النزاهة .. امتحان الذات والإدارة
تاريخ النشر: 10th, November 2024 GMT
يعرف الإنسان على أنه فاسد فـي ذاته، إن لم يُحَطْ بهذه الذات بالكثير من القيم الحاكمة، والمنظمة لسلوكه، وذلك لأن الإنسان واقع تحت استحواذ النفس الأمارة بالسوء؛ إلا الاستثناء الذي أشار إليه نص القرآن الكريم: (... إلا من رحم ربي ...) وهذه الرحمة تحتاج إلى كثير من جهد الإنسان نفسه، قبل أن تصله هذه الرحمة؛ وهي التوبة والانكسار من أثر الذنب، وهذا كله ناتج عن الضعف الذي تعانيه النفس الإنسانية، وعدم قدرة الإنسان على التحكم بأهوائه وغرائزه بالصورة المطلقة التي تعفـيه عن الوقوع فـي المعصية، أي كان نوع، وحجم هذه المعصية، فالنفس لحالها لن تعانق الاستقامة فـي ظل وجود مجموعة من المشاعر والأهواء التي تتجاذبه، والتي؛ وفق تقديراته الخاصة أنها تحقق له شيئا ما يفتقده أو عجز عن الوصول إليه بالطرق الصحيحة، وغير المنكورة عليه فعلها.
ويأتي اقتراف المعصية فـي عموميتها؛ عندما يخرج الإنسان عن طبيعته البشرية التي لا يكون لها مطالب عالية السقف، إلا لحاجاتها الطبيعية التي لا تزيد عما يتوفر لها بالفعل - كما يقول روسو - أو التوقف عند حالة الاكتفاء وليس الرغبة التي تولد الشراهة - كما يقول غاندي - وبالتالي فمن يخرج عن الطبيعة البشرية؛ عندها يرتدي ثوب الشيطنة؛ وهو ثوب لا يرتديه الإنسان فـي ظروفه اليومية العادية التي يمر بها وهو فـي حالة الاسترخاء، إذ لا بد أن تهجم عليه الأفكار السوداء، فـيقحم نفسه فـي قضايا هو فـي غنى عنها. وليس الأمر مقتصرا على حالات الظروف القاسية التي يحاول من خلالها الإنسان أن يجد لنفسه مبررات فعل المعصية «الفساد» كالسرقة فـي حالة الفقر، والزنا فـي حالة عدم القدرة على الزواج، وشرب الخمر فـي حالة تدافع الظروف القاسية عليه؛ كما يعتقد؛ وترهل أداء الواجب، وعدم تطبيق العدالة فـي حالة الانغماس فـي الفساد الإداري، وغيرها من قائمة الفساد، التي لا أول لها ولا آخر، وهذه كلها تعكس؛ ليس فقط امتحانا للإرادة، وإنما تذهب كثيرا إلى الاستعداد الفطري عند هذا الإنسان لأن يرتكب معصية ما، ولو كانت صغيرة فـي التقييم، وأقربها معصية الكذب، وما أكثرها فـي كل صغيرة وكبيرة فـي السلوكيات اليومية.
