تواجه مصر يومياً موجات متواصلة من الشائعات التي تستهدف جوانب حيوية مثل الاقتصاد، السياسة، التعليم، والصحة، بالإضافة إلى محاولة التشكيك في الإنجازات الوطنية، هذه الشائعات تتراوح بين الأخبار المغلوطة والتشويه المتعمد، وتهدف إلى زعزعة الاستقرار الداخلي وإضعاف الروح المعنوية لشعب مصر. تعتمد هذه الشائعات على منصات معادية ووسائل التواصل الاجتماعي، وتستغلها جماعات إرهابية أو شركات علاقات عامة مأجورة لبث سمومها، في محاولة للضغط على مصر وإضعاف موقفها في القضايا القومية والمحلية، وأبرزها القضية الفلسطينية.

في المقابل، تتواصل الجهود لمواجهة هذه الحروب الإعلامية. وسيتم مناقشة قضية الشائعات ضمن محور الأمن القومي في الحوار الوطني المقبل، الذي سيتضمن جلسات علنية وغير علنية لمناقشة سبل التصدي لهذه الظاهرة. كذلك، يعمل المجلس الأعلى للإعلام على تنظيم جلسات توعوية واسعة للصحفيين والإعلاميين وأساتذة الجامعات لتسليط الضوء على دور الإعلام في مكافحة الشائعات وتعزيز الوعي الشعبي والمشاركة المجتمعية في هذا المجال، تماشياً مع المسئولية المجتمعية للإعلام، حيث يجدد الرئيس عبد الفتاح السيسي التأكيد على أهمية نشر الوعي وعرض الحقائق للمواطنين.

تداول المعلومات

تحاول «الأسبوع» عبر خبراء ومختصين طرح خطة شاملة لمكافحة الشائعات وتحويل الأفكار النظرية إلى جهود عملية. يؤكد العميد السابق لكلية الإعلام بجامعة القاهرة، د.سامي عبد العزيز، أن السلاح الرئيسي في مكافحة الشائعات هو المبادرة بتقديم المعلومات الصحيحة للمواطنين. وأشار إلى أن إقرار قانون حرية تداول المعلومات سيكون خطوة حاسمة لضمان توصيل الحقائق، خاصة في ظل تأثير منصات التواصل الاجتماعي في نشر الشائعات.

وطالب عبد العزيز بسرعة إعداد القانون وإرساله لمجلس النواب بعد مناقشته في الحوار الوطني، مؤكدًا أنه سيسهم في تعزيز الشفافية المعلوماتية وتقليل تأثير الشائعات، كما شدد على ضرورة أن تكون البيانات الرسمية دقيقة، وأن تقوم الوزارات والمؤسسات بعقد مؤتمرات صحفية للرد على الشائعات بالأدلة، مع أهمية دور الأحزاب في مواجهة الشائعات، داعيًا إياها للتعاون مع الجهات المعنية وتقديم تفسير مبسط للمواطنين.

وفيما أكد أهمية تفعيل دور المؤسسات التعليمية، خصوصًا مع الشباب، لتدريبهم على كيفية التعامل مع الأخبار المغلوطة، فقد توقع عبد العزيز أن تتصاعد الشائعات في الفترة المقبلة، في ظل تنامي دور مصر على الساحة الإقليمية والدولية، ما يستدعي من الوزارات والمؤسسات التعامل معها بشكل مهني. وأشار إلى أن تفعيل مرصد الشائعات الذي أطلقته وزارة الشباب يعد خطوة هامة في التصدي لهذه الظاهرة.

صناعة الوعي

يتفق العميد السابق لكلية إعلام جامعة القاهرة، د.حسن مكاوي، مع ما طرحه الدكتور سامي عبد العزيز بشأن أهمية التدفق المستمر للمعلومات وعرض الحقائق بكل شفافية لتقليص الاعتماد على منصات التواصل الاجتماعي أو مصادر مجهولة، أو حتى القنوات المعادية مثل قنوات الإخوان التي تروج للأكاذيب. ولفت إلى أن مصر مستهدفة حاليًا، وأن الشائعات ستزداد في الفترة المقبلة، ما يستدعي تضافر جهود قادة الرأي والمفكرين لبناء مجتمع واعٍ قادر على مواجهة هذه المخططات.

