هل تكون ولاية ترامب الثانية استمرارية للأولى؟
تاريخ النشر: 12th, November 2024 GMT
لم تكن الانتخابات الرئاسية الأميركية شأنًا أميركيًا فقط، لتداعياتها على العالم، جيوسياسيًا واقتصاديًا، ولم يكن للانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة أن تكون استثناء، خاصةً في ظل سياق مضطرب، مع الحرب الروسية الأوكرانية، والحرب على غزة، والتوتر العالمي في أرجاء عدّة، والركود الاقتصادي.
لم يكن تولّي ترامب مفاجأة، وما يُعزز هذا المنحى، استحكام الحزب الجمهوري في مجلس الشيوخ، ومجلس النواب.
وكما قيل عنه في ولايته الأولى، من أنه كان خلال الحملة يحمل خطاب الفقراء، أما أثناء الرئاسة، فكان يخدم لصالح الأغنياء، فترامب الثاني، لن يكون ترامب الأول، ولئن اصطدم في ولايته الأولى مع "الدولة العميقة"، فالمرجح أنه في ولايته الثانية، لن يجنح إلى الاصطدام بل إلى التعامل مع الخبراء.
لا يمكن أن نذهل عن عنصر أساسي يشكل معطى موضوعيًا، وهو الترامبية المتغلغلة في تجاويف المجتمع الأميركي، أو إن شئنا الطلب الشعبوي، وقد برزت الترامبية بشكل جلي، في الانتخابات الرئاسية ما قبل الأخيرة (2020)، إذ رغم توزع المجتمع الأميركي، في أعقاب الكوفيد، ومقتل الفتى الأفريقي الأميركي جورج فلويد، فقد منحت المرشح ترامب ما لا يقل عن 73 مليون صوت.
هُزم ترامب حينها، ولكن الترامبية لم تُهزم. وها هي تعود مظفرة في الانتخابات الأخيرة، بانتخابات غير متنازع حولها، وغلبة في الكونغرس.
يقوم الطلب الشعبوي في الولايات المتحدة على شعور الخوف المستشري لدى الشرائح الهشة، والنزوع الهوياتي الذي يدعو لأميركا بيضاء ومسيحية.
ويرى هذا النزوع أن ترامب هو من يعبر عنه، ويُطمئن الشرائح التي يساورها الخوف من فقدان أوضاعها، أو ما قد يتهدد "صفاءها"، أو يعرّض ثقافتها للتغير، بسياسة حمائية اقتصادية واجتماعية (الحد من الهجرة).
وبتعبير آخر، فالاتجاه الشعبوي، أو الطلب الشعبوي، راسخ في تجاويف المجتمع الأميركي، وشعاره أميركا أولًا، أو فلنجعل أميركا قوية مرة أخرى، مما حملته شارات الحملة بالحروف اللاتينية الأولى MAGA، ولسوف يجد الاتجاه الشعبوي قوة دفع جديدة مع الولاية الثانية لترامب، ليس فقط في الولايات المتحدة، بل كذلك، في أوروبا، وستستشعر الأنظمة السلطوية في العالم نوعًا من المَدد مع التغيير الذي طرأ في الولايات المتحدة.
شتان، ما بين خطاب التتويج للرئيس بايدن، الذي ركّز على الديمقراطية، وضرورة حمايتها لأنها هشة، والسياق الحالي الذي يخدم الأنظمة القوية.
بيدَ أن هذا العنصر الموضوعي، أي الاتجاه الشعبوي في الولايات المتحدة، يصطدم بسياق جديد، من شأنه أن يؤثر على ولاية ترامب الثانية، فهو سياق دولي مختلف تمامًا عن السياق الأول الذي قاد ترامب إلى الرئاسة (2016)، وما يطبعه من الحرب الروسية الأوكرانية، والحرب على غزة، وهما بؤرتان ذواتا مضاعفات عالمية، وتسائِلان الولايات المتحدة.
