجه هذا العدو؟ ما هي أسباب ضعفها في مواجهته؟ كيف تقيِّم واقعها بناءً على ذلك؟ كيف تقيِّم العدو بناءً على ذلك؟ وهكذا في بقية الأمور، الأمة وصلت إلى حالة غباء رهيب، وسذاجة رهيبة جداً في واقعها؛ نتيجةً لعدم استفادتها من القرآن الكريم، وعدم الارتباط التام به ككتاب هداية، ونور تستضيء به في ظلمات هذه الحياة، تعتمد على الاتِّباع له، على التمسك به بكل ما ينبغي، ابتعاد عن القرآن الكريم في مقام الاهتداء، وفي مقام الاتِّباع بشكلٍ كامل.

ولهذا في مواجهة الخطر الأمريكي والإسرائيلي، برزت لدى هذه الأمة خيارات، وتوجهات، وأفكار، هي- كما قلنا- في منتهى الغباء والسذاجة، من مثل: خيار السكوت والاستسلام، كيف يمكن أن يدفع الخطر عن الأمة؟! يعني: هو خروجٌ حتى عن الحالة الفطرية، حتى عن الحالة الفطرية، حتى لدى الإنسان العادي جداً، فما بالك بأمة لديها القرآن الكريم! أو فكرة العمالة، وتقديم كل شيء للعدو، وفكرة أن تقدِّم للعدو تريليون دولار! هذا هو منتهى الغباء، منتهى السذاجة، منتهى السخرية حتى عند العدو، يرى هذه الأمة تقدِّم له كل شيء، في مقابل ما يريده بها ولها من الشر، وما يحمله عليها من العقد والحقد، وما لديه من مخططات تدميرية لها، وهي تقدِّم له كل شيء [تفضل]، يعني: منتهى الغباء، ومنتهى السذاجة! ومؤسفٌ واقع أمتنا في ما هي عليه من التخلف، والغباء، والسذاجة... وغير ذلك، ومعها القرآن الكريم، لكنَّها أعرضت عنه، وهي الحالة الخطيرة عليها: حالة الإعراض، وحال أمتنا هي أشبه بما قال عنه الشاعر:

ومن العجائب والعجائب جمَّةٌ

قرب الشفاء وما إليه وصوله

كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ

والماء فوق ظهورها محـمول

هذا هو حال أمتنا مع القرآن الكريم، معها ما فيه النجاة، العزة، النصر، الشرف، الشرف بكله، {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ}[الزخرف:44]، لكنها تعرض عن كل ذلك؛ وبالتالي تهلك ومعها سبيل النجاة، وتتشتت ومعها ما يوحِّدها، ويجمع كلمتها، وتضعف ومعها ما يصل بها إلى أعلى مراتب القوة والعزة، وتترك أسباب النصر، وتأخذ وتتشبث بأسباب الهزيمة، وأسباب الضعف، وأسباب الضعة، وكل ما يساعد العدو عليها، وهذا شيءٌ مؤسف! هذا فيما يتعلَّق بالقرآن الكريم، وأهميته الكبيرة جداً.

أيضاً في شهر رمضان من الأشياء المهمة، والمكاسب الكبيرة، هو: مضاعفة الأجر فيه على الأعمال الصالحة، والإنسان بحاجة للأعمال الصالحة، على مستوى زكاء النفس، وعلى مستوى أيضاً أن يحظى بالقرب من الله تعالى، أن يرتقي في إيمانه، وللمضاعفة للأجر فيه ورد قول رسول الله "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم" أيضاً في خطاب كان في آخر جمعة من شهر شعبان: ((أَيُّهَا النَّاس، إِنَّهُ قَدْ أَظَلَّكُم شَهْرٌ عَظِيم، فِيهِ لَيْلَةٌ خَيرٌ مِنْ أَلفِ شَهْر))، يعني: ليلة القدر، ((وَهُوَ شَهْرُ رَمَضَان، فَرَضَ اللهُ "عَزَّ وَجَلَّ" صَيامَهُ، وَجَعَلَ قِيَامَ لَيْلَةٍ مِنْهُ بِتَطوُّعِ صَلَاةٍ، كَمَنْ تَطَوَّعَ سَبْعِينَ لَيْلَةً فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الشُّهُور، وَجَعَلَ لِمَنْ تَطَوَّعَ فِيهِ بِخَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِ الخَيرِ وَالبِرِّ، كَأَجْرِ مَنْ أَدَّى فَرِيضةً مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ "عَزَّ وَجَلَّ" فِيمَا سِوَاه، وَمَنْ أدَّى فَرِيضةً مِنْ فَرَائِضِ اللَّه "عَزَّ وَجَلَّ" فِيهِ، كَمَنْ أَدَّى سَبْعِينَ فَرِيضةً مِنْ فَرائِضِ اللَّه فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الشُّهُور))، هذه مضاعفة كبيرة للأجر.

