الإعلام السوداني: «4» أشهر من الانتهاكات
تاريخ النشر: 15th, August 2023 GMT
بمبادرة من راديو وتلفزيون دبنقا ، وبالشراكة مع نقابة الصحفيين السودانيين، وصحفيون لحقوق الإنسان – جهر – السودان، تدارس رؤساء تحرير ومديرو تحرير وقادة المؤسسات الصحفية الإعلامية المستقلة، والمنظمات الصحفية السودانية المدافعة عن حرية الصحافة والتعبير والنشر، الموقعون – أدناه – تدارسوا أوضاع الصحافة والصحفيين والصحفيات في السودان في ظل الحرب الكارثية الجارية منذ 15 أبريل 2023 إلى اليوم، وصدر عنهم هذا البيان المشترك في 15 أغسطس 2023:
بعد أربعه أشهر من الحرب، يرزح الصحفيون السودانيون، مثل غيرهم من المدنيين، تحت نيران طرفي النزاع، محاصرين باتهامات التخوين والعمالة والموالاة لهذا الطرف أو ذاك، مهددين بالاحتجاز والاعتقال التعسفي أو الإخفاء القسري أو الموت، وفقا لمزاج طرفي الصراع في المدينة، أو الولاية التي يقيم فيها الصحفي / ة المعني/ة، كما تواجه الصحفيات – بصورة خاصة – مخاطر أكبر بسبب العنف القائم على النوع، حيث تتعرض النساء والفتيات فى السودان، بما في ذلك النساء والفتيات الصحفيات إلى كافة أشكال التمييز و “العنف الجنسي”، ومخاطر الاستغلال والاستعباد الجنسي.
خلال هذه الفترة قُتل وجرح وأُعتقل صحفيون وصحفيات، ونُهبت منازل وممتلكات وأدوات عمل لإعلاميين /ات وصحفيين/ات، وتمت مطاردة وملاحقة آخرين وأُخريات لمجرد التعليق، أو التعبير عن آرائهم /ن المخالفة لرأي أحد طرفي الحرب، الأمر الذي أدى بعد (4) أشهر من المعاناة – إلى فرار العشرات من الصحفيين والصحفيات الى دول الجوار والإقليم، أو ترك المهنة اضطراراً، أو الاختفاء عن الأنظار.
أمام هذا الوضع المزري، بات الصحفيون والصحفيات بولاية الخرطوم ومناطق النزاع الأخرى، لا يستطيعون التنقل بين مناطق المعارك، أو داخلها بحرية للتغطية الصحفية، وذلك بسبب عدم وجود أي حماية، وبسبب عدم التزام الأطراف المتحاربة بالاتفاقيات الدولية الملزمة باحترام حرية الصحافة والتعبير، وحماية وسلامة الصحفيين والصحفيات، في التغطية الصحفية المستقلة للنزاعات المسلحة، والتي اصبح السودان طرفا فيها .
باتت دور ومقرات الصحف، ومحطات الإذاعات والتلفزيونات المحلية الحكومية والخاصة، بالعاصمة ومدن الولايات متوقفة تماماً عن العمل، أو متعثرة، إمّا بسبب وقوعها وسط مناطق الاشتباكات، مما يجعل الوصول إليها صعباً، أو بسبب الاعتداء المباشر عليها، ونهبها، وتخريبها، أو احتلالها بقوة السلاح، مثلما حدث من احتلال قوات الدعم السريع لمباني وأستوديوهات إذاعة وتلفزيون السودان، ومباني هيئة البث الإذاعي والتلفزيوني بأمدرمان، والتي تمد محطات الإذاعة، والتلفزيونات الخاصة بالموجات والترددات التي تبث عليها برامجها.
