الداخلية الليبية بين فرض الحجاب وأولويات المجتمع
تاريخ النشر: 14th, November 2024 GMT
في قرار مفاجئ للمجتمع الليبي والدولي على حد سواء، قرر وزير الداخلية الليبي عماد الطرابلسي، فرض الحجاب، ومنع الاختلاط، وصيحات الشعر الشبابية، وأن من يريد العيش بحرية، فليذهب إلى أوروبا، حسب ما ذكره موقع "عربي21" نقلا عن بي بي سي عربي.
وبغض النظر عن الموقف الديني من القضايا المذكورة، من حيث درجتها في الأحكام، من حيث وجوب الحجاب، وحرمة الاختلاط المستهتر الذي يشتمل على ما يحرم شرعا، أو كراهة حلق الشعر بطريقة (القزع)، وهو أمر مختلف في حكمه، وغالب آراء الفقهاء أنه مكروه كراهة تنزيه.
فالشريعة ليست حدودا وقوانين صارمة فقط، بل قبل ذلك كله: عقائد تغرس في نفوس الناس، وأخلاقا تثبت في ضمائرهم، وسلوكا يبرز في أعمالهم وأفعالهم، وعبادات ينتج عنها ذلك كله، فالتركيز على المجتمع في أداء عبادات شكلية، أو طقوس شعائرية، ليس حلا، وليس علاجا لمشكلات المجتمع، وليس علامة على تدين المجتمع أو إيمانه.ربما فرح البعض وهلل، بأن ذلك إعلاء لتطبيق الشريعة، وهو أمر محمود، أن يعلن ذلك وزير للداخلية في دولة عربية، وهي عاطفة محمودة من حيث المبدأ، ونوايا أصحابها موكولة إلى ربهم، لكن هل تكفي النوايا الحسنة في قضايا إدارة الدول والشأن العام؟ الحقيقة لا تكفي النوايا الحسنة، فكم من نوايا حسنة، دفعت دفعا لصدامات حول واجبات لا تجب على الفور، بل تحتمل التأجيل، وتحتمل أن توضع وفق جدول زمني حسب إمكانات المجتمع.
ومحاولة البعض حصر الشريعة في تطبيقها في بعض الحدود، وتنفيذ بعض الواجبات الظاهرة، المتعلقة بشكل المجتمع، دون غرس الإسلام كدين وأخلاق وآداب في جذور المجتمع، من خلال التربية والتوجيه، وخلق مناخ متدين ومحافظ، قبل أن يفرض عليهم كقانون، فهذا خطأ، تم تجربته في عدة دول، ولم ينتج عنه سوى كراهية وبغض لهذه الواجبات للأسف، وهو ما تم من قبل في دول عربية وإسلامية.
فالشريعة ليست حدودا وقوانين صارمة فقط، بل قبل ذلك كله: عقائد تغرس في نفوس الناس، وأخلاقا تثبت في ضمائرهم، وسلوكا يبرز في أعمالهم وأفعالهم، وعبادات ينتج عنها ذلك كله، فالتركيز على المجتمع في أداء عبادات شكلية، أو طقوس شعائرية، ليس حلا، وليس علاجا لمشكلات المجتمع، وليس علامة على تدين المجتمع أو إيمانه.
لقد عاشت دول الربيع العربي بين تجاذبين كلاهما أضر بقضية الشريعة والثورة معا، بين من راحوا يتمسكون بقضايا جعلوها عاجلة، قبل استقرار المجتمع، ورسوخ القانون، وإقامة دول المواطنة والعدالة، فسعوا وراء سن قوانين ودساتير، كتبت بصيغ غاية في القوة، لكنها لم توضع موضع التنفيذ، وكانت ستارا لحكام مستبدين، ولنا في دستور السيسي خير نموذج، ودستور تونس، فهل كانت هذه القوانين حامية من بطش السيسي، أو استبداد قيس سعيد؟
بينما راح كل طرف يطرح قضايا ليست قضايا مجتمعات خرجت من ثورات شعبية، وتريد بناءا جديدا للمجتمع، فإذ بالمتشددين يطرحون قضايا دينية تحتمل التأجيل لسنوات طويلة، دون حرج شرعي، وإذ بخصومهم من العلمانيين يطرحون قضايا لا علاقة لها بالواقع المعيش، كما حدث في تونس مثلا، من طرح قضية مساواة المرأة بالرجل في الميراث، في ظل حكم لا يمارس العدالة، بل كانت أولويته أخطر، ولكنه يهرب منها بهذه القضايا، فأكبر نسبة من المنضمين لداعش من الشباب كانت من تونس وقتها، فهل أولوية أهل الحكم هنا تلبية تطلعات الشباب من العدالة والقانون، أم البحث عن قضايا الفيمنست التي تجذب الغرب وجمعياته، وتجمع حوله الكارهين للتدين؟!
