جريدة الرؤية العمانية:
2025-03-28@09:42:19 GMT

نبض الوطن

تاريخ النشر: 23rd, November 2024 GMT

نبض الوطن

 

 

د. محمد بن عوض المشيخي **

 

هناك ارتباط مُتلازم بين من يُحسِن ويُجِيد فن الكتابة ومُخاطبة الآخرين، وبين من يملك رصيدًا فكريًا ومفاتيحَ للمعرفة والاطلاع على مختلف الثقافات والتجارب لكي يستخدم ذلك الكم المعرفي الذي اكتسبه من القراءة المُتعمِّقة من الكتب والدراسات العلمية التي تحتاج من الذي يقدم نفسه ككاتب يخاطب عامة النَّاس.

ويُقاس تطور الشعوب والأمم بما تقرأ، ثم تأتي بعد ذلك ترجمة ذلك الزخم المعرفي بالكتابة للجماهير والقدرة على جذبهم للقراءة، التي هي في الواقع غذاء الروح، والأهم من ذلك كله حقيقة استخدامهم للمهارات والخبرات التي يكتسبونها من الاطلاع في حياتهم اليومية. والثقافة الحقيقية جواز سفر للنجاح في الدنيا والآخرة؛ فهي- أي الثقافة- عنوان لكل الشهادات العلمية التي نحصل عليها بانتظامنا في الدراسة الأكاديمية من المرحلة الابتدائية إلى شهادة الدكتوراه.

والتجارب اليومية تُعد من أهم دروس الحياة التي تضيف إلى رصيد الإنسان وتُنير له دروب المستقبل، وتُساعده على استخدام هذه الذخيرة المعرفية في اتخاذ القرارات السليمة. ومن هنا فإنَّ الكتابة للجماهير ليست بالأمر السهل؛ بل من أصعب وأكبر التحديات التي تواجه الكاتب غير المُتفرغ، وخاصة عند ما يكون له عمود ثابت بشكل أسبوعي في صحيفة مُعينة ويحافظ على الوفاء بمواعيد النشر دون تأخير. وتتعقد الأمور أكثر وأكثر في الحالات التي يتطرق فيها الكاتب للشأن العام، ويكون عكس التيار في طرحه لقضايا المجتمع وهموم عامة الناس بكل صراحة وشفافية، في الوقت الذي يكون فيه على الجانب الآخر من الذين يمكن أن نُصنِّفَهُم بـ"المُجامِلِين"، خاصة الذين يُجيدون أسلوب المدح والنفاق الاجتماعي، بزعم أن كل شيء على ما يرام من حولنا.

ولا شك أن الفكرة أو الموضوع الذي يختاره الكاتب للمقال ليس بالأمر اليسير، فكم هي الساعات الطويلة التي يَقضيها الكاتب في البحث والاستقصاء عن العنوان الأنسب والمُعبِّر عن المقال الذي ينوي كتابته، وذلك هو الذي يجذب القراء ويُجبِر الناس على الاطلاع حتى من باب الفضول أولًا، ثم يأتي المضمون وما يحمله من أفكار مُرتَّبة ومُفردات مُعبِّرة وجمل تشرح ما يُريده الكاتب أن يصل للقراء. هذا فضلاً عن عبارات السجع التي تُناسب ذوق الجمهور وتُلامس العقول والقلوب معًا. صحيحٌ أن هناك أحيانًا أحداثًا ومناسبات تفرض نفسها من حيث أهميتها وتتحول إلى حديث الساعة، مما يُسَهِّل من أمر تناولها وتحليلها من وجهة نظر الكاتب، لكن نجد اختلافًا في وجهات النظر للذين يفكون رموز الموضوع المنشور؛ فكل واحد من هؤلاء يفسر المقال بطريقته؛ انطلاقًا من الخلفيات والانتماءت السياسية والعقائدية، بعيدًا عن الموضوعية. فقد تضيق صدور البعض بما يحمله المقال من طرح، ولا يدرك هؤلاء القراء أن ما يُسطِّرُه أي كاتب عبارة عن آراءٍ وانطباعاتٍ، وليست بضرورة أن تكون الحقيقة الكاملة؛ فهناك فرق شاسع بين الخبر الذي يكتبه الصحفي والذي يجب أن يكون قائمًا على الحقائق الدامغة بعيدًا عن التأويل، وبين الرأي المُعبِّر عن كاتبه، وهناك قاعدة في علم الإعلام وأدبياته مفادها "الخبر مُقدَّس والتعليق حُر".

