كولومبو- في خطوة مفاجئة وُصفت بالتاريخية، اختار الناخبون في سريلانكا، خلال الانتخابات التشريعية التي أُجريت في 14 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، أكثر من ثلثي نواب البرلمان البالغ عددهم 225 عضوا، من حزب "القوة الشعبية الوطنية" الحاكم ذي التوجه اليساري، بينهم 8 نواب مسلمين، كما اختاروا 12 نائبا مسلما من أحزاب المعارضة.

وجاءت الانتخابات البرلمانية بعد 6 أسابيع من الرئاسية التي أفضت إلى انتخاب أنورا كومارا ديساناياكه كأول رئيس يساري في تاريخ البلاد.

ويعتقد النواب المسلمون المنتخبون عن الحزب الحاكم أن الحكومة الجديدة ستكون قادرة على بناء بلد خالٍ من الفساد، مع التركيز على تعزيز الوحدة الوطنية بين المجموعات العرقية والدينية في سريلانكا.

وحدة وطنية

يقول النائب المسلم المنتخب حديثا عن الحزب الحاكم منير مظفر، للجزيرة نت، إن حصوله على عدد كبير من الأصوات من السنهاليين، الذين يشكّل البوذيون الأغلبية الساحقة بينهم إلى جانب أقلية مسيحية وأصوات المسلمين، يعكس خطوة إيجابية نحو تعزيز الوحدة الوطنية.

ويُعتبر السنهاليون أكبر مجموعة عرقية في سريلانكا، ويمثلون نحو 74.9% من إجمالي سكان البلاد البالغ عددهم 22 مليون نسمة، وفي المقابل، يمثل التاميل 11.2% من السكان. في حين يشكل المسلمون 9.2%، ويشكل التاميل الهنود 4.2%، وتشكل المجموعات العرقية الأخرى نحو 0.5% من إجمالي السكان.

ويُعد النائب مظفر، الذي تخرج من كلية أصول الدين بالجامعة النظامية الإسلامية في سريلانكا، أول عالم ديني إسلامي يُنتخب لعضوية البرلمان في تاريخ البلاد، وكان من أبرز الخطباء السياسيين في الحملة الانتخابية التي نظمها الحزب الحاكم.

وأوضح أن نشاطه السياسي طوال مسيرته ركز على قضايا تهم جميع المواطنين، بدلا من حصر جهوده في مشكلات مجموعة عرقية أو دينية محددة.

في هذا السياق، قال رئيس المجلس الإسلامي السريلانكي نظام الدين أمين، للجزيرة نت، إن الناس في كولومبو أصبحوا يصوتون بناء على السياسات والرؤى عوضا عن الخلفيات العرقية والدينية، وهو تطور يُعد إيجابيا، برأيه، وقد تمكّن كل من مظفر وأرقم إلياس من الفوز في مناطق لا تشكّل فيها الأصوات المسلمة نسبة كافية لانتخاب عضو في البرلمان.

وأفاد إلياس، النائب المسلم المنتخب حديثا عن الحزب الحاكم، للجزيرة نت، بأن نحو 70% من ناخبيه كانوا من السنهاليين.

من جانبه، يرى مظفر أن الفشل في بناء الوحدة الوطنية بين الأعراق في البلاد كلف الاقتصاد جزءا كبيرا من موارده، مشيرا إلى أن جزءا مهما منه تم إنفاقه على الحرب الأهلية التي استمرت 30 عاما بين الحكومة وحركة نمور التاميل، التي كانت تسعى لإقامة دولة مستقلة للأقلية التاميلية في شمال سريلانكا وشرقها.

مجيب الرحمن قال إن حزبه المعارض سيدعم الخطوات التي تتخذها الحكومة لمكافحة الفساد (مواقع التواصل) الاقتصاد والفساد

من جهة أخرى، قال مظفر إنه إذا أصبحت البلاد خالية من الفساد، فإن معظم المشاكل التي يعاني منها الناس ستحل تلقائيا، وإن الشعب سئم من السياسيين الفاسدين الذين دخلوا المجال السياسي فقط لحماية مصالحهم الاقتصادية، وأكد "نحن لا نرى السياسة كزينة لتجميلنا، بل نعتبرها مسؤولية وأمانة كبيرة".