يعني: جُعِلت الأعمال التطوعية، التي هي في مستوى النوافل، جُعِلت في أجرها، وفضلها، ومنزلتها العظيمة في أثرها، بمستوى الفرائض في غير شهر رمضان، ضُوعفت الأجور وأهمية الأعمال إلى سبعين ضعفاً في الحد الأدنى، ومعنى ذلك: أنَّ الإنسان مع ليلة القدر، التي فيها مضاعفة كبيرة جداً بالآلاف، بل بعشرات الآلاف من المضاعفة، يمكنه أن يقطع مسافة، ويحقق نقلة في شهر رمضان، بما يساوي عمراً كاملاً، فهذه فرصة كبيرة جداً، لكل شيء قيمته وأهميته، ذكر الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، يعني: التسبيحة الواحدة، أو الاستغفار الواحد، كم يحسب للإنسان؟! الإنفاق في سبيل الله، الإنفاق في سبيل البر والإحسان للفقراء والمحتاجين، وصلة الأرحام... وغير ذلك، المضاعفة على كل خصلةٍ من خصال الخير مضاعفة كبيرة جداً جداً، إحسان يقدمه الإنسان بشكل عملي، مساعدة لأحد بشكل عملي... وهكذا، كل شيء عليه أجر كبير جداً، وفضل عظيم، والإنسان بحاجة إلى العمل الصالح، الذي فيه نجاتك، وفوزك، وفلاحك في آخرتك، هو العمل الصالح، تأتي يوم القيامة بدون العمل الصالح لا نجاة، لا فوز برضوان الله، ولا بجنته، ولا سلامة من عذابه، {فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ}[القارعة:6-11]، أنت بحاجة إلى الأعمال، بحاجة إلى العمل الصالح.

إذاً كيف يتعامل الإنسان مع شهر رمضان؟

الإنسان في شهر رمضان بحاجة إلى أن يكون لديه اهتمامات محددة يركِّز عليها، ويهتم بها، كما قلنا: هي مما هدى الله إليه في القرآن الكريم، وعلى لسان "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ":

أولاً: الإقبال إلى الله تعالى، والتوبة النصوح، والتخلص من المعاصي، ومحاسبة النفس، واتخاذ قرارٍ حازمٍ باستثمار الوقت، والحذر من تضييعه:

هذه مسألة مهمة، يعني: من البداية يتَّجه الانسان بإقبال إلى الله، ويتوب، يسعى أن يدخل في هذا الشهر بتوبةٍ نصوح، يبحث في واقع نفسه إن كان هناك مظالم، إن كان هناك معاصٍ، إن كان هناك جوانب تقصير، يحاول أن يتخلَّص منها، لا يدخل ويستمر على ذنوب هو مستمرٌ فيها، على مظالم هو مُصِرٌ عليها، على ما يحبط عمله، أو يكون عائقاً عن قبول عمله من صيام، وغير ذلك؛ لأن الله يقول: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}[المائدة:27]، فالإنسان من البداية يُقبل هذا الإقبال: بالتوبة النصوح إلى الله، بالتخلص من المعاصي، بالمحاسبة للنفس، بالتقييم لواقعه، إن كان هناك معاصٍ يقلع عنها، يتَّجه بصدق إلى الله... وهكذا.