نفس الأمر الآن يحدث في ليبيا من طرح قضية الحجاب والاختلاط، هل أولوية وزير داخلية ليبيا الآن: الأمن، والاستقرار الداخلي لليبيا، في ظل مطامع دولية لزعزعة استقرارها، وخلافات لا تنتهي على القرار السياسي في ليبيا لأي جهة يتبع، فضلا عن الحرب المستعرة والتي كلما هدأت عادت بين حفتر والفصائل الثورية، وتدخلات دولية لدعم حفتر، وأصبحت ليبيا ملعبا لعدد من الاستخبارات العربية والدولية.
لو صحت نية وزير الداخلية الليبي فيما أعلنه، فالأولى أن يلغي ذلك تماما، ويلجأ في ذلك إلى برامج توعية للمجتمع، تخاطب الشباب والناس، بلغة يفهمونها، تكون في ذلك اختيارا منهم، لمن ترتدي الحجاب أو لا ترتديه، لكن أن يكون برقابة أمنية، فهذه ليست لصالح الشريعة، ولا لصالح التدين، وعليه أن يقوم بدوره في حفظ الأمن والأمان، بإجراءات تحفظ سلامة الناس، بعيدا عن مسائل تتعلق بتدين الشخص فرديا،هل الأولوية الآن للمجتمع الليبي أن تنشغل وزارة الداخلية بمن سترت شعرها أم لا؟ أم الأولوية هنا لإعلاء القانون، وتحقيق العدالة، وشعور المواطن الليبي بالأمان، في ظل خروج عدد من الليبين خارجها خوفا من الاستهداف والاغتيال، وإلا فأين الكثيرون من رموز ليبيا الإسلامية والثورية؟!
اختلال ميزان الأولويات عند المتدين أو السياسي، مسألة خطيرة، لأنها لن تكون سوى إضاعة للوقت والجهد وتشويه للدين، بقصد أو بدون قصد، ولقد كانت تجاربنا مع من تستروا بتطبيق الشريعة أو أجزاء منها، في غالبها كانت عليها علامات استفهام، فالقذافي نفسه، بدأ حكمه، بعقد مؤتمر كبير وضخم سنة 1972 أي بعد توليه الحكم بثلاث سنوات، ودعا كبار علماء الأمة، لوضع قوانين لتطبيق الشريعة، وهو ما حدث بالفعل، وأشرف على ذلك المستشار علي علي منصور، ووضع في ذلك مجلدين كبيرين، بعنوان: (نظام التجريم والعقاب في الإسلام). ولكنه لم ينفذ، وكلنا نعلم ما فعله القذافي بالشريعة والمتدينين، وبالمواطنين على مدار أربعين عاما من حكمه.
وما يقال عن القذافي يقال عن حكام آخرين، وعن تجارب أخرى، كجعفر النميري في السوادان وغيره، وما حدث من تجربة مصر في دستورها، وكيف تعنت رموز حزب النور والدعوة السلفية في ذلك، في صياغة مواد، وكانوا مدفوعين من الأجهزة الأمنية وعلت أصواتهم باسم الشريعة، ولما جاء الانقلاب كان كلامهم عن نفس المواد: إنها ليست قرآنا وتقبل التغيير!!
لو صحت نية وزير الداخلية الليبي فيما أعلنه، فالأولى أن يلغي ذلك تماما، ويلجأ في ذلك إلى برامج توعية للمجتمع، تخاطب الشباب والناس، بلغة يفهمونها، تكون في ذلك اختيارا منهم، لمن ترتدي الحجاب أو لا ترتديه، لكن أن يكون برقابة أمنية، فهذه ليست لصالح الشريعة، ولا لصالح التدين، وعليه أن يقوم بدوره في حفظ الأمن والأمان، بإجراءات تحفظ سلامة الناس، بعيدا عن مسائل تتعلق بتدين الشخص فرديا، وهي أمور تأتي وحدها بعد تحقيق العدالة والمساواة والحرية، بمعناها الحقيقي لا الشكلي.