من محاسن هذا العصر- والمتمثل في الإعلام الرقمي الذي نعيش أجمل أيامه- التفاعل المباشر حول المضامين، ومعرفة ردود الأفعال على كل ما نكتبه وبشكل سريع، من خلال منصات ووسائل التواصل الاجتماعي، وعلى وجه الخصوص تطبيق "واتساب"، الذي أتاح لنا معرفة أعداد الذين يقرؤون مقالاتنا ومدى رضاهم عن تلك الكتابات، وكذلك الرصد الذي تُجريه صحيفة "الرؤية" ويظهر مباشرة في نهاية قراءة المقال، خاصة إذا كان مُتصدرًا وضمن قائمة الأكثر قراءة على الموقع الإلكتروني للجريدة. ومن هنا يعلم الكاتب رجع الصدى أو رد الفعل على الرسالة الإعلامية التي تَعبُر للجمهور عبر 6 عناصر تُشكِّلُ منظومة الاتصال الجماهيري، وتحتاج إلى دراسات مُطوَّلة وجهد بحثي لا يتوافر للإعلاميين، إلّا في مناسبات نادرة وبعد عدة أشهر من إجراء تلك الدراسات- إن وُجِدَتْ في الأصل- والمتعلقة بالمشاهدين والقراء ومتابعي الإذاعات المسموعة، وبالتالي كانت هذه العملية الاتصالية التي تفتقد لمعرفة رغبات الجمهور ومدى رضاهم عن كتاباتنا، تُشبِه الذي يمشي في الظلام، لا يعرف أين يضع قدمه؛ بل يمكن أن يسقط في أي لحظة!

لقد فكَّرتُ أكثر من مرة أن أتوقف موقتًا عن الكتابة أو على الأقل أَخْذْ إجازة لمدة شهر مثلًا، ولكن كلما وصلتني ردود إيجابية على ما أكتبه، أجد نفسي مستمرًا ومُتشجِّعًا على الصمود. ولعل الرسالة التي وردتني ضمن مجموعة رسائل هذا الأسبوع حول مقالى الأخير الموسوم "حدود الحرية في قانون الإعلام الجديد"، قد أثلجت صدري وشكّلت نقطة تحوُّل في ثقتي المطلقة في القراء الذين يقرأون مقالاتي، فقد كتب الأستاذ سالم مسعود تبوك الرسالة التالية: "مقال تناول كل ما يدور في أنفس الصادقين والوطنيين؛ والله العظيم إن هذا المقال لم يغادر في نظري شيئًا إلّا وذكره بالكلمة والجملة. والواقع الملموس الذي يدور في أذهان المجتمع العماني. وكذلك هذا المقال في نظري تجاوز بصدقه التحفظات الجبانة التي كثرت وتعاظمت إلى أن أوصلت البعض لأن يتكلموا في الشؤون العامة، والنتيجة تأجيج الرأي العام ضد الحكومة. وفي نظري يا دكتور محمد ما تشتد الحلقة وتقوي الربطة وتمتد الوصلة إلّا لتنفك باتجاه الانفراج الذي سيضع الكل حسب الترتيب العادل في المكان الذي ينبغي عليه الجلوس فيه. التحية والاحترام من قلب صادق لشخص صريح ووطني وشجاع في وقت صمتت فيه الكثير من الأقلام لتترك الفرصة للآخرين للحديث إلى الجماهير. أرجو منكم الاستمرار في البيان الصريح والكتابة المُعبِّرة عن المجتمع".

بينما سطّرت قامة أكاديمية رفيعة أخرى من أساتذة جامعة السلطان قابوس هذه الكلمات: "مقال جريء وحصيف وحريص على الوطن.. لله درك أخي العزيز د. محمد".

وفي الختام.. أسجِلُ الشكر والتقدير لكل من يتفاعل مع ما نكتبه؛ سواء بالإشادة أو النقد البناء، وأقول للذين اقتبست كتاباتهم في هذا المقال، أِعِدُّ كلماتكم أوسمة على صدري ليس من أجل الكاتب؛ بل بهدف الارتقاء بهذا الوطن الذي له مِنَّا الولاء والإخلاص والصراحة في قول كلمة الحق، مهما ترتب على ذلك من أثمان، فسوف نُعبِّر عمَّا يدور في نفوس أبناء هذا الوطن العزيز بصدقٍ وشفافيةٍ بعيدًا عن الرياء والنفاق.

** أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري

رابط مختصر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

إنفوغراف.. أبرز قادة حماس الذين اغتالتهم إسرائيل بعد استئناف الحرب على غزة

استهدفت إسرائيل خلال عدوانها المستمر على قطاع غزة  في مارس/آذار 2025، مجموعة من قادة حركة حماس البارزين في مجال العمل الحكومي والأمني، مما أودى بحياة 8 من أبرز الشخصيات القيادية في الحركة.

ونعت حركة المقاومة الإسلامية حماس عضو مكتبها السياسي النائب بالمجلس التشريعي الفلسطيني  صلاح البردويل، عضو المكتب السياسي لحركة حماس، وقالت إنه استشهد في غارة إسرائيلية استهدفت خيمته أثناء قيامه ليلة الـ23 من شهر رمضان في منطقة المواصي غربي مدينة خان يونس.

وكان البردويل من أبرز القيادات التي شاركت في إدارة الملف السياسي للحركة، وله دور كبير في توجيه الأنشطة السياسية والإعلامية للحركة في الداخل والخارج.

