كتاب يتحولون الى دلالين لترويج كتبهم
تاريخ النشر: 15th, November 2024 GMT
ظاهرة انتشرت منذ مدة ليست بالقصيرة في الأوساط الثقافية إلا وهي قيام كثير من الكتاب بمختلف مشاربهم الثقافية القيام بدور "الدلال" لترويج كتابه - رواية أو قصة أو شعر أو غيرها من الكتب –
لا نصادر فرحة الكاتب بمولوده الجديد مطلقا، ومن حقه أن يعبر عن فرحته به كما يشاء، وكذلك أن يحقق من خلاله دخلاً مادياً يضمن له حياة كريمة، وإن كانت مبيعات أي كتاب في الوطن العربي لا يمكن أن تسد رمق أي كاتب، لأسباب كثيرة ربما سنستعرضها ونحن نعرض آراء الضيوف في هذا التحقيق الصحفي.
آلية النشر
قبل أن نتابع الآراء المطروحة لا بد من التوقف قليلا حول آلية ولادة الكتاب بعد أن ينتهي منه كاتبه، ففي كثير من الأحيان يسلمه لدار نشر ما، وهي من تقوم بدور الطباعة والمتابعة، وربما التحرير، وتتقاضى عن هذه العملية أجورها من جيوب الكتاب أنفسهم، وقد أسرَّ لي كثيرون ممن ينشرون عبر دور النشر الأرقام المالية التي يدفعونها ومن خلال اطلاعنا نعرف أنهم يتقاضون ضعف قيمة الطباعة، وتأتي تحت بند أرباحهم، وفي بنود العقد هناك نسبة من المبيعات للكاتب وهي ضئيلة جدا، ونادرا ما يتقاضاها وعبر سنوات طوال لأن "البيع شحيح" كما يبلغون صاحب الكتاب، وبالتالي يدب اليأس عنده ويترك ما جنته يداه لدار النشر، ناهيك عن غياب الدقة في عدد النسخ المطبوعة.
وهناك من يعطي كتابه لجهة رسمية وتقوم بنشره ويتقاضى أجرا مقطوعا يأخذه ويترك الجمل بما حمل، ويأخذ النسخ المخصصة له.
وهناك شريحة من الكتاب تطبع على حسابها أيضا ولكن دون وسيط "دار نشر" وتوزعه كما تريد أما بالبيع هنا هناك أو توزيعه كهدايا للمحبين والمهتمين، ويقول في قرارة نفسه "أحسن ما يسرقوني".
وهناك من يشارك به بمسابقات وهي التي تطبع له عندما يفوز..
لب المشكلة
فرحة الكاتب غالبا ما تصب لمصلحة الناشر، فالأول له جمهوره الذي يتابعه عبر السوشيال ميديا، ودون أن يدري، ولعله يدري، عندما يقوم بعرض كتابه فأنه يشير للناشر والمعرض ورقم الجناح، ويتنقل مع كتابه من معرض إلى آخر، ولكن للأسف دون أن يناله المردود المادي في حال تم البيع، لأن أصحاب دور النشر غالبا مايشتكون من حالة الجفاف الشرائي التي تصيبهم في المعارض.
صرخة في واد
منذ أيام نشر الكاتب سلطان الحويطي ما مرده: "كم أشفق على الكُتاب في معارض الكتاب، من المخجل أن تجد كاتب يدلل على كتابه أمام دار النشر يحاول بشتى الطرق إقناع الزوار بشراءه. ومن المحزن أن يتحول الكاتب لأداة تسويق بداعي حفلات التوقيع وهي مصيدة يقع فيها الباحث عن اللذة الوقتيه".
وفي المقابل ابتكر منذ أيام أحد الكتاب وعبر وسائل التواصل، طريقة للبيع، وجند فريق من الشباب كي يبيعوا له روايته بعيدا عن دار النشر.
وتتوالى الصور وكل كاتب يعرض صوره وهو يحمل مولود بين يديه مبتهجا..
وكل هذا ودور النشر تكتفي عبر صفحاتها ومواقعها على الشابكة أنها ستشارك بهذا المعرض أو ذاك وتترك للكُتاب فرصة الترويج عندما ترسل لهم تصاميم الأغلفة.