يتم الحديث دائما عن النزاهة والفساد فـي آن واحد، وذلك لارتباطهما الموضوعي، وبالتالي عندما يتم الحديث عن مؤشرات الفساد، يتم الحديث عن مؤشرات النزاهة، مع أن النزاهة؛ يفترض؛ أن تكون مقدمة فـي الأهمية على الفساد، كمطلب أساسي لسير الحياة الآمنة المطمئنة من لمم الشر المتناثرة، وذكر الفساد فـي حد ذاته يربك الساكن، ويطرح الأسئلة، ويلفت الانتباه هنا وهناك، هل لأن استفحال الفساد سببه عدم استحواذ النزاهة على سلوكيات البشر، وبالتالي فهو الطاغي أكثر من النزاهة؟ أم أن النزاهة ممتحنة بصورة مستمرة؛ لأنها ليس فقط واقعة تحت براثن الفساد، ولكنها تحتاج إلى كثير من تطبيقات القيم الحاكمة والأنظمة القوانين، بما فـي ذلك القيم الذاتية عند كل فرد، ومدى إيمانه بأهميتها؟ والذي يمكن الجزم به؛ من أن تسيد الفساد فـي اهتمام الناس بالحديث عنه؛ حاصل عن قسوة النتائج المترتبة من أثره، فهي ثقيلة، ومتعبة، ومحرجة، ولا يتحملها حتى أولئك الذين يأتون به فـي لحظات ضعفهم، بعكس النزاهة؛ حيث الطمأنينة النفسية، صحيح أن التركيبة الفسيولوجية للبشر قائمة على النقيضين، ولا يمكن إخلاء أحد طرفـيها لصالح الآخر، ولذلك ستبقى المعركة قائمة بين الطرفـين، وقد يحدث أن يتدخل القانون لصالح النزاهة، ولكن؛ لأن القانون مشوه بكثير من الثغرات، فإنه وإن احتمى فـي ظرف زمن ما لصالح النزاهة، فإنه لا يمكث طويلا حتى يتجابه من جديد مع الفساد، فالفساد تتطور أدواته ووسائله، لأن النفس البشرية تجد فـي الفساد شيئا من اللذة والمتعة، وتجد فـي النزاهة الكثير من تجفـيف منابع هذه اللذة و المتعة؛ فقد تجرد النفس من بعض من متع الحياة التي لا تأتي بطريقة سوية، وبالتالي تستصعبها النفوس، وتراها عقبة كأداء لتحقيق المآرب التي يسيل لها اللعاب، ويقينا؛ من ينتصر للنزاهة ينتصر للعدالة والأمانة، والأنفس السوية، هي إذن مناورة بين طرفـي المعادلة، وتظل نصوص القانون تتراقص بينهما، دون تحقيق نصر مطلق لأحد الطرفـين، وهذه فـي حد ذاتها مشكلة موضوعية فـي العلاقة القائمة بين الفساد والنزاهة.
تميل بعض الأنظمة السياسية إلى تقسيم مؤسسات النظام إلى فئات؛ وفق تصنيفات إدارية وفنية؛ فتخضع بعضها إلى المحاسبة والتدقيق، وبعضها الآخر فـيما يطلق عليها المؤسسات السيادية فـي الدولة لا تخضع إلى أجهزة الرقابة العامة مثلها مثل بقية المؤسسات، ويكون البديل إدارات التدقيق الداخلي فـيها فقط، ويظل الجمهور العام على جهل تام بما يدور داخل هذه المؤسسات، فـيحسبها نزيهة على طول أفق أعمالها وأنشطتها، وبالتالي فهناك تصور ما، يرى أن هذا التقسيم يعمق مسألة انتشار الفساد، أو على الأقل لا يخفف من توغله بين مفاصل مؤسسات الدولة، ويغرق مثل هذه المؤسسات، التي لا تخضع للتدقيق العام فـي متون الفساد، وأن التدقيق الداخلي المعتمد لن يكون نزيها بما فـيه الكفاية، وفـي ذلك طعن مباشر للنزاهة المصونة بالقيم الوظيفـية والأنظمة والقوانين المساندة التي يضعها النظام السياسي نفسه لتعظيم عائد النزاهة فـي مختلف مؤسسات الدولة، ولذلك نسمع بين فترة وأخرى عن قضايا فساد مختلفة؛ يتجاوز مسؤولو هذه المؤسسات مستويات الصلاحيات الممنوحة لهم، والخروج عن الأنظمة والقوانين، وبالتالي تكون مرشحة للوقوع فـي الفساد، حالها كحال المؤسسات العامة الأخرى التي تخضع بصورة مباشرة للأجهزة المعنية بالتدقيق، فالإنسان الذي يعمل فـي المؤسسات العامة؛ هو نفسه الذي يعمل فـي المؤسسات السيادية، لا فرق بينهما سوى المسمى الوظيفـي، ومن فرط الثقة الممنوحة للمؤسسات السيادية، أنها لا تخضع لمساءلة المؤسسة التشريعية، وهي المؤسسة التي تمثل السلطة الثانية فـي تسلسل السلطات التي يعتمد عليها النظام السياسي فـي تنفـيذ برامجه وخططه الإنمائية على مستوى الدولة، وخاصة وأنها هذه السلطة مخولة من الشعب، لكونها جاءت عبر صناديق الاقتراع الحر.
