للرجال فقط.. تحرش وتهديدات بالقتل تلاحق لاعبات كرة القدم بالسودان
تاريخ النشر: 19th, November 2024 GMT
« مكانك المطبخ، ماتفعلينه مضيعة للوقت، ابحثي عن مهنة أخرى »، تعليق من بين عشرات التعليقات التي صاحبت لاعبة فريق المريخ العاصمي، زهرة محمد أزرق، الشهيرة بـ « وارغو »، على صفحتها الشخصية بموقع التواصل الاجتماعي « فيسبوك »، خلال مشاركتها في أول دوري لكرة القدم للسيدات في السودان، في الـ 30 من شتنبر عام 2019.
تصف وارغو ما مرت به قائلة: « كُنت محطمة نفسياً، وشعرتُ برغبة جامحة في التوقف عن لعبة كرة القدم »، مضيفة أنها حتى تعرضت للتنمر وبعض التعليقات شبّهتها بالرجال.
أحبتْ وارغو كرة القدم منذ الطفولة، ولعبتها مع أقرانها بالحي الذي تسكن فيه وفي المدرسة أيضاً؛ لكنّها لم تجد الدعم الكافي من الأسرة. تقول وارغو إن بعض أقاربها كانوا يحرّضون والدتها من أجل منعها من ممارسة كرة القدم النسائية.
وتعتقد وارغو أن غياب الدعم الأسري أثر سلباً في حالتها النفسية وانعكس على مسيرتها لاعبة لكرة القدم. وتشير إلى أن بعض السودانيين يعتقدون أن النساء ليس لديهن حرية اختيار ما يريدن فعله، ما جعلها تواجه تحديات كثيرة عبر حياتها اليومية، ومن خلال منصات التواصل الاجتماعي أيضاً.
تحديات في طريق كرة القدم النسائية
انطلقت أولى منافسات كرة القدم النسائية في السودان رسمياً في نهاية شتنبر عام 2019، تحت مسمى « دوري كرة القدم السوداني للسيدات ». هذه الانطلاقة جاءت بعد رحلة من المنع؛ لعل من محطاتها الفارقة إعلان الرئيس السوداني السابق جعفر نميري عام 1983، تطبيق الشريعة الإسلامية في البلاد، وما ترتب عليه من تحريم لكرة القدم النسائية. لم يختلف الوضع كثيراً في عهد الرئيس السابق عمر البشير، الذي حكم السودان لثلاثين عاماً، أصدر خلالها مجمع الفقه الإسلامي فتوى تحريم تشكيل فرق نسائية؛ بحجة أنها لا تتناسب مع قيم وأعراف المجتمع السوداني.
أقيمت المباراة الافتتاحّية للبطولة على استاد الخرطوم الدولي، المعروف بـ « شيخ الاستادات »، الذي يتسع لـ 23 ألف شخص، بين فريقي التحدي والدفاع. شهدت المباراة حضور مسؤولين حكوميين، في مقدمتهم وزيرة الشباب والرياضة آنذاك ولاء البوشي، إلى جانب الحضور الجماهيري الكبير، وضمت النسخة الأولى لدوري السيدات 21 فريقاً، تمّ تقسيمها إلى أربع مجموعات؛ هي الخرطوم، ود مدني والأبيض، وكادوقلي.
واعتمد نظام البطولة على تأهل فريقين من كل مجموعة للدور ربع النهائي، على أن تُقسم الأندية إلى مجموعتين مرة أخرى، ويتأهل المتصدران إلى المباراة النهائية لتحديد البطل.
الاغتيال المعنوي
« جوجو »، وهي لاعبة كرة قدم، شاركت في منافسات دوري السيدات، تقول إن التعليقات السلبية، سواء كانت عبر منصة فيسبوك أو من خلال هتافات الجمهور، تسبّبت في إنهاء مسيرة عدد من اللاعبات. وأضافت جوجو أنها تعرف لاعبة أجبرتها أسرتها على الزواج، وأخريات حُرمن من المشاركة في المنافسات بسبب رفض أُسرهن؛ بعد سماع التعليقات السلبية والمسيئة التي يتعرضن لها.
وتُشير جوجو إلى أن « التنمر » كان يحدث حتى من قبل المدربين، متسائلة « كيف يمكنهن اللعب؟ »، مضيفة: « الكلمات القاسية والبذيئة والشتائم تؤثر في اللاعبات نفسياً، فينعكس ذلك عليهن في الشارع وفي الميدان وفي المنزل، وتجعلهن يشعرن بالكراهية تجاه المجتمع وكرة القدم ».
على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، رصدت معدة التقرير مئات التعليقات السلبية ضد لاعبات عقب كل مباراة. من أشهر التعليقات السلبية، وصف اللاعبات بـ « مطلوقة »، وتعني وفقاً للعامية السودانية المتمردة على الأسرة، « وبايرة » وتعني المرأة التي تجاوزت العمر الاجتماعي المتعارف عليه للزواج، إضافة إلى تعليقات أخرى تتضمن إيحاءات جنسية، وتتهم اللاعبات بالرغبة في الزواج، ومحاولة لفت انتباه الرجال.