أيضاً يتخذ قراراً حازماً، ويوطِّن نفسه على الاهتمام والاستثمار للوقت، لا يضع هذه الفرصة، هذه الفرصة قال الله عنها: {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ}[البقرة:184]، يمكنك لكثيرٍ من الأمور التي لا قيمة لها، لا أهمية لها، لا فائدة منها، أن تتركها لما بعد شهر رمضان، يعني مثلاً: كثير من كلام الناس الذي هو كلام هدرة في مقايل القات، يمكن أن يؤخِّروه لبعد شهر رمضان، [مجابر]؛ لأن الناس مع القات عادةً يكثر كلامهم، وكثيرٌ منه في ما لا فائدة منه، بل قد يضرهم ولا ينفعهم، فيه المعاصي، وأشياء كثيرة لا أهمية لها يمكن أن تؤجل لبعد شهر رمضان.

ثانياً: العناية بأداء فرائض الله، والاهتمام بمسؤوليات الإنسان:

يعني: ليس معنى إقبالنا في شهر رمضان، ليس معنى الإقبال فيه أن نترك الأشياء المهمة، ونركز فقط على النوافل ونحوها، بل يبقى اهتمامنا الكبير بالدرجة الأولى بفرائض الله، بالصيام نفسه، والمحافظة عليه من المفسدات، ومن المحبطات، ومن خطوات الشيطان المؤثرة على الإنسان، وكذلك الاهتمام بفريضة الصلاة (الصلوات) العناية بها، الاهتمام بها، نهتم ببقية الفرائض الدينية، والمسؤوليات الدينية، يعني: ليس معناه عندما يأتي شهر رمضان وأنت كنت مرابطاً في سبيل الله، مهتماً بمسؤولية الجهاد في سبيل الله، تقول: [خلاص، ما عاد به لزوم للمرابطة]، بل أنت بحاجة أكثر إلى هذا في شهر رمضان، المسؤوليات الأخرى، التي على الإنسان التزامات فيها، وهو يتحرك فيها، تبقى في إطار اهتمامه.

ثالثاً: التزام التقوى، والحذر من المعاصي، ومن خطوات الشيطان:

وهذه مسألة مهمة جداً، خلال شهر رمضان يحرص الإنسان على الالتزام بالتقوى في نفس شهر رمضان، أنت تريد أن تحصل على مكسب التقوى لبقية العام، لكن خلال شهر رمضان احذر من المعاصي، وابتعد عنها، مثلما ورد في النصوص السابقة، حاول أن تحافظ على لسانك، على بصرك، على سمعك، على جوارحك، واحذر من خطوات الشيطان.

البعض من الناس يدخل في خطوات الشيطان، فتنزلق به إلى المعاصي، من خلال الجوالات، أو من خلال التلفزيونات، والمواد المحرمة الإباحية... ونحوها، التي تجرُّ إليها، من خلال الإنترنت، من خلال قرناء السوء، أسباب كثيرة تَجُرُّه إلى المعاصي والعياذ بالله، الحالات التي تجرُّ الإنسان إلى الظلم، يبتعد عنها... وهكذا.

رابعاً: العناية بتلاوة القرآن الكريم وهدى الله، وإعطاء أهمية كبيرة لذلك:

يعني: من الأشياء التي تكون من أكبر الاهتمامات لدى الإنسان في شهر رمضان: العناية بالقرآن الكريم (التلاوة، والسماع)، يمكن للإنسان أن يتلو، إذا لم يكن عنده قدرة على التلاوة وإتقان، يمكنه أيضاً أن يسمع، أوقات يمكنه فيها أن يتلو، وأوقات يمكنه فيها أن يسمع... وهكذا، مع إقبال بالقلب، بالقلب، إصغاء وتفهُّم، وإقبال بالقلب والمشاعر، وليس أن يكون الإنسان بعيداً، بل يكون شهيداً حاضراً، يسمع بذهنه، وقلبه، وشعوره، وتدبر، وتأمل، كذلك هدى الله، الدروس القرآنية، المحاضرات القرآنية التي من هدى الله، يستفيد الإنسان منها.