يعول كثيرا على نزاهة الضمائر الإنسانية، وعلى القيم الحاكمة والضابطة لسلوكيات الأفراد، ولكن؛ وحسب التجربة الإنسانية الطويلة؛ أن هذا النوع من الاعتماد على النزاهة غير فاعل بنسبة كبيرة، ويعاني من انكسارات؛ أغلبها؛ ذاتية، حيث تبقى هذا المسألة مرتبطة بالفرد ذاته، وفـي مثل هذه الحالات لا يمكن تعميمها على المجتمع ككل، فالمجتمع بحمولته الجماعية لا يمكن أن يجمع على قيمة معينة، وإن تقارب فـي بعض المواقف، كـ «النزاهة» أو الصدق، أو الأمانة، أو الوفاء، أو الكرم، أو الحياد، حيث تبقى كل هذه القيم خاصة جدا ومنتمية إلى فرديتها المطلقة وسط المجتمع الكبير، ولا يمكن تعميمها مهما بلغ المجتمع من الرقي الإنساني، والسمو الخلقي، فكل فرد فـيه يظل محكوما بنزعات مختلفة منبعها البيئة الأسرية، والبيئة المجتمعية، والمعززات الذاتية، ومكتسبات الخبرة الحياتية، ومستويات العمر المنجز، بالإضافة إلى خصوصيات التركيبة البنائية «الجينات» ولذلك ترى أنه حتى على مستوى الأسرة الواحدة الذين ينحدر أفرادها من أب واحد، وأم واحدة مختلفـين فـي صفات كثيرة، ومتباينين فـي سلوكياتهم المختلفة، وذلك بسبب توزع الصفات الجينية المتواردة من أسرة الطرفـين (الأب/ الأم) ومعنى هذا أن الاحتكام على المسألة الإنسانية فقط فـي تحقق النزاهة يظل أمرا خاطئا، وغير موفق على الإطلاق، ومن هنا تأتي مجموعة النظم والقوانين التي تعمل كآلة فرز دقيقة؛ إلى حد ما، فتجلي الصواب من الخطأ، وتعيد مختلف الممارسات التي يقوم بها الأفراد؛ إلى مساراتها الصحيحة، وهي؛ غالبا؛ المتوافقة مع الأنظمة والقوانين، والقيم الإنسانية الأخرى، مع ما يعتري هذه القوانين والنظم إلى بعض الإخفاقات فـي مواقف مختلفة، بما يسمى بـ «ثغرات القوانين» ولكنها تحقق الحد المعقول من النزاهة فـي حالة تطبيقها، مع ضرورة أن تتحقق القناعة لدى الفرد نفسه بأهميتها، ونجاعتها فـي تقليل نوافذ الفساد، وفـي تعظيم عائد النزاهة.
أحمد بن سالم الفلاحي كاتب وصحفـي عماني
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: فـی حالة لا یمکن التی لا
إقرأ أيضاً:
مأساة غزة.. امتحان أسقط عناوين الزيف والخداع
يمانيون/ تقارير
في العتمة، حيث كان الأطفال لا يزالون يصرون على مواجهة الأيام المقبلة بالأمل، بالرغم من الحقائق المريرة حولهم.. فجأة، تحولوا جميعاً إلى غارقين في بحر من الدموع، يتساءلون عن سبب كل هذا الحزن، وعما إذا كان يسمح للأمل أن يُهدى من قلوب من لا يعرفون قيمة الحياة؟ الذين لم تخترق طائراتهم حاجز الصوت في السماء، بل كانت تخترق أحلام الأبرياء في أنفسهم الصغيرة، لتقطع خيوط الأمل في عالمٍ يحلمون فيه بالأمان.
في أجواء السحر الرمضاني، وبينما كانت العائلات في غزة تستعد لسحور يوم جديد، يرافقه أمل يلوح في الأفق ربما يبشر بصفاء نسبي وسط المعاناة طويلة الأزل. حينها، كان الأطفال على سرائرهم يحلمون بنسمات الربيع، وكانت الأمهات يجهزن المائدة بإمكانات متاحة وسط آمال بسيطة، دون أن يدركوا أن ثمة لحظات مليئة بالآلام قادمة.
