مستقبل غزة ولبنان بين الاستنزاف وإهدار الذروة الاستراتيجية
تاريخ النشر: 17th, November 2024 GMT
للوهلة الأولى يطرح انقلاب المعادلات في الأسابيع العشرة الأخيرة لصالح إسرائيل نظرة قاتمة في التنبؤ بمصير الحرب في غزة ولبنان. على أن تدبرا أكثر في العناصر الحاكمة للموقف العسكري - السياسي ربما يجعلنا أقل تشاؤما بشأن المستقبل الذي يصوره الإعلام الإسرائيلي والغربي والعبري الناطق بالعربية وكأنه لا يسير إلا إلى طريق واحد هو طريق الهزيمة.
نركز هنا على ثلاثة فقط من هذه العناصر التي تشكل حلقات متداخلة تقود كل منها إلى الأخرى:
أولا: إسرائيل فوّتت لحظة الذروة الاستراتيجية التي كان بإمكانها فرض تسوية للحرب في لبنان وغزة تحقق فيه كل مطامعها: هناك شعور عام في الغرب وفي إسرائيل نفسها إن غطرسة القيادة ومصلحة نتنياهو في استمرار الحرب أضاعت على إسرائيل فرصة تحويل إنجازاتها العسكرية في الشهرين الماضيين إلى إنجاز سياسي عندما فوّتت ما يسميه هؤلاء نقطة الذروة الاستراتيجية. لدى البعض فإن هذه الذروة في لبنان تحققت في الأسبوع ونيف الذي تم فيه تدمير أجهزة البيجر واغتيال حسن نصرالله وتدمير نصف المخزون الصاروخي لحزب الله وجزء من قوة النخبة «الرضوان» وأقسام من البنية التحتية العسكرية في القرى المتاخمة للحدود.. لم تستطع ترجمة نقطة الذروة باتفاق يكسر إرادة حزب الله ويجعله ينصاع لانسحاب سريع إلى جنوب الليطاني، فكانت النتيجة هي استعادة الحزب لتماسكه وعودة شراسته في القتال التي تمثلت في مظهرين رئيسيين الأول هو استمراره في إطلاق الصواريخ والمسيرات لقلب إسرائيل ووصولها لأهم رموز الشرف العسكري الإسرائيلي أي لبيت رئيس الوزراء ومقر وزارة الدفاع ومقر إحدى أهم قواعده العسكرية والثاني هو شراسته في القتال وإعاقة التوغل البري الإسرائيلي وتكبيد القوات الإسرائيلية خسائر بشرية فادحة. في جبهة غزة فوّتت حكومة نتنياهو نقطة الذروة الاستراتيجية حسب معاهد الأمن القومي لديها عندما فككت كتائب حماس في رفح وعندما استشهد القائد السياسي والعسكري لحماس يحيى السنوار وعجزت عن أن تترجم هذا إلى اتفاق يعيد المخطوفين الإسرائيليين فكانت النتيجة هي استمرار سقوط جنودها يوميا بالعبوات المفخخة والاشتباك من المسافة صفر مع خلايا المقاومة الفلسطينية.
ثانيا - إسرائيل التي فوّتت لحظاتها الحاسمة تطلب تسوية مستحيلة: حماقة القوة الإسرائيلية لم تكتف بعدم التقدم لتسوية سياسية في الذروة العسكرية التي قد لا تستطيع الوصول إليها مرة أخرى في الحرب وإنما أيضا طرحت شروطا تعجيزية على حزب الله وحماس في الوقت الذي كانا قد بدأ فيه في ترميم نفسيهما والعودة إلى ما يسميه ناحوم برنياع التنقيط اليومي المؤلم لمزيد من القتلى في الجيش الإسرائيلي. لم يعد الإسرائيليون يطرحون فقط تطبيق القرار ١٧٠١ في أن يعود حزب الله إلى جنوب الليطاني ويتولى الجيش اللبناني الانتشار على الحدود مع شمال فلسطين المحتلة. بل بات وزراء إسرائيليون يطالبون بنزع سلاح حزب الله وإعطاء إسرائيل حرية العمل العسكري في الأراضي اللبنانية في أي وقت يرى فيه إن حزب الله يعيد تسليح نفسه. بل ووصل الشطط إلى حد المطالبة بإعادة هندسة النظام السياسي اللبناني واختيار رئيس موالٍ ومعادٍ للمقاومة بحجة وحيلة كاذبة هي العودة لاتفاق الطائف ١٩٨٩.