مجتمع تقليدي
تُقر نائبة رئيس قطاع المرأة بنادي الهلال السُّوداني، مشاعر عثمان، بوجود عنف ضد لاعبات كرة القدم في السودان. وتُرجع عثمان السبب لطبيعة المجتمع السوداني المحافظة: « 90 في المئة من الأسر السودانية محافظة ولاتُحبذ أو غير قادرة حتى الآن على تقبل فكرة أن تُصبح ابنتهم لاعبة كرة قدم، لذلك تواجه اللاعبات انتقادات كبيرة، وتتعرض للهجوم عبر مواقع التواصل الاجتماعي ».
لم تكن نائبة رئيس قطاع المرأة بنادي الهلال السُّوداني بعيدة عن هذه المعاناة؛ فتقول إنها شهدت بنفسها تعرض لاعبات للضغط والمنع من الأهل، خلال ترأسها ملف تسجيل اللاعبات بالنادي: « واجهتُ تحديات جمة فيما يتعلق بتسجيل بعض اللاعبات؛ فمثلاً تجد اللاعبة لديها رغبة قوية في الانضمام للفريق، لكنّها دائماً ما تواجه بالرفض من قبل أحد أفراد الأسرة ».
وترى عثمان أن التشدد في الرفض من قبل الأسر، سببه الرئيسي الخوف من العنف الرقمي والانتقادات التي تتعرض لها اللاعبات من المجتمع؛ سواء كانت تعليقات مباشرة أو من خلف منصات التواصل الاجتماعي.
أما الصحفية الرياضية هيام تاج السر، فتقول إن التنمر ضد اللاعبات وصل حد الاستهزاء بمظهرهن الخارجي والتشكيك في أنوثتهن، مشيرة إلى أن بعضهن تمكن من مجابهة هذه التحديات كافة، والمضي قدماً في مسيرتهن الرياضية.
« إن التعليقات السلبية ضد اللاعبات لم تقتصر على رواد منصات التواصل الاجتماعي فقط، وأخشى أن يُمارَس ذلك من قبل إدارات بعض الأندية، التي لا ترى في مشاركة النساء ضرورة أو أهمية سوى تلبية مطالب المنظومة الدولية للعبة »، هذا ما ذهبت إليه ممثلة المرأة وعضوة مجلس إدارة نادي المريخ، سلمى سيد.
وتضيف سلمى: « من المؤسف أن اتحادات كرة القدم، ورئاسات الأندية، لم تضع خططاً مدروسة تقدم النموذج الأنثوي الفاعل والمشارك باسم الرياضة حتى الآن ».
التهديد بالقتل
لم تقتصر التعليقات على التنمر والإساءات الشخصية، أو حتى الإيحاءات الجنسية فقط، بل وصلت إلى تهديدات بالقتل « لطاقم التحكيم النسائي ». الحكمة الدولية السودانية رماز عثمان، تقول إن تجربتها مختلفة في مجال كرة القدم النسائية؛ لأنها وجدت دعماً وتشجيعاً من جانب أسرتها، وتحديداً من والدها الحكم السابق وسكرتير الناشئين بنادي الأسرة ولاية الخرطوم. لكنّ عثمان تؤكد أن رحلتها لم تخلُ أيضاً من التنمر والتعليقات السلبية ونظرات الاستهجان من المجتمع، الرافض لكل مَن تقتحم مجال كرة القدم من النساء.
ومن الناحية القانونية، تقول المحامية والناشطة الحقوقية نون كشكوش، إن هذا النوع من الجرائم محكوم بقانون جرائم المعلوماتية. وتضيف كشكوش أن لاعبات كرة القدم، اللائي تعرضن لتعليقات مسيئة، يحق لهن تسجيل بلاغات ضد الصفحات أو الأشخاص الذين يقودون حملات ضدهن؛ سواء كن مقيمات في المدن السودانية الآمنة حالياً، أو مقيمات خارج السودان، لأن جرائم المعلوماتية يمكن أن يحكمها قانون البلد المقيمات فيه، أو أيّ بلد آخر يُقيم فيه الأشخاص المسؤولون عن هذه الصفحات.
وتؤكد كشكوش عدم وجود أيّ نص في القانون السوداني يمنع أو يُجرّم لعب أو احتراف النساء لكرة القدم.
وتنص الفقرة السابعة عشرة بالفصل الرابع من قانون جرائم المعلوماتية السوداني للعام 2007 على أن « كل من يستخدم شبكة المعلومات أو أحد أجهزة الحاسوب أو ما في حكمها لإشانة السمعة، يعاقب بالسجن لمدة لا تتجاوز السنتين أو بالغرامة أو بالعقوبتين معاً ».
