“الحرية الممنوعة: حين تتحول حقوق الإنسان إلى شعارات جوفاء”
تاريخ النشر: 11th, November 2024 GMT
#سواليف
” #الحرية_الممنوعة : حين تتحول #حقوق_الإنسان إلى #شعارات_جوفاء”
بقلم : ا د #محمد_تركي_بني_سلامة
في عصر تُرفع فيه #شعارات #الحرية وحقوق الإنسان بصوت عالٍ، وفي زمن تدّعي فيه بعض الدول أنها الحصن الحامي للعدالة، نجد في الوقت ذاته المثقفين والأدباء والمفكرين يُزج بهم في الزنازين، وتُغلق أفواههم بحججٍ واهية، لأنهم تجرأوا على قول ما يُخالف التيار العام أو ما قد يُزعج السلطة.
الطغيان والاستبداد هما الأعداء الأوائل لأي مجتمع يسعى إلى الحرية. فعندما يُصبح الاعتقال السياسي أداةً لإسكات الأصوات وترويض العقول، ينكشف الوجه القبيح للاستبداد، ويدرك الجميع أن تلك الشعارات البراقة عن العدالة والمساواة لا تعدو كونها قشرةً هشة تخفي وراءها أسوأ أشكال الاستغلال والقمع. في المجتمعات التي تُمارس الاعتقال السياسي، تُصبح حرية التعبير جريمة تستوجب العقاب، ويُحوَّل النقد إلى تهديد للأمن، ويُعاقب الفكر المستنير كأنه عدو يجب القضاء عليه.
كيف يمكن لمجتمع أن يزدهر وهو مكبل بقيود الطغيان؟ حينما يُكمم الأفواه وتُكبت الآراء، لا يعود هناك مجال للتغيير، ولا مكان للتطور. يخلق الاستبداد جواً من الخوف، يدفع الناس إلى الصمت، حتى يتحول المجتمع بأسره إلى جسد بلا روح. وحينما يفرض الطغاة سيطرتهم، يصبح المجتمع عرضة للانهيار، لأن التقدم يحتاج إلى حرية الفكر والنقد البناء، لا إلى طغاة يحكمون باسم الحرية.
من المضحك المبكي أن تُشاهد الدول المستبدة تتغنى بالحريات وحقوق الإنسان في المنصات الدولية، وكأنها تدير مهرجانًا للخطابة. يتحدثون عن حرية الصحافة، وحقوق الإنسان، ويزعمون أنهم حماة العدالة، بينما في الواقع، تُمارس مؤسساتهم القمع بأبشع صوره، وتُلاحق كل من يُجرؤ على انتقادها. إنه تناقض يثير السخرية، ويجعلنا نتساءل: هل تحولت الحريات إلى سلعة يتداولونها في العلن فقط ليغطوا على طغيانهم في الداخل؟
إن ما تفعله تلك الأنظمة لا يُعدُ دفاعاً عن حقوق الإنسان، بل هو خديعة، ومحاولة بائسة لتزيين صورتها القبيحة. عندما يُسجن الكاتب والصحفي والمفكر لأنهم تجرؤوا على قول الحقيقة، يتضح أن الحرية التي يتغنون بها ما هي إلا قناعٌ يخفي وجهًا مشوهًا للقمع.
الحرية ليست مجرد شعار يُرفع أو خطاب يُلقى في محفل دولي، بل هي جوهر إنساني يحق لكل فرد أن يعيشه ويمارسه. وعندما تُسلب هذه الحرية، وتُقيد في قفص من القيود الحديدية، يصبح المجتمع بأسره أسيرًا في زنزانة بلا جدران. إن الاعتقال السياسي، حينما يُمارس تحت ستار الأمن والاستقرار، هو جريمة بحق الإنسان، وجريمة بحق مستقبل الأمة.