ما زالت هذه الجبهة أقل تعقيدا؛ لأن نتنياهو مستعد للتراجع عن بعض هذه الشروط تنفيذا لوعده للرئيس المنتخب دونالد ترامب بمنحه هدية وقف الحرب في الشمال عند تنصيبه في ٢٠ يناير المقبل والتي يعتبرها الأخير الجبهة الأهم لأنها مع ارتباطها الأوثق بإيران هي التي يمكن أن تفجر حربا شاملة في الإقليم لا يريدها ترامب الساعي لإيقاف تورط أمريكا في النزاعات العسكرية قدر ما يستطيع.
الشروط التعجيزية التي هي دعوة سافرة لاستسلام مذل موجودة أكثر في جبهة غزة التي تبدو التسوية فيها أولوية أقل سواء لنتنياهو أو ترامب. الإسرائيليون لا يقبلون بأقل من سحق حماس والجهاد سحقا تاما واستسلام عشرات الألوف من مقاتليها أو القبول بالنفي والخروج من غزة وعدم العودة لها.
يريد الإسرائيليون إدارة للقطاع تسمح لهم بالسيطرة على معبر رفح محور فيلادلفيا ومحور نتساريم وحرية عمل عسكري في القطاع وخلق منطقة آمنة في شماله ويشيدون بنية تحتية ومستوطنات تشي بأنهم كجيش احتلال باقي ولا يخطط لانسحاب قريب.
آراء ترامب -تشجع نتنياهو على المضي في مخططاته للقطاع - فهي لا ترى في غزة سوى موقع ساحر على البحر يجب تنظيفها من المقاومين وربما من أصحابها الفلسطينيين حتى يحولها صهره كوشنر ومستثمرين من الخليج إلى جوهرة سياحية وعقارية تنافس موناكو.
حرب الاستنزاف تسترد زمام المبادرة
لا تدع عروض الاستسلام التام التي تطرحها إسرائيل في جبهتي غزة ولبنان مفرا أمام المقاومة إلا الاستمرار في القتال وتحسين شروط التفاوض حول أي تسويات لوقف الحرب في المستقبل. وبعبارة أوضح فإن احتمال توقيع على وثيقة استسلام غير واردة لأن ذلك يعني نهاية حماس وحزب الله وضياع استشهاد قادتهم وأبناء شعبهم هدرا.
وهو احتمال مستبعد لأن تباطؤ نتنياهو في ترجمة ذروة الحرب عندما انقلبت لصالحه تسوية سياسية مواتية له، أعاد إسرائيل في الجبهتين إلى أسوأ سيناريو لها وهو استمرار حرب استنزافها البطيء والمؤلم وأعاد للمقاومة نسبيا إلى نهجها العسكري المفصل لها وهو استنزاف عدو يتفوق عليها تسليحا وتكنولوجيا. يعترف عسكريون عديدون بأن الإنجاز العسكري الإسرائيلي يتآكل ويفقد مفعوله مع مرور الوقت ويشيرون لتباطؤ اندفاع هجومه في جنوب لبنان وحقيقة أن عودة سكان الشمال باتت بعيدة أكثر من أي وقت مضى. في غزة أيضا يصبح مائة من المخطوفين أبعد من العودة لأسرهم أكثر من أي وقت مضى. ورغم الضربة العسكرية الموجعة لحماس كتنظيم ما زالت الخلايا المحلية لهما تشن حرب عصابات موجعة. تكشف الصحف المعارضة لنتنياهو عن واقع الاستنزاف بقولها: إن قتلى الجيش في غزة وجنوب لبنان في ازدياد يومي.. يؤكد الاستنزاف الاعتراف بمقتل نحو ٨٠٠ عسكري إسرائيلي منذ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ منهم نحو ٢٠٠ من الضباط ونحو ٣٠٠ من جنود الاحتياط وهناك ألف مدني قتلوا ونحو ١٢ ألف جندي مصاب استمرار الاستنزاف يرهق قوات الاحتياط وعائلاتهم تضغط من أجل عودتهم ونسبة عدم الامتثال لاستدعاء الاحتياط للخدمة تزداد. والتأثيرات السلبية على الاقتصاد الإسرائيلي تتعاظم خاصة وأنه يعتمد على قوة الاحتياط المشغولة في القتال الاستنزافي.