وإذا كان الجمهوريون عمومًا، وترامب على الخصوص، يندرجون فيما يُعرف بالاتجاه الانعزالي، فإن السياق العالمي الجديد يفرض على الولايات المتحدة الانخراط لدرء ما قد يتهدد مصالحها الإستراتيجية.
لن يقع تغيير فيما يخصّ الأحلاف الكبرى التي عقدتها الولايات المتحدة، أوكوس AUKUS، وكواد QUAD، أو المقتضيات الجديدة للناتو التي تمخض عنها المؤتمر الذي انعقد غداة الحرب الروسية الأوكرانية في وارسو، وبالمقابل، سيفتُر انخراط الولايات المتحدة، في الأمم المتحدة، وكل المنظومة المتفرعة عما بعد الحرب العالمية الثانية.
أما العنصر الثالث، ولو أنه شخصي، فلا يمكن الاستهانة به وهو الرغبة في الثأر، لما يعتبره ترامب تحاملًا ضده، و"سرقة" لانتصاره في 2020، وتعريضه للمتابعة القضائية.
سيظل نظر ترامب مُنصبًا على عناصر من الدولة العميقة التي لم تكن تنظر إليه بعين الارتياح، وسيوجه سهامه للحزب الديمقراطي، ولليبراليين، وأشخاص بعينهم، ممن اشتغلوا معه، جاهروه بالعداء، أو انتصبوا ضده.
وليس بعيدًا أن تتجاوز الرغبة في الانتقام، حدود الولايات المتحدة، لمن اصطفوا مع غريمه بايدن، أو هَزِئوا منه، أو دفنوه قبل الأوان، مثلما أنه سيتعامل تعاملًا تفضيليًا، على المستوى الدولي، لمن راهنوا عليه.
ومع ذلك لا يُتوقع أن يحصل تغيير جوهري للسياسة الخارجية الأميركية في البؤر الكبرى، من الحرب الروسية الأوكرانية، والحرب على غزة، والتعاطي مع الملفّ الصيني.
الحرب الروسية الأوكرانية تكتسي بُعدًا إبستمولوجيًا، بالنسبة للولايات المتحدة. انتهاء الحرب بالشروط القصوى لروسيا، أي اقتطاع أراضي الدونباس لصالح روسيا، وتحييد أوكرانيا، يشكل هزيمة إبستمولوجية، للولايات المتحدة، ولا يمكن لترامب الثاني أن يركب خيارًا يُعرّض الولايات المتحدة لهزيمة إبستمولوجية، ولو هي لا ترقى أن تكون هزيمة إستراتيجية.
أما ملف الشرق الأوسط، فلا يُتوقع أن يقع تغيير حول القواعد الناظمة التي تم إرساؤها في ولاية ترامب الأولى، وإطارها اتفاقات أبراهام التي ستظل العمود الفقري لسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
يمكن للولايات المتحدة أن تضغط لتعطيل ما يُعرف بخطة الجنرالات، فيما يخص غزة، ودفع الدول العربية الحليفة للمشاركة في الإعمار، ويُستبعد أن تفعل شيئًا لإيقاف مسلسل الاستيطان في الضفة الغربية.
من المحتمل أن تضغط الإدارة الجديدة لإيقاف الضربات العسكرية الإسرائيلية على لبنان، والعمل على إعادة ترتيب شؤون لبنان، بعد التقليم الذي تعرض له حزب الله، أي استعادة لبنان إلى "الحضن الغربي".
يُتوقَع ضغطٌ أكبر على إيران لوقف برنامجها النووي، واستعمال المعارضة الخارجية، وتوظيف التناقضات الداخلية في البنية الحاكمة، من دون حاجة لمواجهة عسكرية. السياق الجديد الذي أفرزته حرب غزة، في صالح الولايات المتحدة للضغط على إيران، مع التصدُّع داخل البنية الأمنية، وإضعاف أذرع إيران في المنطقة.
