أصوات تحت الحصار.. القمع يكمّم أفواه شيعة ينتقدون الحرب في لبنان
تاريخ النشر: 18th, November 2024 GMT
"الخوف يمنعني من الكلام، من دون أن يلغي رفضي لهذه الحرب التي لا تخدم سوى مصالح إيران، ولم تجلب للبنان سوى الموت والدمار والخراب"، بهذه الكلمات يعبّر حسن، أحد أبناء الطائفة الشيعية في لبنان، عن عجزه عن التعبير عن رأيه في الحرب الدائرة بين لبنان وإسرائيل.
ويضيف حسن أنه يشعر بالقلق من أن يصبح الضحية الجديدة في لائحة الأشخاص الذين تعرضوا لأنواع مختلفة من التهديد والعنف، لمجرد أنهم أعلنوا معارضتهم لسياسات حزب الله.
ومنذ اندلاع المعارك على جبهة جنوب لبنان، يعيش حسن ولبنانيون آخرون في حالة من التوتر الداخلي، حيث يجدون أنفسهم عالقين بين رفضهم للحرب من جهة، والخوف من العواقب التي قد تترتب على التعبير عن هذا الرفض من جهة أخرى، ويقول حسن لموقع "الحرة" أن "الخطر أصبح يحاصرنا من كل الاتجاهات: من الغارات الجوية، ومن عناصر ومؤيدي حزب الله وحركة أمل الذين يتربصون بكل من يتجرأ على المجاهرة برأيه الذي لا يتوافق معهم".
ويضيف "نعيش في ترهيب دائم. خسرت وعائلتي منزلنا في جنوب لبنان، وبيتنا في الضاحية الجنوبية مهدد بالدمار. ومع ذلك، يمنع علينا أن نعبّر عن مشاعرنا أو عن خسارتنا لجنى عمرنا. إذا لم نعلن أن ذلك فداء لحزب الله والمقاومة، نكون عملاء. كما يجب على الإنسان أن يكتم حزنه في حال فقد عزيزاً، إذ عليه أن يعلن أن ذلك فداء للمقاومة. لا بل باتت العائلات التي تفقد أحبائها تتلقى التهاني، حيث أصبحنا نسمع 'هنئيا' بدلاً من 'ألهمك الله الصبر'. فأي تكبر على الجراح هذا؟ وأين هي مشاعر الإنسان في كل ذلك؟"
هذه الحالة من الخوف بين أبناء الطائفة الشيعية، تبرز الأثر العميق الذي خلّفته الحرب، ليس فقط على الجبهة العسكرية، ولكن أيضاً في المجتمع اللبناني الذي يعاني من تزايد الضغوطات على حريات الأفراد في التعبير عن آرائهم، لتضاف إلى الضغوطات التي يعيشها اللبنانيون، لاسيما "الشيعة" الذين اضطر عدد كبير منهم للنزوح نتيجة القصف، وسط معاناة اجتماعية واقتصادية ونقص في الخدمات الأساسية.
وتصاعدت حملات قمع حرية التعبير وإسكات الأصوات المعارضة بشكل ملحوظ منذ فتح حزب الله جبهة جنوب لبنان في أكتوبر 2023، وفقاً لما تؤكده الباحثة والصحفية في مركز سكايز، وداد جربوع، وتوضح أن هذا التصعيد "جاء في ظل انقسام اللبنانيين بين مؤيد ومعارض للحرب الدائرة"، معتبرة أن "هذه الحملات تبدو جزءاً من محاولة لفرض سردية واحدة تتماشى مع رؤية حزب الله وحلفائه الداعمين لجبهة غزة".
صدمة الواقعمنى هي الأخرى تعارض الحرب بشدة، مشيرة إلى أنها من صور جنوب لبنان، "المدينة العريقة التي كانت رمزاً للتآلف بين سكانها، قبل أن تفرّق بينهم الأجندات والأحزاب المتضاربة"، وتضيف أن "الحرب الأخيرة عمّقت جراح المدينة وغيّرت ملامحها تحت وطأة القصف المكثف".