خامساً: الدعاء:

الدعاء مهم جداً في شهر رمضان، هو موسم من أعظم المواسم للدعاء؛ ولهـذا يقول الله: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}[البقرة:186]، أتت في آيات الصيام، في سياق آيات الصيام وشهر رمضان، مع أنها لكل الأوقات، لكن موسم مميز في الاستجابة للدعاء؛ لـذلك ينبغي الإقبال أكثر، الاهتمام أكثر، اغتنام الفرصة أكثر، وهذه مسألة مهمة، والإنسان بحاجة إلى الدعاء، أن يدعو الله بالخير لنفسه في الدنيا والآخرة، بالمغفرة، بالعفو، أيضاً في حوائجه، حوائجه، في مشاكله، في همومه، في قضاياه المهمة، يحتاج إلى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، يتَّجه من واقع شعوره بالافتقار إلى الله، والحاجة إلى الله، بخشوع، بتضرع، بإقبال إلى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".

الإكثار من ذكر الله:

الناس يشترون الكثير من المسابح في شهر رمضان، والكثير الناس تبقى زينة، زينة يحرِّكها في يده واصل، وعلى عسيبه كذلك، يعني: دون الاستفادة منها عملياً، الإنسان يحرص على الإكثار من ذكر الله في أوقات مختلفة، وأوقات كثيرة، باللسان، وبالقلب والنفس، {اذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ}[الأعراف:205]، الإكثار من ذكر الله، أذكار متنوعة: التسبيح، والاستغفار... وأذكار متنوعة، فهذا شيءٌ مهمٌ جداً خلال شهر رمضان، بدلاً من إضاعة الوقت، استثمار الوقت فيه، والذكر متاح للإنسان، يعني: في الجبهات والانسان مرابط، في حركة الإنسان، حركة الإنسان وهو يذهب ويجيء، في كثيرٍ من الأحوال يستطيع أن يذكر الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".

سادساً: الاهتمام بالإحسان:

{وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}[البقرة:195]، الإنسان بحاجة إلى الاهتمام بالإحسان، في شهر رمضان قال عنه رسول الله "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم" في الحديث المروي عنه: ((وَهُوَ شَهْرُ المُواسَاة))، مِنْ أعظم القربات إلى الله: الإحسان، الإحسان إلى الفقراء، إلى المساكين، إلى المحتاجين.

لكن قبل حتى مسألة الصدقات النافلة والبر ونحو ذلك، والذي يضاعف الله عليه الأجر، ويزيد به الرزق، ويدفع عن الإنسان به الكثير من المصائب والعقوبات، والكثير من الآفات والأضرار، هناك قبل كل ذلك مسألة إخراج الزكاة، زكاة الحول، الكثير من الناس يقصِّرون في الزكاة، أو يفرِّطون فيها، وهذا ذنبٌ عظيم، وتفريطٌ في ركنٍ من أركان الإسلام، وإخلالٌ كبير بتقوى الله، يعني: لا يقبل من الإنسان إذا عليه هذا الحق لا صلاته، ولا صيامه، ولا أي عمل يعمله، ولا دعاء... ولا أي شيء؛ لـذلك يجب أن يكون الإنسان مهتماً، إذا كان عليه زكاةً يخرجها، ثم مع ذلك الصدقات، البر، صلة الأرحام... ونحو ذلك.

سابعاً: صلاة النافلة:

صلاة النافلة في الليل، هي من القربات العظيمة، جزءٌ من وقت الإنسان لتلاوة القرآن وسماعه، وسماع هدى الله، جزء لصلاة النافلة، مثل: صلاة الليل ونحوه، هذا شيء مهم جداً.

إحياء المساجد لمن ليسوا في الجبهات:

يعني: في المدن، في القرى، من المفترض إحياء المساجد؛ لأن للعبادة في المساجد قيمة أكبر، أجر أعظم، أجواء أفضل، وهذا شيءٌ مهمٌ جداً، والإحياء للمساجد- عادةً في اليمن من أحسن البلدان في إحيائها في ليالي شهر رمضان- ينبغي الحفاظ على ذلك.