ملح السؤال
مالذي يدفع الكاتب لكي يقوم بدور المعلن والمروج لكتابه نيابة عن دار النشر التي تقبض منه ثمن الطباعة..؟
ولماذا تتنصل دور النشر عن مسؤولياتها في ترويج الكتاب للكاتب، وتترك له هذه المهمة وتقوم بدور بسيط جدا..؟
وهل من اللباقة أن يقوم الكاتب بدور المعلن عن كتابه نيابة عن دار النشر، ويصبح مثله مثل أي مندوب مبيعات..؟
وقد تواصلت مع عدد من أصحاب دور النشر لمنحهم الفرصة للدفاع والتوضيح، ولكن للأسف لم يرد سوى كاتب واحد وهو معنا بصفته مدير دار النشر.
رغبة الشهرة
يقول الكاتب عماد نداف: "كما تعلمون النشر عدة أنواع، فهو رسمي أحيانا أي مؤسسات عامة تتبنى المادة الثقافية، وهي هنا يمكن أن تقوم بعمل دعائي لها، وهناك نشر خاص على عاتق الكاتب ويقوم هو بالترويج له، ونشر بواسطة دور مختصة تستمر المادة الثقافية.
وفي الحالة الأخيرة أي الجواب على السبب الذي يدفع الكاتب لكي يقوم بدور المعلن والمروج لكتابه نيابة عن دار النشر التي تقبض منه ثمن الطباعة..هو رغبة الكاتب بوصول منشوره إلى أوسع شريحة من القراء، وأحيانا يكون السبب هو عملية الإشهار التي يسعى إليها الكاتب لاسمه وسط كثرة الكتاب وغياب القامات، أي أن العملية هي تلقائية يندفع إليها الكاتب بحكم رغبته وطموحه، وأنا مثلا لم أقرأ أي ترويج قام بها الكتاب الكبار كحنا مينة أو نجيب محفوظ أو غيرهما لأنهما ليسا بحاجة.
وحول تنصل دور النشر عن مسؤولياتها في ترويج الكتاب للكاتب، وتترك له هذه المهمة وتقوم بدور بسيط جدا..فالحقيقة أن أصحاب دور النشر يعرفون جيداً تلك الرغبة الموجودة عند الكاتب والتي تجعله يقوم بمهام الدار بكل طواعية، ثم إن دور النشر تعرف أن السوق الحقيقي للكتاب الناشئين هي الأوساط التي يعيشون فيها، وليست المكتبات العامة."
تنصل من الالتزامات
يوضح الكاتب ومدير دار نشر محمد احمد طاهر قائلا: "عندما يجد الكاتب نفسه على الحياد لأسباب قد تكون معلومة أو مجهولة، فانه يجد نفسه ملزما بسلوك الطرق التي توصل صوته الأدبي حتى لو اضطر إلى التضحية المادية وربما المعنوية، كي يجد ما يلبي غروره، وهذا اصبح سائدا في زمن اصبح المنتج الأدبي تجاريا بامتياز، الكاتب غير المعروف يسعى للشهرة السريعة بدافع الفضول والسعي لتحقيق مجد أدبي، ولاسيما أن وسائل الإعلام الحديثة لا تعمل بالمجان، فيلجأ للتسويق الإلكتروني عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
ان دور النشر أحيانا يكون متفق عليه منذ البداية "العقد شريعة المتعاقدين" واحيانا يتم الاتفاق على ترويج ما تم الاتفاق عليه، وربما تسعى دار النشر للتخلص من التزاماتها المادية، ولاسيما عندما تكون نفقات ومصاريف الطباعة كبيرة."
حس تجاري
يرى الشاعر صقر عليشي أن "الدعاية للمؤلف ليست مسألة بسيطة وقد تكون مفيدة، وقد تكون مضرة إذا لم يكن الكتاب ذا مستوى فني معقول، فكم هدرنا من الوقت على مؤلفات كانت وراءها دعاية كاذبة وتجافي الحقيقة.
وقد تنجح دعاية مضللة بحدود للترويج عن طريق اختيار عناوين براقة جذابة للكتاب، لكنها زائفة بعيدة كل البعد عن محتوى الكتاب وقيمته، وهنا تكون النتيجة خسارة للمتلقي وحده، الذي يشتري الكتاب ومن ثم يضيع عليه وقته.
وحين يكون المنتج أهلا للترويج فواجب الدار والمؤلف أن يقوم كل منهما بهذا الدور على قدر استطاعته، وأغلب دور النشر لديها حس تجاري تجاه الأمر، وهي لن تقوم بدعاية لا تتوقع منها ربحاً مادياً أو معنويا، إلا إذا كانت من الدور الداعمة للثقافة في توجهها ولا تتوخى الربح المادي.
