لماذا تراجعت نسبة تأييد بايدن في ظل انتعاش الاقتصاد الأمريكي؟
تاريخ النشر: 15th, August 2023 GMT
يكاد الرئيس الأمريكي جو بايدن وفريقه لا يحظون بأي تقدير لجهودهم في إدارة الاقتصاد الأمريكي. وإدراكا من الرئيس أن الانتخابات الرئاسية لعام 2024، على غرار معظمها، سوف تنقلب على الظروف الاقتصادية، أو ما يتعلق بها من تصورات، فقد بدأ الرئيس حملاته الخطابية، مكررًا شعاره القائل «بايدنوميكس فعالة». ولكن في حين أن سياسة «بايدنوميكس» قد تكون ناجعة، فإن رسالته ليست كذلك.
إن لهذا الانطباع السلبي تفسير مباشر: التضخم. إذ ينظر الناس صوابا إلى التضخم على أنه ضريبة على دخولهم. فعندما تكون معدلات البطالة منخفضة وينجحون في العثور على عمل معين، فإنهم يعزون حظهم الجيد إلى الاجتهاد والمبادرة الفردية، وليس إلى إدارة حكومتهم للاقتصاد. ولكن عندما يواجهون أسعارا مرتفعة في محلات البقالة أو محطات تعبئة الوقود، فإنهم يعتبرون ذلك- ليس إلى حد المبالغة- خطأً من جانب شخص آخر. وبالطبع، يبقى السؤال المطروح هو: من ارتكب هذا الخطأ؟ وهذا السؤال معقد لكون نوبة التضخم الأخيرة في أمريكا سببتها عوامل كثيرة. وهذا لا يُعفي إدارة بايدن من المسؤولية. فقد قدمت خطة الإنقاذ الأمريكية المتمثلة في حزمة التحفيز البالغة 1.9 تريليون دولار والمُعلن عنها في 20 يناير 2021، وهو أول يوم للرئيس في منصبه، دعمًا قويًا للإنفاق. وبالاستدراك المتأخر، يمكننا القول: إنه كان قويا جدًا. فبالإضافة إلى الحزمتين التحفيزيتين اللتين أقرهما الكونغرس في عام 2020، وهما قانون المساعدة والإغاثة والأمن الاقتصادي في ضوء كورونا (CARES)، الذي تبلغ قيمته 2.2 تريليون دولار والذي وقعه الرئيس دونالد ترامب في مارس، ومشروع قانون الإغاثة الاقتصادية المتعلقة بكوفيد 19 الذي بلغت قيمته 900 مليار دولار، والذي وقعه ترامب في ديسمبر، قدم الكونغرس والرئيس 200 مليار دولار شهريًا في شكل تخفيضات ضريبية وزيادات في الإنفاق للتعويض عن النقص في الدخول الشهرية بمقدار 30 مليار دولار.
وعززت القوة الشرائية الإضافية التي تتمتع بها الأسر مواردها المالية وحالت دون تعرضهم للازمات، ولكنها أعطت أيضًا دفعة للتضخم. وفي الوقت نفسه، منع النقص المرتبط بـجائحة «كوفيد» واضطرابات سلسلة التوريد الشركات من تلبية هذا الطلب المتزايد. فعلى سبيل المثال، أعاق نقص أشباه الموصلات إنتاج السيارات، مما أدى إلى ارتفاع أسعار السيارات الجديدة والمستعملة. والأهم من ذلك أن الاحتياطي الفيدرالي أخفق في توقع الضغط التضخمي والتصرف باستباقية. فقد انتظر بنك الاحتياطي الفيدرالي حتى مارس 2022، عندما وصل معدل التضخم الرئيسي إلى نحو 8 في المائة، لبدء رفع أسعار الفائدة. ولو بدأ بنك الاحتياطي الفيدرالي في اتخاذ الإجراءات اللازمة قبل عام من ذلك، أي منذ الوهلة الأولى لتسارع وتيرة التضخم، لاتخذت الأمور مسارا مختلفا.
ومن المرجح أن ينسب المؤرخون المستقبليون فشل بنك الاحتياطي الفيدرالي إلى تحليله للظروف الاقتصادية في سياق ما كانت عليه في الماضي. فقد كان الخطر الحقيقي والقائم خلال معظم العقد الماضي هو الانكماش وليس التضخم. واستغرق الأمر الكثير من الوقت- قبل أن يدرك صانعو السياسة النقدية أن الظروف قد تغيرت وأن يتخذوا إجراءات الاستجابة وفقا لذلك.
