التشوه البصرى.. جريمة فى حق مصر
تاريخ النشر: 17th, November 2024 GMT
طمس القاهرة «عاصمة الجمال».. إعلانات تجارية على جدران الجامعات والمستشفيات ورسائل غرامية على أبواب الجهات الحكومية!
خبراء: الوساطة والرشوة وفساد المحليات وثغرات القانون وغياب الرقابة.. وراء الكوارث
حين تنظر إلى حوائط شوارع بين السرايات القريبة من جامعة القاهرة، تشعر بتلوث بصرى وتشوش فى الرؤية، لن تفرق بين اللافتات، والكم الهائل من الإعلانات المعلقة والمكتوبة والمرسومة∪ على جدران حوائط جامعة القاهرة العتيقة وفى الشوارع المقابلة، إعلانات الشقق المفروشة على عينك يا تاجر، وإعلانات السناتر والمكتبات، والعيادات الطبية والمعامل، وعفشجى سيارات، وتصليح بوتاجازات، وإعلانات عمل، وإعلانات الرقية الشرعية والعلاج بالقرآن وفك السحر والمس، وإعلانات الحجامة، والمعالج الروحاني.
حتى على حوائط المصالح الحكومية تكتب الرسائل الغرامية، والرسائل الانتقامية من الأشخاص، بالإضافة إلى الشعارات السياسية المناهضة والمعارضة، وإعلانات البحث عن مفقودين بالصور على حوائط المترو، حالة من التشوه البصرى والجمالي، أفقدت المدن المصرية جمالها شيئا فشيئا، مع غياب وفساد المحليات المطلق.
الوفد أجرت جولة ميدانية بعدة مناطق لرصد الشكل العام لمفهوم التنسيق الحضارى الذى أصبحت عليه المدن المصرية، بعد غياب الهوية البصرية عن ربوع قرى ومدن مصر، باستثناء القاهرة التاريخية والخديوية، والأحياء الراقية التى ما زالت تحتفظ نوعا ما، ببريقها وعبق المكان والتاريخ والهوية البصرية، مثل: الزمالك والمنيل وجاردن سيتى.
ففى حى الدقى تجد على طول شارع التحرير الاعلانات الملصقة والمرسومة والمعلقة فى كل اتجاه، بالمثل تماما البحوث، أما عن الجيزة فتوارت المبانى خلف اللافتات والاعلانات، والتجاوز فى حق الطريق أهدر حق المواطن فى المشى على الرصيف، وصولا إلى المنيب حول الأسوار القريبة لمحطة الأتوبيس مشهد اقرب بـالمبولة، وبطول خط المنيب العياط، 5 مراكز تضم أكثر من 100 قرية، تشوه بصرى وعشوائية البناء، وركام الإزالات فى كل شارع وحى وقرية، وعلى طول خط السكة الحديد تلال من الهدم.
تؤكد المصادر، أن أسباب تراجع الهوية البصرية للمدن والقرى المصرية، ترجع إلى الانتهاكات المتراكمة عبر الزمن، بالإضافة إلى تباطؤ أجهزة الدولة المعنية فى أداء مهامها، وتفاوت تنفيذ القانون، والوساطة والمحسوبية والرشوة، وفساد موظفى الإدارات المحلية، فضلا عن ثغرات عديدة فى قانون المحليات وقوانين البناء، وغياب الرقابة التنفيذية على الأحياء.
حالة غضب اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعى عقب انتشار شائعة طلاء أسود قصر النيل بـاللاكيه خلال الأيام الأخيرة، والتى تزامنت مع هدم مناطق تراثية وتاريخية فى منطقة الإمام الشافعى، وغيرها من المناطق التى تمثل حقبة عريقة فى تاريخ مصر الحديث.
وتساءل الكثيرون عمن يشوه مصر متعمدا؟، وأين الجهاز القومى للتنسيق الحضارى مما يحدث فى المناطق الأثرية وتماثيل مصر التاريخية، واين خبراء الأثار والسياحة والعمران؟.
صحيح أن وزارة السياحة والآثار سارعت بنفى ما أثير عن طلاء أسود كوبرى قصر النيل، فأكد ممدوح عودة، مدير عام إدارة الأزمات والكوارث بمكتب وزير السياحة والأثار، أن كل ما أثير حول التشوية المتعمد لـ أسود كوبرى قصر النيل غير صحيح جملة وتفصيلا.. وقال: ما تم على تماثيل كوبرى قصر النيل صيانة دورية عبارة عن إزالة الأتربة والاتساخات والعزل بمادة شفافة مع استخدام مادة بارالويد المستخدمة فى الآثار، رغم أن التماثيل غير مسجلة أثريا ولكن يتم التعامل معها على أنها آثار.
نفس المعنى أكده الفنان التشكيلى حسين نوح، أنه فور موجة الجدل التى أثيرت عبر مواقع التواصل الاجتماعى، شكلت وزارة السياحة لجنة لفحص أسود قصر النيل، حيث تم طلائها بمادة غير زيتية، ليست لاكيه أو رول كما يُروج البعض، واستعانت الوزارة بخبراء من فرنسا، لأنها مليئة بالتماثيل البرونز.
وتابع الفنان التشكيلى حسين نوح، عندما رأيت أعمال طلاء أسود كوبرى قصر النيل، عبر مواقع التواصل الاجتماعى، كنت أخشى أن تكون مواد زيتية، وهى تمتص الأتربة وعوادم السيارات، ومن المعروف أن البرونز له مواد خاصة لـالتلميع والدهان، وأى مواد كيميائية لا تصلح.