والذي يدفع الكاتب للترويج حين تقاعس دار النشر هو طمعه في أن يحظى كتابه ولو بالقليل من الاهتمام والحضور، وهذا كان دائما هدف أغلب الكتاب الكبار الذين يهمهم قيمتهم الثقافية أكثر مما يهمهم "ثراء" يحققه أفضل منهم صاحب بقالية صغيرة".
غياب الاحترافية
يتحدث الكاتب عمر الحمود بصراحة قائلا: "يفرح الكاتب عند إنجاز كتابه، ويشعر أنّه امتلك العالم، أو أنّ الدنيا وهبته ما يريد، ولا تستمر فرحته طويلاً، فيقصف عمرها الناشر حين يطبع له الكتاب، ويأخذ منه ثمن الطباعة، ويعيده إلى واقعٍ لا يحتفي بالكتاب، فيضطر الكاتب أنْ يأخذ على عاتقه مهمة الإعلان عن الكتاب وتسويقه، وإلا سيظلّ كتابه حبيس المستودعات، فيتقمّص الكاتب دور التاجر مكرهاً، ويكون هو الخاسر حتماً.
ومن أسباب ابتعاد دور النشر عن تسويق الكتاب: أن معظم دور النشر تعتبر الكتاب سلعة تجارية غير مربحة، وهي تسعى للربح المالي السريع، فلاتنتظر مردود بيع الكتاب، وهمها الأول والوحيد قبض أجرة الطباعة.
وهناك دور نشر أخرى لا تملك خطة ناجحة للتسويق عبر المعارض والندوات وحفلات توقيع الكتاب، ولا تملك احترافية الإعلان والتسويق، وافتقارها أو جهلها بطرق التسويق الحديثة كالكتاب الرقمي أو الصوتي.
وتوجد دور نشر ثالثة تعاني من أزمة تمويل، وبصعوبة تؤمّن دخلاً يساعدها على البقاء على قيد الحياة، وليس لها القدرة على انتظار الحصول على مورد من الكتاب الذي يحتاج إلى فترة زمنية قد تكون طويلة، وقد يكسد الكتاب، ولا يباع، وخاصة إن كان الكاتب في بداية مشواره الأدبي، وليس له قراء أو الاسم الأدبي اللامع."
سردية الوجع
بكل مرارة تصف الكاتبة أحلام أبوعساف مأساتها مع هذه المسألة بقولها: "كانت أحلامي كبيرة لم تسعها الأرض، فهربت إلى الكتاب عله يتسع لها وأرتاح قليلاً..
في بداية كتاباتي كنت سأغير العالم، هذا كان طموحي. كنت سأسرد مأساتي وأفراحي على الناس علهم لا يقعون بما وقعت به. كي لا يعانون مما عانيت منه..يا لأحلامي الساذجة والوردية!...بدأت الكتابة أخذت مخطوطي لدار نشر نشيطة كانت مديرتها امرأة.. بعد ثلاثة أيام ردت علي، أنني لقيت القبول في الدار وستطبع ذلك المخطوط بعد أن يتم عليه التعديل، وللحق كانت سخية معي وساعدتني على صياغة بعض الجمل التي تليق بالطباعة والنشر..طلبت مني مبلغاً كأجرة وستساعدني بنصفها، يعني طبع مشترك، لم أتوان، فحلمي لا ثمن له، وبنفس الوقت يستحق أثمان العالم وسألبي رغبتها في هذا..الملف يحتاج غير الصياغة إلى التدقيق اللغوي ولم أكن لا أنا ولا هي ضالعتين فيه، ولكن نظراً للضائقة المالية التي تعيش فيها سورية فقد غامرت الناشرة بالتدقيق، خرجت روايتي التي توليت بيعها وكأنني أبيع أي منتج استهلاكي، لشغفي بنشر كلمتي ولصدق ما كتبت، عانيت الأمرين من النقد اللاذع بأنني تاجرة كتب، ساعية للشهرة وللظهور، لم تكبح جماحي تلك الأقاويل وصممت على المضي بالطريق، فهي رواية جميلة ولكن فيها أخطاء نحوية ولغوية..لم آبه للموضوع فالزمن كفيل بحل المشاكل العالقة".