فجأة، كل شيء بدأ يتغير.. اخترقت أصوات الطائرات سماء غزة؛ نذير شؤم بحلول مصير مؤلم. لقد انتهك العدو الإسرائيلي وقف إطلاق النار، وبدأت سلسلة غارات جوية ضمن المتوقع كالعادة. وخلال سحور تلك الليلة، نزل رعب القذائف من السماء ليحول الأحياء المأهولة إلى مقابر؛ تصدح في أجوائها أصداء نواح الألم والأنين تخرج من بين ركام ما تتركه الغارات الوحشية من أطلال الدمار.
تحت أزيز الطائرات
وفي ذلك الفجر المشؤوم، كانت الإصابات تتجاوز الأجساد لتدمي الأرواح، وتترك آثارًا من الحزن لا تمحى؛ عائلات كانت تجتمع حول مائدة إفطار الصغار وسحور الصائمين، أصبحت منقسمة بين فراق ووجع؛ بعضهم فقد الأب، وبعضهم فقد الأخت، والبعض الآخر لم يعرف بعد ماذا حل بأحبابهم؟ برزت الولايات المتحدة لتبرر هذا التصعيد للعدوان الصهيوني بقولها: “إن إسرائيل استشارتها قبل استئناف الحرب الشاملة على القطاع”.
هكذا، جعلت أمريكا من جحيم الحروب مجرد لعبة سياسية على طاولة المفاوضات. بينما كان “بنيامين نتنياهو”، المجرم الذي يخفي وجهه تحت طيات قراراته العسكرية، يخرج ليقول بلهجة ملأتها السخرية: “إن المفاوضات بشأن وقف إطلاق النار ستستمر، ولكن تحت النيران”.
وخلال الأسبوع الماضي فقط، تواصلت معاناة الإنسانية في غزة مع العثور على جثث خمسة عشر عاملًا إنسانيًا في مقبرة جماعية في رفح، جنوب القطاع. كان من بينهم مسعفون من جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني وفرق الدفاع المدني، بالإضافة إلى موظف من الأمم المتحدة. بدت الجثث تحمل آثارًا مروعة تتحدث عن فصول من الألم والمعاناة، حيث وجدت مقيدة الأيدي ومع علامات إصابات في الرأس والصدر، وبعضها تعرض لقطع الرأس.
وُصفت هذه الأحداث بـ”أبشع جرائم الإعدام بوحشية”، حيث قامت قوات العدو الإسرائيلي بقصف سيارات الإسعاف وشاحنة إطفاء ومركبة تابعة للأمم المتحدة أثناء استجابة العاملين لنداء استغاثة لإنقاذ الأرواح.
وظهرت الأعداد المتزايدة من الجثث في مقبرة جماعية، دفنت تحت سيارات الإسعاف المحطمة، بينما قدم العدو تبريرًا بادعاء استخدام هذه المركبات لأغراض عسكرية، وهو ما نفته حماس والجهاد الإسلامي بشدة. وأكدت الأمم المتحدة أن العاملين قُتلوا أثناء ارتداء زيهم الرسمي، وهم في طريقهم لإنقاذ أرواح المدنيين.
وفي “خان يونس”، حيث كانت العائلة الفلسطينية النازحة تستعد لحفل زفاف، وقعت مأساة أخرى. الغارة الجوية التي استهدفت منزلهم أسفرت عن استشهاد 12 فردًا من الأسرة، في حين كان الجميع يحتفلون بمولود جديد ويستعدون لمناسبتهم السعيدة. تحدثت بسمة القاعود، إحدى قريبات الضحايا، بمرارة قائلةً: “كنا نستعد في منزلنا لحفلة زفاف، ونبارك لوالدتنا مولدها ونطمح ليوم سعيد”.
