مستقبل العلاقات الرقمية.. أي هويات نريد؟
تاريخ النشر: 9th, November 2024 GMT
منذ بداية ظهور الإنترنت وشروع المجتمعات فـي خلق شكل جديد من أشكال التواصل الافتراضي، حلت قضايا مثل طبيعة العلاقات الاجتماعية فـي عصر الأنترنت، وتأثير الأنترنت على الهويات الفردية والجماعية والاجتماعية محل بحث أصيل فـي سياق العلوم الإنسانية، وفـي نتائج البحوث هناك مشتركات أساسية بين المجتمعات الإنسانية فـي التأثير الذي خلقه التواصل الافتراضي على (طبيعة، اتجاه، عمق، معنى) العلاقات الاجتماعية، مع اختلاف فـي درجة التأثير بحسب قوة تلك العلاقات فـي أساس واقعها من عدمها، ولكل تظل مسائل فهم الهوية الافتراضية وتشكلها وتأثيرها على الهويات الواقعية سواء كانت هويات فردية أو جماعية أو اجتماعية من أعقد المسائل التي تتغير مع مرور الوقت، وتظهر فـيها عوامل عديدة مؤثرة مثل: طبيعة الجيل، تغير أشكال الخطاب عبر الوسائل الإلكترونية، ظهور واستهداف خطابات الاستقطاب، الفعل المنظم والشبكي لتوجيه الهويات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أشكال الرقابة والخطاب المضاد وغيرها من العوامل، والتي بدورها تجعل مسار تشكل وتغير الهويات الرقمية مسارًا متعرجًا يصعب القبض عليه.
السؤال المشروع فـي هذا الجانب: لماذا علينا أن نهتم بنوعية الهويات الرقمية وتغيراتها؟ والإجابة قد توجز فـي ثلاثة أبعاد أساسية؛ أولًا، لأنها تشخص لنا وضع وطبيعة الهوية الاجتماعية الحقيقية؛ فالأفراد إما يعكسون هوياتهم الحقيقية فـي تفاعلاتهم الافتراضية، أو أنهم يميلون إلى تعديل تلك الهويات بما يتناسب مع ما يتصورونه من وضع أسمى للهوية الفردية والجمعية المرادة، أو أنهم يهربون عبر الهويات المعدلة من ضغوطات اجتماعية تلاحقهم فتغدو معها الهوية الأخرى (الافتراضية) متنفسًا لممارسة الذات الاجتماعية المرادة. وفـي هذا البعد ناقشت إحدى الدراسات الصادرة عن جامعة ستانفورد مسألة الهويات الافتراضية وخلصت فـي إحدى النتائج إلى أن 54% من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي الذين شملتهم العينة - يقومون بتعديل أو تغيير جوانب من تشكيل هوياتهم على الإنترنت بهدف الظهور بشخصية مغايرة أو لجذب انتباه الآخرين. البعد الثاني فـي أهمية تتبع الهويات الرقمية ينبع من خطورة خطاب الاستقطاب والاستدراج على الأنترنت، والذي يلعب بشكل أساس على طبيعة الهويات الافتراضية المشكلة، كما يتماهى أيضًا مع طبيعة الشخصية الاجتماعية المراد تشكيلها على فضاءات الأنترنت، فـي دراستهما للعلاقة بين الاستقطاب عبر الإنترنت وسياسات الهوية يقول تومي كوتنين وعلي أونلو أنه «غالبًا ما تخلق هذه المنصات بيئات تُعرف باسم «فقاعات التصفـية» و«غرف الصدى»، حيث يتعرض المستخدمون فـي المقام الأول لمحتوى يتماشى مع آرائهم واهتماماتهم الحالية وتساهم الميزات الخوارزمية لهذه المنصات فـي التعرض الانتقائي وتشكيل غرف الصدى، مما يؤثر على مواقف وسلوكيات الأفراد. لا تعمل هذه الظاهرة على تعزيز تحيز التأكيد فحسب، بل تعمل أيضًا على توحيد المجموعات الداخلية، مما يزيد من تعميق الاستقطاب بين المجموعات المجتمعية المختلفة. البعد الثالث، فـي أهمية دراسة الهويات الرقمية هو انعكاس هذه الهويات فـي تشكيل الأدوار الاجتماعية الواقعية، وهو ما يمكن أن يكون تحديًا أمام دور العمليات والمؤسسات الاجتماعية فـي تشكيل عمليات التنشئة ورسم الأدوار الاجتماعية، ولتوضيح هذا البعد أجرينا مسبقًا دراسة فـي 2018 حول تشكل الهويات الرقمية وارتداداتها على دور المؤسسات الاجتماعية فـي خلق الأدوار الاجتماعية، ولعل من أبرز النتائج التي خلصت إليها دراستنا أن 63% من عينة الدراسة ممن هم فـي السن بين (18 - 24) عامًا يشعرون أن المجتمع فـي الواقع يدفعهم لتقديم شخصية محسنة لذواتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فـي حين عبر أكثر من 38% من ذات العينة فـي ذات المرحلة العمرية أن مواقع التواصل الاجتماعي تتيح لهم مساحة أفضل لممارسة ذواتهم الحقيقية.