وتتابع أبو عساف قائلة: "ولشغفي واندفاعي، تكرر الأمر مع دار النشر عدة مرات، وفي كل مرّة كنت أحاول تجنب مشكلة التدقيق، ولم أفلح لضعف إمكانياتي وخبرتي، ولتخلي الدار عن هذا الدور بقصد أو بدون، فقد كنت أصارع كي تصل رواياتي إلى أبعد مكان مع وقوف دار النشر مكتوفة الأيدي. وإن تدخلت بمنشور عابر يكون خجلاً.. حصتي من الكتب أنا قمت ببيعها بتنقلاتي التي غالباً ما كنت مكلفة، لم أحبط، وسأغير دار النشر لروايتي الرابعة بعد أن غادرت مديرة النشر إلى خارج البلاد لسوء وضع الدار، وهكذا بدأت رحلة جديدة مع دار مشهورة في سوريا. حدّثت نفسي أن قبول وترحيب هذه الدار بملفي يعني مبادرة خير وأنني ألاقي استحساناً، رغم أن كل نسخ رواياتي قد نفدت من السوق ولاقت قبولاً ملحوظاً بين مؤيد ومعارض لمحتواها، "الروايات التي لا تثير لغطاً ليست برواية" هكذا لسان حالي كان يقول متحدية الجميع وأنا أقف بوجه الريح..الآن، هذه الدار عندها الخبر اليقين بموهبتي لأنها دار مشهورة وتاريخها عريق ولن تغامر بسمعتها من أجل بعض الأمور، ولديها أكثر من ١٥٠٠ عنوان، وقعت العقد ونفذ بوقته، تنفست الصعداء لقد نجحت، لم يدم فرحي طويلاً، أعيدت نفس القصة "أنت ستروجين لروايتك"!! تساءلت ماهذا، أين العيب بي أو بهم ؟ وهكذا بدأت من جديد ودار النشر تتفرج على نشاطاتي، وأنا أدور في أرجاء المناطق للتسويق ولم يتدخل أحد منهم، وكنت أدعوهم على الأقل تعالوا وتحدثوا خلال نشاطاتي عن صعوبات النشر والتسويق ولكن لا حياة لمن تنادي، كل ما ساعدوني به هو نشر فيديو صورته أنا وأصدقائي عن الرواية..نشروه على صفحتهم، ثم انتهى دورهم، ولم أعد أعرف مصير باقي النسخ التي طالبوا فيها للمشاركة في المعارض، هل بيعت أم كسدت؟ لم أجد اسمي يتوهج في نشراتهم كما حلمت، كنت أطالبهم بباقي النسخ فيقولون نفدت، أطالبهم بنصيبي من البيع لا يردون..!!
وتواصل أحلام أبو عساف سرد مشكلتها قائلة: "الأنكى لم تتوقف عجلة شغفي رغم كل ما جرى معي، ولجأت لدار ثالثة كي أطبع إحدى رواياتي الطبعة الثانية...لاقاني صاحب الدار بالترحاب..ابتهجت، قلت سأنوع بالدور كي لا أظلم أحداً منها، ولكن للأسف كانت أشد سوءاّ واستغلالاً وكذباّ. أعطاني نصف الكمية المتفق عليها وقد نفدت والحمد لله بجهودي..والنصف الثاني لم أره للآن، منذ ما يقارب الستة شهور وهم يتهربون من التزاماتهم تحت حجج كاذبة وواهية..
هنا السؤال.. أين العيب بي أم بتلك الدور غير الملتزمة بوعودها وتشكوا عزوف القارئ عن الشراء؟ وحين أطالبها بالنسخ أو بحقي المادي لا يردون ويقفلون هواتفهم إلى أجل غير مسمى..
ماذا أفعل، هل أعزف عن الكتابة أم أستجدي تلك الدور، أم أبحث عن دار جديدة ومأساة أخرى؟
تلك حكايتي وحكاية الكثيرين من زملاء لي أعرفهم حق المعرفة..!!"
الترويج للمعارض الخارجية
يقول الشاعر والإعلامي علي الدندح: "يمضي معظم الأدباء والكتاب سنوات من اجل إنجاز كتاب واحد يضعون فه جهد استثنائي على أمل أن يراه متداولا بين أكبر عدد من المتلقين، وأن يحظى هو نفسه بالتقدير المادي والمعنوي المستحق الذي يدفعه للمزيد من الإبداع واقع وآليات النشر اليوم في سورية تختلف اليوم عما كانت عليه قبل الحرب، هناك فكر ضائع وحقوق ضائعة وارتفاع كبير في تكاليف النشر، ومايهم الكاتب الشهرة، وصاحب المطبعة همه الأكبر أصبح يذهب باتجاه التخلي عن موضوع النشر، كون المشاركة في المعارض الخارجية غير مجدية ولا تحقق طموحه كدار نشر بسبب التكاليف الباهظة.