شدد مكاوي على أن غياب الوعي بين بعض المواطنين يعود إلى نقص المعلومات الكافية والرد المناسب على الشائعات، وأن هناك حاجة ملحة لإزالة الحواجز بين الجهات المعنية بقضية الوعي، من خلال خطة متكاملة تهدف إلى خلق جيل قادر على تفنيد الحقائق، ومواجهة الشائعات، والدفاع عن الوطن.

أوضح مكاوي أن جميع مؤسسات الفكر وصناعة الوعي يجب أن تعمل معًا لتحقيق هذا الهدف، واستعداده التام للتعاون والتنسيق مع الجهات المعنية لصياغة خطة استراتيجية لنشر الوعي بين المواطنين في مختلف أنحاء مصر، لاسيما أن التوعية بحقيقة ما يحاك ضد الوطن هي السبيل الوحيد لضمان جيل واعٍ يدرك أهمية الحفاظ على استقراره والمساهمة في الحفاظ على أمنه.

التجاهل ممنوع

أكدت أستاذ الإعلام السياسي بجامعة القاهرة، د.إيمان جمعة، ضرورة أن تعيد الجهات الرسمية النظر في طريقة تعاملها مع الشائعات، والرد على كل شائعة بالحجة والبرهان والحقائق المدعومة بالأرقام. وأشارت إلى أن لغة التجاهل وعدم الرد لم تعد مناسبة في المرحلة الحالية التي تتعرض فيها مصر لحملة واسعة من الشائعات الممنهجة تهدف إلى التشكيك في كل شيء.

وأضافت أن هناك دولًا ومنصات متخصصة في إطلاق هذه الشائعات ضد مصر بشكل منظم، وأن الجهات المسئولة عن هذه الحملات معروفة، ولكن الصمت الذي تتعامل به الجهات المعنية يزيد من فرصة انتشار الأكاذيب والتأويلات المغرضة، ما يسبب تصديق المواطنين لتلك الأكاذيب بسبب غياب الردود الكافية.

وطالبت جمعة بضرورة تفنيد الشائعات والرد عليها بدقة وبالبيانات الموثوقة، وأن يتم اختيار مجموعة من الأشخاص (المؤثرين) الذين يتمتعون بقبول واسع لدى الناس للقيام بهذه المهمة من الفنانين والإعلاميين ورجال الأعمال والمفكرين. هؤلاء الأشخاص يجب أن يعرضوا تجاربهم الشخصية في مواجهة الشائعات ويخاطبوا الجمهور بمصداقية لإقناعهم بضرورة التصدي لهذه الأكاذيب قبل أن تنتشر.

وأشارت إلى أن الجميع، دون استثناء، يجب أن يكون له دور فعال وحقيقي في دعم الدولة ومساعدتها على مواجهة التحديات التي تواجهها، بدلًا من ترك الدولة وحدها في مواجهة الشائعات. وطالبت بزيادة عدد البرامج الحوارية والبرامج التثقيفية التي تساهم في رفع الوعي لدى المواطنين بشأن مخاطر الشائعات، مع التأكيد على أهمية التوعية بحقيقة الأوضاع في مصر والتحديات التي تواجهها الدولة. وأكدت أن رفع الوعي بين المواطنين هو أحد الحلول الرئيسية لمكافحة الشائعات والحفاظ على استقرار الوطن.

عرض الحقائق

أكد أستاذ علم النفس السياسي بجامعة عين شمس، د.فتحي الشرقاوي، أهمية اتخاذ إجراءات تتناسب مع طبيعة المخطط الذي يستهدف إضعاف الجبهة الداخلية لمصر. وأشار إلى أن مروجي الشائعات يستغلون بعض الأحداث السياسية والدينية والتربوية والاقتصادية في مواسم معينة، بناءً على أجندات محددة، وأن نقص الحقائق المعلنة يعزز الفرصة أمام هؤلاء المروجين لاستكمال المعلومات الخاطئة وربطها بالمعلومات الرسمية غير الكاملة لتوسيع نطاق الشائعة.

