فلسفة الأحياء التخليقية
تاريخ النشر: 18th, November 2024 GMT
أ.د. حيدر بن أحمد اللواتي **
قد يتساءل البعض ما الذي يدفع بعض العلماء إلى الإقدام على تغيير جينات الكائنات الحيّة، ودون خشية من حدوث ما لا يُحمد عقباه، والجواب لا شك في أن الفضول العلمي يشكل أحد الدوافع المهمة لهم، لكن بالمقابل، هناك عدد من هؤلاء العلماء والكثير من الفلاسفة الماديين يؤمنون بأن الطبيعة عمياء ولا موجه لها، ولهذا فالكائنات الحية الموجودة إنما هي نتيجة لصدف عشوائية، وليس لتخطيط إلهي موجه، ومن هنا فإن جميع الكائنات يمكننا تعديلها وتغييرها نحو الأفضل وتحسين أدائها، وإذا أمكننا القيام بذلك فإن ذلك يعني صحة نظرياتهم المادية والتي تنفي وجود خالقٍ خلقَ الخلقَ بأحسن صورة وأقوم هيئة.
وبعض الماديين يرى أن الهدف النهائي لهذه البحوث هو الوصول إلى خلق كائن حي من مادة غير حية تماما، فالسؤال الذي كانت البشرية تبحث عن إجابة له وهو كيف بدأت الحياة على كوكب الأرض، يبدو أنه سؤال صعب جدا ولا يمكننا الوصول إلى إجابة واضحة له، لكنهم يرون أن الهدف من كيفية نشأت الحياة على كوكب الأرض هو محاكاة الطبيعة ومحاولة خلق الحياة بنفس الطريقة التي تم فيها خلق الحياة من قبل، وهؤلاء يرون أن تصنيع الحياة وخلقها أمر ممكن القيام به من خلال الغوص في بحوث علم الأحياء التخليقية دون الإجابة عن سؤال كيف بدأت الحياة، فبغض النظر عن كيفية نشأت الحياة على الأرض فإن بإمكاننا أن نخلق الحياة من خلال هذا العلم.
ويرى هؤلاء، بأن قدرة الإنسان على خلق كائن حي من مادة لا حياة فيها، سيثبت بأن خلق الكائن الحي لا يحتاج لقوة غيبية، فالإنسان يمكنه القيام بذلك، وبذلك فإن المؤمنين بوجود إله خالق للحياة والذين يتمسكون باستحالة قيام الإنسان بذلك سيسقط ما بأيديهم من دليل.
ويقف على الضفة الأخرى، المؤمنون بوجود قوة غيبية خالقة مهيمنة على الكون كله، لكن هؤلاء يختلفون في نظرتهم لهذا العلم وفلسفته، فالبعض يقف موقفا سلبيا من علم الأحياء التخليقية برمته، لأنه يرى أن الله تعالى خلق الكائنات الحية المختلفة بأكمل صورة ممكنة، وأنها وجدت لتؤدي أغراضا معينة تتوافق مع مهامها الموكلة إليها، ولذا؛ فإن أي تدخل في هذه الكائنات الحية وتغيير وظائفها وطبيعتها يعد جريمة وتحريفا للمسار الإلهي الذي خطط لهذه الكائنات الحية، فنحن هنا لا نتحدث عن تغييرات بسيطة في الخارطة الوراثية بل نتحدث عن تغييرات كبيرة تؤدي لتغييرات في الوظائف التي يمكن لهذه الكائنات الحية القيام بها؛ بل يسعى هذا العلم في بعض صوره لخلق نظم بيولوجية لا وجود لها كما اتضح لنا ذلك.
وهناك من قد يقف موقفًا وسطًا، فيرى أن الله -سبحانه وتعالى- أعطى للإنسان هذه القدرات الهائلة والإمكانات الكبيرة ليتعرف على عظمة القدرة الإلهية في هذا الكون، ولذا؛ فلا بُد له وأن يفتح له المجال للقيام بذلك ليتعرف عن كثب على تلك القدرة الإلهية ويتعرف على النظم الإلهية المودعة في هذا الكون، لأن هذا العلم دليل واضح وقوي على وجود نظم دقيقة في هذا الكون حتى على مستوى الخلايا الحية؛ فهناك نظام معلوماتي وبرمجة دقيقة، تشكل اللغة التي من خلالها يمكن هندسة الكائنات الحية، وهذه الهندسة والنظام المعلوماتي يناقض فكرة العشوائية تماما بل يدل دلالة قطعية على وجود إله قام بخلق الخلق بنظام دقيق وبرمجة معقدة، وأودع في الإنسان قدرات عقلية وذهنية هائلة تمكنه من إجراء التغييرات فيها بحيث تؤدي لنتائج معينة.
هذا كله دليل على وجود منظم لها، فلا يمكن أن يوجد نظام ولا يوجد منظم أوجده وأقام النظام وشيده، وعليه فخلافا للرؤية المادية، فإن الأحياء التخليقية هي دليل آخر على وجود إله خالق مهيمن بقدرته وجبروته على الكون بكل أجزائه الحية منه وغير الحية، لكن طبيعة المادة وجميع نظمها المرتبطة بها نظم تدافعية، فلا يمكن لأي نظام مادي أن يكون متكاملا، فالمادة بطبيعتها مفتقرة للكمال، وما يقوم به الإنسان عندما يطور في جهة معينة تلك النظم المادية، فإن جوانب سلبية أخرى تبرز فيها، فالنظم المادية بطبيعتها لا يمكن أن تكون كاملة من كل الاتجاهات.