أغلب دور النشر غير منوطة بتقديم الدعاية للكتاب، والترويج فقط للمعارض الخارجية أو المحلية، اعرف أن الكلف المالية العالية وعدم المشاركة في المعارض الخارجية هي التي تحول دون الترويج للكتب التي تقوم بطباعتها، كما أنها تقوم بالدعاية للكتاب الإلكتروني بالحد الأدنى، ولكن الترويج للورقي غالبا مايكون من خلال حفلات التوقيع والمعارض وعن طريق الأنترنيت، وهذا ما تقوم به دور النشر، ولكن الظرف الراهن الذي تمر به البلاد لايمكن لدور النشر بالقيام بدورها بالترويج كما أسلفت لعدم المشاركة بالمعارض".
ويتابع الدندح قائلا: "اعتقد ان هناك فرق كبير بين المهنة والموهبة وصاحب المهنة لايهمه موضوع الترويج والدعاية المجانية لصاحب المنتج، والمنتج الجيد هو من يقدم نفسه ومهما قامت دور النشر بالإعلان عن الكتاب وهذا ما يحصل وحتى لا نذهب باتجاه الكتب الإبداعية التي تخص الأدب، فما يتم الترويج له كتب بعيدة عن الثقافة "كتب الغذاء والماكياج والموارد البشرية وتعلم اللغات" وتحقق من خلالها ما تريد من أرباح ومضاعفة عما يمكن أن تحققه من كتب الثقافة بمختلف ألوانها، وصاحب دار النشر لا يهمه المنتج الحقيقي الذي يصل إلى طموحات الكاتب بالترويج إن لم يكن الكتاب يتقاطع مع فكرته الربحية والتجارية والاقتصادية فلا يروجه بل يقع على عاتق الكاتب الذي يقوم بالمهمة لأن المطبعة هي صلة وصل فقط بين الكاتب والجمهور، العلاقة هي بين المهنة والموهبة وتنفصل عن بعضها في كثير من الأحيان".
المشكلة عامة
لم يكن هذا الموضوع من باب تحميل مسؤولية لجهة دون أخرى، ولكن تداخل المهام، وعدم معرفة كل طرف ما له وما عليه، يؤدي إلى فقدان العلاقة الصحيحة، ولأن غالبية دور النشر تقوم بدور الطابع وليس الناشر الذي يمشي وراء سلعته ويقوم بواجبه تجاه الكتاب والكاتب، أفقد الكثير من دور النشر مصداقيتها.
ونظرا لقربي من شريحة الكتاب والأدباء والعمل الطباعي تراكمت لدي الكثير من المعلومات عبر سنوات سابقة وليس حصيلة أيام الأزمة والحرب.
لكل كاتب رواية مليئة بالمرارة مع نشر كتابه، ولكل دار حصتها من هذه السرديات المؤلمة، والمبررات التي تقدمها كحجة تدفع بها للتنصل من التزامها، ومنهم من يردد نحن نقدم خدمات طباعية للكاتب وهو من يروج لكتاب ولن يقرأه سواه وأصدقاءه، ومن هنا تتداخل المشكلة التي تبدو عامة وفي كل زمان ومكان، ولا تقتصر على سوريا بل تمتد إلى أماكن كثيرة.
التعميم قد لا يبدو منطقيا فهناك استثناء بالطبع، ولكنه نادر جداً.
ومع ذلك قلة من الذين يتحدثون بصراحة عن معاناتهم بشفافية، ويلجأون لدبلوماسية الحديث حفاظاً على خط العودة.
وفي المحصلة غالبا ما تستغل دور النشر جماهيرية الكاتب على وسائل التواصل الاجتماعي لكي تنتشر هي الأخرى على حساب الكاتب الذي تابعه المئات من القراء، بينما غالبية صفحات دور النشر لاتجد من يتابعها إلا القلة القليلة بسبب ضحالة المحتوى الذي تقدمه.