أمَّا الذين هم في الجبهات، في مواطن من مواطن المرابطة في سبيل الله، فهم أيضاً في أماكن مقدَّسة، في أماكن مهمة، في أماكن للعمل فيها وللذكر فيها أجرٌ عظيم، الإكثار من ذكر الله، الاهتمام بالقرآن الكريم، التسبيح، الاستغفار... غير ذلك.

هذه من الاهتمامات التي ينبغي أن يركز الإنسان عليها، مع اهتمامه بالاستقامة، بالالتزام... وغير ذلك.

ثم- كما قلنا- الحذر كل الحذر من إهدار الوقت، ومن التلهِّي، التلهِّي بالمسلسلات، التلهِّي بالجوالات، البعض من الناس يبقى طول ليلته يتلهَّى بالجوالات، يضيع وقته عليها، بالأجهزة، بشاشات التلفزيون لمتابعة المسلسلات، الإنسان يغبن نفسه، يظلم نفسه، يخسر، يضيع فرصاً عظيمة عظيمة وكبيرة جداً، وفي نفس الوقت قد يدخل في أوزار، ويحمِّل نفسه في أوزار كبيرة، وهذا خطرٌ كبيرٌ على الإنسان.

الحذر أيضاً من قرناء السوء، لهم دورٌ كبير في إضلال الإنسان، في إفساده، في تضييع وقته... في غير ذلك.

وهكذا أن نبقى من واقع اهتمامنا بهذا كله في إطار اهتمامنا بمسؤولياتنا الكبرى، نحن- كما قلنا في بداية الكلمة- في مرحلة من أخطر المراحل، الأعداء يستهدفوننا بالحرب الشيطانية المفسدة؛ لإضلالنا، لإفسادنا، وبالحرب العسكرية الصلبة؛ لتدمير أمتنا، لإبادة أمتنا، لاحتلال أوطانها، لهتك أعراضها، والأعداء في مراحل خطيرة جداً، طامعون بشكلٍ كبير، هم في حالة طمع كبير، هناك ما يغريهم، ما يطمعهم في هذه الأُمَّة؛ ولـذلك نحن كشعبٍ يمني نتَّجه الاتجاه الإيماني، بناءً على هويتنا الإيمانية، بالشرف الكبير الذي قال رسول الله "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم" عنه: ((الْإِيْمَانُ يَمَانٍ، وَالحِكْمَةُ يَمَانِيَّةٌ))، هو الانتماء الأصيل للإيمان، الانتماء الراسخ للإيمان، الانتماء الذي يشمل الجوانب الإيمانية بكلها: اهتمام بالعبادة، بالاستقامة، بالالتزام بالمسؤوليات، بما فيها: الجهاد في سبيل الله تعالى، الأمر بالمعروف، النهي عن المنكر، التعاون على البر والتقوى، والجانب التعاوني على البر والتقوى تتحقق فيه نتائج كبيرة في الإحسان وفي كل شيء، يعني: من خلال الجانب التعاوني يستطيع الناس أن يعملوا أعمالاً كثيرة: إن أحسنوا، أن يحسنوا بشكل أكبر؛ إن اتَّجهوا لأعمال من أعمال البر، أن يكونوا فاعلين فيها أكثر... وهكذا.

في هذه المرحلة، ومع شهر رمضان، وشهر رمضان كان من أهم مراحل الجهاد في سبيل الله، حتى في سيرة رسول الله "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم"، كانت غزوة بدرٍ الكبرى، التي هي (يوم الفرقان) في شهر رمضان، وهي مناسبة مهمة، ينبغي إحياؤها والاستفادة منها، فتح مكة كذلك كان في شهر رمضان، وغزوة بدر وفتح مكة من أهم الأحداث التاريخية التي ترتَّب عليها نتائج تستمر إلى اليوم، ونتائج تستمر إلى يوم القيامة، نتائج مهمة وعظيمة وكبيرة، ثبتت دعائم الإسلام، وأزهقت باطل الكفر، والشرك، والضلال، وقوى الطاغوت، والأمة بحاجة إلى استلهام هذه الدروس، بحاجة إلى العودة إلى سيرة رسول الله "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم"، بحاجة إلى استذكار مسؤولياتها المقدَّسة والعظيمة التي ترتقي بها، لتكون في مستوى مواجهة التحديات والأخطار.