وفضلا على ذلك، تعتبر السياسة النقدية أداة فظة للتعامل مع التضخم الناجم، ولو جزئيًا، عن صدمات العرض السلبية. ونظرا لتفشي اضطرابات سلسلة التوريد بالفعل، كان لدى الاحتياطي الفيدرالي ما يبرر به قلقه من أن الزيادات الوقائية في أسعار الفائدة، حتى لو نجحت في تجنب التضخم، ستؤدي إلى تفاقم ظروف العرض السيئة بالفعل وتدمير الاقتصاد الهش. ومن ثم، ربما تكون الولايات المتحدة قد فشلت في إدارتها للتضخم، لكن إدارة بايدن كانت مسؤولة عن أزمة واحدة فقط من الأزمات الثلاث. إذ لم تكن اضطرابات الإمداد المتعلقة بجائحة «كوفيد» خطأها. ولم تكن الإدارة مسؤولة عن رد الفعل المتأخر لمجلس الاحتياطي الفيدرالي. والواقع أن بايدن مارس ضبط النفس بعدم الضغط على البنك المركزي للحفاظ على موقفه المتجاوب، على عكس الرؤساء السابقين مثل ريتشارد نيكسون ودونالد ترامب. والآن بعد أن تراجع تضخم الإنفاق الاستهلاكي الشخصي إلى ما يقرب من 3 في المائة، بانخفاض بنحو الثلثين عن ذروته، هل سيحصل بايدن على قدر أكبر من التقدير لإنجازاته الاقتصادية؟ ستعتمد الإجابة، أولاً على ما إذا كان هناك اعتراف عام واسع النطاق بانحسار التضخم. وأي إدراك من هذا القبيل لن يكون فوريًا. إذ غالبا ما تستمر التوقعات القصيرة الأجل المتعلقة بصدمات التضخم. إن تجاوز المخاوف بشأن التضخم يمكن أن يكون له تأثير ملموس على الآمال والمخاوف الطويلة الأمد فيما يتعلق بالتضخم. ومن المرجح أن يكون بطء التوقعات في التكيف مع الظروف الاقتصادية الفعلية أكثر وضوحًا في عصر الأخبار المزيفة، عندما يتلقى المستهلكون والناخبون معلومات صادرة من غرف وسائل الإعلام تخبرهم فقط بما اعتادوا على سماعه. فإذا قيل لهم أن التضخم الجامح لا يزال يمثل مشكلة حتى عندما لا يكون كذلك، فقد يستمر التأخر الإدراكي إلا ما لانهاية. ويجب أن يروج بايدن لإنجازاته الأخرى. فمعدل بطالة 3.5 في المائة يعتبر إنجازا.
وتعتبر المستويات المنخفضة التاريخية لمعدلات البطالة في صفوف الأمريكيين المنحدرين من أصول إفريقية وأمريكا اللاتينية إنجازا أيضا، شأنها في ذلك شأن الأجور الاسمية في عام 2022 التي نمت بنسبة 11.3 في المائة فيما يتعلق بالأمريكيين من أصول أفريقية ممن يعملون بدوام كامل، مقارنة بـ 7.4 في المائة في صفوف القوى العاملة عموما. وهذه علامات على أن «اقتصاديات التوزيع السريع» لبايدن ناجعة. ولكن يجب على الرئيس أن يعترف بأن التضخم كان حقيقة مؤلمة للأمريكيين، حتى يتجنب الظهور بمظهر مفرط التفاؤل. ويجب أن يؤكد أن حجم المشكلة قد انخفض كثيرا الآن، وأن يثق في أن الاحتياطي الفيدرالي يجعل الأمر كذلك. ويجب أن يأمل ألا تطغى الأساطير السياسية على الحقائق الإحصائية المتعلقة بالأشهر الخمسة عشر المقبلة. باري جوليان إيشينجرين هو مؤرخ اقتصادي واقتصادي أمريكي يحمل لقب جورج سي. باردي وهيلين ن. باردي أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة كاليفورنيا ، بيركلي.
خدمة بروجيكت سنديكيت
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: الاحتیاطی الفیدرالی فی المائة
إقرأ أيضاً:
إرادة جيل: مصر ستكون بوابة التصنيع إذا نجحنا في استثمار التعريفة الجمركية الأمريكية
قال المستشار محمد حسين، رئيس اللجنة الاقتصادية بحزب إرادة جيل، إن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن فرض رسوم جمركية على جميع الواردات إلى الولايات المتحدة، مبرر، في ظل ما تشكله ضخامة حجم الاقتصاد الأمريكي والذي يمثل نحو 30 بالمئة من حجم الاقتصاد العالمي، وفي المقابل هناك تحديات في الداخل الأمريكي من تراكم حجم الديون وزيادة نسبة التضخم وارتفاع نسبة البطالة وغيرها من المشكلات الداخلية، ومن ثم فلها الحق في إعادة النظر في التعريفة الجمركية.
لكن تأثير تلك الرسوم والتي شملت القائمة التي أعلنها ترامب الدولة المصرية سيكون إيجابيا على الاقتصاد المصري، حسبما يرى المستشار محمد حسين، الذي يؤكد أنه علينا استغلال تلك الفرصة في ظل نسبة الرسوم المفروضة على مصر هي الأقل من بين نظيراتها من الدول والكيانات التجارية التي شملتها القائمة التي أعلن عنها الرئيس دونالد ترامب.
وبحسب رئيس اللجنة الاقتصادية بحزب إرادة جيل، فإن استغلال تلك الفرصة عبر التسويق الاستثماري لحجم ما هو متاح من فرص استثمارية في الداخل المصري عبر إقناع تلك الدول التي تأثرت من القرار ولاسيما الصين والاتحاد الأوروبي لتصنيع ما كان يتم في أمريكا، سيجعل مصر بوابة التصنيع لكثير من دول العالم في ظل ما تتمتع به من بنية تحتية قوية وحجم تكلفة أقل كثيرا من أمريكا أو الدول الكبرى.
ولفت المستشار محمد حسين، إلى أن ذلك سيسهم كثيرا في إعادة تشغيل المصانع المتوقفة ويسهم في تشغيل الأيدي العاملة، وما سينعكس إيجابا على حجم الاقتصاد المصري والصناعة المصرية وحل كلي لمشكلة البطالة وزيادة معدلات التصدير وتوفير العملة الصعبة.
وبدد رئيس اللجنة الاقتصادية بحزب إرادة جيل، المخاوف من انعكاسات القرار الأمريكي بفرض رسوم للتعريفة الجمركية على إحداث ركود عالمي كالذي حدث في ثلاثينيات القرن الماضي خاصة أن أمريكا في هذا الوقت لم تكن تمثل سوى نحو 11 بالمئة من الاقتصاد العالمي، لكنه يرى كذلك أن كثيرا من الشركات في الداخل الأمريكي ستعاني ويلات الركود إذا ما توافرت إستراتيجيات جادة للتعاطي مع تأثيرات ذلك القرار عليها.