وقبل انقضاء 24 ساعة على اغتيالها البردويل، اغتالت قوات الاحتلال الإسرائيلي زميله في المكتب السياسي القيادي إسماعيل برهوم.

وهو عضو آخر في المكتب السياسي لحركة حماس، والذي اغتيل أثناء تلقيه العلاج في "مجمع ناصر الطبي" بعد إصابته في غارة إسرائيلية سابقة.

برهوم كان قد تعرض لإصابة خطيرة في غارة جوية استهدفته في مدينة رفح قبل أن يتم استهدافه مجددًا أثناء فترة علاجه.

ويعتبر إسماعيل برهوم من الرعيل الأول لحركة حماس منذ تأسيسها إبان الانتفاضة الأولى عام 1987.

إعلان

وعرف عنه أنه من رواد العمل الخيري ورجال الإصلاح المجتمعي بالمدينة، وكانت مواقفه السياسية والإستراتيجية هدفا دائما للاحتلال الإسرائيلي.

وبعد مرور 58 يوما على اتفاق وقف إطلاق النار بقطاع غزة في 19 يناير/كانون الثاني 2025، نعت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) عددا من قادة العمل الحكومي في القطاع، إثر استئناف إسرائيل عملياتها العسكرية في 18 مارس/آذار 2025، ومنهم:

عصام الدعليس

هو أحد القيادات البارزة في حركة حماس، وشغل الدعليس عدة مناصب قيادية، حيث كان مستشارا سياسيا لرئيس حركة حماس السابق إسماعيل هنية، ورئيسا لدائرة الإعلام في الحركة قبل أن يتم تعيينه رئيسا للجنة متابعة العمل الحكومي في غزة في يونيو/حزيران 2021.

وكان الدعليس عضوا في المكتب السياسي لحركة حماس، وله دور كبير في إدارة شؤون القطاع خلال فترة حكمه.

محمود أبو وطفة

وكيل وزارة الداخلية في قطاع غزة، وشغل منصبا محوريا في إدارة الشؤون الأمنية للقطاع.

وكان أبو وطفة يشرف على العمليات الأمنية، خاصة في فترات التصعيد العسكري، وهو شخصية بارزة في الحفاظ على استقرار الأمن والنظام في القطاع.

أحمد الحتة

حاصل على درجة الماجستير في القانون، شغل أحمد الحتة منصب وكيل وزارة العدل في قطاع غزة منذ ديسمبر/كانون الأول 2021.

وكان للحتة دور مهم في إدارة النظام القضائي في غزة، ويُعرف بمساهماته في تعزيز القوانين الفلسطينية في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها القطاع.

واستشهد الحتة مع زوجته وأبنائه، في واحدة من أكثر الحوادث المأساوية التي شهدها القطاع.

بهجت أبو سلطان

المدير العام لجهاز الأمن الداخلي في قطاع غزة، والذي كان مسؤولا عن توفير الأمن الداخلي في القطاع والتنسيق بين الأجنحة الأمنية المختلفة لحركة حماس.

أبو سلطان كان شخصية محورية في تعزيز الأمن واستقرار غزة في مواجهة التحديات التي فرضتها الحروب المتواصلة.

إعلان

ويأتي استشهاد هذه الشخصيات القيادية في حركة حماس، في سياق تصعيد غير مسبوق من العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد غزة، حيث لم تقتصر الهجمات على القيادات العسكرية فقط، بل شملت شخصيات مدنية كان لها دور محوري في إدارة شؤون القطاع وتنظيم الحياة اليومية للسكان.

وهذا التصعيد يرفع من حدة المعاناة الإنسانية في غزة، ويؤكد مرة أخرى على حجم التحديات التي يواجهها سكان القطاع في ظل العدوان المستمر.

مقالات مشابهة

  • الكاتب والصحفي اللبناني علي رضا يوسف سبيتي لـ” الثورة”:   جئنا من أرض المقاومة إلى رأس الحربة في الدفاع عن فلسطين
  • وزير التربية: إتخاذ إجراءات ضد الأساتذة الذين رفضوا صب علامات التلاميذ
  • نيويورك تايمز: الأميركيون غارقون في شبكة نظرية المؤامرة
  • إنفوغراف.. أبرز قادة حماس الذين اغتالتهم إسرائيل بعد استئناف الحرب على غزة
  • النظام الجزائري يسجن الكاتب بوعلام صنصال 5 سنوات
  • حكم في الجزائر ضد الكاتب صنصال بالسجن 5 سنوات على وقع أزمة حادة مع فرنسا
  • القضاء الجزائري يحكم على الكاتب بوعلام صنصال بالسجن 5 سنوات 
  • وفاة زوجة الكاتب الراحل أحمد بهاء الدين.. والعزاء بعمر مكرم
  • لدى الوليد مادبو عطب في فهم وتعريف من هم صغار ومن هم كبار
  • الرجال الذين يغفلون إجراء فحص البروستاتا تتزايد احتمالات وفاتهم بالسرطان