تظل الصين في دائرة ما يسميه الإستراتيجيون اللعبة الطولية، ولا يمكن توقع تغيير دراماتيكي. والمرجح أن سياسة ترامب الثاني ستجنح إلى الواقعية فيما يخص ملف تايوان، والحزم فيما يخصّ المصالح الاقتصادية الأميركية، وحلفاءَها في شرق آسيا.
قد يشمل التغيير أوروبا، أو بالضبط التعامل مع الاتحاد الأوروبي، التي تعرف أزمةً وجودية، منذ مغادرة بريطانيا، وتوترًا خفيًا ما بين فرنسا وألمانيا، وتحتاج أوروبا إلى غطاء أميركي، ليس فقط عسكريًا، بل سياسيًا، أكثر من أي وقت مضى.
الميزة الإيجابية التي تقترن بترامب، هو نفوره من الحرب، أو على الأقل يقترن به عدم جنوحه للحرب، وهذا في حد ذاته، مؤشر أمل، في سياق متوتر، يُخشى أن يتحول إلى مواجهة كبرى.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
aj-logoaj-logoaj-logo إعلان من نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطخريطة الموقعتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+تابع الجزيرة نت على:
facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outlineالمصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: حريات الحرب الروسیة الأوکرانیة فی الولایات المتحدة ترامب الثانی فیما یخص لا یمکن فیما ی
إقرأ أيضاً:
على عكس ما خطط له..رسوم ترامب الجمركية قد تكون فرصة للصين
تعهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإعادة تشكيل أسس العالم بما يخدم مصالح العمال الأمريكيين، بالرسوم الجمركية التي أعلنها، ولكن الصين، التي يعتبرها الخصم الرئيسي لبلاده، قد تكون أبرز المستفيدين من ذلك.
وسارعت الصين، أكبر اقتصاد في آسيا، إلى فرض رسوم جمركية مماثلة على الولايات المتحدة، وأعلنت عزمها فرض ضوابط على تصدير العناصر الأرضية النادرة الضرورية في تكنولوجيا الاستهلاك والطب. الصين تفرض رسوماً انتقامية على الواردات الأمريكية - موقع 24أعلنت سلطات الجمارك الصينية، اليوم الجمعة، فرض رسوم جمركية انتقامية بنسبة 34% على الواردات الأمريكية، اعتباراً من 10 أبريل (نيسان) الجاري.
لكن على عكس ولايته الأولى، لا يستهدف ترامب هذه المرة الصين فحسب بل العالم أجمع، بما في ذلك حلفاء الولايات المتحدة الذين انضموا بشكل متزايد إلى موقف واشنطن الحازم ضد بكين.
وقبل أيام قليلة من إعلان ترامب الرسوم في ما سماه "يوم التحرير"، تحركت الصين لإحياء محادثات التجارة الحرة المتعثرة مع اليابان، وكوريا الجنوبية، الحليفتان للولايات المتحدة الملتزمتان بمعاهدات معها، واللتان تشككان بشدة في بكين.
وقالت الباحثة في الاقتصاد الصيني في مركز تحليل الصين يمعهد سياسات جمعية آسيا ليزي لي: "إذا استمرت سياسة ترامب الأحادية، أتوقع أن تتودد بكين إلى هذه العواصم بقوة أكبر، لتصور نفسها مرتكزاً اقتصادياً أكثر استقراراً في المنطقة".
تهدد أمريكا قبل دول العالم الأخرى..الرسوم الجمركية سلاح خطير غير مجدٍ - موقع 24الرسوم الجمركية التي أقرها دونالد ترامب على دول العالم لا تشكل سابقة، إذ عمدت الولايات المتحدة بانتظام عبر تاريخها إلى فرض رسوم مشددة، حققت نتائج غير مقنعة في غالب الأحيان، وكارثية أحياناً
وأضافت "دعونا لا ننسى الصورة العامة. تُصوّر الصين رسوم ترامب الجمركية دليلاً على تراجع الولايات المتحدة من خلال اللجوء إلى الحمائية والاستقواء على الحلفاء والتراجع عن المعايير العالمية".
