تعتبر سورة البقرة من أطول سور القرآن الكريم وأغنى السور من حيث المعاني والدروس التربوية والشرعية، وتُعد الآية 217 من هذه السورة من الآيات التي تناولت موضوعًا بالغ الأهمية يتعلق بالجهاد في الشهر الحرام، وهي نقطة محورية في تفسير معاني الصبر والتحمل والالتزام بالأحكام الإلهية.

دروس من حياة الصحابة وأهمية الأشهر الحرم

في محاضرة سابقة للأستاذ الدكتور علي جمعة، تناول في تفسيره لهذه الآية بعض الجوانب التي تبرز العلاقة بين الإنسان ومبادئ الإسلام، مُستعرضًا أسئلة الصحابة الكرام لسيدنا رسول الله ﷺ وبعض الأحكام المتعلقة بالأشهر الحرم التي ذكرها القرآن الكريم.

وهذه الدروس تتجسد في نقاط عدة نستعرضها في السطور التالية.

الأسئلة القليلة التي وجهها الصحابة للرسول ﷺ

من الأمور التي أشار إليها الدكتور علي جمعة في تفسيره للآية، هو الحديث عن قلة الأسئلة التي طرحها الصحابة على رسول الله ﷺ. وقد أورد أن الصحابة، رغم كثرة الأحداث والمواقف التي كانوا يمرون بها، كانوا يتحرون الدقة والتواضع في طرح أسئلتهم. لم تتجاوز الأسئلة التي وجهها الصحابة للنبي ﷺ عن 13 سؤالًا فقط في أغلب الأحيان. وهذا الرقم ليس تقليلاً من اهتمامهم، بل دليلًا على رغبتهم في أخذ العلم بطريقة فطرية وواقعية دون التوسع في الاستفهامات غير الضرورية.

هذه القلة في الأسئلة تُظهر لنا فهم الصحابة العميق للرسالة النبوية وتقديرهم الكبير للمقام النبوي، حيث كانوا يثقون في أفعال النبي ﷺ وسيرته العملية بقدر كبير، فكانت الأسئلة التي يطرحونها نابعة من ضرورة أو أمر ملح يحتاج إلى توضيح.

الأشهر الحرم: أحكامها وأسرارها

من أهم الدروس التي تناولها الدكتور علي جمعة في تفسير الآية 217، هو الإشارة إلى الأشهر الحرم التي حرّم الله فيها القتال إلا في حالات الدفاع المشروع. وذكر أن الله تعالى قد حرم أربعة أشهر من السنة هي: ذو القعدة، ذو الحجة، المحرم، ورجب الفرد. هذه الأشهر التي تحمل طابعًا خاصًا في الشريعة الإسلامية، إذ يُحرّم فيها القتال والاعتداء على النفس والمال، وقد خصّ الله تعالى شهر رجب بالتسمية "الفرد"؛ لأنه منفصل عن الأشهر الثلاثة التي تليه، ولا يُعد من الأشهر الحرم المتعاقبة، بل هو شهر مستقل.

وفي هذا السياق، أكد الدكتور علي جمعة على أهمية هذه الأشهر في تاريخ المسلمين، حيث كانت تمثل فرصة للتأمل والعبادة والتقوى، وللتأكيد على ضرورة تجنب التعدي على الغير في هذه الفترة، مما يعكس روح السلم والتآخي بين الناس.

الدروس المستفادة من الآية 217 والأشهر الحرم

الآية 217 من سورة البقرة تلقي الضوء على مفهوم الجهاد في الإسلام، وأنه لا يتم إلا في ظل احترام الحرمات، بما في ذلك الأشهر الحرم. وهي دعوة للتأمل في معاني الصبر والثبات في مواجهة التحديات، وكذلك التذكير بأهمية التزام المسلم بالقيم الأخلاقية التي وضعها الله في كل زمان ومكان.

كما أن الأشهر الحرم تذكرنا بضرورة تجنب العنف والظلم في فترات معينة من السنة، فهي دعوة للاحتكام إلى مبادئ السلام والعدالة، والتأكيد على أن الحرب يجب أن تكون في سياق الدفاع عن النفس أو الذود عن الدين، وليس لتوسيع النفوذ أو فرض السيطرة.

 

تظل سورة البقرة وآياتها مصدرًا غنيًا بالمعرفة والعبر للمسلمين، حيث تتيح لنا فهم عميق لدور الصحابة الكرام في نقل الرسالة النبوية، وتوفر لنا أفقًا واسعًا من القيم الروحية والأخلاقية التي يجب أن نتبناها في حياتنا اليومية. من خلال تفسير الآية 217 والأشهر الحرم، نجد دعوة للتوازن بين القيم الدينية والإنسانية، وهي دعوة تستحق التأمل والالتزام في كل زمان ومكان.