[email protected]
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات كاريكاتير بورتريه وزير الداخلية الحجاب الموقف ليبيا ليبيا حجاب وزير الداخلية موقف سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة مقالات رياضة صحافة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الداخلیة اللیبی ذلک کله فی ذلک
إقرأ أيضاً:
العلامة فضل الله: منع الحجاب على شاشة تلفزيون لبنان يسيء إلى الأديان والتنوع
دعا العلامة السيد علي فضل الله إلى "التراجع عن عدم السماح بارتداء الحجاب للمذيعات أثناء الظهور على شاشة تلفزيون لبنان،لان هذا ضرب بعرض الحائط للقيم الأساسية التي بني عليها الكيان اللبناني من احترام التنوع والحرية الإنسانية، وهو قرار يسيء إلى خصوصيات الأديان وقيمها وإلى تساوي اللبنانيين في الحقوق والواجبات بعيدا عن انتمائهم الطائفي والمذهبي وحقهم الطبيعي في التعبير عن التزامهم الديني والإيماني ولاسيما أن الحجاب في الإسلام ليس رمزا دينيا بل هو فريضة وواجب".
ورأى أن "هذا القرار المجحف والظالم سوف يؤدي إلى استبعاد الكثير من الطاقات ويمثل تهديدا للوحدة الوطنية والعيش المشترك كما يشكل إساءة للقيم الإيمانية والإنسانية المشتركة".
وختم: "إننا نريد للبنان أن يبقى واحة للتنوع الديني والإنساني ورسالة للعالم على قدرة الأديان في التعايش والتكامل بينها وفي رسم صورة حضارية عنها". مواضيع ذات صلة العلامة فضل الله: لبنان لن يكون ضعيفا إن توحّدت قواه واستنفر دبلوماسيته Lebanon 24 العلامة فضل الله: لبنان لن يكون ضعيفا إن توحّدت قواه واستنفر دبلوماسيته 05/04/2025 13:46:34 05/04/2025 13:46:34 Lebanon 24 Lebanon 24 العلامة فضل الله: لموقف لبناني موحد في مواجهة العدو Lebanon 24 العلامة فضل الله: لموقف لبناني موحد في مواجهة العدو
05/04/2025 13:46:34 05/04/2025 13:46:34 Lebanon 24 Lebanon 24 العلامة فضل الله: الاعتداءات الاسرائيلية تستدعي استنفاراً واحتجاجا حكوميا لدى المؤسسات الدولية Lebanon 24 العلامة فضل الله: الاعتداءات الاسرائيلية تستدعي استنفاراً واحتجاجا حكوميا لدى المؤسسات الدولية
05/04/2025 13:46:34 05/04/2025 13:46:34 Lebanon 24 Lebanon 24 العلامة فضل الله: لنبن وطنا لجميع ابنائه Lebanon 24 العلامة فضل الله: لنبن وطنا لجميع ابنائه
05/04/2025 13:46:34 05/04/2025 13:46:34 Lebanon 24 Lebanon 24 قد يعجبك أيضاً
هيئة إدارية جديدة لنقابة تجار الخضار والفاكهة في البقاع الأوسط
Lebanon 24 هيئة إدارية جديدة لنقابة تجار الخضار والفاكهة في البقاع الأوسط
06:35 | 2025-04-05 05/04/2025 06:35:53 Lebanon 24 Lebanon 24 القاصر آية غادرت منزل جدّها ولم تعد.. هل من يعرف عنها شيئًا؟
Lebanon 24 القاصر آية غادرت منزل جدّها ولم تعد.. هل من يعرف عنها شيئًا؟
06:17 | 2025-04-05 05/04/2025 06:17:01 Lebanon 24 Lebanon 24 جعجع: القرار 1701 واضح جدًا واتفاق وقف النار أوضح
Lebanon 24 جعجع: القرار 1701 واضح جدًا واتفاق وقف النار أوضح
06:16 | 2025-04-05 05/04/2025 06:16:58 Lebanon 24 Lebanon 24 أخبار تناولت بلدة جنوبيّة... هذه حقيقتها
Lebanon 24 أخبار تناولت بلدة جنوبيّة... هذه حقيقتها