مع انقطاع الأمل في أي عون من النظام العربي الرسمي ومرحلة عدم الفعل الإيرانية الراهنة التي تفكر في عواقب وصول ترامب عليها وأي طريق تتخذه التهدئة أم المواجهة ليس أمام المقاومة إلا المضي في حرب الاستنزاف التي تناسبها ولا تناسب عدوها. بهذا الاستنزاف فقط يمكن أن تصل لتسوية متوازنة لا تضيع إنجاز ٧ أكتوبر كاملا وتعيد بناء قوتها لجولات صراع لن ينتهي إلا بانتهاء الاحتلال.
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: فی القتال حزب الله فی غزة
إقرأ أيضاً:
محاكمة نتنياهو ولجنة القضاة.. تعرّف على الأزمات التي تهدد بانهيار النظام القضائي الإسرائيلي
نشرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية، مقالا، لرئيس معهد سياسة الشعب اليهودي (JPPI) وأستاذ القانون بجامعة بار إيلان، يديديا شتيرن، أكّد فيه: "في الوقت الذي يزعم فيه الاحتلال أنه يقاتل أعداءه على سبع جبهات حربية عسكرية، فإن هناك جبهة ثامنة لا تقل شراسة عن تلك الجبهات".
وأوضح المقال الذي ترجمته "عربي21"، أنّ الجبهة الثامنة تتمثّل بـ"الجبهة الداخلية، حيث تتمثل استراتيجية الحكومة في "قصفها" من خلال وضع العديد من القضايا الإشكالية على أجندة الجمهور".
"بالتالي إرهاقه، وتعزيز الأغراض التي لا يمكن الترويج لها في سياق الشؤون العادية، وبعضها قد تكون مجرد كلام فارغ" بحسب المقال نفسه، مؤكدا أنّ: "آخر عمليات القصف التي تقوم بها الحكومة على جبهتها الداخلية تمثّلت بقرارها حجب الثقة عن المستشارة القانونية".
وأضاف: "هذه خطوة دعائية لن تؤدي لنتائج عملية، إذ تقف في طريقها عقبات قانونية لا يمكن التغلب عليها، وفي حالات أخرى، يكون الهدف تغيير الواقع، مثل مشروع قانون تغيير تشكيل لجنة اختيار القضاة، الذي يوشك أن يدخل القانون الأساسي، دون أي احتجاج شعبي تقريباً، رغم خطورته الهائلة".
وأردف أنّ: "قرارات الحكومة تشعل بكل قوتها الجبهة الداخلية الثامنة: "إسرائيل ضد إسرائيل"، فالحكومة ووزراؤها يدفعون الإسرائيليين إلى حافة خلاف عميق حول القضايا الأكثر محورية في حياتهم، وكأنها: تقطع اللحم الحي أثناء الحرب".
وأبرز: "عشية التعبئة الواسعة النطاق لجيش الاحتياط، وتثير عواقبها قلقاً هائلاً وإحساساً واضحاً بالطوارئ بين غالبية الجمهور، بما في ذلك أنصارها"، مشيرا إلى أنّ: "كل واحدة من هذه القضايا هي قضية رئيسية بحد ذاتها".
واستطرد: "في حين أن قضايا أخرى أكثر خطورة لا تستحوذ على اهتمام الحكومة، لاسيما معضلة إعادة الأسرى في مواجهة الحرب المتجددة في غزة، ما يثير أسئلة مهمة ذات طبيعة وجودية، وأخلاقية، وأمنية".