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: عن دار النشر فی المعارض تقوم بدور دور النشر غالبا ما دار نشر قد تکون
إقرأ أيضاً:
لماذا تتحول الثورات إلى مآس دموية؟ قراءة في كتاب
الكتاب: هل قلت تريد ثورة؟، المثالية الراديكالية وعواقبها الوخيمةالمؤلف: دانيال شيرو
ترجمة: مجد أبو عامر، يارا نصّار
الناشر: الشبكة العربية للأبحاث والنشر
السؤال المحوري الذي يدور حوله كتاب المؤرخ الأمريكي دانيال شيرو هو: لماذا انتهت الكثير من الثورات في عصرنا الحديث إلى مآس دموية؟. فمن الثورة الفرنسية، إلى ما تلاها من ثورات في المكسيك وروسيا وألمانيا والصين، والجزائر وإيران، وغيرها في الكثير من الدول في القرنين الماضيين، لم تتمكن الأيديولوجيات الراديكالية التي وعدت بإصلاحات جذرية من تحقيق مثلها العليا والمحافظة عليها، إذ انزلقت سريعا إلى ممارسات قمعية عنيفة، انتهت إلى حالة من الفساد السلطوي الذي قاد في أحيان كثيرة إلى ثورات جديدة. لكن شيرو، مع ذلك، يلفت إلى أن معظم هذه الثورات، رغم عواقبها الوخيمة، كانت تحمل مبرراتها القوية. ويشرح ديناميات هذه الثورات، ويقدم تفسيرات لأسباب انتهائها بشكل مأساوي، كما يقدم أمثلة مغايرة توضح أن هذه النهايات الراديكالية ليست حتمية بالضرورة، ويمكن تجنبها.
يرى شيرو أن "الثورات تُستوحى من المثل الداعية إلى بناء مجتمع أفضل من خلال التغيير المتعمّد والسريع، للقواعد والمؤسسات السياسية الرئيسية. وفي معظم الحالات تنطوي الثورة على رغبة في إجراء تحول في العلاقات الاقتصادية والاجتماعية". ورغم أن الإصلاح التدريجي قد ينتهي بمرور الوقت إلى تغييرات جذرية، مثل التي تنشدها الثورات، إلا أنه لا يعد ثورة، ولذلك "لا يثق قادة الثورات كثيرا بالإصلاحات التدريجية والمجزأة".
أربع مراحل
يتناول شيرو في كتابه أربع مراحل ثورية رئيسية، يصفها بأنها تعكس "التسلسل المثير للتراجيديا الكلاسيكية" مستعينا بأمثلة من ثورات مختلفة، دون أن يعني ذلك مرور جميع الثورات بهذه المراحل الأربع، لكنها تمر كلها بمرحلتين أو ثلاثة منها. يقول شيرو إن الثورات تندلع بعدما تفشل النخب في حل المشكلات الكبرى، ما يؤدي إلى انهيار النظام، ليتقدم الفاعلون السياسيون ذوو الخبرة المحدودة في الحكم والإدارة ليصبحوا هم النخبة الجديدة، وهي عادة نخبة معتدلة نسبيا، ولهذا السبب تحديدا، بحسب شيرو، تفشل في تلبية مطالب وغضب كثيرين ممن ينشدون التغيير الجذري، أو حتى فهم تلك المطالب.
الثورات تُستوحى من المثل الداعية إلى بناء مجتمع أفضل من خلال التغيير المتعمّد والسريع، للقواعد والمؤسسات السياسية الرئيسية. وفي معظم الحالات تنطوي الثورة على رغبة في إجراء تحول في العلاقات الاقتصادية والاجتماعية". ورغم أن الإصلاح التدريجي قد ينتهي بمرور الوقت إلى تغييرات جذرية، مثل التي تنشدها الثورات، إلا أنه لا يعد ثورة، ولذلك "لا يثق قادة الثورات كثيرا بالإصلاحات التدريجية والمجزأة..ويمهد هذا الفشل الطريق أمام موجة تالية من الثوريين الأكثر قسوة، لا يترددون في استخدام وسائل أكثر عنفا للاستيلاء على السلطة والاحتفاظ بها. وفي المرحلة الثانية تؤدي ردة الفعل المعادية للثورة إلى تنامي "السياسة التنازعية"، التي غالبا ما تقود إلى حرب أهلية أو تدخل أجنبي، وعندها يجد أصحاب السلطة الجدد أنه من أجل البقاء في السلطة لا بد من تعزيز المؤسسات القمعية، فتصبح الأجهزة العسكرية والشرطية التي "أنشأتها الأنظمة الراديكالية" متاحة للاستخدام من قبل الثوار الذين يمسكون بالسلطة.