فالحرية هي ما يمنح الإنسان قدرته على النمو والإبداع، وإذا ما قُيدت أو حُوّرت إلى أداة لقمع الأصوات الحرة، فإنه لا يمكن للمجتمع أن يتقدم أو يحقق العدالة. فالاعتقال السياسي لا يمس فقط من يُسجن، بل يهدد أمن المجتمع بأسره، لأنه يحرم الأمة من عقولها التي كان يمكن أن تكون أساسًا للتطور والتقدم.
في عالم مليء بالشعارات الرنانة، وفي ظل شعارات كاذبة عن الحرية، يبقى الأمل في من يدافعون عن الحريات بحق، الذين يرون في الحرية حقاً لا يجوز المساس به. يجب أن تُسمع أصوات الأحرار التي تطالب بوقف القمع، وتدعو إلى احترام حقوق الإنسان، وتعمل على بناء مجتمع قائم على العدالة الحقيقية، لا على مجرد الكلمات الجوفاء.
إن المجتمعات التي تناضل من أجل حرياتها يجب أن تقف بحزم ضد الطغيان، وأن تدافع عن حرية الأفراد وحقوقهم الأساسية. يجب تعزيز قوانين حقوق الإنسان، وتطبيقها بصرامة لضمان عدم تعرض الأفراد للاعتقال التعسفي. كما يجب دعم المنظمات الحقوقية التي تعمل على توثيق هذه الانتهاكات وفضحها، لأن الاعتقال السياسي لا يؤثر على فرد بعينه، بل يهدد المجتمع بأسره، ويحول دون بناء أمة متماسكة قائمة على العدالة والمساواة.
في النهاية، الطغيان هو طاعون يضرب جذور المجتمعات، يدمرها من الداخل، ويجعلها فريسة للانهيار. فلا حرية تُباع ولا عدالة تُشترى. إنما هي قيم حقيقية تُحترم أو تُداس، وبين هذين الخيارين، تتحدد مصائر الشعوب.
المصدر: سواليف
كلمات دلالية: سواليف حقوق الإنسان شعارات جوفاء محمد تركي بني سلامة شعارات الحرية الاعتقال السیاسی حقوق الإنسان التی ت
إقرأ أيضاً:
“المحاصصة” في العراق عنوان لتضليل المجتمع
آخر تحديث: 3 أبريل 2025 - 12:10 مبقلم: سمير عادل تحميل نظام “المحاصصة” مسؤولية الفساد المستشري في العراق، واعتباره السبب الرئيسي للأزمة السياسية في بلد يُصنَّف ضمن أكثر عشر دول فسادًا في العالم وفق تقارير منظمة الشفافية الدولية، هو تضليل للطبقة العاملة والمجتمع، ومحاولة فاشلة لحرف الأنظار عن جوهر الاستغلال وفساد الطبقة البرجوازية الحاكمة.إن الفساد الإداري والسياسي والمالي ليس وليد “المحاصصة” كما يُروَّج له، بل هو ظاهرة متأصلة في النظام الرأسمالي ذاته. فلا توجد حكومة أو دولة بمنأى عن الفساد، لكن درجة انتشاره تختلف من بلد إلى آخر. ولهذا، تصدر منظمة الشفافية الدولية تقارير سنوية تُصنِّف فيها الدول حسب معدلات الفساد، ولم يخلُ أي تقرير لها من عدم وجود الفساد في أي بلد في العالم.وفي ظل المنافسة الشرسة بين الشركات الرأسمالية، لا يمكن لأي شركة أن تستحوذ على الاستثمارات والمشاريع الكبرى دون تقديم الرشاوى للمسؤولين الحكوميين، إن لم تكن الحكومات نفسها متورطة بشكل مباشر في قضايا الفساد عبر منح التراخيص والتسهيلات لهذه الشركات. صحيح أن “المحاصصة” السياسية تعيق الاستثمار الرأسمالي، وتؤدي إلى مستويات فساد أعلى مقارنة بالدول التي تعتمد أنظمة حكم غير قائمة على المحاصصة، ومع ذلك فإن المحاصصة نفسها ليست سوى شكل من أشكال السلطة السياسية للبرجوازية في مرحلة معينة، كما نشهده