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: البقرة الصحابة رسول الله سورة البقرة الدکتور علی جمعة الأشهر الحرم سورة البقرة فی تفسیر

إقرأ أيضاً:

لماذا تشتري «ميتا» البقرة إذا كان الحليب مجانًا!

هل يمكن اعتبار كل ما نُشِرَ على الإنترنت مُتاحًا تلقائيًا للاستخدام؟ وهل من العدل أن تُستخدم مؤلفات الكُتّاب والأدباء والباحثين لتدريب أنظمة ذكاء اصطناعي سيكون شغلها الشاغل بعد ذلك إنتاج بدائل لهؤلاء؟! هذان السؤالان الجوهريان هما لُبّ الاحتجاج الذي أطلقه يوم الخميس الماضي نحو مائة مؤلف بريطاني أمام المقر الرئيسي لشركة «ميتا» في لندن، رافعين لافتات ومرددين هتافات تتهم الشركة الأم لوسائل التواصل الاجتماعي فيسبوك وأنستجرام وواتساب بسرقة كتبهم لاستخدامها في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، في مشهد يعيد إلى الواجهة سؤالًا قديمًا بصيغة جديدة: لمن تعود المعرفة في زمن الذكاء الاصطناعي؟

ولعلّ متعطشًا لهذه المعرفة لن يتعاطف كثيرًا مع هذه الاحتجاجات، وسيرى أنها تنطوي على أنانية من هؤلاء المؤلفين، فما الضير أن تنتشر المعارف والعلوم في العالم وتكون متاحةً للفقير قبل الغنيّ؟!، خاصة إذا ما علمنا أن مكتبة «LibGen» الإلكترونية التي أطلقتها «ميتا» هي قاعدة بيانات ضخمة تتضمن أكثر من 7 ملايين كتاب ومقالة علمية، وتتيح الوصول المجاني إليها عبر الإنترنت. غير أن هناك زاويتين مهمّتين في النظر إلى هذا الموضوع تجعل الفرح بالمعرفة هنا محل خلاف قانوني وأخلاقي في الوقت ذاته؛ الأولى أن جهة تجارية عملاقة كـ«ميتا» تستخدم هذه المواد بالمجّان لتطوير أدواتها وتحقيق أرباح طائلة على حساب جهد المؤلفين وحقوقهم، والثانية تلخصها عبارة الروائي البريطاني أيه جيه ويست الذي شارك في احتجاجات لندن وحاول دخول مبنى «ميتا» لتسليم رسالة موقعة من المؤلفين المحتجين، لكن الأبواب أغلقت في وجهه: «لقد أخذوا كتبي لتغذية تكنولوجيا مصممة لتدميري»!

هذا المعنى الذي ذكره ويست كانت قد سبقته إليه الروائية الكندية مارجريت أتوود في مقال لها نُشِرَ في مجلة «أتلانتك» في أغسطس 2023 شنّت فيه هجومًا ساخرًا على شركات الذكاء الاصطناعي التي استخدمت نسخًا مقرصنة من كتبها - وعددها 33 - لتدريب نماذج لغوية قادرة على محاكاة أسلوبها، مشبهة الأمر بالضغط على ماكينة لاستخراج آيس كريم!، ذلك أن النصّ الذي تُخرجه هذه الماكينة يظل خاليًا من الحياة، وعاجزًا عن توليد المجاز أو السخرية أو الدهشة، أي العناصر التي تُبقي الفنّ حيًّا، ومع ذلك، فإن مضيّ شركات الذكاء الاصطناعي في توليد نُسَخ من هؤلاء المؤلفين يؤدي إلى أن ينقرض المؤلف، وتقتله نسخته، ويُستغنى عنه بسهولة، فــ«لماذا تشتري البقرة إذا كان الحليب مجانًا؟».

وإذا كان المؤلفون البريطانيون قد اختاروا الاحتجاج في الشارع، فإن نظراءهم الأمريكيين فضلوا اللجوء إلى المحاكم، في معركة قانونية لا تزال في بداياتها؛ ففي يناير 2024، رفع مؤلفون دعوى قضائية جماعية ضد شركتي «مايكروسوفت» و«أوبن إيه آي»، يتهمونها فيها باستخدام أعمالهم غير الروائية في تدريب نموذج الذكاء الاصطناعي ChatGPT دون موافقة منهم. وفي الأسبوع الماضي دُمجت اثنتا عشرة دعوى قضائية تتعلق بحقوق النشر ضد الشركتين «أوبن إيه آي» و«مايكروسوفت» في المحكمة الفيدرالية للمنطقة الجنوبية في نيويورك. وهي تحركات تعكس تصاعد التوتر بين المبدعين من جهة، وشركات التكنولوجيا من جهة أخرى، فيما يتعلق باستخدام المحتوى المحمي بحقوق النشر في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.