يبقى سؤال الهوية الرقمية معقدًا وعصيًا على الجزم، وهذا الاستعصاء هو الذي تحدثت عنه نانسي بايم محورًا لكتابها «Personal Connections in the Digital Age» حيث تقول: «لا تتيح لنا التكنولوجيا فقط بناء علاقات مع الآخرين، بل تسمح لنا أيضًا بإعادة تشكيل هوياتنا بطرق لم تكن ممكنة من قبل، مما يخلق فضاء جديدًا لاكتشاف الذات وتقديمها». إذن هناك ثلاثة مخاطر يفرزها مستقبل علاقاتنا وتفاعلاتنا الرقمية ويطرح سؤال: أي هويات نريد؟ أولها، مسألة النزوع من ضيق السياق الاجتماعي الحقيقي إلى السياق الافتراضي للتعبير عن الذات، وثانيها، خلق هويات وشخصيات أكثر قابلة للاستدراج والاستخطاب والاستهداف بالخطابات المختلفة، وثالثها، إعادة إنتاج الأدوار الاجتماعية للأفراد والجماعات من خلال فواعل من غير نسيج المجتمع. هذه المخاطر الثلاثة تشكل فـي ذاتها مساحة لبروز المشكلات الاجتماعية المرتبطة والناشئة عن التواصل الافتراضي، فالشخصية التي تقود خطابًا ناقمًا ومهاجمًا وهدامًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي على سبيل المثال دون أن يكون ذلك متوقعًا من ذات طبيعة الشخصية وتركيبتها فـي الواقع الحقيقي هي نتاج لأزمة الهوية الرقمية التي تحدثها المخاطر الثلاثة.
يبقى الرهان على أساليب المعالجة والمواجهة، وفـي تقديرنا فإن دور المؤسسات الاجتماعية فـي خلق فرص ومساحات أفضل للأفراد للتعبير عن ذواتهم الحقيقية، واحتواء أشكال التعبير مهما كانت غرابتها وحدتها فـي إطار اجتماعي متسق هو الرهان الأول لاحتواء تعقيد الهويات الرقمية، فمتى ما كانت مؤسسات التعليم والمؤسسات الثقافـية والإعلامية فـيها من المساحة الكافـية المقرونة بالتوجيه المناسب للأفراد ما يمنحهم مساحة أفضل لممارسة أفكارهم وتعديلها وتصويب معتقداتهم وتمكين ذواتهم متى ما كان الانفصال بين الهوية الواقعية والهوية الرقمية أقل وكان تأثيره على الأزمة الاجتماعية أقل كذلك. يبقى الحوار الاجتماعي بأشكاله المختلفة وبمفهومه المتسع هو الأداة الأمثل لتشكيل الهوية كما يريدها المجتمع، لا كما تريدها خطابات الاستقطاب والاستدراج.