وتقول منى في حديث لموقع "الحرة": "في عام 2000، عندما تحرر الجنوب، نجح حزب الله في إقناع شريحة واسعة من أبناء الطائفة الشيعية بأن وجوده ضروري لحماية لبنان، ولكن بعد حرب 2006 والحرب الأخيرة التي زَجّ بها البلد، بات واضحاً أن هدفه لم يعد حماية الوطن، بل أن سياساته هي التي تجلب له الخراب".
وتشير إلى أنها فقدت منزلها ومنزل جدها، وتعرضت منازل عدد من جيرانها للتدمير بسبب الحرب، وتقول "لا نعرف الأسباب الحقيقية لهذه الخسائر، أو ما يسميه الحزب ومؤيدوه بالتضحيات."
"الشيعة، كمعظم اللبنانيين، لم يكونوا راضين عن تورط لبنان في حرب مع إسرائيل"، كما يؤكد الصحفي علي الأمين، ويشرح أن "أبناء المناطق الجنوبية، وخاصة تلك الحدودية مع إسرائيل، كانوا يدركون تماماً أن أي حرب ستترك تأثيرات مباشرة عليهم، سواء من حيث التدمير أو التهجير أو غيرها من الأضرار، وفي ذات الوقت كانوا مؤمنين بأن حزب الله لن يخوض حرباً مع إسرائيل، وأن سلاحه كان دفاعياً وظيفته حمايتهم من أي اعتداء، وذلك كما كان يروج الحزب. ومن هذا المنطلق، استثمر البعض منهم مليارات الدولارات في بناء منازل ومشاريع اقتصادية في تلك المناطق. لكن الواقع اليوم أثبت أن تلك التوقعات كانت خاطئة".
ويعتقد الأمين أن الفجوة بين خطاب حزب الله والمزاج الشيعي العام "قد اتسعت بعد موجة النزوح والتدمير، حيث يشعر معظم الشيعة الذين نزحوا بخسائر كبيرة وقلق وجودي، خاصة فيما يتعلق بإمكانية عودتهم إلى بلداتهم فضلا عن تعويض خسائرهم البشرية والمادية".
وتلفت منى إلى أنها تخشى التعبير عن معارضتها للحرب، خاصة في مكان عملها كي لا تخسر وظيفتها، كما أنها لا تتجرأ على كتابة موقفها على وسائل التواصل الاجتماعي، قائلة "أخاف أن أكتب ما أشعر به، فهناك دائماً من يترصد لإلحاق الأذى بالمعارضين للحزب وعائلاتهم شخصياً ومهنياً، رغم أنني أرفض احتلال أي شبر من وطني، لذلك أكتفي بمنشورات تمجد السلام وحب الوطن".
وتعبّر عن شعورها بمرارة قائلة "أشعر أن صوتي مخنوق، وأنني أعيش في غربة داخل مجتمعي ووطني".
قمع متعدد الأبعادكذلك يعارض حيدر ما يحدث في لبنان، "من الحرب إلى غياب الدولة وسيطرة حزب الله على قرار السلم والحرب"، ومع ذلك، يشعر بعدم القدرة على التعبير عن رأيه بحرية.
ويقول حيدر لموقع "الحرة" "أولاً وقبل كل شيء، عليّ أن أراعي أن لي أقارب وأصدقاء قتلوا أو أصيبوا في هذه الحرب. بالإضافة إلى ذلك، فإن المعارضين الذين يعبّرون عن آرائهم يتعرضون لضغوط وتهديدات من حزب الله وحركة أمل ومناصريهما. لهذا السبب، أُفضّل عدم الإفصاح عن قناعاتي في الوقت الحالي، خاصة في ظل استمرار إراقة الدماء. فضلاً عن أنني أواجه ضغوطات عائلية واجتماعية".
ويضيف حيدر أنه في إحدى المرات، قرر التعبير عن رأيه أمام عائلته بعد أن وصل إلى مرحلة كبيرة من التوتر من كل ما يدور حوله، إلا أن الرد الذي تلقاه زاد الضغط عليه، إذ قال "كان الجواب الذي سمعته أن كل الخسائر هي فداء لحزب الله وأمينه العام السابق حسن نصر الله، لذلك قررت عدم الإقدام على هذه الخطوة مرة أخرى قبل انتهاء الحرب".