ورغم أن وزارة السياحة والآثار تعاملت مع طلاء أسود قصر النيل بطريقة علمية سليمة، ورغم أن كل ما أثير غير ذلك كان كذب فى كذب، إلا أن قضية التشوه البصرى التى آلت إليه المدن المصرية، أمرا يستحق التوقف أمامه، ومواجهته خاصة بعدما غاب التنسيق الحضارى والهوية البصرية فى أغلب مدن مصر.
وأرجع الخبراء تراجع الهوية البصرية للمدن والقرى المصرية، إلى الانتهاكات المتراكمة عبر الزمن، بالإضافة إلى تباطؤ أجهزة الدولة فى أداء مهامها، وتفاوت تنفيذ القانون والوساطة والمحسوبية والرشوة، وفساد موظفى الإدارات المحلية، فضلا عن ثغرات عديدة فى قانون المحليات وقوانين البناء، وغياب الرقابة التنفيذية على الأحياء.
وقال المهندس محمد أبوسعدة، رئيس الجهاز القومى للتنسيق الحضارى، إن التشوهات البصرية بالقاهرة والمحافظات ليست وليدة اللحظة، فهى تراكمات خمسين عاما أو أكثر، والدولة تضع آليات عاجلة لمواجهة التشوه العمرانى والبصرى والحفاظ على الشكل الجمالى للمناطق ذات الطابع المتميز والأثرى.
وأوضح رئيس جهاز التنسيق الحضارى، أن التخلص من التشوهات البصرية فى وقت قياسى أمر مستحيل، والدولة بدأت فى دهان الطريق الدائرى ومعالجة التشوهات البصرية بميدان المحطة فى أسوان، وميدان طنطا، ومسارات رحلة العائلة المقدسة، بالإضافة إلى الميادين الرئيسية والقاهرة الخديوية والتاريخية، ومسار آل البيت، وميادين العاصمة الإدارية الجديدة، وهناك نقلة حضارية تحدث على أرض مصر.
ولفت إلى أن مجلس الوزراء دشن جهاز تنظيم الإعلانات، للتعامل مع تعديات وتشوهات الإعلانات الملصقة والمرسومة على الحوائط، مضيفا إلى أن جهاز التنسيق الحضارى شارك فى معالجة التشوهات البصرية لـ ميدان العتبة والأزبكية وحديقة الأزبكية، ومداخل المسارح، وعواصم المدن الرئيسية.
وأوضح أن الأجهزة المعنية بملف الهوية البصرية، بدأت بمناطق حيوية، مثل: محطات القطارات بعواصم مدن المحافظات، لأنها القبلة الأولى التى تقابل الزائر لأى محافظة، ونعمل على تطوير ساحة مسجد إبراهيم الدسوقى بكفر الشيخ، إلى جانب تطوير قلب مدينة رشيد، وتطوير واحة سيوة وقلعة شالى.
وقال أبوسعدة، إن الدكتور مصطفى مدبولى، شكل لجنة مع وزارات الشباب والرياضة والثقافة والتنمية المحلية، بالتعاون مع جهاز التنسيق الحضارى وكليات الهندسة والفنون الجميلة بجامعات المحافظات، لوضع هوية بصرية لمدن المحافظات، بمعنى أن يكون مدخل آى مدينة ذات دلالة على الطابع البيئى لها، وبالفعل انتهت اللجنة من رسم سياسة الهوية البصرية لبعض الأقاليم، ووضع كود خاص بالكثافة البنائية والارتفاع والردود والالوان والشكل والارتفاع والخط، ويشمل الإعلانات، مثل رخصة المبانى.
وأكد المهندس محمد أبوسعدة، أن القرى المصرية لها نصيب من مشروع الهوية البصرية تنفذه مؤسسة حياة كريمة، وتم تطوير منازل فى الوجهين القبلى والبحرى، وفق معايير واشتراطات وضوابط ونماذج تعبر عن شخصية كل إقليم.. وقال: قانون 144 لسنة 2006، لحماية المبانى ذات الطابع المعمارى المتميز، يجرم المخالفات والتعديات على تلك المبانى، وهناك عقوبة جنائية وغرامات مالية ضخمة تصل لمليونى جنيه.
موازنة كبيرة
وقال الدكتور الحسين حسان، خبير التطوير الحضارى والتنمية المستدامة، إن الدولة خصصت موازنة كبيرة لتنفيذ مشروع الهوية البصرية، وفق الاشتراطات البنائية ورخصة البناء والشكل والألوان، على الرغم من عدم وجود قانون للهوية البصرية.
مشيرا إلى أن مصر تضم 4742 قرية و131 ألف عزبة وكفر ونجع، يسكنهم 58 مليون مواطن، وتلك القرى خارج منظومة الهوية البصرية، ولدينا 236 مدينة و85 مركزا و90 حى، وهى المدن القديمة، والدولة خصصت لها موازنة 380 مليار جنيه لتنفيذ الهوية البصرية، وبدأت الدولة بتطوير القاهرة التاريخية التى التهمت هذه الموازنة بالكامل، فأصبحت فى حاجة لزيادة الموازنة للعمل على باقى المدن، مضيفا: هناك 22 مدينة تابعة للمجتمعات العمرانية لم تطبق آلية الهوية البصرية، إلى جانب 30 مدينة جديدة، وهى مدن الجيل الرابع.
وأكد حسان أن الرؤية الاستراتيجية للهوية البصرية لمداخل المدن والقرى غائبة، مشددا على ضرورة العمل على مشروع قومى للهوية البصرية تنفذه الدولة، مشيرا إلى أن اسوان تحظى باهتمام كبير من القيادة السياسية، وهناك قرى ومدن فى أسوان تحتفظ بالهوية البصرية، وأهل اسوان يهتمون بالوان محددة مبهجة تتماشى مع درجات الحرارة وطبيعة النوبيين أنفسهم منذ الأزل يعشقون ألوان معينة، ويطلون منازلهم بألوان تبعث على السعادة والمرح، مثل قرية حسن فتحى، وهذا طابع شخصى للسكان فى تلك القرى، والمسئول لا يرغب فى إفساد الذوق العام.