نحن كشعبٍ يمني، تحرَّكنا- بتوفيق الله تعالى- في إطار الإسناد لإخوتنا المجاهدين في فلسطين، وفي لبنان، وللشعب الفلسطيني في مواجهة العدو الإسرائيلي، في جولة من أهم الجولات، في معركة (طوفان الأقصى)، تحرَّك شعبنا في معركة (الفتح الموعود والجهاد المقدَّس)، نحن نراقب ونرصد باستمرار مجريات الوضع هناك، ونلاحظ مدى تهرب العدو الإسرائيلي من الالتزام بالاتِّفاق بشكلٍ كامل، يعني: في الاتِّفاق بينه وبين الإخوة في فلسطين، ما بينه وبين حركة حماس، والمجاهدين في غزة، جزءٌ كبير من الالتزامات المتعلِّقة بالجانب الإنساني لم يفِ بها، ويتهرَّب من التزامات أخرى، من بينها: الانسحاب من محور رفح، ما بين الحدود بين رفح ومصر، هذا انتهاك خطير جداً للاتِّفاق نفسه، وانقلاب على الالتزامات بتشجيع أمريكي، وفي نفس الوقت يشكِّل هذا انتهاكاً واضحاً وصريحاً للاتِّفاقات السابقة بين العدو الإسرائيلي وبين مصر، ويشكِّل تهديداً للشعب الفلسطيني، وتهديداً لمصر (شعباً، وحكومةً، وجيشًا) تهديداً خطيراً، مع ذلك العدو الإسرائيلي يراهن على الموقف الأمريكي، والدعم الأمريكي، ويتذرَّع بالإذن الأمريكي.

فعل نفس الشيء في لبنان، لم يكمل انسحابه من جنوب لبنان بشكلٍ كامل، بقي في مواقع في داخل لبنان، تشكِّل احتلالاً وتهديداً على الشعب اللبناني في جنوب لبنان، وانتهاكاً للسيادة اللبنانية بشكلٍ عام، ومخالفة واضحة وصريحة للاتِّفاقات.

يفعل نفس الشيء في سوريا، يتمدد، يحتل المزيد، في ثلاث محافظات في جنوب سوريا، في نفس الوقت العدو الإسرائيلي يَفْتَرِض من الشعب اللبناني ومجاهديه في حزب الله، والمقاومة اللبنانية الإسلامية، وكذلك في سوريا، وكذلك في غزة، ومن المصريين... ومن الجميع، أن لا أحد يعترضه على شيء، أو يتحرك أي تحرك للتصدي لما يقوم به من احتلال وسيطرة، ومن اعتداءات؛ لأنه مستمر في اعتداءات بالقتل، بالغارات الجوية، عبر الطائرات المسيَّرة، وفي نفس الوقت بإطلاق النار والاعتداء على الناس، يفعل ذلك في الجهة اللبنانية، يفعل ذلك في سوريا، يفعل ذلك باتجاه غزة، وهكذا حتى من جهة المصريين، أن لا يتحركوا بتعزيزات عسكرية إلى سيناء، في الوقت الذي قد انتهك الاتِّفاق معهم، وتجاوزه، لكنه- كما قلنا كثيراً- هو والأمريكي معاً يعملان لتثبيت معادلة الاستباحة بحق أُمَّتِنا، يعني: الأمريكي والإسرائيلي بكل وضوح وصراحة، يريدان من أُمَّتِنا سواءً في فلسطين، في لبنان، في سوريا، في مصر... في غيرها، كل هذه الأمة، أن تكون أمة مستباحة، ولا تعترض على أيِّ عدوانٍ أمريكيٍ أو إسرائيليٍ عليها، عندما يقتلها الأمريكي أو الإسرائيلي، لا تعترض، ولا تحتج، ولا تحاول أن تعمل أي شيءٍ للتصدي لذلك، عندما يحتل أرضها، ليس لها حتى الاعتراض، [لا، طبيعي المسألة مناطق عازلة، المسألة مواقع استراتيجية، ثروات مرغوبٌ فيها يريدها الأمريكي]!