تتعدد أساليب مواجهة اعتراضات الصحفيين، الناشطين، وحتى المواطنين العاديين من قبل مناصري تلك الأحزاب أو جيوشهم الإلكترونية بحسب جربوع، وأبرزها "التحريض، التخوين، والاتهام بالعمالة، نشر خطاب الكراهية، الاعتداءات الجسدية التهديد بالقتل، وحتى التهديد بالاغتصاب في حالة الناشطات والصحفيات".
كما يتم "استغلال وسائل التواصل الاجتماعي لنشر الأخبار الكاذبة بهدف تشويه سمعة المعارضين. ومن الأمثلة على ذلك، الادعاء باعتقال ناشطين وصحفيين بتهم العمالة".
وتشير جربوع إلى أن الصحفي نبيل مملوك "تعرض لاعتداءات متكررة بالضرب والتهديد بسبب موقفه الرافض للحرب والدمار الذي تخلّفه"، موضحة أن "حملة تشويه طالت مملوك، حيث روّجت مزاعم كاذبة بأنه يزوّد الجيش الإسرائيلي بمعلومات عن مواقع إطلاق الصواريخ في مدينة صور، وأن الأجهزة الأمنية اعتقلته في محاولة واضحة للتحريض عليه وقمع حقه في التعبير".
وتشدد على أن "مملوك ليس حالة فردية، حيث يواجه العديد من الناشطين والصحفيين مصيراً مشابهاً، ومن بينهم مريم مجدولين لحام، رامي نعيم، وعامر حلاوي، وغيرهم".
سياسة قديمة متجددة"سياسة الترهيب التي يتبعها حزب الله، ليست جديدة" كما يقول الأمين، لكنها "ازدادت وضوحاً في ظل الحرب، بهدف توجيه رسالة إلى المجتمع الشيعي بأن الاعتراض على الحرب أو سياساته له كلفة باهظة، والمطلوب هو الصمت والالتزام بقواعد السلوك التي يحددها الحزب، وترديد ما يريده من بروباغاندا".
في المقابل، برزت كما يقول الأمين "أصوات كثيرة على المستوى الفردي والشخصي لاسيما في بعض مجتمعات النزوح، حيث نلمس حالة تمايز وتنامي الاعتراض، الذي يتخذ أشكالاً متعددة مثل الاعتراض على الأوضاع السيئة التي يعيشونها، أو الحديث عن تخلي إيران عنهم وعن حزب الله".
ويلفت الأمين إلى أن "حالات الاعتراض قد لا تظهر بشكل علني في الوقت الراهن، نظراً لهيمنة أجواء الحرب وقرقعة السلاح التي تخمد أصوات المعترضين على الحزب. بالإضافة إلى ذلك، فإن موارد الإغاثة، حتى تلك المقدّمة من الدولة، تدار عبر حزب الله وحركة أمل، إلى جانب أمل البعض في أن يتولى حزب الله عملية إعادة الإعمار مستقبلاً".
ولم تقتصر سياسة الترهيب على فترة الحرب الجارية فحسب، بل امتدت، وفقاً لما تقوله جربوع، إلى تهديدات تطال المعارضين بالعقاب بعد انتهائها، وتشير إلى أن "هذه التهديدات تأتي بأسلوب يعيد إلى الأذهان ممارسات سابقة، مثل (قبل وبعد السحسوح)، حيث يتم الاعتداء جسدياً على المعارضين، وإجبارهم على تسجيل اعتذارات مصوّرة تتراجع عن مواقفهم المناهضة".
وتؤكد جربوع أن المطلوب اليوم هو "محاسبة المعتدين على الناشطين والصحفيين والمواطنين المعارضين، وكشف هوية المسؤولين عن ذلك أمام الرأي العام لتبيان ما إذا كان هناك أي تورط لجهة حزبية في هذه الاعتداءات، خاصة أن بعض الأحزاب التي توجه إليها أصابع الاتهام تقوم بنفي علاقتها بتلك الانتهاكات".