06:11 | 2025-04-05 05/04/2025 06:11:41 Lebanon 24 Lebanon 24 بشأن السلاح غير الشرعيّ... معلومات تكشف ما قالته مورغان أورتاغوس أمام من التقتهم
Lebanon 24 بشأن السلاح غير الشرعيّ... معلومات تكشف ما قالته مورغان أورتاغوس أمام من التقتهم
06:03 | 2025-04-05 05/04/2025 06:03:06 Lebanon 24 Lebanon 24 الأكثر قراءة
تُوفي بسلام في المستشفى... الموت يُغيّب ممثلاً مخضرماً (صورة)
Lebanon 24 تُوفي بسلام في المستشفى... الموت يُغيّب ممثلاً مخضرماً (صورة)
08:23 | 2025-04-04 04/04/2025 08:23:18 Lebanon 24 Lebanon 24 هذا ما ستشهده الكهرباء خلال شهرين
Lebanon 24 هذا ما ستشهده الكهرباء خلال شهرين
16:06 | 2025-04-04 04/04/2025 04:06:57 Lebanon 24 Lebanon 24 صحيفة بريطانيّة: إيران "ستزول" بحلول هذا التاريخ
Lebanon 24 صحيفة بريطانيّة: إيران "ستزول" بحلول هذا التاريخ
07:17 | 2025-04-04 04/04/2025 07:17:19 Lebanon 24 Lebanon 24 جميلة جدّاً... باميلا الكيك تنشر فيديو لشقيقتها أماندا شاهدوه
Lebanon 24 جميلة جدّاً... باميلا الكيك تنشر فيديو لشقيقتها أماندا شاهدوه
09:50 | 2025-04-04 04/04/2025 09:50:00 Lebanon 24 Lebanon 24 "خلاف داخل حزب الله".. إقرأوا ما قاله تقرير إسرائيليّ
Lebanon 24 "خلاف داخل حزب الله".. إقرأوا ما قاله تقرير إسرائيليّ
16:33 | 2025-04-04 04/04/2025 04:33:57 Lebanon 24 Lebanon 24 أخبارنا عبر بريدك الالكتروني بريد إلكتروني غير صالح إشترك أيضاً في لبنان
06:35 | 2025-04-05 هيئة إدارية جديدة لنقابة تجار الخضار والفاكهة في البقاع الأوسط 06:17 | 2025-04-05 القاصر آية غادرت منزل جدّها ولم تعد.. هل من يعرف عنها شيئًا؟ 06:16 | 2025-04-05 جعجع: القرار 1701 واضح جدًا واتفاق وقف النار أوضح 06:11 | 2025-04-05 أخبار تناولت بلدة جنوبيّة... هذه حقيقتها 06:03 | 2025-04-05 بشأن السلاح غير الشرعيّ... معلومات تكشف ما قالته مورغان أورتاغوس أمام من التقتهم 06:00 | 2025-04-05 مؤشّرات... هل تستعدّ إسرائيل لحربٍ جديدة على لبنان؟ فيديو "لست ملاكا ولن أسكت بعد اليوم".. ماغي بو غصن بأجرأ حواراتها: أنا النجمة الأولى في لبنان وهذا عمري (فيديو)
Lebanon 24 "لست ملاكا ولن أسكت بعد اليوم".. ماغي بو غصن بأجرأ حواراتها: أنا النجمة الأولى في لبنان وهذا عمري (فيديو)
02:07 | 2025-04-05 05/04/2025 13:46:34 Lebanon 24 Lebanon 24 حمل نعشها طوال الوقت ولم يتركه.. لحظة انهيار الفنان المصري الشهير أثناء جنازة زوجته وهذا أول تعليق له (فيديو)
Lebanon 24 حمل نعشها طوال الوقت ولم يتركه.. لحظة انهيار الفنان المصري الشهير أثناء جنازة زوجته وهذا أول تعليق له (فيديو)
23:15 | 2025-04-04 05/04/2025 13:46:34 Lebanon 24 Lebanon 24 صراخ وتدافع.. أسد يُهاجم مدربه خلال عرض سيرك في مصر وما حصل مرعب (فيديو)
Lebanon 24 صراخ وتدافع.. أسد يُهاجم مدربه خلال عرض سيرك في مصر وما حصل مرعب (فيديو)
23:31 | 2025-04-01 05/04/2025 13:46:34 Lebanon 24 Lebanon 24
Download our application
مباشر الأبرز لبنان خاص إقتصاد عربي-دولي فنون ومشاهير متفرقات أخبار عاجلة
Download our application
Follow Us
Download our application
بريد إلكتروني غير صالح Softimpact
Privacy policy من نحن لإعلاناتكم للاتصال بالموقع Privacy policy جميع الحقوق محفوظة © Lebanon24