ولكن الأقصر تفتقد للهوية البصرية بالقرى والمناطق الرئيسية، رغم أنها محافظة سياحية حيوية جوهرية، بالمقابل تجد المناطق السياحية وفق ضوابط الهوية البصرية وطريق الكباش تنسيق حضارى رائع.
وأكد حسان إمكانية الحصول على الهوية البصرية لمحافظة القاهرة فى زمن قياسى، حال أسند المحافظين المشروع إلى كليات الفنون الجميلة وكليات الهندسة المعمارية، ووزارة الآثار للوقوف على البُعد التاريخى، والمجتمعات العمرانية للبُعد الهندسى.
حياة كريمة
وقال إن مشكلة الهوية البصرية فى قرى مصر كارثية، تعتمد بشكل كلى على مشروعات حياة كريمة، التى تبحث فى نهاية المشروع عن الهوية البصرية، وأغلبها فاقد لدراسة الجدوى تمامًا.
ولفت إلى أن الدولة تعتمد على جهات غير مفعلة صراحةً، ورئاسة الوزراء تعتمد على جهاز التنسيق الحضارى، وهو جهة استشارية تابعة لوزارة الثقافة، وليس لديها مهندسين ولا خبراء، وهنا سؤال يطرح نفسه ما علاقة وزارة الثقافة بفكرة الهوية البصرية للمبانى والشوارع والاحياء؟.
وواصل: إن صندوق تطوير العشوائيات، الذى تم تغيير اسمه لـ صندوق التطوير الحضارى ويملك موازنة ضخمة، وتشمل بنوده تطوير المدن، ومع ذلك لم يعمل ضمن خطط التطوير على فكرة تنفيذ الهوية البصرية للمدن والقرى، التى تدخل فيها، وتقوم كل محاوره على البنية التحتية.
ودعا حسان إلى ضرورة وجود رؤية استراتيجية لملف الهوية البصرية، مع تشريعات صارمة فى التعامل مع المخالفات والتشوهات وتعديات الهوية البصرية، مؤكدا أهمية وجود مرجعية تاريخية تحمل التاريخ الإنسانى والحضارى والاجتماعى والثقافى والموروثات الشعبية للمدن والقرى، كما هو الحال فى الريف الأوروبى.
وأكد الدكتور الحسين حسان، أن انتشار الإعلانات التجارية والدعائية على جدران الجامعات والمستشفيات والمدارس والشوارع الرئيسية وعلى الكبارى والطرق والمحاور، يرجع إلى فساد المحليات، وعدم تنفيذ القانون، وهى ليست مجرد تشوه بصرى، ولكن الاعلانات تدّر عائدًا كبيرًا على المحافظة، من هنا يضطر المحافظ للموافقة على الإعلانات لزيادة الموارد، بالإضافة إلى الإعلانات الملصقة على أتوبيسات النقل العام ودورات المياه العامة وحوائط المصالح الحكومية، بل هناك رسائل غرام يكتبها البعض على أبواب جهات الحكومية!
وأضاف أن مشاكل المحليات كثيرة، ومنها: عدم تأهيل الكوادر الوظيفية، وغياب أهل الاختصاص فى أغلب الإدارات المحلية، غياب القوانين، اختلاف رؤى المحافظين فى التعامل مع ملف الهوية البصرية، الفساد والرشوة، بالإضافة إلى وجود عجز فى الإدارات الهندسية، والدولة فى قانون التصالح تستعين بالمجالس الاستشارية الخارجية لعمل تقارير حول السلامة العامة للمبانى بسبب عدم وجود مهندسين داخل الإدارات المحلية.
وتابع: الحل الوحيد لسد العجز فى غياب كوادر مؤهلة، هو تطبيق فكرة الانتداب، مثل انتداب مهندسين هيئة الأبنية التعليمية ومبنى ماسبيرو وهيئة نظافة وتجميل القاهرة، لتزويد المراكز الخاصة بالتنمية المحلية.
وأكد أن قانون التصالح الجديد لا يتضمن رفع مخلفات الإزالة التى تمت، وهناك إجراء عقابى فى القانون الأخير، فى حال امتنع المواطن عن التصالح ورفع المخلفات حال تمت الازالة، يقوم الحى بقطع المرافق عن العقار، وتنفذ الإزالة الإدارة المحلية ∩الحى∪، بالتعاون مع إدارة الحماية بمديريات الزراعة، مع وزارة الداخلية.
شرطة المحليات
وشرح أن الجهتين الأولى والثانية يتفقا على الإزالة، بالمقابل تمتنع الداخلية عن التنفيذ وتقر دراسة أمنية للعقار محل التصالح، يأخذ فى هذه الدراسة من عامين إلى ثلاثة أعوام، حتى أن ابراج على طريق المعادى صادر لها قرارات إزالة مع ايقاف التنفيذ، بسبب صدور دراسة أمنية لها، وحل هذا الوضع يتطلب تخصيص شرطة المحليات، والمجتمعات العمرانية نجحت فى ملف الازالات لأن لديها شرطة، وفشلت الإدارات المحلية فى تنفيذ قرارات الإزالة بسبب تلك الثغرات من الدراسات الأمنية المؤجلة، والتصالح فى غضون ثلاثة أشهر وفقا للقانون، إضافة إلى نقص معدات الإزالة، مؤكدا أن الإدارات المحلية تملك 15% من المعدات فقط. وأضاف أن إزالة المخلفات على شريط السكك الحديدية يسأل عنها وزير النقل، وكانت الوزارة وقعت اتفاقية مع صندوق تطوير العشوائيات فى عام 2014، لإزالة العشش ومخلفات الإزالة على شريط السكك الحديدية، ولكنه لم ينفذ، ونرى أن اى منطقة اذا دخلت فى إطار مشروع قومى يتم الإزالة، وإن لم تدخل نسير وفق قاعدة لما يجى وقته.