المصدر: الحرة
كلمات دلالية: جنوب لبنان التعبیر عن حزب الله إلى أن
إقرأ أيضاً:
القدس المنسية: المدينة التي تُسرق في ظل دخان الحرب الإسرائيلية على غزة والضفة
في الوقت الذي تشتعل فيه المواجهة في القطاع وتحتل صدارة المشهد الإعلامي والدبلوماسي، تنزوي القدس في الظل، كمدينة تُسرق بهدوء وتُغيَّب عن الواجهة تحت غطاء النسيان والانشغال. يعيش الفلسطينيون في القدس واقعا قاسيا لا يقل عنفا، لكنه غالبا ما يُختزل إلى الهامش في السردية الفلسطينية العامة.
تفرض السلطات الإسرائيلية قيودا مشددة على حركة المقدسيين، خاصة خلال شهر رمضان، ما يعيق وصولهم إلى المسجد الأقصى، ويحوّل ممارسة العبادة إلى معاناة يومية تتخللها الإهانات والمنع. فهل تُمارس هذه القيود بدافع أمني حقيقي، أم أن وراءها بُعدا دينيا وسياسيا مقصودا؟ ولماذا تستهدف القدس بشكل متكرر بينما يُسمح للمستوطنين باقتحام ساحاتها بكل حرية؟
ومنذ احتلالها عام 1967، تبنّت إسرائيل نهجا ممنهجا لتغيير الطابع الديمغرافي للقدس الشرقية، من خلال سحب الهويات، وهدم المنازل، وتوسيع المستوطنات على حساب الأحياء الفلسطينية. فهل هي مجرد إجراءات إدارية وأمنية؟ أم أنها جزء من مشروع استراتيجي طويل الأمد لطمس الهوية الفلسطينية في المدينة؟
ما يُنفَّذ اليوم ليس سوى تسريع لهذه السياسات، بقيادة حكومة تُعد من الأكثر تطرفا في تاريخ إسرائيل، وتضم شخصيات يمينية تتبنى خطابا إقصائيا لا يعترف بحقوق الفلسطينيين. وقد ترافق هذا التصعيد مع الحرب الإسرائيلية الشاملة على الضفة الغربية وقطاع غزة، ما وفّر بيئة مثالية لتكثيف مشاريع التهويد، في ظل انشغال العالم بساحات الصراع المفتوحة وغياب الاهتمام الدولي بما يجري في المدينة المقدسة
وما يُنفَّذ اليوم ليس سوى تسريع لهذه السياسات، بقيادة حكومة تُعد من الأكثر تطرفا في تاريخ إسرائيل، وتضم شخصيات يمينية تتبنى خطابا إقصائيا لا يعترف بحقوق الفلسطينيين. وقد ترافق هذا التصعيد مع الحرب الإسرائيلية الشاملة على الضفة الغربية وقطاع غزة، ما وفّر بيئة مثالية لتكثيف مشاريع التهويد، في ظل انشغال العالم بساحات الصراع المفتوحة وغياب الاهتمام الدولي بما يجري في المدينة المقدسة.
سياسة المنع من الوصول إلى المسجد الأقصى: بين التضييق الديني والتأثير الاقتصادي
إن إحدى أخطر السياسات الإسرائيلية المستمرة في القدس هي إعاقة حرية العبادة للفلسطينيين، لا سيما في المسجد الأقصى، الذي يمثل أمرا عظيما بالنسبة للمسلمين. تُفرض قيود صارمة على دخول المصلين من الضفة الغربية، عبر نظام تصاريح تعجيزي، غالبا ما يُستخدم كأداة للعقاب الجماعي، ويُرفض دون أسباب واضحة، خاصة لفئات الشباب والنساء والنشطاء.
ولا يقتصر المنع على حرمان الفلسطينيين من ممارسة شعائرهم الدينية، بل يتعداه إلى تمييز واضح على أساس العمر والجغرافيا. فكثيرا ما يُمنع الشبان تحت سن الأربعين من دخول المسجد، حتى في المناسبات الدينية الكبرى، فيما يُسمح للمستوطنين اليهود من أقاصي البلاد باقتحام ساحاته، بحماية الشرطة الإسرائيلية.