مبارك الحمداني مهتم بقضايا علم الاجتماع والتحولات المجتمعية فـي سلطنة عُمان
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: مواقع التواصل الاجتماعی الاجتماعیة فـی
إقرأ أيضاً:
نضج المساهمة الاجتماعية للمؤسسات
في الجزء الأول من هذه المقالة تناولنا التتبع التاريخي لتطورات مفهوم المسؤولية الاجتماعية للمؤسسات في قطاعات الأعمال ، ووقفنا عند ضرورة تجديد أبعاد المفهوم ليتواكب اليوم مع المقتضى العالمي والإنساني للسياقات التي تنشط فيها هذه الأعمال، وأشرنا إلى ثلاثة أبعاد رئيسية هي في تقديرنا اليوم أبعاد تجديد المفهوم للوصول إلى نضج الممارسات والتطبيقات وهي (المسؤولية تجاه الأفراد - المسؤولية تجاه السياسات - المسؤولية تجاه المستقبل). سردنا في المقالة تفصيلًا لبعض الأفكار المرتبطة بالبعد الأول، والتي تتلخص في إيجاد بيئات عمل داعمة للصحة النفسية وللتوازن والنمو الاجتماعي السليم بالنسبة للأفراد، وما يمكن في الآن ذاته أن يجعل الأفراد الذين يقعون في محيط بيئة الأعمال قادرين على الاندماج الاجتماعي بشكل أمثل داخل المجموعة الاجتماعية الصغرى والكبرى في الآن ذاته. نستطرد في هذا الجزء بالحديث عن البعدين الآخرين؛ بالمسؤولية تجاه السياسات، والمسؤولية تجاه المستقبل.
ففي بُعد المسؤولية تجاه السياسات، فإن السياسات التي تعدها المؤسسات سواء كانت سياسات إجرائية داخلية، أو سياسات تشغيلية قطاعية هي في حقيقتها ذات صلة بالمكون الاجتماعي؛ فالسياسات الإجرائية الداخلية تتماس مع المكون البشري العامل في هذه المؤسسات وفي الوقت ذاته لابد أن تكون مراعية للثقافة والخصوصية المجتمعية عوضًا عن احترامها للتفاهم في محيط اجتماعية المؤسسة، والسياسات التشغيلية القطاعية تتماس مع العمليات والأنشطة والمنتجات التي تولدها هذه المؤسسات وقد يكون المجتمع حاضنًا مكانيًا لها، أو مستفيدًا منها، أو مستهلكًا لها، أو متأثرًا بها. ومن المحكات التي يمكن أن تشملها أشكال المسؤولية تجاه السياسات هو ابتكار آليات ذات ديمومة مؤسسية لتعزيز مشاركة المجتمع في صنع سياسات المؤسسة وتوجهاتها، ومدى تنفيذ ما يعرف اليوم بـ Policy Algorithm Matrix والتي تستخدم لضمان توافق سياسات المؤسسة التي تنتجها مع مجمل السياسات العامة القائمة في بعدها (التشريعي – البيئي – الاجتماعي – الاقتصادي – الثقافي – السياسي)، وهو ما يضمن أن المؤسسة لا تساهم فقط في إنجاح القطاع الذي تعمل فيه وتعظيم فكرة الربح، بل هي مساهمة بشكل أو بآخر في الاتساق مع منظومة السياسات العامة القائمة وتحقيق التنمية الوطنية، وهذا ينسجم مع توجهات الدولة التي تنشط فيها إن كانت تستهدف تحقيق مؤشرات معينة في التشغيل، أو التنوع الاقتصادي، أو تحقيق سياسة اجتماعية كالتمحور حول الأسرة، أو حتى سياسات تربوية كاحترام قيم الزواج والإنجاب، إن المؤسسات وإن نشطت في قطاعات خاصة وتخصصية فإن مجمل سياساتها تتماس مع المقتضيات الوطنية بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، مرئية أو غير مرئية، ذلك أنها مثلما أسلفنا هي بيئات اجتماعية في داخلها تتشكل قيم وأفكار وتوجهات ومبادئ. ومن المحكات التي يمكن النظر إليها أيضًا هو تحديد مرجعيات أخلاقية للنظم والمبتكرات والتقانات الحديثة؛ سواء كان ذلك مرتبطًا باستخدامات تقنيات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، أو المبتكرات والتقنيات التي تعتمد في التعامل مع المجتمع، أو تلك التي تجمع معلومات عن الأفراد، أو تلك التي تسخر لممارسة أنشطة في المحيط المكاني للمجتمع كالآلات والمعدات والتقنيات الأخرى.
