جبر الخاطر وأثره على الفرد والمجتمع
تاريخ النشر: 16th, August 2023 GMT
كثير من الناس يعتقد أن العبادة في الإسلام مقصورة على الصلاة والصيام والزكاة والحج ؛ وهي المشهورة عند الفقهاء بكتاب العبادات؛ وغفل الكثير عن عبادة من أهم العبادات ؛ بل هي طريق إلى الجنة؛ ألا وهي عبادة جبر الخواطر؛ فجبر الخواطر خلق إسلامي عظيم يدل على سمو نفس؛ وعظمة قلب؛ وسلامة صدر؛ ورجاحة عقل، يجبر المسلم فيه نفوسًا كسرت؛ وقلوبًا فطرت؛ وأجسامًا أرهقت؛ وأشخاصًا أرواح أحبابهم أزهقت، فما أجمل هذه العبادة وما أعظم أثرها .
بهذا بدأالدكتور محمد السيد أبوهاشم امام وخطيب مسجد السيدة زينب حديثه حول جبر الخاطر وأثره علي الفرد والمجتمع وأضاف قائلا: يقول الإمام سفيان الثوري: “ ما رأيت عبادة يتقرب بها العبد إلي ربه مثل جبر خاطر أخيه المسلم”.
وجبر النفوس من الدعاء الملازم لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فِي صَلاَةِ اللَّيْلِ : " رَبِّ اغْفِرْ لِي ، وَارْحَمْنِي ، وَاجْبُرْنِي ، وَارْزُقْنِي ، وَارْفَعْنِي" . ( ابن ماجة والترمذي والحاكم وصححه). ولقد حفل القرآن الكريم بعبادة جبر الخواطر في كثير من المواضع ؛ من ذلك قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ }. ( القصص:85) .
فالرسول الله صلى الله عليه وسلم قد أحب مكةَ التي ولد ونشأ فيها؛ وأُخرج منها ظلمًا، وقد احتاج في هذا الموقف الصعب؛ وهذا الفراق الأليم إلى شيء من المواساة وجبر الخاطر، فأنزل الله تعالى له قرآنًا مؤكدًا بقسم؛ أن الذي فرض عليك القرآن وأرسلك رسولًا وأمرك بتبليغ شرعه سيردك إلى موطنك مكة عزيزًا منتصرًا ؛ وقد أنجر الله له ما وعده.
كما اهتم القرآن الكريم بجبر خاطر اليتيم فقال تعالى: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ} ( الضحى: 9 ؛ 10 ) . يقول ابن قدامة -رحمه الله-: “ وكان من توجيهات ربنا - سبحانه وتعالى- لنبيه صلى الله عليه وسلم، فكما كنت يتيمًا يا محمد فآواك الله، فلا تقهر اليتيم، ولا تذله، بل: طيب خاطره، وأحسن إليه، وتلطف به، واصنع به كما تحب أن يصنع بولدك من بعدك، فنهى الله عن نهر السائل وتقريعه، بل أمر بالتلطف معه، وتطييب خاطره، حتى لا يذوق ذل النهر مع ذل السؤال”. أ. ه وقد كان الله مع الصبي زيد بن أرقم حين سمع عبد الله بن أبيّ يقول: “لئن رجعنا المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل”، وبلَّغ الكلمة للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن مثل هذه الكلمة الخطيرة لا بد أن تُنقل، لكن لم يكن معه من يشهد له، وظن قومه أنه غفل ونقل ما لم يحصل لصغر سنه؛ فلم يصدقوه، فخفق برأسه من الهم ما ذكره بقوله: “فأصابني همٌّ لم يصبني مثله قط” فأنزل الله : { هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ } . إلى قوله: { يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} (المنافقون: 7 ، فأرسل إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها عليَّ ثم قال: ” إن الله قد صدقك يا زيد ”، فجبر الله خاطر الصبي الذي كان حريصًا على مصلحة أهل الإسلام . ومن أشهر مواضع جبر الخواطر في القرآن الكريم؛ الآيات التي نزلت في حادثة الإفك؛ في شأن السيدة عائشة رضي الله عنها؛ فقد دخلت امرأة من الأنصار على عائشة وبكت معها كثيرًا دون أن تنطق كلمة. قالت: عائشة لا أنساها لها . وعندما تاب الله على كعب بن مالك؛ بعدما تخلف عن غزوة تبوك؛ دخل المسجد مستبشرًا؛ فقام إليه طلحة يهرول واحتضنه؛ قال: لا أنساها لطلحة. (والقصتان بتمامهما في البخاري ومسلم). فمواقف جبر الخواطر في لحظات الانكسار لا تُنسى . لقد ضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في خلق جبر الخواطر قبل البعثة وبعدها ؛ ونحن نعلم قول السيدة خديجة فيه لما نزل عليه الوحي وجاء يرجف فؤاده:” كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا؛ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ؛ وَتَحْمِلُ الْكَلَّ؛ وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ؛ وَتَقْرِي الضَّيْفَ؛ وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ”. ( متفق عليه ) . إن عبادة جبر الخواطر في حياة النبي صلى الله عليه وسلم شملت جميع أطياف المجتمع ؛ رجالًا ونساءً ؛ صغارًا وكبارًا ؛ فهذا جابر بن عبدالله استشهد أبوه؛ فانكسر قلبه؛ واجتمعت عليه الهموم والغموم والديون ؛ فما يلبث صلى الله عليه وسلم حتى يسري عنه ويجبر خاطره؛ فعن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ : ” لَمَّا قُتِلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ يَوْمَ أُحُدٍ ، لَقِيَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ فَقَالَ : يَا جَابِرُ ، مَا لِي أَرَاكَ مُنْكَسِرًا ؟ قَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ، اسْتُشْهِدَ أَبِي ، وَتَرَكَ عِيَالاً وَدَيْنًا ، قَالَ : أَفَلاَ أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللَّهُ بِهِ أَبَاكَ ؟ قَالَ : بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ ، قَالَ : مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ إِلاَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ، وَكَلَّمَ أَبَاكَ كِفَاحًا ، فَقَالَ : يَا عَبْدِي ، تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ ، قَالَ : يَا رَبِّ تُحْيِينِي ، فَأُقْتَلُ فِيكَ ثَانِيَةً ، فَقَالَ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ : إِنَّهُ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لاَ يَرْجِعُونَ، قَالَ: يَا رَبِّ، فَأَبْلِغْ مَنْ وَرَائِي، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}.( ابن ماجة والترمذي وحسنه). وأضاف الدكتور محمد السيد أبوهاشم امام وخطيب مسجد السيدة زينب قائلا: ولا يخفى علينا اهتمامه صلى الله عليه وسلم بجبر خواطر النساء. فقد روى أنس بن مالك قال: “إِنْ كَانَتْ الْأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: الصيام الزكاة الحج الله صلى الله علیه وسلم ول الله ص ى الله ع
إقرأ أيضاً:
علي جمعة: الدنيا متاع زائل فابتغ ثواب الآخرة
قال الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، إن آيات القرآن كثرت والتي تذم الدنيا إن كانت هي المقصد ومنتهى الآمال، قال تعالى : ﴿وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الغُرُورِ﴾ [آل عمران :185]. وقال سبحانه : ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء :77]. قال تعالى : ﴿وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام :32]. قال عز وجل : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فِى الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ [التوبة :38].
وأضاف جمعة، في منشور له عبر صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، إلا أن الله لا يذم ثواب الدنيا مطلقا، بل أرشد عباده إلى طلب ثواب الدنيا والآخرة منه، فقال تعالى :﴿مَن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء :134]. وقال سبحانه : ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِى الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة :201] .
فالمؤمن إن منعه الله الدنيا فيعلم أنه لم يمنع عنه إلا ما ذمه في كتابه، ولو كان منع زينة الدنيا منقصة ما منعها النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يقول صلى الله عليه وسلم : «عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَةِ فَأَصْلِحِ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَةَ» [رواه البخاري].
وعن عمر بن الخطاب قال : لما اعتزل النبي صلى الله عليه وسلم نساءه فذكر الحديث إلى أن قال : فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع على حصير فجلست فأدنى عليه إزاره وليس عليه غيره وإذا الحصير قد أثر في جنبه فنظرت ببصري في خزانة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع ومثلها قرظا في ناحية الغرفة وإذا إهاب معلق. قال: فابتدرت عيناي. فقال : ما يبكيك يا ابن الخطاب ؟ قلت : يا نبي الله، ومالي لا أبكي، وهذا الحصير قد أثر في جنبك، وهذا خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى، وذاك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار، وأنت رسول الله وصفوته وهذه خزانتك، فقال : يا ابن الخطاب، أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا ؟ قلت بلى. [رواه البيهقي في الشعب وأصله في صحيح مسلم].
وعن ابن عباس قال : «نام رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير، فقام وقد أثر في جنبه، فقلنا : يا رسول الله، لو اتخذنا لك وطاء ؟ فقال : ما لي وما للدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها» [رواه الترمذي]
فالدنيا ليست منتهى آمال المسلم، ولا مبلغ علمه، وإذا فتحت عليه يشكر ربه ويبتغي فيما آتاه الله الدار الآخرة، ولا ينسى نصيبه من الدنيا كما نصح القوم الصالحون قارون، قال تعالى حكاية عنهم : ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الفَسَادَ فِى الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ [القصص :77].