وقد يتساءل البعض عن الفوائد التي ستجنيها البشرية من القيام بهذا النوع من الأبحاث والتي تسعى الى إجراء تغييرات أساسية في الكائنات الحية، فهل الفضول العلمي والتعرف على أسرار المادة في هذا الكون بأشكالها المختلفة يعد سببا كافيا للقيام بذلك، أم أن أسبابًا أخرى تدفعنا للقيام بذلك. وهذا ما سنسلط الضوء عليه في مقالتنا المقبلة.
وللحديث بقية.
سلسة من المقالات عن تاريخ علوم الحياة وحاضرها وفلسفتها والتقنيات القائمة عليها** كلية العلوم، جامعة السلطان قابوس
رابط مختصرالمصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
استشهاد حفيد رئيس حركة حماس في غزة خليل الحية بمجزرة دار الأرقم
قالت مصادر فلسطينية، إن حفيد رئيس حركة حماس في قطاع غزة، ورئيس الوفد المفاوض خليل الحية، استشهد وأصيب شقيقه، بجروح خطيرة في المجزرة التي ارتكبها الاحتلال بقصف مدرسة دار الأرقم شرق مدينة غزة.
واستشهد محمد عز خليل الحية، عامان، وأصيب شقيقه البالغ من العمر 3 أعوام في القصف الذي دمر المدرسة وأوقع 29 شهيدا وأكثر من 100 جريح أغلبهم إصاباتهم خطيرة، في القصف على المدرسة.
والطفل محمد الحية، الذي استشهد اليوم، هو الشهيد العاشر من عائلة خليل الحية خلال هذا العدوان.
وفقد الحية، في الحروب المتواصلة للاحتلال على قطاع غزة، العديد من أفراد عائلته، من أبرزهم نجله حمزة، في قصف على أحد مواقع كتائب القسام، عام 2008، وفي عدوان عام 2014، استشهد نجله الأكبر أسامة، في حي الشجاعية، بعد قصف مدفعية الاحتلال منزله بصورة مباشرة، واستشهد معه زوحة ابنه و3 من أطفاله.
وكانت مصادر طبية فلسطينية، قالت إن 29 فلسطينيا استشهدوا جراء قصف الاحتلال مدرسة دار الأرقم التي تؤوي نازحين في حي التفاح شمال شرق مدينة غزة، في مجزرة جديدة تضاف إلى مجازر الاحتلال التي لا تتوقف على مدار الساعة منذ الانقلاب على اتفاق وقف إطلاق النار.
وأفاد المتحدث باسم جهاز الدفاع المدني بغزة، محمود بصل، بأن طواقم الدفاع المدني، تمكنت من انتشال جثامين 29 شهيدا من المكان، في حين بقي الكثيرون محاصرين تحت الأنقاض، بعد تدمير المكان على من فيه من النازحين.
ولفت إلى وجود أكثر من 100 جريح، الكثير منهم إصابتهم خطيرة، وجرى نقلهم إلى المستشفى المعمداني.
وأشارت مصادر إلى استشهاد أربعة فلسطينيين آخرين، جراء قصف الاحتلال مدرسة فهد في حي التفاح كذلك بالقرب من مدرسة دار الأرقم.
*الشهيد رقم 10 لاسرة القيادي في حركة حماس ورئيس الوفد المفاوض خليل الحية خلال العدوان الصهيوني الجاري. وهو الشهيد رقم 31 لأسرة د. الحية*
الشهيد محمد عز خليل الحية
اسرائيل تقتل أقارب اعضاء الوفد المفاوض للضغط عليهم لتقديم تنازلات في المفاوضات pic.twitter.com/WPtHU8RdEz — Mahmoud Alrantisi محمود الرنتيسي ???????? (@mahmoud_sr) April 3, 2025
وقالت المصادر الطبية، إن الشهداء والجرحى يتوافدون تباعا إلى مستشفى المعمداني وسط قطاع غزة، الذي يعاني من نقص حاد في المعدات الطبية وازدحام كبير للمصابين نتيجة استهدافات سابقة.
وأشار المستشفى إلى أن الكثير من المصابين الذين توافدوا إليه، ليس لهم مكان لتلقي العلاج، بعد اكتظاظ المكان بالإصابات وانعدام المعدات والمستلزمات الطبية لإنقاذ حياتهم.
وقالت مصادر محلية، إن قوات الاحتلال استهدفت أحد مباني المدرسة، المكتظة بالنازحين، بثلاثة صواريخ حربية ثقيلة، ما تسبب في المجزرة وتدمير كبير في المكان.
من جانبه قال المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، إن هناك عددا من الشهداء والجرحى لم يصلوا إلى ما تبقى من مستشفيات ومراكز طبية بمدينة غزة، وسط صعوبة وصول المصابين إلى المستشفيات بسبب انهيار القطاع الصحي بالكامل.