أما سكان القدس أنفسهم، فلا يسلمون من التضييق اليومي، إذ تُغلق بوابات المسجد الأقصى بشكل مفاجئ، وتُمارس بحقهم إجراءات تفتيش مهينة على المداخل، وتقتحم قوات الاحتلال باحاته بشكل متكرر، مما يحوّل الحرم القدسي إلى ساحة أمنية تُقيّد فيها حرية العبادة وتسلب السكينة من المصلّين. وتصل هذه الانتهاكات إلى حدّ مصادرة وجبات السحور أو الإفطار من المصلّين، كما حصل قبل عدة أيام، حين داهمت القوات باحات المسجد، وصادرت الطعام من المعتكفين، في مشهد يمسّ بكرامتهم ويُنغّص عليهم أجواء الشهر الفضيل.
وإلى جانب الأبعاد الدينية والوطنية، ينعكس هذا الحصار سلبا على الحركة الاقتصادية في القدس. فعدم السماح لسكان الضفة الغربية بدخول المدينة يُعطّل النشاط التجاري والأسواق، ويؤثر بشكل مباشر على دخل مئات العائلات المقدسية التي تعتمد على الزوار والمصلين من خارج المدينة، خاصة خلال شهر رمضان والمواسم الدينية.
الوضع الاقتصادي في القدس
الوضع الاقتصادي في القدس ليس أقل مأساوية من الوضع السياسي، إذ يعيش السكان في حالة حصار اقتصادي دائم، تتجلى في ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية. ووفقا للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، بلغت نسبة البطالة في القدس الشرقية نحو 5.2 في المئة في عام 2024، مقارنة بـ4.4 في المئة في عام 2021. وقد فاقمت جائحة كورونا، إلى جانب الحرب الشاملة على غزة والضفة الغربية، من حدة الأزمة، إذ أدت إلى فقدان نحو 35 ألف عامل لوظائفهم خلال عام 2024. كما أُغلق ما يقارب 450 محلا تجاريا، ما ساهم في تفاقم التدهور الاقتصادي وضاعف من معاناة السكان.
الاقتصاد في القدس يعتمد بشكل كبير على قطاع الخدمات والسياحة، حيث يشكل أكثر من 40 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي ويوظف قطاع الخدمات 41 في المئة من العاملين. ومع ذلك، تستمر السلطات الإسرائيلية في عرقلة أي نشاط اقتصادي فلسطيني داخل المدينة، من خلال فرض الضرائب الباهظة وإغلاق المحال التجارية بشكل متكرر.
النقص في الخدمات الأساسية مثل المياه والكهرباء ليس عرضا طارئا، بل جزء من سياسة ممنهجة لتقليص الوجود الفلسطيني وإضعاف قدرة السكان على البقاء. يعيش في محافظة القدس حوالي 451 ألف نسمة، يشكلون ما نسبته 9.1 في المئة من سكان فلسطين، ويعاني السكان من نقص حاد في الخدمات الأساسية، كالصحة والتعليم والبنية التحتية، مما يؤثر سلبا على جودة حياتهم اليومية. ويحاول الاحتلال، عبر هذه السياسات، أن يجعل من مدينة القدس بيئة طاردة لأهلها وليست جاذبة، في إطار مساعيه المستمرة لتفريغ المدينة من سكانها الفلسطينيين وتغيير طابعها الديمغرافي.
حين تعود إدارة ترامب.. تُفتح شهية التهويد من جديد
ولا يمكن الحديث عن واقع القدس دون الإشارة إلى عودة دونالد ترامب إلى السلطة، وهو الرئيس الأمريكي الذي منح إسرائيل خلال ولايته الأولى دعما غير مشروط، بدءا من اعترافه بالقدس عاصمة لها، وصولا إلى نقل السفارة الأمريكية إليها في خطوة غير مسبوقة. هذه السياسات لم تكن رمزية فحسب، بل أسهمت فعليا في تغيير ميزان القوى على الأرض، وتعزيز قبضة الاحتلال على المدينة.
عودة ترامب اليوم تمثّل رسالة طمأنة للتيار اليميني المتطرف في إسرائيل، لا سيما في حكومة بنيامين نتنياهو التي تضم شخصيات مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش. ومما يعزز هذا التوجه أن الفريق المحيط بترامب لا يزال يضم وجوها بارزة من أشد المؤيدين لإسرائيل واليمين الديني القومي.