في العراق ولبنان. ورغم أنها ليست النموذج الأمثل لحكم البرجوازية، إلا أن الأخيرة تلجأ إليها أحيانًا لخلق بيئة آمنة للاستثمار، وضمان حركة رأس المال، أو على الأقل لتأجيل الأزمات وترحيلها إلى مراحل لاحقة، بما يمنع تفجر الصراعات السياسية. ونظام المحاصصة لا يختلف من حيث الجوهر عن الأنظمة العسكرية التي تولّت الحكم عبر الانقلابات في العديد من دول العالم خلال القرن الماضي، مثل دول أميركا الجنوبية (تشيلي، البرازيل، الأرجنتين)، وآسيا (الفلبين، إندونيسيا، إيران، مصر، سوريا، العراق)، وأفريقيا (الجزائر، ليبيا، النيجر، وغيرها). كانت تلك الانقلابات العسكرية جزءًا من عملية تأمين الظروف المناسبة لدوران رأس المال وحركته. لكن مع تغير الظروف السياسية العالمية، خاصة بعد انهيار الكتلة الشرقية، لم تعد الانقلابات العسكرية تتماشى مع التطورات الاقتصادية الحديثة، إذ اتفقت البرجوازية عالميًا على رفع لواء الليبرالية الجديدة والعولمة والاقتصاد الحر، مما أدى إلى استبدال الأنظمة العسكرية بما سُمي بمرحلة “الديمقراطية”، التي أصبحت الشكل الأكثر ملاءمة لضمان بيئة خصبة لحركة رأس المال. لقد أُسدل الستار على زمن الانقلابات العسكرية، وإن حدثت، فلم يعد النظام الرأسمالي العالمي يتقبلها بسهولة، لذلك عليها الانسجام بسرعة مع آليات ذلك النظام، كما رأينا في انقلابات مصر وتونس والسودان في العقد ونصف العقد الأخير من هذا القرن. كان الهدف من هذه الانقلابات احتواء الانتفاضات والثورات الجماهيرية ضد الظلم الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وحماية النظام الرأسمالي وأُسسه، وإعادة توجيه المسار لضمان استقرار حركة رأس المال العالمي. يكمن الفرق بين “نظام المحاصصة” في السلطة البرجوازية وبين أنظمة اللون الواحد أو الحزب الواحد في أن الأول يعاني من مستويات فساد عالية، مما يشكل عائقًا أمام حركة رأس المال العالمي. فالشركات الرأسمالية الكبرى، كي تتمكن من تنفيذ مشاريعها الاستثمارية، تجد نفسها مضطرة لتوزيع الحصص بين الأحزاب والجماعات السياسية المختلفة داخل السلطة البرجوازية، وهو ما يعرقل ديناميكية الاستثمار ويزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي. على سبيل المثال، في النموذج العراقي، تم إغلاق الطريق السريع المعروف باسم “محمد القاسم” قبل جائحة كوفيد – 19 لأكثر من شهرين، بحجة تنفيذ إصلاحات من قِبَل شركة تركية. تسبب هذا الإغلاق في اختناقات مرورية كبيرة، نظرًا إلى أهمية الطريق الذي يقسم بغداد ويسهّل حركة السير. لكن بعد إعادة فتح الطريق، تبيّن أنه لم تُجرَ عليه أي إصلاحات، وأن الشركة التركية قد غادرت بغداد بعد أن اصطدمت بواقع الفساد المستشري. فقد طالبت الأحزاب والأطراف السياسية في الحكومة المحلية، كل واحدة منها برشوة من المال، مما جعل الشركة تدرك أنها لن تحقق أي أرباح إذا اضطرت إلى دفع حصص لكل جهة، فاختارت الانسحاب. وهذا غيض من فيض. وعندما تجد الشركات الرأسمالية العالمية بأن “نظام المحاصصة” القائم يقف حائلا أمام حركة رأسمالها، عندها توعز