هم يتعاملون في هذه المرحلة بوقاحة غير مسبوقة تجاه أمتنا، مع أنَّ أمتنا إذا وقفت الموقف الصحيح؛ هي ستردعهم، لا ردع لهم إلَّا بالمواقف الصحيحة، بتحمل المسؤولية في التصدي لهم؛ لأنهم أهل شر ولؤم، هم ألأم الناس، ألأم البشر، اليهود وأمريكا وإسرائيل هم ألأم البشر على الإطلاق، يعني: لا يقدِّرون أي شيءٍ من العرب، مهما خضعوا لهم، مهما تسامحوا معهم، مهما تنازلوا لهم، لا يقدِّرون شيئاً من ذلك، بكل وقاحة يتنكَّرون لكل الالتزامات، لكل الاتِّفاقات، ويعتبرون أنها ملزمة فقط للعرب؛ لكيلا يعترضوا على ما يعملونه هم من عدوان، وكأنها ليست اتفاقيات فيها التزامات متبادلة، وهكذا يريدون بكل وقاحة أن يعملوا ما يشاؤون ويريدون.

تحدث [ترامب] بكل وقاحة عن تهجير أهل غزة، عن السيطرة على غزة، عن التملك لغزة، عن... بكل العبارات التي هي عبارات وقحة جداً، أحياناً يقول: [سيشتري غزة]، أحياناً يقول: [لا، سيتملَّكها إجباريّاً]، أحياناً يقول: [الموضوع متروك للإسرائيلي]، كان يريد مصادرة الاتفاق بكله، وحدد سابقاً يوم السبت، في أحد الأسابيع التي قد مضت، بأنه موعدٌ نهائيٌ لإخراج كل الأسرى الإسرائيليين من دون إكمال الاتفاق، ولا تبادل أسرى، وهدد بالحرب، لكن عندما لم يتم له ذلك، بان أنَّ المسألة ليست كما يريد، وفي نفس الوقت ليس له أن يفرض ما يشاء ويريد، يعني: لم يفتح الحرب آنذاك في يوم السبت، نحن كنا جاهزين للتدخل العسكري إذا فتح حرباً في تلك المرحلة في يوم السبت.

ولذلك نحن أمام هذا المستوى من الصلف، والطغيان، والعدوان، والإجرام، والوقاحة الأمريكية والإسرائيلية، يجب أن نعي مسؤوليتنا جيداً، وأن نكون دائماً في حالة استعدادٍ تام للتحرك في أي وقتٍ يلزم فيه التحرك، وفي نفس الوقت أن نسعى على الدوام لتطوير قدراتنا، والاستعداد بكل ما نحتاج فيه إلى استعداد، في كل عناصر القوة:

على مستوى الوعي. على مستوى الاستقرار الداخلي. على مستوى الإعداد بكل ما يلزم؛ من أجل أن نكون جاهزين للتحرك بفاعلية وقوة في أي يومٍ، أو وقتٍ، أو مرحلة تستدعي التدخل لمساندة الشعب الفلسطيني، أو اللبناني، أو أي شعبٍ من شعوب أمتنا، يتَّجه الأمريكي والإسرائيلي إلى استباحته. كذلك لمواجهة أي عدوان على بلدنا، نحن نتحرَّك من هذا المنظور العام، في إطار المسؤوليات الكبرى لنا كأمةٍ واحدة، نحن لا ننظر من منظور التجزئة، أنَّه لا يهمنا ما يجري هناك، نحن شيءٌ واحد، وكل تهديدٍ وخطر على الشعب الفلسطيني، هو تهديد على بقية هذه الأمة.