وبرر الدكتور الحسين حسان، خبير التطوير الحضارى، هدم المقابر الأثرية، مثل: مقابر عمر مكرم، وعميد الادب العربى طه حسين وعبدالحليم حافظ، بسبب الصرف الصحى، الذى أنهك هذه المقابر من الداخل، وجعل البنية التحتية متهدلة.
وأوضح أن الرئيس السيسى، وجه بإنشاء مقابر الخالدين لنقل هذا المقابر لمكان آمن ولا أحد ينكر أن هناك أخطاء فى عملية الهدم، بالإضافة إلى أن موظفين المحليات لا يعبئون بالبعد التاريخى لتلك المقابر، مضيفا أن مقابر الخالدين ستكون على نسق اثرى وتاريخى ومرجعى لكل شخص من الخالدين.
المحليات
وأكد الدكتور أحمد القرمانى، محامى وخبير متخصص فى المحليات، أن ملف الإزالات والمخلفات معقد وليس سهلا، ومعظم المحليات لا تزال تعانى من الفساد، وقال: الجهاز الإدارى للدولة، ∩على الله∪ وغير صالح لتأدية مهامه، وموظف شغال و∩عشرة لا∪. وأشار إلى أنه يجب على المحافظة رفع مخلفات الإزالة من الأحياء والطرق بناء على المبالغ المحصلة من التصالح، حتى فى حالة الهدم المواطن يدفع كامل الغرامات المالية المستحقة للدولة، وتشمل رفع مخلفات الإزالات والتنظيف.
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: جامعة القاهرة شارع التحرير التشوهات البصریة الإدارات المحلیة للهویة البصریة الهویة البصریة بالإضافة إلى للمدن والقرى طلاء أسود إلى أن
إقرأ أيضاً:
المظلومية والتكفير.. أدوات داعش في استقطاب الأتباع
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
الافتتاحيات الصادرة عن تنظيم داعش تُعدّ جزءًا أساسيًا من بنيته الخطابية، إذ تعكس رؤيته الأيديولوجية وتكشف عن تكتيكاته فى التعامل مع التطورات السياسية والعسكرية.
تعتمد الافتتاحية على عدة تقنيات خطابية تهدف إلى تحقيق تأثير نفسى وإقناعى لدى المتلقين:
ثنائية الحق والباطلترتكز الافتتاحية على خلق استقطاب حاد بين ما تعتبره قوى الشر، التى تشمل النظام السورى الجديد، اليهود، والطواغيت العرب، وبين المجاهدين الذين يتمسكون بالشريعة من وجهة نظر التنظيم.
هذه الثنائية المطلقة تُلغى أى إمكانية للتدرج فى تحليل الواقع السياسى، وتُصوّر العالم على أنه معسكران متقابلان لا مجال بينهما لأى تفاهم أو حوار. هذا النوع من الخطاب يهدف إلى إثارة المشاعر وتحفيز الأتباع على الاصطفاف مع التنظيم دون الحاجة إلى التفكير النقدى أو المراجعة.
هذه الثنائية تُعيد إنتاج الخطابات التقليدية التى تعتمدها الجماعات المتطرفة، حيث يتم اختزال تعقيدات المشهد السياسى فى قوالب جاهزة تُسهل التلاعب بعواطف الأتباع.
بدلًا من تقديم تحليل عقلانى للموقف الإقليمى، يتم تصوير الأطراف السياسية كأعداء مطلقين، مما يُسهم فى تبرير أى أعمال عنف ضدهم على أساس أنهم يمثلون جبهة موحدة ضد «المؤمنين».
بالإضافة إلى ذلك، فإن استبعاد أى مساحة للحوار أو التفاوض يعكس استراتيجية التنظيم فى تعزيز الانغلاق الفكرى بين أتباعه. فحينما يتم تصوير أى جهة خارج التنظيم على أنها جزء من معسكر الشر، يصبح من المستحيل التفكير فى حلول سياسية أو مراجعة الاستراتيجيات المتبعة، مما يُكرّس استمرار التنظيم فى نهجه العدائى القائم على العنف.
إعادة تأويل الوقائع وفق منظور عقدي
يحاول كاتب الافتتاحية تأطير السياسات الإقليمية من خلال منظور عقدى صارم، حيث يتم تصوير تعامل الدول مع إسرائيل على أنه خيانة مطلقة، بغض النظر عن السياقات السياسية أو المصالح الوطنية. هنا، يتم تجاهل تعقيدات العلاقات الدولية لصالح سردية مبسطة تعزز مواقف التنظيم.
هذه المقاربة تُظهر افتقار الخطاب إلى أى فهم واقعى للعلاقات الدولية، حيث يتم التعامل مع كل تحرك سياسى وفق معيار دينى بحت، دون النظر إلى تعقيدات الجغرافيا السياسية أو المصالح الاستراتيجية للدول.
هذا الطرح يُسهم فى خلق حالة من الانغلاق الفكرى، حيث يتم نزع أى سياق تاريخى أو سياسى عن مواقف الدول، مما يجعلها تبدو وكأنها تتحرك وفق اعتبارات دينية فقط، وهو ما يتنافى مع طبيعة العلاقات الدولية التى تحكمها معادلات معقدة من المصالح والتحالفات.