شدد الشرقاوي على ضرورة أن تقوم كل مؤسسة حكومية ووزارة بتأسيس وحدة رصد للشائعات، تكون مهمتها الرد بشكل شامل وكامل بالحقائق والأدلة، مع مراعاة توقيت الرد وقوة الحجة والمعلومات، وأهمية أن يتم الرد من قبل أشخاص يمتلكون خبرات ومصداقية، وأن يكون لديهم قدرة على مواجهة الشائعات وعرض الحقائق والأرقام والوقائع بشكل دقيق ومدروس، حتى يتسنى تفنيد الشائعات بشكل فعال.

وبعد الرد على الشائعات، يجب متابعة الموقف بشكل مستمر من خلال وجود خبراء في علم النفس السياسي، لضمان القضاء على الشائعات والحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية في جميع المجالات. وأصبح من الضروري نشر الوعي الصحيح من خلال الاستفادة من الخبرات المصرية، التي يجب البحث عنها وتفعيلها لمواجهة الشائعات القادمة، دعمًا للوطن في مواجهة التحديات المستقبلية.

فريق واحد

أكد أستاذ الرأي العام بجامعة سوهاج، د.فوزي عبد الغني، أن الشائعات تنبع من مصادر عدة، وأن مصر تواجه حروبًا متعددة الأبعاد تهدف إلى تشكيك المواطنين في إنجازاتها، وهو ما يستدعي اصطفاف المجتمع خلف الدولة لمواجهة هذه التحديات. ونبه إلى أن التصدي للشائعات يحتاج إلى تكاتف المؤسسات الوطنية والعمل كفريق موحد بعيدًا عن سياسة الصمت، وضرورة أن تتبنى وسائل الإعلام خطة شاملة للمكافحة عبر نشرات متخصصة تعرض الحقائق وتكشف الأكاذيب بشكل مستمر.

وأضاف عبد الغني أن المؤسسات يجب أن تلاحق الأكاذيب التي تروجها مجموعات مثل كتائب الإخوان الإلكترونية وعناصر الطابور الخامس، فضلًا عن الشركات التي تسهم في حملات تشويه ممنهجة ضد مصر. مشيرًا إلى ضرورة تنظيم برامج حوارية توضح كذب تلك الحملات. كما طالب بإطلاق حملة قومية للتوعية، تشمل المدارس والجامعات والنوادي والمساجد والكنائس، لإطلاع المواطنين على مخاطر الشائعات والمخططات التي تهدف إلى زعزعة استقرار المجتمع.

وأكد عبد الغني على أهمية تكاتف جهود المجتمع المدني والأحزاب والمؤسسات التعليمية والشباب، مشيرًا إلى أن دور المؤسسات الرسمية لا يكفي وحده، بل يجب أن يساهم فيه جميع أطياف المجتمع من أجل بناء الوعي الصحيح. وشدد على ضرورة رفع وعي المواطنين بأهمية التحقق من صحة المعلومات قبل نشرها، من خلال إصدار بيانات دورية ومنصات تتيح للمواطنين طرح استفساراتهم والرد عليها بوضوح، مما يساهم في تقليل انتشار الشائعات وتعليم المواطنين كيفية التعامل معها بفعالية.

رؤية شاملة

أكد مدرس علم الاجتماع السياسي بجامعة بني سويف، د.قياتي عاشور، أهمية أن تعتمد الدولة رؤية شاملة لمكافحة الإرهاب الفكري وحروب الشائعات. وأوضح أن هذه الرؤية يجب أن تشمل تشجيع الحوار بين الأطياف السياسية والمجتمعية لتعزيز الوحدة الوطنية، إلى جانب إقرار تشريعات صارمة ضد خطاب الكراهية والتحريض على العنف.