وسائل اغتيال الشخصية
تصف استشاري علم النفس، ومديرة مركز أمنية للتدريب وتنمية المهارات النفسية، دكتورة ابتسام محمود أحمد، منصات التواصل الاجتماعي بوسائل اغتيال الشخصية؛ وذلك بسبب تفشي العنف اللفظي وأثره النفسي وما يترتب عليه من الإصابة بالاكتئاب، والخوف، والرغبة في البعد عن الأضواء، وبالتالي إغلاق الصفحة الشخصية على فيسبوك، أو أيّ من المنصات الأخرى كرد فعل لهذه الإساءات.
وترى استشاري علم النفس أن رفض المجتمع السوداني القاطع لكرة القدم النسائية، والتعليقات السلبية ضد اللاعبات، سببه خروجهن عن الإطار الثقافي والاجتماعي، فالمجتمع يعتقد أن كرة القدم لا تناسب النساء، وأن ارتداء الزي الرياضي يخالف الدين الإسلامي.
وتطالب الدكتورة ابتسام لاعبات كرة القدم بالتعامل بقوة وحزم مع حملات التعليقات السلبية والتنمر، وألا تهزمهن سلاطة اللسان أو التقاليد المجتمعية.
أُنجز هذا التقرير بدعم من أريج
المصدر: اليوم 24
إقرأ أيضاً:
تصعيد جديد في الضاحية الجنوبية.. غارة إسرائيلية وتهديدات متبادلة تهدد استقرار الهدنة
شنّ جيش الاحتلال الإسرائيلي، غارة جوية على الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت، الثلاثاء، زاعما أنه يستهدف أحد عناصر حزب الله الذي كان يُنسّق مع حركة حماس لشن هجوم وشيك على إسرائيل.
وتأتي هذه الغارة، في تصعيد جديد يُهدد استقرار المنطقة ويُضعف فرص استمرار الهدنة، وأيضا بعد أيام قليلة من هجوم مشابه على المنطقة ذاتها، مما يزيد من المخاوف حول احتمال انهيار وقف إطلاق النار الذي دام لـ 4 أشهر.
وفقًا لبيان جيش الاحتلال الإسرائيلي، فإن الغارة الأخيرة استهدفت “عنصرًا من حزب الله كان قد وجّه عناصر من حماس وساعدهم في التخطيط لهجوم ضد مدنيين إسرائيليين”، وأفاد شهود عيان بسماع طائرات تحلق على ارتفاع منخفض فوق بيروت، تلاها دوي انفجارات عنيفة هزت مناطق مختلفة من المدينة، مما أثار حالة من الهلع بين السكان.
تداعيات الغارة على وقف إطلاق النارزاد هذا الهجوم من الشكوك حول مستقبل الهدنة الهشة التي بدأت في 27 نوفمبر الماضي بين إسرائيل وحزب الله، والتي كان الهدف منها الحدّ من التصعيد العسكري بين الطرفين.
وتأتي هذه التطورات بعد أيام من تصريحات رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، التي أكّد فيها أن إسرائيل "ستضرب في كل مكان في لبنان ضد أي تهديد".
وتعد هذه هذه الغارة الثانية التي تستهدف الضاحية الجنوبية خلال أيام، حيث سبق أن شن الاحتلال الإسرائيلي غارة، يوم الجمعة الماضي، على مبنى ادّعت أنه مخزنا لطائرات مسيّرة تابعة لحزب الله.
وجاءت تلك الضربة، بعد إطلاق صاروخين من جنوب لبنان نحو الأراضي الإسرائيلية، وهي عملية لم تتبنَّها أي جهة رسمية، ونفى حزب الله مسؤوليته عنها.
رد فعل حزب اللهلم يتأخر رد حزب الله على التصعيد الإسرائيلي، إذ توعد الأمين العام للحزب نعيم قاسم، بأن الرد سيكون حتميًا، مشددًا على أنه "لا يمكن القبول بمعادلة تسمح لإسرائيل بقصف الضاحية الجنوبية في أي وقت تشاء بينما يظل الحزب متفرجًا".
وأضاف: "كل شيء له حد، ولن نسمح بتغيير قواعد الاشتباك بهذه الطريقة".
ورغم اتفاق وقف إطلاق النار، فإن الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان وشرقه لم تتوقف، حيث تبرر إسرائيل عملياتها بأنها تستهدف منشآت عسكرية لحزب الله، بينما يتهم حزب الله إسرائيل بمحاولة فرض واقع جديد على الأرض.
تتهم إسرائيل الحكومة اللبنانية بعدم الالتزام بالاتفاق عبر السماح لحزب الله بالاحتفاظ بترسانته العسكرية وعدم إبعاده عن الحدود.
وفي المقابل، يواصل الجيش الإسرائيلي احتفاظه بـ 5 مناطق استراتيجية داخل الأراضي اللبنانية، وهي مرتفعات تمنحه سيطرة على مساحات واسعة على جانبي الحدود.
وتضع هذه التطورات، لبنان، أمام خطر العودة إلى دوامة الصراع، خاصة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وعدم وجود جهود فعلية للتهدئة.
ويبقى السؤال: هل سيؤدي هذا التصعيد إلى اندلاع مواجهة جديدة بين الطرفين، أم أن الضغوط الدولية ستنجح في احتواء الأزمة قبل أن تتفاقم؟.