ويضيف شيرو أنه نظرا لأن القادة الثوريين يميلون عادة إلى تبني وجهات نظر غير واقعية حول مدى مرونة الأفراد والمجتمعات، فإنهم يصرون على رفع مُثل غير قابلة للتطبيق. وعندما لا تتحقق توقعاتهم تدخل الثورة في مرحلة ثالثة حين يستخدم هؤلاء القادة العنف لإجبار الشعوب على الانصياع، في حال امتلكوا الأدوات القمعية اللازمة. وربما ألقوا اللوم على الدول والمنظمات الخارجية، أو حتى الخيانة الداخلية، وهم بذلك يتهربون من حقيقة عدم واقعية برامجهم. وهذه حالة تقود بالعادة إلى مزيد من القمع وحملات التطهير داخل صفوف النخبة.
وفي المرحلة الرابعة يبدأ الثوار بالتخلي عن أهدافهم المثالية من أجل الاحتفاظ بالسلطة، التي تتحول من سلطة قمعية إلى سلطة فاسدة لأنها تفتقر إلى المؤسسات التقويمية التي يفترض أن تكشف تجاوزاتها. يلفت شيرو إلى أنه في "أول ثورتين حديثتين؛ الأميركية والفرنسية، تجنبت الأولى النتائج المذكورة كلها، بينما وقعت الثانية في كل واحد من هذه الفخاخ، وهذا أحد الأسباب التي جعلت تاريخ الثورة الفرنسية منذ ذلك الحين نموذجا يستخدمه محللو الثورات الأحدث منها".
نموذج مختلف
من جهة أخرى يشير شيرو إلى أن بعض الدول التي شهدت تغييرات كبرى على مدى فترات زمنية ممتدة، وقادها زعماء محافظون اجتماعيا، تبين لاحقا أنها كانت تغييرات ثورية، وحدثت دون إراقة دماء أو إجراءات قمعية عنيفة. إذ أدرك هؤلاء الزعماء ضرورة القيام بإصلاحات تقدمية لتجنب نتائج أكثر خطورة. ويقول إنه في العام 1848 وقعت ثورة ليبرالية فاشلة في ألمانيا، وبقي الرجعيون المناهضون لليبرالية في السلطة.
لكن هذه السلطة المحافظة بقيادة أوتو فون بسمارك كانت أيضا مرنة، واستطاعت التكيف مع المتغيرات، فسمحت بمزيد من الديمقراطية، وأدمجت الطبقات العاملة تدريجيا، وسمحت بأن يكون للطبقات الوسطى صوت سياسي، ونهضت بمؤسسات البحث العلمي، وصعدت بالاقتصاد الألماني ليحتل المرتبة الثانية في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية.
بعض الدول التي شهدت تغييرات كبرى على مدى فترات زمنية ممتدة، وقادها زعماء محافظون اجتماعيا، تبين لاحقا أنها كانت تغييرات ثورية، وحدثت دون إراقة دماء أو إجراءات قمعية عنيفة.غير أن إغفال النخب السياسية والعسكرية فيما بعد لحقيقة أن استقرار ألمانيا وتقدمها اعتمد على العناصر السابقة الذكر، واعتقادها أن ذلك يعود إلى انتصارها في حروب الأعوام 1864،و1866،و1871، وإلى النزعة العسكرية البروسية العنيفة، جعلها تتجه لإذكاء الحس القومي والطموحات الإمبريالية. توجه زعزع استقرار أوروبا، لتأتي بعد ذلك الحرب العالمية التي مهدت لصعود النازية بشكل أكثر جذرية. ومثل ألمانيا كانت اليابان التي عرفت ابتداء من العام 1868 إصلاحات وعملية تحديث كبيرة نفذها بيروقراطيون ومحافظون اجتماعيا، بدلا من ثوار راديكاليين يسعون للإطاحة بالنظام الاجتماعي برمته.
لكن اليابان أيضا استغلت نجاحها هذا لتحويل نفسها إلى قوة إمبريالية عنيفة، الأمر الذي قادها إلى حروب مأساوية كادت أن تدمرها. يشير شيرو إلى أن التغيير التدريجي والمعتدل قد يقود إلى عواقب وخيمة على المدى الطويل، فعلى سبيل المثال كان لاسترضاء النخب المحافظة المالكة للعبيد في الجنوب الأمريكي عندما نشأت الولايات المتحدة، آثارا سلبية كبيرة، تمثلت بالحرب الأهلية الكبرى (1861ـ 1865)، والصراع العرقي المستمر حتى هذا اليوم.