وأشار عاشور إلى أن دور المؤسسات الديمقراطية، مثل مجلس النواب والأحزاب السياسية، في صياغة السياسات العامة أمر بالغ الأهمية، بالإضافة إلى نشر الثقافة المصرية الأصيلة لمكافحة الأفكار المتطرفة. وأكد على ضرورة تحسين الوضع الاقتصادي من خلال توفير فرص عمل للشباب، وتوفير بيئة اقتصادية جاذبة للاستثمار، ما سيسهم في تقليل البطالة والحد من تأثير الشائعات.

كما شدد على أهمية تنفيذ برامج لمكافحة الفقر والبطالة لتقليص الفجوات الاجتماعية التي تساعد في انتشار الشائعات، داعيًا إلى دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة لتوفير فرص عمل جديدة وتعزيز النمو الاقتصادي. وأكد على ضرورة تعزيز الشفافية والمحاسبة لمكافحة الفساد وزيادة الثقة في المؤسسات الحكومية.

فيما يتعلق بالتماسك الاجتماعي، دعا عاشور إلى تنظيم فعاليات اجتماعية وثقافية تعزز العلاقات بين أفراد المجتمع، وتقديم الدعم للأسرة باعتبارها أساس المجتمع، وأهمية تمكين الشباب في الحياة العامة وتطوير مهاراتهم أمر ضروري لخلق جيل قادر على الابتكار والريادة، وتوفير منصات للشباب للتعبير عن آرائهم، وتعزيز قيم الوسطية والتسامح في الخطاب الديني، ودعم الحوار بين الأديان والثقافات.

مصر المحورية

أكدت الدكتورة إيمان زهران، أستاذة العلوم السياسية، أن هناك قوى إقليمية تسعى بشكل مستمر لإفشال الدور المصري، خاصة بعد 30 يونيو، مع تصاعد محاولات بعض هذه القوى لترسيم أدوار جديدة تتجاوز القوى التقليدية في المنطقة، مثل مصر. وأوضحت أن الشائعات تُستخدم لإحداث حالة من الضبابية والفوضى، وتشكيك الناس في تحركات مصر المتعلقة بالأزمة في قطاع غزة.

وفيما يخص آليات مواجهة هذه الشائعات، أكدت زهران أن مصر لا تلتفت للأصوات المشككة في نزاهة تحركاتها، إذ أن القاهرة تمتلك ثوابت واضحة في هذا الشأن. وأشارت إلى أن مصر قدمت جهودًا كبيرة منذ توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل عام 1979، مرورًا بالعديد من المساعي المصرية لتعزيز دورها الفاعل، بدءًا من المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، وصولًا إلى الوساطة المصرية في الحروب الإسرائيلية على غزة. وأوضحت أن مصر تسعى دائمًا لتحقيق حل الدولتين، من خلال الضغط المستمر لوقف إطلاق النار، إدخال المساعدات، والتفاوض على إقامة دولة فلسطينية مستقلة وفق حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

وأشارت زهران إلى أن مصر تواجه حربًا من نوع "الجيل الرابع"، التي تهدف إلى زعزعة استقرار الدولة وهدم مؤسساتها الوطنية من الداخل. هذه الحروب تعتمد على استهداف المواطن بشكل مباشر، وهي طويلة الأمد وغير رسمية، وساحة تنفيذها هي المجتمع المحلي. وأضافت أن هذه الحروب جزء من المخطط المستمر لضرب مركزية مصر في إدارة الملفات الإقليمية، وتستهدف الإضرار بمكانتها الدولية والإقليمية.

القوة الناعمة

أكدت الدكتورة نسرين عبد العزيز، أستاذة الإعلام والدراما في أكاديمية الشروق، أن الدراما التلفزيونية والسينمائية تعد من أبرز أدوات القوة الناعمة التي تسهم في توعية الجماهير والحفاظ على ثوابت المجتمع، بالإضافة إلى التصدي للتحديات الوطنية والشائعات التي قد تضر بالاستقرار. وأوضحت أن الدراما يمكن أن تكون وسيلة فعّالة للتثقيف والتوعية، لكنها قد تُستغل لإعاقة المشروعات التنموية إذا لم توجه بشكل سليم.