كما باتت الولايات التي نزح إليها مئات الآلاف من السودانيين والسودانيات بحثاً عن ملاذات آمنة مثل ( ولايات الجزيرة والنيل الأبيض وسنار و البحر الأحمر ونهر النيل، والشمالية، ومُدن مثل كسلا والقضارف، والأبيض وبورتسودان وغيرها) تواجه خطر جعلها فى حالة إظلام إعلامي شامل، وإسكات كامل للصحفيين والصحفيات، ومنعهم/ن عن نقل الحقيقة للجمهور، وعكس معاناة الفارين والفارات من الحرب، وقصصهم/ن المفجعة، ومعاناتهم/ن المضنية، من أهوال الحرب الكارثية، حيث تضع الأجهزة الأمنية والاستخبارات العسكرية، ومفوضية العون الإنساني، والحكومات المحلية المكلفة، قيوداً هائلة على الصحفيين والصحفيات، وحركتهم/ن في هذه الولايات، وتمارس إرهاباً عليهم/ن، تجعل من التغطية الصحفية والعمل الصحفي المهني والمستقل ونقل الحقائق والمعلومات الدقيقة والمرئية أمراً شبه مستحيل .
وتشهد ولايات دارفور ومدنها المنكوبة وعلى رأسها مدن “الجنينة وسربا ومورني” بغرب دارفور فظاعات كارثية وجرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، جرى – ويجري – ارتكابها، من قبل قوات الدعم السريع والمليشيات المتحالفة معها، ما أدى إلى فرار مئات الآلاف من المدنيين، إلى دولة تشاد المجاورة، إلى جانب الفظائع الأخرى المماثلة التي وقعت من قبل الدعم السريع والمليشيات المتحالفة معها بمدن نيالا، وكاس، ومنواشي، بجنوب دارفور، وزالنجي وقارسيلا، بوسط دارفور، وكتم، وكبكابية، والسريف، وطويلة، بشمال دارفور. كل هذا جعل كامل الإقليم في حالة إظلام إعلامي شامل، مع انقطاع شبكة الاتصالات، فأصبحت المنطقة خارج التغطية الصحفية والإعلامية، وأُجبر الصحفيون والصحفيات على الفرار لدول الجوار، أو النزوح إلى مناطق أُخري داخل السودان بحثا عن السلامة والحماية المفقودتين.
وبمثل ما حدث – ويحدث – في ولايات دارفور من فظائع، تشهد ولايات كردفان الكُبري، ومدنها من بينها، ام روابة، وبارا، وعلى نحو خاص مدينة الأبيض حصاراً للشهر الرابع على التوالي من قبل قوات الدعم السريع، مع معارك محتدمة بين طرفي الحرب، داخل المدينة، ما أوقع قتلى وجرحى بالمئات، فيما تشهد ولاية جنوب كردفان “جبال النوبة”، وولاية النيل الأزرق معارك أُخري مع الجيش الشعبي التابع للحركة الشعبية شمال “قيادة الحلو” من جهة، والجيش السوداني وقوات الدعم السريع من جهة أُخري، ما أدي لوقوع قتلى وجرحي في صفوف المدنيين، وأُجبر الآلاف من المدنيين في المنطقتين، بينهم صحفيين وإعلاميين، للجوء لدول الجوار أو النزوح داخلياً للقرى البعيدة من مناطق المعارك الحربية، أو الولايات الأخرى طلباً للأمن والسلامة وبحثا عن الحماية.
أمام هذا الوضع الكارثي نتوجه – نحن الموقعون على هذا البيان المشترك – بهذه المطالب العاجلة إلى الأطراف الأتية:
أولاً : إلى طرفي الحرب:
القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع
– الوقف الفوري للحرب، وفتح المسارات الإنسانية، وتمكين الصحافة والصحفيين والصحفيات من نقل الحقيقة للجمهور في السودان والعالم.