علاوة على ذلك، فإن هذه القراءة الأيديولوجية تُسهل على التنظيم شيطنة كل الأطراف السياسية، بحيث تصبح جميعها خائنة ومتآمرة، حتى لو كانت تتبنى مواقف متباينة من القضايا الإقليمية. فمجرد وجود علاقة دبلوماسية أو سياسية مع إسرائيل كافٍ بالنسبة للتنظيم لتكفير تلك الدول، دون الأخذ فى الاعتبار أى حسابات سياسية أو أمنية قد تفسر هذه العلاقات.
بهذه الطريقة، يتم ترسيخ الانقسام بين «المؤمنين» و«الخونة»، مما يُسهم فى تسهيل عمليات التجنيد داخل التنظيم عبر خطاب تعبوى يُحرض على رفض النظام العالمى برمته.
استخدام خطاب التخوين والتكفير
توظّف الافتتاحية خطابًا قائمًا على التخوين والتكفير لتصوير خصوم التنظيم كأعداء للدين، مستخدمةً مفاهيم مثل «الطاغوت» و«المرتدين» و«الناكصين» لوصف النظام السورى الجديد والفصائل الإسلامية التى اختارت الانخراط فى العملية السياسية.
هذه المصطلحات ليست مجرد توصيفات محايدة، بل تحمل فى طياتها أحكامًا عقدية قاطعة تهدف إلى تجريد هؤلاء الخصوم من أى مشروعية دينية أو سياسية، مما يسهل تبرير استهدافهم وإقصائهم.
يعتمد هذا الأسلوب اللغوى على آلية الإقصاء التام، حيث يتم إخراج المخالفين من دائرة الإسلام، ما يعنى عمليًا التحريض على العنف ضدهم. فمجرد الانخراط فى المشهد السياسى وفق قواعد مغايرة لرؤية التنظيم كفيلٌ بأن يضع الأطراف الفاعلة فى خانة «المرتدين» الذين يجب محاربتهم.
وبهذا، لا يبقى أى مجال للحوار أو التفاوض، بل يتحول الصراع إلى معركة صفرية لا تقبل إلا الإخضاع أو الإبادة.
إن هذا النمط من الخطاب لا يستهدف فقط الخصوم السياسيين، بل يسعى أيضًا إلى ضبط جمهور التنظيم ضمن إطار أيديولوجى مغلق، يمنع أى تساؤل أو إعادة تقييم للمواقف.
فحين يتم تكفير أى طرف يخرج عن رؤية التنظيم، يصبح من المستحيل على الأفراد المنتمين إليه التفكير فى خيارات أخرى، مما يعزز حالة الانغلاق الفكرى ويطيل أمد العنف باعتباره المسار الوحيد الممكن فى مواجهة «الطواغيت» و«المرتدين».
الاستدلال بالنصوص الشرعية لتبرير المواقف
كما هو معتاد فى الخطاب الداعشى، يتم اللجوء إلى الاستدلال بالنصوص الشرعية لدعم المواقف السياسية والعسكرية للتنظيم، وإضفاء الشرعية الدينية على قراراته وتحليلاته.
فى هذه الافتتاحية، يتم الاستشهاد بالآية القرآنية: {لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِى قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ}، وذلك فى سياق محاولة تفسير موقف إسرائيل من النظام السورى الجديد.
هذا الاستخدام للنصوص يهدف إلى تقديم تأويل دينى للصراعات السياسية، بحيث تبدو خيارات التنظيم ومواقفه على أنها مستمدة مباشرة من الكتاب والسنة، لا مجرد اجتهادات سياسية قابلة للنقاش.
إلا أن هذا الاستدلال يتسم بالانتقائية، حيث يتم اقتطاع النصوص من سياقاتها الأصلية دون النظر إلى أسباب النزول أو التفسيرات التاريخية المختلفة.
فالآية المذكورة نزلت فى سياق محدد يتعلق بمواقف بعض أهل الكتاب فى زمن النبى ﷺ، لكن التنظيم يوظفها لتفسير الواقع السياسى الحديث وإعطاء تصور مسبق عن نوايا إسرائيل تجاه النظام السورى الجديد. هذا النهج يتجاهل التعقيدات السياسية والاختلافات الزمنية، ويُسقط النصوص الدينية على وقائع لا تتطابق تمامًا مع سياقاتها الأصلية. علاوة على ذلك، فإن هذا التوظيف للنصوص لا يهدف إلى البحث عن الحقيقة بقدر ما يسعى إلى تبرير مواقف التنظيم وإضفاء القدسية عليها. فبدلًا من تقديم تحليل عقلانى للأوضاع السياسية، يتم اللجوء إلى الخطاب الدينى لتعبئة الأنصار وحشد الدعم عبر تصوير مواقف التنظيم على أنها استمرار للصراع التاريخى بين المسلمين وأعدائهم. وهذا يعكس نهجًا عامًا فى خطاب الجماعات المتشددة، حيث يتم استخدام النصوص الدينية كأدوات لتوجيه الرأى العام داخل التنظيم وتعزيز الانقياد لأوامره دون مساءلة أو مراجعة.
تختتم الافتتاحية بالدعوة الصريحة إلى «المواجهة الحتمية» مع إسرائيل، حيث يتم تصوير هذا الصراع على أنه السبيل الوحيد لإعادة الأمور إلى نصابها، ولكن ليس وفق أى إطار سياسى أو وطنى، بل تحت مظلة «الشريعة» بدلًا من «الطاغوت ودساتيره».
هذا الخطاب ليس مجرد إعلان لموقف عقائدى، بل هو جزء من استراتيجية التنظيم فى تأطير الصراعات السياسية على أنها معارك إيمانية مقدسة، حيث يتم تجريدها من أى تعقيدات واقعية وتحويلها إلى صراع بين الإيمان والكفر، مما يلغى أى مساحة للنقاش أو البحث عن حلول سياسية.