أشادت عبد العزيز بزيادة الأعمال الدرامية التي تهدف إلى تعزيز الوعي الوطني، مشيرة إلى دور الشركة المتحدة في استجابة لنداء الرئيس السيسي حول أهمية دور الدراما في تشكيل الوعي العام. على سبيل المثال، أكدت أن مسلسل "الاختيار" يُعد نموذجًا بارزًا لهذا الاتجاه، حيث قام بمواكبة جهود الشركة المتحدة في استخدام الثقافة والفن لتثقيف المواطن وتحقيق الإصلاح الفكري. كما أشارت إلى مسلسلات أخرى مثل "الزئبق" و"كلبش"، التي تركز على القيم الوطنية والانتماء وحب الوطن. وفي مجال الدراما الأمنية، استعرضت عبد العزيز مسلسلات مثل "القاهرة كابول" و"هجمة مرتدة" و"العائدون"، التي تساهم في توعية الجمهور بخطر الجماعات الإرهابية وأساليب تجنيد الشباب.

وفيما يتعلق بالوعي التكنولوجي، أبرزت الدراما الحديثة دور وسائل التواصل الاجتماعي في نشر الشائعات، وكيف تؤثر هذه الظواهر على الحياة النفسية والاجتماعية والاقتصادية للأفراد.وأكدت على ضرورة زيادة إنتاج الأعمال التي تعزز الوعي الاجتماعي والبيئي، بالإضافة إلى تسليط الضوء على سير حياة رموز العلم والفن كقدوة للشباب. وأشارت عبد العزيز إلى أهمية تطوير دراما الأطفال، التي تساهم في غرس السلوكيات الإيجابية لدى النشء، مما يعزز من ثوابت المجتمع ويعد وسيلة لمواجهة التحديات الراهنة.

الفرصة متاحة

الشائعات أصبحت سلاحًا فتاكًا في حروب الجيل الرابع، تهدف إلى إضعاف استقرار الدول واستنزاف مواردها. وفي مصر، تشكل هذه الشائعات تهديدًا مزدوجًا، فهي تحاول هز الثقة بين الحكومة والمواطنين، والتأثير السلبي على صورة البلاد في الخارج، في قضايا كالقضية الفلسطينية. ولمواجهة هذا التحدي، يجب تكثيف الجهود بين المؤسسات الإعلامية والتعليمية والسياسية، وتفعيل آليات قانونية لضمان توفير المعلومات الدقيقة.

كما يتطلب الأمر استجابة سريعة لمواجهة الشائعات، مع تعزيز الوعي المجتمعي القادر على التمييز بين الحقيقة والزيف، ويجب تعزيز دور الأحزاب والمنظمات الاجتماعية في نشر الوعي بمخاطر الشائعات، والعمل على تعزيز الوحدة الوطنية. إذا نجحت مصر في تنسيق جهودها لمكافحة الشائعات، فإنها ستتمكن من تعزيز استقرارها وحماية مكانتها الدولية.

المصدر: الأسبوع

كلمات دلالية: التعليم الشركة المتحدة الاقتصاد السياسة الإرهاب الفكري والصحة مواجهة حرب الشائعات التواصل الاجتماعی مواجهة الشائعات الجهات المعنیة على الشائعات هذه الشائعات بالإضافة إلى الشائعات ا عبد العزیز مواجهة هذه فی مواجهة على أهمیة نشر الوعی على ضرورة ضرورة أن تهدف إلى من خلال یجب أن إلى أن أن مصر

إقرأ أيضاً:

الحنين للدكتاتورية – مأزق الوعي

3 أبريل، 2025

بغداد/المسلة:

ناجي الغزي

يُعدّ الحنين إلى الماضي ظاهرة إنسانية عامة، تتكرر عبر الأزمنة والأمكنة، لكن حين يتحول هذا الحنين إلى حالة جمعية تستدعي عهداً ديكتاتورياً اتَّسم بالقمع، والحروب، والتجويع، فالأمر لا يعود مجرد مشاعر، بل يصبح علامة استراتيجية لفشل البنية السياسية والاجتماعية والرمزية في إنتاج أفق بديل أكثر إنسانية وعدالة. والعراق مثال صارخ على هذا المأزق، إذ لا يزال قطاع واسع من المجتمع يعيد إنتاج حنينه إلى الأنظمة السابقة، بما فيها نظام صدام حسين القمعي، رغم كل الكوارث التي خلفها.