ويعزز هذا التوجه اليميني المتطرف المحيطون بترامب، الذين ما زال لهم تأثير واضح على ملامح السياسة الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية. من أبرزهم: مايك بومبيو، وزير الخارجية السابق، المعروف بدعمه المطلق للمستوطنات ورفضه لحل الدولتين؛ وديفيد فريدمان، السفير الأمريكي السابق لدى إسرائيل، الذي نسّق بشكل مباشر مع قادة المستوطنين وساند ضم الأراضي الفلسطينية. ويبرز أيضا جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأسبق، الذي لطالما دعا إلى الحسم العسكري والتوسع الإسرائيلي، إلى جانب رون ديرمر، أحد أبرز مهندسي العلاقات بين نتنياهو والجمهوريين، والذي سبق أن وصف الضفة الغربية بأنها "أرض متنازع عليها". أما جاريد كوشنر، صهر ترامب ومهندس "صفقة القرن"،عودة ترامب اليوم تمثّل رسالة طمأنة للتيار اليميني المتطرف في إسرائيل، لا سيما في حكومة بنيامين نتنياهو التي تضم شخصيات مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش. ومما يعزز هذا التوجه أن الفريق المحيط بترامب لا يزال يضم وجوها بارزة من أشد المؤيدين لإسرائيل واليمين الديني القومي فرغم غيابه عن الفريق الرسمي الحالي، إلا أن رؤيته لا تزال تترك أثرا عميقا في توجهات الحزب الجمهوري تجاه إسرائيل. هذا الطاقم المتماهي مع توجهات اليمين الإسرائيلي لا يبشر إلا بمزيد من الانحياز، ما يعني أن الفلسطينيين في القدس سيواجهون موجة جديدة من التضييق والتطهير الصامت، تحت غطاء أمريكي رسمي.
هشاشة المواقف العربية والإسلامية
وعلى الرغم من الدعم الذي يلقاه الشعب الفلسطيني من قبل الجماهير العربية والإسلامية، إلا أن المواقف الرسمية لبعض الحكومات العربية والإسلامية تظل هشة ولا ترتقي إلى مستوى التحديات التي يواجهها الفلسطينيون في القدس وغزة. وفي حين تستمر بعض الحكومات في تقديم الدعم السياسي والإنساني، فإن الخطوات الفعلية مثل اتخاذ مواقف قوية ضد السياسات الإسرائيلية أو اتخاذ إجراءات ملموسة مثل سحب السفراء أو إلغاء اتفاقيات التطبيع، ما تزال غائبة.
تساهم هذه الهشاشة الدبلوماسية في إضعاف الضغط الدولي على إسرائيل، مما يقلل من فاعلية التحركات الدولية في محاسبتها على انتهاكاتها المتواصلة. ورغم التحركات الشعبية المستمرة في بعض الدول، والتي تعكس رغبة حقيقية في الوقوف إلى جانب القضية الفلسطينية، فإن غياب التنسيق العربي والإسلامي الفعّال يؤثر على مصير القدس، ويترك الفلسطينيين في مواجهة احتلال متزايد. إن الحاجة إلى توحيد المواقف وتعزيز التعاون بين الدول العربية والإسلامية من أجل الضغط الفعّال على المجتمع الدولي تبقى ضرورية لحماية القدس من عملية تهويد شاملة.
القدس لا تنزف فقط من جراح الاحتلال، بل من صمت العالم، وتردد الشقيق، وغياب القرار. تُسرَق المدينة في وضح النهار، لكنها تُهمَّش في ليل الأخبار، وتذوب في زحمة عناوين الحروب. ومن حق القدس علينا أن نعيدها إلى الواجهة، لا كرمز ديني فحسب، بل كقضية سياسية وشعبية حيّة تستحق أن تكون حاضرة في الضمير العربي والدولي.
فلماذا تغيب القدس عن أولويات الإعلام، وتتراجع على أجندة الدبلوماسية؟ ولماذا تُترك وحدها في معركتها الوجودية؟ إن إعادة الاعتبار للقدس، إعلاميا ودبلوماسيا، لم تعد ترفا ولا خيارا، بل ضرورة وطنية وأخلاقية أمام مشروع الاحتلال الصامت، الذي لا يستهدف الأرض فقط، بل الذاكرة والهوية والإنسان.