هذا التأطير يعكس نهج داعش فى تبرير العنف، حيث يتم تقديمه على أنه أمر محتوم لا مفر منه، وليس مجرد خيار ضمن بدائل متعددة. فالمواجهة، وفقًا لهذه الرؤية، ليست نتيجة لتطورات سياسية أو صراعات إقليمية، بل هى جزء من قدر دينى يجب تحقيقه.
هذا الأسلوب فى الخطاب يسعى إلى تعبئة الأتباع وإقناعهم بأن أى مسار آخر غير القتال هو انحراف عن العقيدة وخيانة للإسلام، مما يعزز حالة الاستقطاب ويجعل من الصعب على الأفراد داخل التنظيم التفكير فى أى خيارات أخرى. علاوة على ذلك، فإن تصوير العنف كحتمية دينية يسهم فى خلق مناخ أيديولوجى يشرعن استمرار العمليات الإرهابية، حيث تصبح أى وسيلة للوصول إلى هذه «المواجهة الحتمية» مقبولة ومبررة دينيًا.
وهذا النهج لا يقتصر على توجيه الأتباع داخل التنظيم، بل يهدف أيضًا إلى استقطاب عناصر جديدة من خلال استغلال مشاعر الغضب والإحباط، وتحويلها إلى طاقة قتالية تخدم أجندة التنظيم.
وبهذا، يتحول الخطاب من كونه مجرد تحليل للأوضاع السياسية إلى أداة لتغذية العنف وإدامة الصراعات المسلحة.
التناقضات الداخلية
تعتمد الافتتاحية على خطاب مزدوج فى توصيفها للنظام السورى الجديد، حيث تصفه بأنه «مرتد» يعمل لخدمة المصالح الإسرائيلية، لكنه فى الوقت ذاته تُقر بأن إسرائيل لا تثق حتى بحلفائها التقليديين فى المنطقة.
هذا التناقض يعكس إشكالية عميقة فى منطق التنظيم، إذ يسعى إلى إدانة النظام السورى بناءً على فرضية التعاون المطلق مع إسرائيل، لكنه فى الوقت نفسه يقر بأن إسرائيل لا تمنح ثقتها المطلقة لأى طرف، حتى الأنظمة التى وقعت معها اتفاقيات سلام وعلاقات تطبيع.
هذا التناقض يجعل السردية المطروحة تفتقر إلى الانسجام الداخلى، حيث يتم الجمع بين اتهام النظام بالعمالة المطلقة، وفى نفس الوقت الإقرار بأنه ليس محل ثقة لدى من يُفترض أنه يخدمهم.
هذا الارتباك يعكس أزمة أوسع فى خطاب داعش، الذى يسعى إلى فرض تكفيره للأنظمة العربية والإسلامية دون النظر إلى الفروق الواقعية بين هذه الأنظمة فى سياساتها وتحالفاتها.
فبالنسبة للتنظيم، لا فرق بين دولة مرتبطة بتحالف وثيق مع إسرائيل وأخرى تحاول الحفاظ على وضعية حياد نسبى، إذ يتم التعامل مع الجميع من المنظور نفسه.
هذا النهج الأحادى فى التحليل يُفقد الخطاب الداعشى مصداقيته السياسية، حيث يصبح اتهام «الردة» و«العمالة» أداة جاهزة تُستخدم بشكل تعميمى يخدم غرض التحريض، دون تقديم فهم حقيقى لتعقيدات المشهد السياسى.
يعتمد خطاب الافتتاحية على تبسيط شديد لواقع العلاقات الدولية، حيث يُعاد تأطيرها ضمن إطار عقائدى جامد يستند إلى ثنائية الخير والشر، متجاهلًا التعقيدات السياسية والاستراتيجيات المتشابكة التى تحكم الدول، لا سيما فى منطقة الشرق الأوسط.
فبدلًا من الاعتراف بأن لكل دولة مصالحها القومية وحساباتها السياسية التى تؤثر فى قراراتها، يتم تصوير المشهد وكأنه صراع مطلق بين أنظمة «مرتدة» تعمل لصالح أعداء الإسلام وبين «المجاهدين» الذين يمثلون الحق.
هذا التبسيط يُهمل السياقات التاريخية والاقتصادية والأمنية التى تحكم العلاقات بين الدول، ويُعيد صياغتها ضمن رؤية أحادية تخدم أهداف التنظيم الأيديولوجية.
على سبيل المثال، لا يعترف الخطاب الداعشى بتعدد الفاعلين فى الملف السورى وتعقيدات التحالفات الإقليمية والدولية، بل يُعيد رسم المشهد فى إطار صراع عقائدى محض، حيث تُختزل كل المواقف ضمن ثنائية العداء المطلق. فبدلًا من تحليل سياسات الدول على أسس براغماتية تأخذ فى الاعتبار المصالح الوطنية والتوازنات الدولية، يُعيد التنظيم تأويل هذه السياسات وفق منظوره العقدى، مما يؤدى إلى رؤية مشوهة للواقع.
هذا النهج لا يعكس فقط سطحية فى التحليل، بل يُسهم أيضًا فى توجيه خطاب تحريضى قائم على التشدد والرفض المطلق للحلول السياسية، ما يعزز حالة الاستقطاب والتوتر المستمر.
يتبنى تنظيم داعش خطابًا انتقائيًا فى تعامله مع القضايا السياسية والعسكرية، حيث يهاجم الفصائل الإسلامية الأخرى ويتهمها بالخيانة بسبب مواقفها من إسرائيل، بينما يتجاهل تمامًا حقيقة أن مقاتليه لم ينخرطوا فى أى مواجهة مباشرة مع إسرائيل خلال سنوات وجوده فى سوريا والعراق.