ولأن التشريعات القانونية ما زالت عاجزة عن مواكبة تطورات الذكاء الاصطناعي فكان من الطبيعي أن تردّ «ميتا» على هذه الاحتجاجات ردّ الواثق المطمئن: «نحترم حقوق الملكية الفكرية للأطراف الثلاثة، ونعتقد أن استخدامنا للمعلومات لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي يتوافق مع القانون المعمول به». ويعرف مارك زوكربيرج؛ مالك «ميتا»، قبل غيره، أن القانون المعمول به غير كافٍ لحماية الإبداع الإنساني في ظل هذا التسارع المستمر للتطور التكنولوجي، فالقوانين الحالية، التي وُضعت لعصر الورق والطباعة، لم تعد صالحة لضبط الممارسات التقنية المتقدمة. والمؤلفون يدركون أن معركتهم ليست فقط ضد شركات التكنولوجيا، بل ضد نظام قانوني عاجز عن مواكبة الواقع الجديد. وما تَعُدُّه «ميتا» استخدامًا مشروعًا ضمن مفهوم «الاستخدام العادل» أو «Fair Use»، يعتبره المؤلفون اعتداءً مباشرًا على حقوقهم المعنوية والمادية.

اللافت أن احتجاجات الخميس الماضي تتزامن مع موجة رفض ثقافية أكبر في بريطانيا ضد سياسات تيسير استخدام المحتوى من قِبل شركات التكنولوجيا. ففي فبراير الماضي، وقّع أكثر من ألف فنان بريطاني رسالة مماثلة نددوا فيها بخطط حكومية تهدف إلى تقليل الحماية القانونية لحقوق النشر، ما يسهل على شركات الذكاء الاصطناعي استغلال الأعمال الفنية.

خلاصة القول إن العالم بأسره بحاجة إلى تصور جديد للملكية الفكرية، يأخذ بعين الاعتبار الذكاء الاصطناعي باعتباره طرفًا جديدًا في المعادلة، ويوازن بين المصلحة العامة والتعويض العادل للمبدعين. فليس من المنطقي - كما تقول الروائية البريطانية كيت موس إحدى الموقعات على رسالة الاحتجاج لـ«ميتا» - «أن نبني أدوات تعتمد على إبداع الآخرين، ثم نحرمهم من ثمارها. الذكاء الاصطناعي ليس حتمية، بل هو خيار يحتاج إلى ضوابط أخلاقية». وإذا لم تتدخل الحكومات والمؤسسات الدولية لوضع أطر واضحة، فإننا سنشهد مستقبلًا يُسلب فيه الإبداع من صانعيه، وتُمنح أرباحه لمن لم يبذلوا فيه أي جهد.

قبل نحو ألف عام، بعث الأديب والفيلسوف العربي أبو حيان التوحيدي؛ إلى أحد الأعيان الموسرين برسالة يستغيث فيها به من ضيق الحال: «أنقذني من لبس الفقر، أطلقني من قيد الضر، [..] اكفني مؤونة الغداء والعشاء. إلى متى الكُسَيرة اليابسة، والبقيلة الذاوية، والقميص المرقع. إلى متى التأدُّم بالخبز والزيتون...» إلى آخر الرسالة الشهيرة التي تكشف بؤس حالته المادية والمعنوية. ولا أظنني مغاليًا إذا قلتُ إن أدباء اليوم وفنانيه ومبدعيه ينتظرهم مصير أبي حيان نفسه، إذا ما عومِل الإبداع البشري كمواد خام بلا قيمة، مجرد وقود لآلة صماء تُنتِج نصوصًا بلا روح.

سليمان المعمري كاتب وروائي عماني

مقالات مشابهة

  • حكم قراءة سورة الفاتحة وأول سورة البقرة بعد ختم القرآن
  • لماذا تشتري «ميتا» البقرة إذا كان الحليب مجانًا!
  • معنى قيام الليل الوارد في أول سورة المزمل وآخرها.. الإفتاء توضح
  • نائب إطاري: التعديل الرابع لقانون الانتخابات “لخدمة الشعب”!!
  • لماذا نقرأ سورة الكهف يوم الجمعة؟ اعرف الأسباب .. وأفضل وقت لتلاوتها
  • لماذا نقرأ سورة الكهف يوم الجمعة؟.. انتهز الفرصة فضلها عظيم
  • سنن مستحب فعلها يوم الجمعة.. التبكير إلى الصلاة وقراءة سورة الكهف
  • قراءة سورة الكهف .. هل تجزئ في ليلة الجمعة أم نهارها ؟
  • 80% أسئلة فهم وتطبيق.. مواصفات امتحان الكيمياء للصف الثاني الثانوي 2025
  • وقت قراءة سورة الكهف .. الإفتاء توضح