بدوره، صرح النائب إلياس بأن اقتصاد سريلانكا انهار بسبب الفساد، وتعمل حكومتهم الحالية على اتخاذ الإجراءات اللازمة لمعالجته بجميع أشكاله، وأكد أن القضاء عليه من أهدافها الرئيسية.

من جانبه، قال مجيب الرحمن، النائب المسلم عن حزب "ساماجي جانا بالاويجايا" الرئيسي في المعارضة، إن حزبه سيدعم دائما الخطوات التي تتخذها الحكومة لمكافحة الفساد.

وبشأن برنامج يدعمه صندوق النقد الدولي، ويقدر بـ2.9 مليار دولار بهدف استعادة الاستقرار الاقتصادي الكلي وتحقيق استدامة الديون في البلاد، أشار مجيب الرحمن إلى أنه سيتعين عليه الانتظار لمعرفة كيف ستتصرف الحكومة في مفاوضات المساعدات، نظرا لاختلاف وجهات النظر نتيجة خلفية الحكومة اليسارية.

النائب إلياس يرى أن التعليم والفرص الوظيفية من أولويات المرحلة المقبلة (مواقع التواصل) الأحوال الشخصية

فيما يتعلق بقانون الأحوال الشخصية للمسلمين في البلاد، يرى رئيس المجلس الإسلامي السريلانكي نظام الدين أمين أن المجتمع المسلم هو الأجدر بتحديد ما يجب تغييره وإبقاؤه فيه، في إشارة إلى المحاولات السابقة لإلغاء هذا القانون وتعديله.

على مدار العقد الماضي، دعت بعض المنظمات البوذية "المتطرفة" إلى إلغاء قوانين الأحوال الشخصية للمسلمين، معتبرة أنه لا يجب أن تكون لهم قوانين خاصة. في المقابل، طالبت بعض المنظمات النسوية بتعديلها بحجة أن "الفتيات المسلمات يُجبرن على الزواج دون السن القانونية".

وكان الرئيس السابق غوتابايا راجاباكسا عيّن لجنة برئاسة الراهب البوذي "المتطرف" جلاجوتا آتاي جنانا ساري، بهدف تطبيق نظام "دولة واحدة قانون واحد" في سريلانكا.

في هذا السياق، يقول النائب إلياس إنه إذا دعت الحاجة إلى تعديل هذا القانون في المستقبل، فلن يتم ذلك إلا بعد التشاور مع العلماء المسلمين، وهو "ما أكده أيضا المتحدث باسم الحكومة الوزير فيجيتا هيراث قبل بضعة أسابيع". وأضاف أن الدستور الجديد الذي وعد به الحزب الحاكم خلال حملاته الانتخابية سيضمن تمكين جميع المجموعات العرقية في سريلانكا من العيش بسلام في البلاد.

أما النائب مظفر فيرى أن التحديات التي يواجهها المسلمون في سريلانكا تختلف من منطقة إلى أخرى، ففي المحافظة الشرقية يعاني المسلمون من مشاكل متعلقة بالأراضي والزراعة، في حين تتركز الصعوبات في المحافظة الشمالية حول إعادة التوطين التي تفاقمت جراء الحرب الأهلية، أما في المحافظات الأخرى، فيواجهون نقصا حادا في الموارد التعليمية، "مما يؤثر سلبا على التعليم".

وأكد النائب إلياس أن التعليم والفرص الوظيفية هما من الأولويات في المرحلة المقبلة، وأضاف "نحتاج في منطقتي إلى تحسين فرص التعليم المهني بشكل خاص".

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: حريات الحزب الحاکم النائب إلیاس فی سریلانکا فی البلاد

إقرأ أيضاً:

سلام رمضان.. مبادرة في سريلانكا للتعريف بالمسلمين من خلال الطعام

كولومبو- يحرص تشاثورا غانيجودا الذي ينتمي إلى خلفية بوذية، وزوجته وطفلهما على استكشاف أطعمة جديدة، وهو فضول يشترك فيه العديد من السريلانكيين، وعندما صادفوا إعلانا عن فعالية ثقافية تُقدَّم فيها تشكيلة من الأطعمة التي يُحضّرها المسلمون حصريا في كولومبو قرروا حضورها.