هذه الازدواجية تكشف أن التنظيم لا يتعامل مع القضايا من منظور استراتيجى بقدر ما يوظفها لأغراض دعائية، حيث يستخدم قضية العداء لإسرائيل كأداة للتحريض ضد خصومه من الفصائل الإسلامية، دون أن يكون لهذا العداء أى تجسيد عملى على الأرض.
هذا التناقض يُبرز بوضوح أزمة المصداقية فى الخطاب الداعشى، فبينما يدّعى التنظيم أنه الجهة الوحيدة التى تلتزم بـ"الولاء والبراء» فى تعاملها مع الأعداء، فإنه فى الواقع لم يوجّه جهوده العسكرية إلا نحو الفصائل الإسلامية الأخرى والجماعات المعارضة، متجاهلًا الجبهة الإسرائيلية تمامًا.
هذه الانتقائية لا تعكس فقط ازدواجية فى الخطاب، بل تؤكد أن التنظيم يُعيد توجيه بوصلة الصراع لخدمة أهدافه التوسعية بدلًا من الالتزام بالمبادئ التى يدّعى الدفاع عنها. وهكذا، تصبح شعارات مواجهة إسرائيل مجرد أداة فى حربه الإعلامية، وليس استراتيجية فعلية على أرض الواقع.
تسعى افتتاحية صحيفة النبأ إلى تصوير المواجهة مع إسرائيل كقضية محورية فى مشروع داعش، لكنها فى الوقت ذاته تتجاهل حقيقة أن التنظيم لم ينخرط فى أى مواجهة فعلية مع إسرائيل طوال فترة وجوده فى سوريا والعراق.
فعلى الرغم من الخطاب التعبوى الذى يربط بين الجهاد ومقاومة «اليهود»، إلا أن العمليات العسكرية لداعش لم تتجه نحو الجبهة الإسرائيلية، بل انصبّت بشكل رئيسى على الفصائل الإسلامية الأخرى والقوى المعارضة للنظام السورى. هذا التناقض يفضح تحريف التنظيم لمفهوم المقاومة، حيث يستخدمه كأداة خطابية دون أن يكون له أى تطبيق عملى فى استراتيجياته العسكرية.
وبدلًا من استهداف إسرائيل، ركّز داعش جهوده على قتال الجماعات التى كانت تقاتل النظام السورى، ما جعله فى كثير من الأحيان يصب فى مصلحة النظام بشكل غير مباشر. هذا الواقع يدحض السردية التى يروج لها التنظيم حول كونه رأس الحربة فى مواجهة الأعداء الحقيقيين للأمة، ويكشف أن خطابه حول المقاومة ليس إلا شعارات جوفاء تُستخدم لحشد الأنصار والتأثير على المتعاطفين، بينما يظل نشاطه العسكرى منصبًا على بسط نفوذه على حساب قوى المعارضة الأخرى.
تعزيز الانقسام بين الفصائل الإسلامية
يعتمد داعش فى خطابه على تكفير الفصائل الإسلامية الأخرى التى تختلف معه أيديولوجيًا أو استراتيجيًا، مستخدمًا اتهامات مثل «العمالة لإسرائيل» أو «الردة» لنزع الشرعية عنها. هذا الخطاب يؤدى إلى تصعيد الانقسامات بين الجماعات المسلحة فى سوريا، إذ يعزز من حالة الشك المتبادل ويؤجج الصراعات الداخلية بين الفصائل التى كان يمكن أن تكون حليفة فى مواجهة النظام السورى أو القوى الدولية الفاعلة فى المشهد.
وبهذا، يصبح المشهد الجهادى أكثر تفككًا، ما يمنح التنظيم فرصة لفرض نفسه كالقوة الأكثر «صفاءً» من الناحية الأيديولوجية، مقارنة بالفصائل الأخرى التى يصورها على أنها «منحرفة» أو «متخاذلة».
علاوة على ذلك، فإن تكريس هذا الخطاب التكفيرى يضعف قدرة الفصائل الأخرى على إيجاد بيئة مستقرة للعمل، حيث تصبح عرضة للهجمات من قبل أنصار داعش أو حتى من قبل عناصر داخلية قد تتأثر بهذا الخطاب وتبدأ فى التشكيك فى شرعية قادتها.
ومن خلال تعزيز هذه الانقسامات، يحقق التنظيم أحد أهدافه الاستراتيجية المتمثل فى تفكيك أى تحالف محتمل يمكن أن يهدد وجوده، خاصة بعد تراجع نفوذه فى العراق وسوريا. وبهذا، تصبح الفصائل الإسلامية الأخرى عالقة بين مواجهة النظام السورى من جهة، ومواجهة داعش الذى يسعى إلى تقويضها من جهة أخرى.
تحريض أتباعه على استهداف الفصائل الأخرى
خطاب داعش لا يقتصر على التخوين النظرى، بل يشكل دعوة صريحة لأنصاره لمهاجمة الفصائل الإسلامية المنافسة. من خلال وصف هذه الفصائل بأنها «مرتدة» أو «ناكصة»، يقدم التنظيم غطاءً دينيًا لاستهدافها، ما قد يدفع عناصره إلى تنفيذ هجمات ضد هذه الجماعات بدلًا من توجيه جهودهم نحو مواجهة إسرائيل أو القوى الدولية.
هذه الاستراتيجية ليست جديدة، فقد استخدمها التنظيم مسبقًا فى صراعاته مع الفصائل الجهادية الأخرى مثل جبهة النصرة، حيث وظّف التكفير كأداة لتحريض مقاتليه على مهاجمة خصومه من داخل الدائرة الجهادية نفسها.