– فتح مراكز الإيواء الخاصة بالفارين /ات من الحرب للتغطية الصحفية الحرة والمستقلة دون قيود أو رقابة أمنية في الولايات التي نزح إليها مئات الألاف من المدنيين بوسط وشرق السودان، وفتح كافة الأبواب للصحفيين والإعلاميين لنقل آراء المواطنين والمواطنات وقصصهم/ن عن الحرب ومعاناتهم/ن ورأيهم/ن في المستقبل بتلك الولايات.
– تمكين الصحفيين والصحفيات من التنقل بمعداتهم وأدواتهم الصحفية بحرية وأمان لتحقيق التغطية الصحفية المستقلة، وتمكينهم/ن من الوصول – الى أيّ منطقة أو موقع دون مُضايقات أو قيود أو رقابة أو شروط – للمدن المنكوبة في دارفور الكبري وقراها، وشمال كردفان، وعاصمتها الأبيض، والمنطقتين جنوب كردفان “جبال النوبة” والنيل الأزرق.
– الوقف الفوري لكافة أشكال الاعتداءات على الصحفيين والصحفيات، ووسائل الإعلام بمختلف أشكاها ومنصاتها المرئية والمسموعة والمطبوعة، وصحافة الإنترنت وتمكين الصحفيين والصحفيات من أداء مهامهم/ن المهنية في التغطية الصحفية الحُرّة والمستقلّة.
– ضمان سلامة الصحفيين والصحفيات والمقار والمعدّات وجميع وسائل الصحافة والإعلام، على أساس الحماية العامة التي يكفلها القانون الدولي الإنساني للمدنيين والمنشآت المدنية.
– اعتبار محطات ومقار الإذاعة والتلفزيون والقنوات الفضائية والصحف المطبوعة وغيرها من منصات ومكاتب الصحافة والإعلام، مناطق ذات طابع مدني، تتمتّع بصفتها هذه، بالحماية العامّة من الاعتداء عليها، أو على العاملين فيها، أو احتلالها، ويُحرّم ويُجرّم الاعتداء عليها من الأطراف المتحاربة وتمكين الصحفيين والصحفيات من الوصول إلى مقار الإذاعات والتلفزيونات والقنوات الفضائية والصحف المطبوعة وغيرها من منصات ومكاتب الصحافة والإعلام لمعاينتها والوقوف على ما حدث فيها، والتأكد من سلامة معداتها ومكاتبها وأدوات عملها، وتقييم ما وقع فيها من أضرار.
– السماح للصحافة الأجنبية والمراسلين الأجانب بالدخول إلى البلاد وتغطية ما يجري والوصول إلى جميع مناطق النزاع دون قيود.
إلى الصحفيين والمؤسسات الصحفية والاعلامية
– ندعو الصحفيين والمؤسسات الصحفية والإعلامية إلى التمسك بقوة وثبات بقواعد وقيم الصحافة المهنية المستقلة لمكافحة انتشار الشائعات والتضليل الإعلامي، خاصة في وسائل التواصل الاجتماعي التي أضرت كثيرا جدا بنشر وتداول الأخبار والتحليلات بشكل جعل الصحافة المهنية من أكبر ضحايا هذه الحرب الكارثية الأمر الذي يتطلب من كل المؤسسات الصحفية والإعلامية والصحفيين والصحفيات الالتزام الصارم بالمعايير المهنية.
– إنّ تغييب الصحافة السودانية الوطنية، المهنية أفسح المجال لإعلام متحيّز ودعائي لملء الفراغ الصحفي والإعلامي، بتغطيات إعلامية متحيزة، ذات أجندات خارجية، تجعل من التغطية الإعلامية والصحفية للحرب الكارثية فى السودان، غير مكتملة، ومضللة، لا تعكس الواقع بصورة صادقة. هذا مما يدعونا للتشديد مجددا على ضرورة تقديم كل التسهيلات الممكنة للمؤسسات الصحفية السودانية للعودة للقيام بمهامها متمسكة بالمعايير المهنية الصارمة لوضع حد لفيضان التضليل الإعلامي والتشويش الذي يتعرض له السودانيين والامتناع عن ترويج أية أخبار مجهولة المصدر، التحقق بحرص ودقة عن صحة ما ينشر.