ما يريد شيرو قوله هو أن كل الثورات سواء كانت راديكالية أو عبارة عن إصلاحات تدريجية محافظة، أو حتى ليبرالية معتدلة وسلمية تظل دائما منقوصة، غير قادرة على حل كل مشكلات المجتمع، والقضاء على مخلفات الماضي، وهي عادة ما تنتهي بخيبة أمل مؤيديها. وفي الوقت نفسه يرى أن التحديث لا يتطلب ثورة سياسية ما دامت الحكومات والنخب والمهيمنة مستعدة لإبداء المرونة الكافية لدعم التغييرات الثورية التدرجية على المدى الطويل، كما حدث في بريطانيا.
ما قبل الثورة
في استنتاجاته من دراسة هذه الثورات ينبّه شيرو إلى أن الليبراليين المعتدلين يحتلون، غالبا، مواقع متقدمة في المراحل الأولى من الثورات الحديثة، لكنهم يسيئون تقدير غضب الجماهير، والجاذبية المتزايدة لأولئك الذين يقترحون حلولا راديكالية، وبالتالي لا يدركون مدى السرعة التي قد تخرج فيها الثورات عن نطاق السيطرة بعد أن كانت تطالب بإصلاحات معتدلة. أما المحافظون المتعصبون فيخلطون بين الإصلاح المعتدل الذي يهدد مصالحهم والراديكالية الأشد خطورة التي تريد القضاء عليهم، ما يجعلهم مستعدين للجوء إلى القمع العنيف لوقف التغيير اللازم. وقد جلب السياسيون الألمان المحافظون هتلر إلى السلطة، لأنهم ظنوا أن التحالف مع النازيين أفضل من تقديم تنازلات لمصلحة الديمقراطيين الاشتراكيين المعتدلين.
روسيا والصين تتحولان، تقريبا، إلى قوى فاشية كلاسيكية معادية لليبرالية، كما أن أجزاء من أوروبا الشرقية الشيوعية سابقا تسير على الخطى ذاتها نحو الأوتوقراطية.يتساءل شيرو: هل ثمة أوضاع ما قبل ثورية خطرة في عالمنا المضطرب اليوم؟ ويقول إنه ربما لم يحدث ذلك بعد في الديمقراطيات، رغم الشلل السياسي المتنامي، وعدم القدرة على إجراء التغييرات اللازمة، بما في ذلك الولايات المتحدة وقسم كبير من أوروبا الغربية، وهو ما يرجح حدوث اضطرابات غير متوقعة في نهاية المطاف. لكن الوضع أكثر قابلية للانفجار في معظم أنحاء العالم ولا سيما في الشرق الأوسط، ووسط وجنوب آسيا.
ويضيف أن روسيا والصين تتحولان، تقريبا، إلى قوى فاشية كلاسيكية معادية لليبرالية، كما أن أجزاء من أوروبا الشرقية الشيوعية سابقا تسير على الخطى ذاتها نحو الأوتوقراطية. وفي هذا السياق يذكّر شيرو بضرورة الاهتمام بما يكتبه أو يقوله الزعماء السياسيون، وعدم التهوين من شأن الآراء المتطرفة والتعامل معها باعتبارها مبالغات انتهازية، أو تكتيكات لحشد أنصارهم. "هذا خطأ آخر يرتكبه الإصلاحيون الوسطيون وحتى الثوريون الأكثر اعتدالا" بحسب ما يقول.
بل يجب أن نفترض أن أي موافقة على العنف أو التشجيع عليه من قبلهم هي بمثابة تنبؤ بالسياسات المستقبلية. تماما كما لا يجب أبدا التقليل من دور النخب السياسية والثقافية في التمهيد، فكريا، للتغيير الثوري. "لقد مهد فلاسفة التنوير في فرنسا الطريق للثورة من خلال تغيير الأفكار قبل أواخر ثمانينيات القرن الثامن عشر، وكان التنوير البريطاني والفرنسي جزءا من فكر النخبة الأميركية قبل سبعينيات القرن الثامن عشر. وكانت المعارضة الروسية للحكم القيصري المطلق لعقود تتزايد بين المثقفين قبل ثورة 1917... وكان من المفترض أن يمثّل اختمار المعارضة بين المثقفين الإيرانيين إشارة إلى الشاه في أوائل سبعينيات القرن العشرين بأن الأمور ليست على ما يرام.. الأفكار قد تمهد الطريق لنزع شرعية الأنظمة السياسية القائمة". وأخيرا يقول شيرو إن التغيير المتدرج والحلول التوفيقية والمرونة هي أنجع السبل للتكيف مع مطالب الإصلاح. لكن إذا قامت الثورة فسوف يتطلب الأمر مهارة غير عادية وإصرارا من جانب الإصلاحيين المعتدلين لمنع تحولها إلى مأساة.