هذا التحريض يؤدى إلى دوامة من العنف الداخلى، حيث تدخل الفصائل الإسلامية الأخرى فى معارك استنزاف ضد داعش بدلًا من تركيز جهودها على المعارك الرئيسية ضد النظام أو القوى الأجنبية.
كما أن هذا الخطاب يعزز من حالة التوجس والريبة بين الجماعات المسلحة، إذ يدفع بعضها إلى تبنى نهج أكثر تطرفًا لتجنب الاتهامات بالعمالة أو التخاذل.
فى نهاية المطاف، فإن استراتيجية التحريض هذه تخدم داعش فى إضعاف خصومه المحتملين، وتوسيع دائرة الفوضى التى يمكنه استغلالها لصالحه.
مع تراجع نفوذ داعش بعد هزائمه العسكرية فى سوريا والعراق، يسعى التنظيم إلى إعادة بناء شرعيته عبر تقديم نفسه كالقوة الجهادية الأكثر التزامًا بالشريعة، مقارنة بالفصائل التى دخلت فى مسارات سياسية أو خففت من خطابها الأيديولوجى.
من خلال تصوير نفسه كحامل لواء «الجهاد الحقيقي»، يحاول داعش استقطاب مقاتلين جدد ممن يشعرون بالإحباط من أداء الفصائل الأخرى أو يعتبرونها متخاذلة.
هذه الاستراتيجية تعتمد على الخطاب العاطفى الذى يركز على مظلومية الأمة الإسلامية وضرورة استمرار القتال دون تقديم أى تنازلات.
إضافة إلى ذلك، فإن التنظيم يحرص على إظهار نفسه كبديل وحيد قادر على تحقيق «النصر» فى ظل خيانة الفصائل الأخرى وتواطؤ الأنظمة العربية.
هذا التصور قد يكون مغريًا لبعض الأفراد الذين يبحثون عن حركة توفّر لهم إحساسًا بالهوية والانتماء، خاصة مع تراجع البدائل الجهادية الأخرى أو انخراطها فى تسويات سياسية. ومن خلال هذا الخطاب، يأمل داعش فى استعادة جزء من قاعدته الشعبية التى فقدها، أو على الأقل منع مزيد من الانشقاقات داخل صفوفه.
استخدام داعش لقضية العداء لإسرائيل والمظلومية الإسلامية ليس موجهًا فقط للجمهور المحلى فى سوريا والعراق، بل يسعى أيضًا إلى التأثير على المتعاطفين معه خارج هذه المناطق.
الخطاب الذى يربط بين الأنظمة العربية وإسرائيل، ويصوّر التنظيم كآخر خط دفاع عن الأمة الإسلامية، قد يجذب عناصر جديدة من خارج المنطقة، خاصة من الشباب المسلمين الذين يشعرون بالغضب تجاه السياسات الإسرائيلية أو يرون فى التنظيم ممثلًا لـ«المقاومة الإسلامية الحقيقية».
هذا التأثير يمتد إلى شبكات التجنيد الإلكترونية التى يستغلها داعش للوصول إلى المتعاطفين فى أوروبا وآسيا وأفريقيا. من خلال تصوير الصراع كحرب دينية وجودية، وليس مجرد نزاع سياسى، يحاول التنظيم استثارة المشاعر الدينية لدى الأفراد الذين قد يكونون غير مطلعين على تعقيدات المشهد السياسى فى الشرق الأوسط.
بهذه الطريقة، يمكن أن يدفعهم إلى الانضمام إليه أو تنفيذ عمليات فى بلدانهم الأصلية، ما يعزز من استراتيجية «الذئاب المنفردة» التى يعتمد عليها التنظيم بشكل متزايد مع تقلص نفوذه العسكرى فى معاقله التقليدية.
أحد أخطر الجوانب فى خطاب داعش هو تقديم العنف كضرورة دينية وحتمية لا يمكن تجنبها. من خلال تصوير المواجهة مع إسرائيل على أنها «معركة محتومة»، يضع التنظيم نفسه فى موقع يرفض أى شكل من أشكال الحلول السياسية أو التسويات.
هذا التأطير الأيديولوجى لا يخدم فقط أهداف داعش، بل يوفر أيضًا تبريرًا لاستمرار عملياته الإرهابية، سواء فى الشرق الأوسط أو خارجه، تحت ذريعة «مواصلة الجهاد حتى تحقيق النصر». كما أن هذا الخطاب لا يقتصر على العداء لإسرائيل، بل يمتد ليشمل أى طرف لا يتبنى نفس منهج داعش، سواء كان من الفصائل الإسلامية الأخرى أو من الأنظمة السياسية. وبهذا، يصبح العنف غير موجه ضد عدو خارجى فقط، بل ضد أى كيان يرى التنظيم أنه يشكل عائقًا أمام مشروعه. فى المحصلة، فإن هذا النوع من الخطاب يعزز حالة الفوضى وعدم الاستقرار، ويمنح التنظيم غطاءً لاستمرار عملياته تحت شعار المواجهة «المقدسة»، دون تقديم أى رؤية سياسية أو استراتيجية حقيقية لحل الأزمات التى يدّعى القتال من أجلها.
خاتمة
تعكس افتتاحية العدد ٤٨٨ من «النبأ» أحد أوجه الدعاية الداعشية التى تواصل استثمار الأحداث السياسية لإعادة تقديم رؤيتها الأيديولوجية بشكل يوظف الدين لخدمة أجندتها العنيفة. وعلى الرغم من التحولات الميدانية والسياسية التى أضعفت التنظيم، إلا أن خطابه لا يزال محافظًا على بنيته التقليدية القائمة على التخوين، التكفير، والتحريض، مما يسلط الضوء على استمرارية التحدى الذى يمثله هذا النوع من الخطاب المتطرف فى الساحة الفكرية والسياسية.