انتصبت بسمة تحكي قصص الضحايا، مشيرة إلى أنهم أشخاصًا عاديين. كان ياسر مُعلّمًا، وعبود يعمل في مجال التجميل، وإسماعيل كان موظفًا في السلطة الفلسطينية سابقًا. “هؤلاء أبنائي مدنيون، منهم عروس مجهزة لحفل زفاف، وعريس مخطوب امرأة في مصر، ماذا عساي أن أقول أيضًا؟ أحد أبنائه متزوج وزوجته حامل.”
في وقت يواصل فيه العدو الإسرائيلي ارتكاب الإبادة الجماعية أكدت بسمة القاعود، وهي من الناجين من القصف، أن كل الضحايا هم مدنيون، من بينهم فتاتان عمرهما ثلاثة أشهر وطفلة أخرى في الثالثة من عمرها. ذكرت بسمة، مع الدموع تملأ عينيها، أسماء الضحايا: “إحداهن كانت حاملاً، والثانية مخطوبة، والثالثة متزوجة حديثًا. كانت أفراحهن متوالية، لكن الحرب جعلتها أحزانًا مؤلمة”.
أما الشاب مصطفى الجمل، خطيب تسنيم، إحدى الضحايا، فقد عبر عن ألمه بعد فقدانه “لأميرتي”، كما كان يسميها. قال مصطفى: “خطبتُ خطيبتي خلال الهدنة الأخيرة. وهي تدرس التمريض مثلي. كانت حياتنا رائعة، كانت تجمع بيننا علاقة جيدة. كنا نخطط لمستقبل زاهر، لحياة مشتركة. لكن أحلامنا تحطمت عندما أدى الهجوم الإسرائيلي إلى مقتل تسنيم”. واسترسل قائلًا: “لقد كان الاحتلال عائقًا أمام كل ما أردنا القيام به”.
تظل هذه اللحظات المروعة تجسد تمامًا كيف تؤثر الحروب على حياة الأفراد، حيث يتحول الفرح بحسب أحداث مأساوية تعصف بالأرواح، وتؤكد على ضرورة اتخاذ المواقف العملية في وجه الإجرام الصهيوني. إذ إن كل شهيد في غزة يروي قصة إنسانية، وكل بهجة مفقودة تحكي عن أحلام غير محققة، تضيء الأفق بسؤال كبير: متى ينتهي التخاذل الدولي؟
احصائيات مرعبة
وفي إحصائية جديدة صادرة عن وزارة الصحة الفلسطينية، ارتفعت حصيلة الشهداء والاصابات منذ 18 مارس 2025 إلى (1,309 شهداء، و3,184 إصابة). و ارتفاع حصيلة العدوان الإسرائيلي إلى 50,669 شهيدا و115,225 إصابة منذ السابع من أكتوبر للعام 2023م.
أفادت بلدية غزة بأن المدينة تعاني أزمة عطش خانقة بسبب استهداف العدو لخطوط المياه، مما تسبب في تدمير كبير في شبكات المياه والآبار، وهنا ناشدت المنظمات الإنسانية والجهات الدولية بضرورة الضغط على العدو لاحترام الحقوق المدنية للسكان والسماح لفرق الصيانة بإعادة تشغيل خط “ميكروت”
الجوع والموت.. مأساة مزدوجة
ما يركز عليه العدو الصهيوني هو السعي للاستيلاء على مساحات واسعة من أراضي فلسطين ودول المحيط، ومن أجل ذلك وسع العدو هجومه في غزة يوم الأربعاء، 2 أبريل 2025، مُعززا عملياته العسكرية بهدف السيطرة على “مناطق واسعة” من الجيب الفلسطيني.” وزير الدفاع” في الكيان الإسرائيلي “يسرائيل كاتس” صرح بأن الهجوم يأتي “لسحق وتنظيف المنطقة من ساكنيها والبنية التحتية للاستيلاء على مناطق واسعة ستضاف إلى ما يسمى بالمناطق الأمنية لإسرائيل”.
كما واصل العدو الإسرائيلي عملية ترحيل الفلسطينيين من غزة، حيث أعلنت ما تسمى بوزارة الداخلية الإسرائيلية يوم الثلاثاء، أن مئات من سكان غزة، برفقة دبلوماسيين ألمان، تم نقلهم جواً من جنوب فلسطين المحتلة إلى مدينة لايبزيغ. هذا الإجراء عزز من شعور القلق والهلع بين سكان غزة، الذين يعانون من فقدان الحماية والأمان، في ظل تصاعد الهجمات والعمليات العسكرية.