"صحيح أن اختيار القتال هو قرار الحكومة، لكن الاحتجاج ضده خشية ان يؤثر على عودة الأسرى، لا يجب أن يكون مرتبطا بالاحتجاجات الأخرى ضد تحركات الحكومة الأخرى ذات الطابع الإشكالي" وفقا للمقال نفسه الذي ترجمته "عربي21".
وأوضح أنه: "كان ينبغي أن تنتهي محاكمة رئيس الوزراء منذ زمن طويل، وقد تم اقتراح أفكار بشأن صفقة إقراره بالذنب، والوساطة الجنائية، وأكثر من ذلك، وعرضت الدوائر القانونية كثيرا من المقترحات لحلّ هذه الإشكالية، لاسيما من قبل أهارون باراك، الرئيس الأسبق للمحكمة العليا، المسمى "قائد الدولة العميقة"، وأفيخاي ماندلبليت، المستشار القانوني الأسبق للحكومة، الذي قدم لائحة الاتهام ضد نتنياهو".
وأضاف أنّ: "الجهات القانونية الحالية في الدولة تتجاهل هذه الصيغ الوسط لحل معضلة محاكمة نتنياهو، وهي في ذلك لا تتخذ القرارات الشجاعة التي ترى الصورة الكبيرة، وبالتالي تتحمل المسؤولية عن مستقبل الدولة، ومقدمة لـ"هدم المعبد على رؤوس الإسرائيليين جميعاً" وفق صيغة علي وعلى أعدائي، وهذا منهج لا ينبغي لنا أن نسير على خطاه، مما يجعل من خطوة إنشاء لجنة تحقيق حكومية في كل أخطاء الحكومة وإخفاقاتها أمرٌ بالغ الأهمية لتعزيز بقاء الدولة".
ولفت أنّه: "سيتم الاتفاق مسبقًا على أن يقتصر تفويض اللجنة على التحقيق في العمليات والمؤسسات، وليس بالضرورة العثور على الجناة، الأمر الذي يتمثل بعدم توجيه إصبع الاتهام إلى فرد بعينه، بل التحقيق في إخفاقات البنية التحتية في عمليات التفكير والتشغيل للنظام المسؤول عن أمن الدولة".
"وأن يكون هدف اللجنة هو تصحيح مسارها، وهنا يُمكن إجراؤه بكفاءة أكبر، دون تحذيرات أو محامين، وبصورة علنية، ودون أن تُصبح نتائجه موضع جدل، وبالتالي يتم تقويضها من قبل صناع القرار في الدولة" استرسل المقال ذاته.
وأكد أنّ: "العديد من إخفاقات حكومة الاحتلال بحاجة لتوضيح كامل، لأن تقويض النظام السياسي للدولة هو الخطر الأكبر على مستقبلها، وهذا ممكن بعد أن نجحت التحركات الحكومية في خلق حالة من عدم الثقة لدى الكثيرين تجاه الأفراد والمؤسسات المسؤولة عن سيادة القانون".
ومضى بالقول: "يجب أن نعترف بصراحة أن قرارات وسلوك أجزاء من النظام القضائي ساهمت أيضًا في هذه النتيجة الكارثية، مع أن جزءً أساسياً منها قد يكون استوحاه بنيامين نتنياهو من أفكار الرئيس دونالد ترامب".
وفي السياق نفسه، حذّر من أنّ: "القلق الكبير والفوري أن تحكم المحكمة العليا بأن إقالة رئيس جهاز الشاباك رونين بار غير قانونية، لكونها إجراءً غير سليم، ولأن المعايير القانونية المنصوص عليها في القانون الإداري، وتشكل شرطاً لشرعية الإقالة، لم يتم استيفاؤها".
وختم بالقول إنه: "في هذه الحالة سيجادل رئيس الوزراء بأن المحكمة تجاوزت سلطتها، ولا ينبغي الامتثال لحكمها، وفي هذه الحالة قد يُرسّخ رئيس الشاباك نفسه في منصبه، وهنا سيسأل الجميع: من سيقرر، أم ستصبح دولة الاحتلال "جمهورية موز"، وتدخل في مواجهة مباشرة ومصيرية بين مراكز قواتها".