الشعب الفلسطيني هو يواجه الآن في الضفة عدواناً كبيراً، واعتداءات مستمرة، ومن الواضح أنَّ الإسرائيلي يسعى للتهجير حتى في الضفة؛ ولـذلك يجب أن نكون يقظين، مستعدين لأي مستوى من التطورات في الضفة يستدعي التحرك الشامل، أو في غزة، أو في اتِّجاه الساحة اللبنانية، أو أي ساحة أخرى، أو باتِّجاه العدوان على بلدنا.

قد وفَّقنا الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" لموقفٍ عظيم، لكنه في إطار جولة، ولم تنته الأمور بعد، فنبقى مستعدين مستمرين، ومن أعظم مكاسب التقوى، من أعظم ثمرات التقوى، من أعظم مظاهر التزام التقوى، هو: روحية الجهاد في سبيل الله، والجهاد في سبيل الله، والتحرك في سبيل الله تعالى لمواجهة الطغيان والإجرام، وأيُّ طغيان أكبر وأوقح من الطغيان الأمريكي والإسرائيلي.

نَسْأَلُ اللهَ "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" أَنْ يُوَفِّقَنَا وَإِيَّاكُم لِمَا يُرْضِيهِ عَنَّا، وَأَنْ يَرْحَمَ شُهْدَاءَنَا الأَبْرَار، وَأَنْ يَشْفِيَ جَرْحَانَا، وَأَنْ يَمُنَّ عَلَيْنَا بِالنَّصْرِ فِي مُواجَهَةِ أَعْدَائِنَا مِنَ الأَمرِيكِيين وَالإِسرَائِيلِيين، وَمَن يَدُورُ فِي فَلَكِهِم، وَأَنْ يُعَجِّلَ بِعَاجِلِ الفَرَج عَنْ أَسْرَانَا.

نَسْألُ اللهَ "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" أَنْ يُوَفِّقَنَا وَإِيّاكُم لِصِيامِ هَذَا الشَّهْر وَقِيامِهِ، وَلِصَالِحِ الأَعْمَالِ فِيه، وَأَنْ يَتَقَبَّلَ مِنَّا وَمِنكُم، إِنَّهُ سَمِيعُ الدُّعَاء.

وَالسَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ؛؛؛

كلمة السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي في لقاء موسع حضره علماء وقيادات الدولة استقبالا لشهر رمضان المبارك تطرق فيها إلى مواقف هامة لأبرز التطورات الإقليمية والدولية 29 شعبان 1446هـ 28 فبراير 2025م pic.twitter.com/TZFBsKVcPd

— الإعلام الحربي اليمني (@MMY1444) February 28, 2025

مقالات مشابهة

  • (نص + فيديو) كلمة السيد القائد في استقبال رمضان 1446هـ
  • خطبة الجمعة الأخيرة من شعبان.. أسامة فخري: الوجود يتشوق إلى ليالي شهر رمضان .. ولا شيء في الدنيا يعادل قيمة الوطن والمحافظة عليه
  • من استهدفته وقضت عليه.. إسرائيل تكشف معلومات عن غارة شنتها بمنطقة الهرمل في لبنان
  • الإفتاء: التهنئة بـ رمضان كريم مشروعة والنبي هنأ أصحابه
  • هل تكفي نية واحدة لصيام رمضان أم يجب تكرارها يوميًا؟ الإفتاء تجيب
  • البابا تواضروس: نصلي من أجل بابا الڤاتيكان لينعم الله عليه بالشفاء
  • بطريرك الكرازة المرقسية : نصلي من أجل بابا الڤاتيكان لينعم الله عليه بالشفاء
  • البابا تواضروس: نصلي من أجل بابا الڤاتيكان لينعم الله عليه بالشفاء والصحة
  • هل شرع الصيام من أجل تعذيب النفس المؤمنة؟ دار الإفتاء تجيب
  • هل شراء شقة عن طريق البنك مع دفع الفوائد يعد ربا ؟