وفيما يتعلق بالبعد المرتبط بالمسؤولية تجاه المستقبل؛ تبرز أدوار حثيثة على المؤسسات – في قطاعات أعمالها – في بناء ثقافة التفكير المستقبلي تجاه مستقبل متغيرات القطاع وتأثيراتها، وفي تعزيز ما يُعرف بـ semi-specialized general culture ضمن قطاع أعمالها، وكيف يؤثر القطاع ومتغيراته في مشهد الحياة العامة. هناك دور آخر مرتبط ببناء مهارات المستقبل والعمل على تبادلها مع القطاعات الحيوية، إن استثمار المؤسسات في المهارات والقدرات البشرية، والظروف التي تتيحها أدوات التدريب والتمكين المتقدمة ترتبط ببناء صف من المهارات المستقبلية الجاهزة، وما يتوجب على المؤسسات ضمن إطار مساهمتها الاجتماعية هو المساهمة في تجهيز تلك الصفوف من الكفاءات الجاهزة، على مستوى التخصص وعلى مستوى القيادة، وتبادلها مع قطاعات التركيز الحيوية للتنمية، ومع المؤسسات الأخرى ذات الاحتياج، لقد لاحظنا في تجارب دول إقليمية الدور المهم والمحوري خاصة للقطاع الخاص في تجهيز القيادات الوطنية، المؤهلة بالمعرفة، والقادرة على إحداث تحولات جذرية في الرؤى الوطنية، وهذا يدخل حسب تقديرنا ضمن منظومة مساهمة هذه المؤسسات اجتماعيًا ووطنيًا. فهذه القيادات لا تأتي فقط بمهاراتها أو معارفها التخصصية والنوعية، بل بثقافتها وأسلوب تدبيرها وأنماط قيادتها وثقافة الإنتاجية التي تحملها. كما يستوجب على المؤسسات إنضاج مساهمتها الاجتماعية فيما يتعلق بالمنظومات الوطنية لإدارة المخاطر، ليس فقط على مستوى إدارة تلك المخاطر في القطاعات التي تنشط فيها تلك المؤسسات إدارة تقنية وتخصصية، بل في بناء الثقافة العامة، وإكساب المهارات للقطاعات والأفراد في قطاعات أخرى، ونقل الخبرات التخصصية، والمساهمة في حشد المعارف، وإتاحة التقنيات والمعلومات المرتبطة بهذه الجوانب.
إن ما سردنا عبر جزأين هي أفكار لمحكات متفرقة تستوجب إعادة النظر في مفاهيم المسؤولية الاجتماعية، وما يرتبط بها من ممارسات وأبعاد وتطبيقات، وهي دعوة لمراجعة تلك الأبعاد وتكوين المفهوم الوطني المعياري الذي يتناسب والمرحلة الراهنة من عمر العالم والسياق المحلي، إن استيراد المفهوم بمجرد ممارساته ومعاييره العالمية قد لا يخدم بالضرورة مساهمة تلك المؤسسات في عضد التنمية المحلية والوطنية، وإذا ما قسنا المفهوم بكونه (مساهمة اجتماعية) فإن سياق الاحتياجات والأولويات والضرورات لكل مجتمع تختلف بطبيعة الحال عن الآخر، وهذه لحظة مواتية في تقديرنا للانعتاق – ولو جزئيًا – من المفاهيم والمعايير الجاهزة إلى تطوير أطر ومعايير وطنية تتلمس مسؤولية المؤسسات الاقتصادية والثقافية والأخلاقية والتشريعية والبيئية.
مبارك الحمداني مهتم بقضايا علم الاجتماع والتحولات المجتمعية فـي سلطنة عُمان