من الملكية إلى الدكتاتورية – ذاكرة شعب تائه

شهد العراق منذ انقلاب 1958 سلسلة من التحولات السياسية التي لم تُبنَ على مشروع وطني متكامل، بل على ردود أفعال ومشاريع سلطوية. فكلما سقط نظام استبدادي، وُلدت لدى الناس “قدمية شعورية” تنظر إليه كعصر ذهبي، لا حباً فيه بل رفضاً للواقع الراهن الأكثر سوءاً.
لقد تحوّلت ذاكرتنا الجمعية إلى دائرة مغلقة، تُعيد تمجيد كل نظام بعد سقوطه، حتى لو كان في حينه موضوعاً للرفض، ما يكشف عمق الخلل في ديناميات الوعي السياسي، وغياب الأفق النقدي لدى قطاعات واسعة من المجتمع.

حين تولّى صدام حسين السلطة، تغيرت طبيعة السلطة نفسها. لم تعد دولة تقاد بجماعة أو حزب فقط، بل بشخص واحد يملك كل شيء: السلاح والقرار والحياة والموت. ومع كل كارثة؛ من الحرب مع إيران، إلى غزو الكويت، إلى الحصار الدولي، كان المجتمع يُقاد إلى هاويته باسم “الوطن”، وباسم “الكرامة”، بينما تُسحق الكرامة الحقيقية في الداخل، وتُباد الأجيال إما في الجبهات أو في السجون.

دخل العراق في زمن صدام مرحلة متقدمة من “التدجين السياسي”، حيث تم قولبة المجتمع وفق سردية موحدة تُمجّد القائد وتُخرس المعارضة، وتُنتج ثقافة الخوف والعنف والعسكرة. لكن المفارقة كانت أن الانهيار المدوي لهذا النظام في 2003 لم يُنتج مستقبلاً جديداً، بل كشف عن فراغ عميق في البدائل السياسية. هذا الفراغ تجسد في فشل النخبة التي تولت الحكم بعد 2003، بالإضافة إلى غياب الرؤى الواضحة، مما جعل كثيرين يشعرون بأن الاستبداد، على قسوته كان على الأقل “يوفّر الأمن”، وهو شعور زائف.
ووهمٌ خطير يغفل ثمن القمع والحرية المفقودة.

مأزق الوعي لا مأساة السلطة فقط

الحنين إلى عهد صدام المجرم لا يعكس إعجاباً حقيقياً بشخصه أو سياساته القمعية، بل يُعبّر عن خيبة أمل شعبية في البدائل الديمقراطية، وعن فشل النخب في بناء دولة المؤسسات، كما يُظهر مدى هشاشة الوعي الجمعي حين تُهيمِن عليه النزعات الطائفية، والخطابات الدينية الشعبوية، والولاءات الضيقة.

هذا الحنين في جوهره هو شكل من أشكال اللاوعي السياسي، يتم إنتاجه عبر القهر الاجتماعي والتجهيل الثقافي، وهو ما يعيدنا إلى مقولة “القدمية” للمؤرخ البريطاني أرنولد توينبي: حينما يعجز الناس عن فهم حاضرهم أو التأثير فيه، فإنهم يهربون إلى الماضي كملاذ نفسي.