– أظهرت كارثة الحرب الحالية في السودان افتقار معظم صحافيينا ومؤسساتنا الصحفية لمهارات ووسائل وأدوات تغطية النزاعات المسلحة، مما يحتم عليها العمل بأقصى سرعة ممكنة على تنظيم دورات تدريبة مكثفة وعاجلة لتغطية النزاعات المسلحة وتوفير أدوات ووسائل ومعدات حماية الصحفيين أثناء تغطية الحروب. ويمكن للمنظمات المهنية للصحفيين أن تلعب دورا رئيسا في هذا الصدد بتوفير فرص التدريب والأجهزة والمعدات بالتعاون المنظمات الصحفية العالمية.
– على المؤسسات الإعلامية السودانية المهنية والصحفيين المساهمة في إنتاج خطاب إعلامي مهني مشترك مضاد لخطاب الكراهية والعنصرية.
إلى القوى المدنية السودانية:
– كفاعل أساسي في المجتمع المدني، يجب أن يحظى الإعلام، بأوفر نصيب من نشاط القوي السياسية ومنظمات المجتمع المدني وحيزا أكبر في برامجها وفي المطالبة بحمايته كحق إنساني أصيل، ولا يقتصر الجهد فقط بتذييل المطالبات بحق الإعلام، إنما بتبني قضية الإعلام الحر والمستقل كقضية تهم المجتمع المدني، وقواه السياسية وتتصدر أجندته وأولوياته.
– الضغط على طرفي الصراع للكف تماما عن التعرض للصحفيين والصحفيات خلال تغطياتهم الصحفية، وتحركاتهم الميدانية، لتغطية الأحداث على ارض الواقع، وتقديم كافة التسهيلات لهم/ن لإنجاز مهامهم/ن الصحفية، بحرية ودون تدخل أو مضايقة.
– ضرورة توفير الحماية للصحفيات من التعرض للعنف بكل أشكاله اللفظية والجنسية والجسدية والتنسيق مع الجهات الوطنية والدولية في مسالة التعافي والعمل على توفير كافة أشكال الدعم والمناصرة للصحافة وللصحفيين والصحفيات في السودان ومناطق تواجدهم/ن في دول الجوار والإقليم، وتوفير الحماية القانونية بهم/ن.
– التصدي لخطاب الكراهية والعنصرية الذي ، ازداد ضراوة مع الحرب وباتت تهدد وجود الدولة نفسها، على راس برامج وأجندة القوي السياسية، ومنظمات المجتمع المدني ولجان المقاومة، والعمل على معالجتها في تحركاتها وأنشطتها كأولوية، بالشراكة والتنسيق مع الصحافة والصحفيين ومؤسساتهم العاملة في هذا المجال، خلال هذه المرحلة، ومرحلة ما بعد الحرب. والمساهمة في إنتاج خطاب أعلامي مهني مشترك مضاد لخطاب الكراهية والعنصرية.
– على القوي السياسية السودانية ومنظمات المجتمع المدني ولجان المقاومة العمل وبشكل فوري في التفكير في مرحلة ما بعد الحرب، وصحافة ما بعد الحرب، و”صحافة السلام” ومطلوباتها، كما ينبغي في مجتمع ديمقراطي، والعمل – معا – على استرداد المسار الديمقراطي لبلادنا.
إلى المجتمع الدولي:
– الضغط على الأطراف المتحاربة لاحترام القانون الدولي الإنساني، وضمان حرية الصحفيين والصحفيات في القيام بعملهم/ن، وحقهم/ن في التغطية الصحفية بحرية ودون قيود أو رقابة.
– على المؤسسات الدولية والأُممية المعنية بسلامة وحماية الصحفيين التحقيق في الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين والصحفيات، والعاملين والعاملات، في وسائل الإعلام في السودان، والضغط لتقديم الجناة للعدالة.