وقالت يون صن الزميلة البارزة في مركز ستيمسون، إنها توقعت أن تكون الصين "أكثر هدوءاً" في ردها على رسوم ترامب الجمركية، لكنها أضافت أن بكين لا تبدو قلقة كما في ولايته الأولى. وتابعت "أعتقد أن الصينيين يرون في هذا فرصة ويعتقدون أن الولايات المتحدة تُقوّض نفسها".
وأضافت "هناك عدد من الأطراف المتضررة التي كانت حليفة قوية، ومخلصة للولايات المتحدة. أما الآن فإن ثقتها في النهج الذي تتبعه الولايات المتحدة حول العالم، أصبحت أقله في موضع شك، ولا أقول تبددت".
التخلي عن الانفتاح الأمريكي على الصينمن المؤكد أن الصين ستعاني على الأرجح من ضرر حقيقي بسبب الرسوم الجمركية الأمريكية. فقد شحنت بضائع بأكثر من 500 مليار دولار إلى الولايات المتحدة في العام الماضي، وكان الميزان التجاري لصالحها بفارق كبير.
وأشاد منتقدو الصين بما اعتبروه ناقوس خطر ينذر بنهاية شبه إجماع سابق في واشنطن على أهمية دمج هذه القوة الآسيوية في الاقتصاد العالمي.
وقال النائب الجمهوري كريس سميث، الذي انتقد لعقود قرار بيل كلينتون في 1994 فصل الامتيازات التجارية للصين عن حقوق الإنسان: "فكرة أن تكون الصين الشيوعية عضواً مسؤولاً في نظام تجاري دولي، منظمة التجارة العالمية، يقوم على أساس التجارة المتساوية والعادلة، مهزلة".
ورأى سميث أن "على عكس الرؤساء السابقين، يدرك الرئيس ترامب تماماً طبيعة المشكلة ونطاقها والتهديد الوجودي الذي تشكله الصين وما يجب فعله".
وأشار الزميل البارز في مركز الأمن الأمريكي الجديد جيكوب ستوكس، إلى أنه لا تزال لدى الصين عدة مشاكل مع دول أخرى، بدءاً بنزاعات إقليمية مع اليابان، والهند، وجنوب شرق آسيا، وصولاً إلى مخاوف أوروبية من احتضان الصين لروسيا في حرب أوكرانيا.
وقال ستوكس، إن "الصين برعت في تقويض مواقفها خاصةً مع جيرانها، من خلال الحزم وحتى العدوان".
تحول الاهتمام عن الصينلكن ستوكس رأى أن الرئيس السابق جو بايدن كان فعالًا في تشكيل تحالفات مع دول أخرى للضغط على الصين، في قضايا تراوح بين الوصول إلى شبكات الإنترنت من الجيل الخامس، والأمن.
وقال ستوكس: "إلى الحد الذي شعرت فيه بكين ببعض العزلة في نهاية إدارة بايدن، أعتقد أن الكثير من هذا الضغط قد زال، إذ أصبحت واشنطن الآن بوضوح مصدر الاضطراب".
ورغم أن أصحاب القرار في إدارة ترامب وبايدن، اعتبروا الصين منافساً رئيسياً للولايات المتحدة، قال لي من معهد سياسات جمعية آسيا، إن ترامب كان لا يرى الرئيس شي جين بينغ في جوهره "شريراً، بل نظيراً، ورجلاً قوياً آخر".
وأضاف لي "عند ترامب، الحرب الاقتصادية لا تهم الاقتصاد أو حتى أسواق الأسهم، بل مظهر الهيمنة والقوة". وتابع "هذا يترك مجالاً كافياً لتغيير المسار، إذا قدّم شي نوع الانتصار الذي يمكن لترامب أن يروج له".