والحنين للدكتاتورية في العراق هو أحد تجليات الوعي الجمعي الجريح، الذي لم يُمنَح وقتًا للشفاء، ولا فرصة للنهضة. لكنه في الوقت نفسه حنينٌ خطير، لأنه يعبّر عن قبول ضمني باستمرار القمع، واستبدال الفوضى بالحزم، ولو كان هذا الحزم قاتلًا.
إن المجتمعات التي تفشل في بناء أدوات الذاكرة والنقد، والتي لا تتملك حريتها بوعي ومسؤولية، ستظل تدور في فلك الزعامات الفردية. والزعماء الدكتاتوريون لا يهبطون من السماء، بل يولدون من رحم شعوب مهيّأة للاستسلام لهم، ومن ذاكرة مجروحة تسجن نفسها في وهم “الماضي الأفضل”.

السؤال الأهم اليوم ليس: هل كان الماضي أفضل؟ بل: لماذا لم نستطع أن نجعل الحاضر أفضل منه؟ وما الذي يمنعنا من بناء مستقبل لا نندم عليه غداً؟

هذا سؤال يجب أن يُطرح لا على السياسيين فقط!! بل على النخبة الثقافية، وعلى كل فرد يرى في الطاعة ملجأً، وفي الخوف فضيلة. فالدكتاتورية لا تعود فقط بمدافع الدبابات، بل تعود حين نشتاق لها، ونبرر وجودها، ونفشل في صناعة بديلها.

استراتيجية الخروج من مأزق الحنين

1. إعادة بناء الوعي النقدي: عبر إصلاح النظام التعليمي، ودعم وسائل الإعلام المستقلة، وبناء ثقافة الحوار لا القطيعة.
2. تعزيز ثقافة الذاكرة: تأسيس متاحف وأفلام وثائقية وشهادات حية، تُخلّد حقب الاستبداد بوصفها فترات يجب ألا تتكرر. وربط الذاكرة بالمستقبل، بدل البكاء على الماضي، حتى تصبح أداة تحصين، لا أداة عودة.
3. تفكيك الطائفية السياسية: عبر إنتاج مشروع وطني جامع يتجاوز التقسيمات الهوياتية.
4. تجريم تمجيد الاستبداد: قانونياً وثقافياً، مع فتح ملفات الحقبة البعثية للوعي العام.
5. تبني مفاهيم العدالة الانتقالية: لخلق مصالحة تاريخية تعترف بالضحايا وتُحاسب الجناة.
6. الاستثمار في الأجيال القادمة: بتوفير فرص حقيقية للمشاركة، والانخراط في مشروع بناء الدولة.

الحنين إلى الدكتاتورية، ربما هو فشل في الحاضر لا تمجيد للماضي، وللخروج منه لا يكفي أن نلعن الاستبداد، بل يجب أن نُنجز بديله: دولة العدالة، الوعي، والمشاركة. وحدها هذه الدولة تجعل الماضي ماضياً، وتجعل الناس يُفكرون في الغد بدل أن يهربوا إلى الأمس.

المسلة – متابعة – وكالات

النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

About Post Author زين

See author's posts

مقالات مشابهة

  • إعادة تشكيل الوعي الوطني: الدين والتنوّع في الدولة الحديثة
  • أهمية الطائرات المقاتلة الأمريكية في الترسانة الأوروبية
  • الحنين للدكتاتورية – مأزق الوعي
  • في انتهاك جديد لاتفاقية 1974.. هذه خريطة التصعيد الإسرائيلي الأخير في سوريا
  • الوطنية للنفط ترد على “الشائعات”: الإيرادات النفطيّة تُحوَّل بانتظام، ولا تأخير في السداد
  • في خريطة الخرطوم مثلاً سهم الجريمة والمجرمين بينطلق من الجنوب للشمال
  • اتحاد العمال: الوعي السياسي للمصريين أقوى سلاح لمواجهة أعداء الوطن
  • ما الذي يجري بينهما.. خريطة تفاعلية تظهر مناورات بكين قرب تايوان؟
  • تضارب مثير بين أرقام المسابقات الدينية بمصر خلال رمضان.. وخبراء: مؤشر خطير
  • بعد المراجعة والتوبة..ملك المغرب يعفو عن متطرف إسلامي مدان بـ6 جرائم قتل