إلى الحكومات والدول التي تمثلها بإنهاء هذا النظام أو تقويضه أو تقليم أظافره. وطالما كان “نظام المحاصصة” في العراق لا يؤثر على مكانة العراق في تقسيم الإنتاج الرأسمالي العالمي، الذي لا يتعدى إنتاج النفط في السوق العالمي، فلا ضير من بقائه ودعمه، مثلما عايشناه منذ إرساء هذا النظام بحراب الغزو والاحتلال. إن توغل رأس المال العالمي في العراق يتجلى في مشاريع استثمارية ضخمة، مثل مشروع التنمية المشترك بين تركيا والإمارات وقطر بقيمة 17 مليار دولار، ومشروع تطوير حقول النفط في كركوك الذي تنفذه شركة BP بقيمة 25 مليار دولار، فضلًا عن العقود المبرمة مع شركات الطاقة الأمريكية مثل Exxon Mobil وHaliburton وغيرها، والتي تتجاوز قيمتها 10 مليارات دولار. هذه الاستثمارات تدفع السلطة البرجوازية في العراق إلى التماهي مع آليات السوق الرأسمالية العالمية ومتطلباته. وعلى صعيد آخر، نشهد محاكمات لرؤساء حكومات سابقين بتهم الفساد، رغم أن فسادهم لا يُقارن بما يشهده العراق. ومن أبرز هؤلاء نيكولا ساركوزي، الرئيس الفرنسي الأسبق، ورئيس الوزراء الإيطالي الراحل سيلفيو برلسكوني، فضلًا عن رؤساء وزراء إسرائيليين، وعلى رأسهم بنيامين نتنياهو، الذي يخضع للمحاكمة مع زوجته بتهم الفساد. أليس هؤلاء جميعًا قادة حكومات ذات لون سياسي واحد؟ وأخيرا تكشف الاتفاقات المبرمة بين الحكومات العراقية من جهة، وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي من جهة أخرى، عن تنصل الدولة من مسؤولياتها تجاه المجتمع. ويتجلى ذلك في خصخصة قطاعات حيوية مثل التعليم والصحة والخدمات، ورفع أسعار الطاقة مثل الوقود والكهرباء، فضلًا عن تخفيض قيمة العملة المحلية، وإيقاف التوظيف في القطاع الحكومي. وتدعم هذه السياسات قوانين مثل مسودة “قانون الحريات النقابية” المطروحة حاليًا في البرلمان، والتي من شأنها تقييد تشكيل التنظيمات العمالية المستقلة، ومنع حق الإضراب والتنظيم والتظاهر في القطاعات الحكومية. وتجدر الإشارة إلى أن جميع الحكومات السابقة والحالية في العراق هي حكومات محاصصة، تمثل الأحزاب والقوى المنخرطة في العملية السياسية، وهي منسجمة تمامًا مع توجهات المؤسسات المالية المذكورة، أي أن “نظام المحاصصة” بحد ذاته لا يشكل عائقًا أمام تهيئة الظروف لفرض علاقات الإنتاج الرأسمالية القائمة على الاستثمار المطلق لليد العاملة، والتي تعتمد بشكل أساسي على استغلال العمالة الرخيصة. بعبارة أخرى، فإن الأزمة السياسية في العراق، وانتشار الفساد، واتساع رقعة الفقر، ليست مرتبطة بـ”نظام المحاصصة” بقدر ارتباطها بطبيعة السلطة البرجوازية نفسها وعدم قدرتها بالقضاء على التشرذم السياسي في صفوفها. وبالتالي، فإن أي تحسن في أوضاع الطبقة العاملة والغالبية العظمى من الجماهير لن يتحقق إلا من خلال إنهاء عمر هذه السلطة. كما أن أي نظام سياسي للسلطة البرجوازية الحاكمة، سواء كان بقيادة حزب واحد، أو حكومة ائتلافية، أو قائمًا على المحاصصة، لن يتراجع عن التزاماته تجاه المؤسسات الرأسمالية العالمية التي أبرم معها هذه الاتفاقات.