تعد فعالية "سلام رمضان" التي حضرتها عائلة غانيجودا، المرة الأولى التي تشهد فيها سريلانكا حدثا يُسلّط الضوء على فنون ومأكولات وثقافة الإسلام والمسلمين في البلاد.

وكما فعلت عائلة غانيجودا، حضر العديد من السريلانكيين من مختلف الخلفيات الدينية الفعالية لاكتشاف تاريخ المسلمين السريلانكيين ودينهم وثقافتهم ومأكولاتهم، وحضرت معهم الجزيرة نت أيضا للتعرّف أكثر على الحدث.

تتمتع سريلانكا بموقع إستراتيجي في المحيط الهندي، ويقطنها مسلمون يشكلون حوالي 10% من إجمالي السكان، أي نحو 2.2 مليون نسمة من أصل 22 مليونا، وينقسم المسلمون إلى 4 مجموعات عرقية، أكثرهم المور الذين يشكّلون نحو 90%، يليهم الملايو، والميمون، والبهرة الداوودية.

تشاثورا غانيجودا أعجب بالصيام واعتبره عادة مفيدة للصحة (الجزيرة) رؤية حكومية

ووفقا لرئيس فريق تنظيم فعالية "سلام رمضان" رزان نظير، ونائبه أمان أشرف، فإن هذا الحدث يتماشى مع رؤية رئيس سريلانكا أنورا كومارا ديساناياكي، لتعزيز التعايش من خلال الاحتفاء بالتنوع الثقافي.

إعلان

وأوضحا للجزيرة نت، أن الرئيس أعرب لوالي المحافظة الغربية حنيف يوسف، عن أهمية تنظيم فعالية تُبرز التنوع الثقافي للمسلمين، وأكد نظير على أهمية هذه المبادرة والدعم الكبير الذي حظيت به من غير المسلمين.

وفي حديثه للجزيرة نت، صرّح نظير أن "رئيس سريلانكا أراد إقامة هذا الحدث لتعزيز التآخي بين جميع الطوائف، حيث يُقيم البوذيون والمسيحيون مثل هذه الفعاليات خلال عيد فيساك وعيد الميلاد، لكننا لم يكن لدينا حدث مماثل، لذلك، وفي غضون أسابيع قليلة، قمنا بتنظيمه، وشهدنا حضورا كبيرا من غير المسلمين الذين أتوا لاستكشافه".

من جانبه، أكّد أشرف على الجهد الجماعي للجماعات العرقية المسلمة الأربع في سريلانكا لإنجاح الفعالية، وأشار إلى أن هذه المجموعات كانت تُقيم في السابق احتفالات ثقافية منفصلة، لكن هذه هي المرة الأولى التي تجتمع فيها بحدث مشترك، مما يعكس وحدة المجتمع الإسلامي.

أمان أشرف أكد أن الجهد الجماعي للمسلمين ساهم بنجاح الفعالية (الجزيرة) مساهمة المسلمين

لطالما جذبت سريلانكا التجار العرب في عصور قبل الإسلام وبعد ظهورها، فقد كان العرب ينجذبون إلى شواطئها بفضل ثراء الجزيرة بالتوابل والأحجار الكريمة.

ومع استقرار التجار العرب وزواجهم من نساء محليات، نشأ مجتمع مسلم متميز، يُعرف عرقيا باسم "المور"، ومع مرور الوقت، ازدادت هذه الفئة الإسلامية تنوعا بفضل هجرة الملايو من الأرخبيل الإندونيسي، بالإضافة إلى الميمون والبهرة الداوودية من الهند قبل التقسيم.

وقد لعبت هذه المجموعات المتنوعة دورا مهمًا في تشكيل الثقافة السريلانكية، حيث ساهمت في تطوير المطبخ المحلي، والملابس، والمفردات. ووفقا لآصف حسين، رئيس قسم التوعية في مركز الدراسات الإسلامية في كولومبو، فقد تركت المجتمعات المسلمة بصمة دائمة في الثقافة السريلانكية.

وفي حديثه للجزيرة نت، أوضح حسين أن بعض الأطعمة السريلانكية الشهيرة، مثل الدودهول والأتشارو، تعود أصولها إلى الأرخبيل الإندونيسي، كما أشار إلى أن الاسم الرسمي السابق لسريلانكا "سيلون"، مشتق من كلمة سيلان العربية.

ركن الخط العربي كان أحد أبرز الزوايا في الفعالية (الجزيرة)

 

وخلال فعالية "سلام رمضان" قام متطوعو المركز بتوزيع ترجمات معاني القرآن الكريم باللغة السنهالية، مما يساعد في تعزيز التفاهم الثقافي والديني بين المسلمين والأغلبية الناطقة بالسنهالية.

إعلان

وكان ركن الخط العربي أحد أبرز المعالم في الفعالية، حيث أُتيحت الفرصة للزوار لكتابة أسمائهم بأسلوب فني مميز، وللكثير من السريلانكيين غير المسلمين، وكانت هذه تجربة جديدة وجذابة، أسهمت في تعزيز تقديرهم للثقافة الإسلامية.

وإلى جانب الجوانب الثقافية، أسهم المجتمع المسلم في سريلانكا بشكل كبير في الاقتصاد الوطني، وهو ما استعرضه "مجلس تقييم الحلال" في الفعالية.

وفي هذا السياق، صرّح أسامة زيد، رئيس قسم العلامة التجارية وتطوير الأعمال في مجلس تقييم الحلال، للجزيرة نت، بأن "المنتجات الحاصلة على شهادة الحلال من صادرات سريلانكا قد حققت إيرادات بلغت 1.7 مليار دولار أميركي في العام الماضي، وهو رقم يشهد زيادة مطردة في السنوات الأخيرة".

عائلة نور أزيدة عمر الماليزية كانت ضمن المشاركين في الفعالية (الجزيرة) الطعام يوحد الناس

أثناء تجربة عائلته للأطعمة الإسلامية المتنوعة، أعرب غانيجودا عن إعجابه بالصيام، معتبرا إياه عادة مفيدة للصحة، وأكد في حديثه للجزيرة نت، أن الطعام قادر على جمع الناس معا، "فالغذاء هو حاجة الناس الأساسية، وعندما تُنظم فعاليات تتمحور حول الطعام، ويلتقي الناس من مختلف الأعراق والأديان، يتعزّز التفاهم والانسجام والتآلف بينهم".

لم يقتصر الحضور في الفعالية على السريلانكيين فحسب، بل شارك به أيضا العديد من السياح والأجانب العاملين في البلاد، ومن بين المشاركين، حضرت نور أزيدة عمر، وهي ماليزية تعمل في المجال الدبلوماسي، حيث انضمت إلى الفعالية مع زوجها وأطفالها لاكتشاف ثقافة المسلمين في سريلانكا.

وأوضحت أزيدة للجزيرة نت أنها وجدت الفعالية فريدة من نوعها، مشيرة إلى أنها "كانت فرصة رائعة لتبادل الثقافات والتعرف على تقاليد المسلمين في سريلانكا، ليس فقط بالنسبة للسريلانكيين، ولكن أيضًا للأجانب".

مقالات مشابهة

  • إفطار رمضاني عربي في غرينلاند .. هل يوجد مسلمون هناك؟
  • تأخير جداول موازنة 2025.. تعديلات أخيرة تؤجل وصولها للبرلمان
  • سلام رمضان.. مبادرة في سريلانكا للتعريف بالمسلمين من خلال الطعام
  • بعد توقيف نائب الرئيس.. تحذير أممي من انزلاق جنوب السودان إلى الحرب
  • توقيف رياك مشار وتحذير أممي من انزلاق جنوب السودان إلى الحرب
  • الأمور حُسمت.. من سيكون الحاكم الجديد لمصرف لبنان؟
  • الإفراج عن 14 شخصًا من أبناء الأشراف والحميدات بحضور نواب وشخصيات عامة
  • «الاتحاد للطيران» تدعم مبادرات مجتمعية في سريلانكا
  • 3.1 تريليون جنيه إيرادات.. الحكومة توافق على مشروع موازنة 2025- 2026 وتُحيله للبرلمان
  • الاتحاد للطيران تدعم مشاريع ومبادرات اجتماعية في سريلانكا