وفي جباليا، شمال قطاع غزة، أدى قصف إسرائيلي على عيادة تابعة للأمم المتحدة تؤوي نازحين فلسطينيين إلى استشهاد 22 شخصًا على الأقل. وصفت حركة حماس هذا العمل باستمرار الإبادة الجماعية وانعكاس لتجاهل المجرم بنيامين نتنياهو للقوانين الدولية والأعراف الإنسانية. ورفضت حماس المزاعم الإسرائيلية بأن العيادة كانت تستخدم كمقر لكتيبة جباليا التابعة لها، مُعتبرةً هذه الادعاءات افتراءات صارخة تهدف إلى تبرير هذه الجريمة البشعة.
إلى جانب القصف، شدد العدو الإسرائيلي حصاره على غزة، حيث أغلق معابر غزة مانعا إدخال المساعدات الإنسانية. وأكد برنامج الأغذية العالمي أن جميع المخابز المدعومة في جنوب القطاع ستغلق أبوابها بسبب نفاد الدقيق، مما سيؤدى إلى تفاقم الأزمة الإنسانية. ومع استمرار المجازر والحصار، يواجه سكان القطاع مشهدًا قاسيًا من الألم والمجاعة.
في قطاع غزة، حيث يعيش أكثر من مليونين و400 ألف نسمة تحت القصف والحصار، تعتمد الغالبية العظمى، بنسبة تتجاوز 80%، على المساعدات الإنسانية لتلبية احتياجاتهم اليومية. ومع تصاعد العدوان الإسرائيلي، تتفاقم المعاناة الإنسانية بشكل غير مسبوق، لتصبح غزة مسرحًا لأبشع الجرائم التي تهز الضمير العالمي.
وأصدرت مؤسسات حقوقية ومنظمات إغاثة إنسانية تقارير تفيد بأن الوضع في غزة ينذر بكارثة إنسانية شاملة. فالأوضاع الإنسانية في تدهور مستمر، من تفشي الأمراض ونقص الغذاء، ليؤكد المقرر الأممي الخاص بالحق في الغذاء أن عدد من سيموتون في غزة بسبب الجوع سيزيد عمن سيموتون بسبب القصف. يشير ذلك إلى معاناة مستمرة تحاصر الفلسطينيين في ظل غياب المؤسسات الدولية التي تكتفي بإصدار البيانات.
ختاماً
إن التصعيد الصهيوني المستمر على الأراضي الفلسطينية، بات يشكل رمزًا لألم طويل عانى منه الشعب الفلسطيني، حيث تحولت آمالهم بحياة كريمة إلى كابوس مفزع. هذه الأحداث تُسقط الضحايا، لكن الحكايات الإنسانية التي تخرج من قلب هذه المأساة يجب أن تُروى وتُسمع كما يجب أن تنتهي فالسكوت عنها له تبعات على الحكومات والشعوب.
هذه القصص الإنسانية، التي ترويها عيون الأطفال الأيتام وأصوات الأمهات الأرامل والثكالى، ليست مجرد سرد لما حدث في ليلة 18 مارس أو ليلة 4 من أبريل، بل هي تجسيد للصمت العالمي ووحل الانحطاط العربي والإسلامي، وحيث القلوب تتحدى الألم، والروح تصمد أمام أعاصير الإجرام الصهيوأمريكي. إنه الجهاد في مواهة الطغيان الإسرائيلي الذي، يتجاوز في وحشيته مأساة كل صراع عرفته البشرية.
غزة، التي تعيش تحت القصف والحصار، تروي كل يوم قصصًا جديدة عن الألم والصمود. ومع استمرار العدوان، يبقى السؤال: إلى متى ستظل هذه المأساة الإنسانية دون حل؟ ولماذا الخوف من الكيان الصهيوني الجبان, وما يجب أن يعلمه الجميع أن الكيان الإسرائيلي لم يوغل في إجرامه إلا بالصمت المخزي العالمي، فهذا الكيان لا يردعه إلا القوة.
نقلا عن موقع أنصار الله