– ندعو الاتحادات الصحفية والإعلامية بكافة دول العالم والمؤسسات الدولية المعنية بالصحافة وحريتها وحمايتها بالوقوف والتضامن مع الصحفيين والصحفيات في السودان، والعمل على تنفيذ كافة المطالب المضمنة في هذا البيان المشترك بما يضمن حرية الصحافة واستقلاليتها وسلامة وحماية العاملين والعاملات فيها.
– وتقديم العون للمؤسسات الصحفية السودانية لترقية قدراتها في مجال حماية وسلامة الصحفيين.
– البحث عن السبل والوسائل التي تضمن حماية وسلامة الصحفيين والصحفيات الذين ما زالوا يعملون فى السودان أو الذين فروا من مناطق الحرب، وتيسير حركتهم/ن داخل السودان والمعابر، ودول الجوار والإقليم، بما يمكنهم/ن من أداء مهامهم/ن الوظيفية. ضرورة توفير الحماية للصحفيات من التعرض للعنف القائم على النوع بكل أشكاله – لفظي وجنسي وجسدي – والتنسيق مع الجهات الوطنية والدولية في مسالة التعافي.
– التحضير لأعمال ومشاريع ما بعد الصراع في ظل الصعوبات الفنية والمالية التي تواجهها وسائل الإعلام السودانية في استئناف نشاطها، واستعجال تقديم كافة أشكال الدعم الفني والتقني، والمادي للصحافة، وللصحفيين والصحفيات بما يمكنهم/ن من ممارسة عملهم/ن وأداء رسالتهم بمهنية عالية وكفاءة، وفى أجواء صديقة للصحافة والصحفيين والصحفيات.
– المساهمة الفاعلة في تدريب وبناء ورفع قدرات الصحفيين والصحفيات والإعلاميين والإعلاميات على الكتابة المهنية فى أزمنة الحرب والسلام، وتكثيف التدريب فى محاربة خطاب الكراهية والعنصرية، وكافة أشكال التمييز القائمة على الجنس أو العرق أو الهوية أو الثقافة أو النوع الاجتماعي.
▪️صدر هذا البيان المشترك يوم الثلاثاء 15 أغسطس 2023
▪️المؤسسات الإعلامية والصحفية الموقعة على البيان المشترك
1- راديو وتلفزيون دبنقا – كمال الصادق – رئيس التحرير
2- نقابة الصحفيين السودانيين / عبد المنعم أبو إدريس – نقيب الصحفيين
3- صحفيون لحقوق الإنسان – جهر – السودان / فيصل الباقر – المنسق العام
4- شبكة اعلامات سودانيات – صباح محمد ادم
5- صحيفة سودان تربيون – محمد ناجي – رئيس التحرير
6- صحيفة الديمقراطي : الحاج وراق
7- صحيفة سودانايل : طارق الجزولي – رئيس التحرير
8- صحيفة الراكوبة – وليد الحسين – رئيس التحرير
9- مركز الأيام للدراسات الثقافية والتنمية – محجوب محمد صالح
10- مركز طيبة برس – محمد لطيف
11- المركز السوداني لخدمات البحوث والتدريب والتنميه – فيصل محمد صالح
12- صحيفة الجريدة – اشرف عبدالعزيز – رئيس التحرير
13- صحيفة التيار – عثمان ميرعني – رئيس التحرير
14- صحيفة التغيير – رشا عوض – رئيس التحرير
15- اذاعة هلا 96 – ياسر ابوشومال – مدير الاذاعة
16- مركز الالق للخدمات الصحفية – مديحة عبدالله
17- صحيفة وموقع دارفور 24 – آدم مهدي – رئيس التحرير
المصدر: صحيفة التغيير السودانية
كلمات دلالية: الصحفيين السودانيين انتهاكات حقوق الإنسان حرب الجيش والدعم السريع المؤسسات الصحفیة المجتمع المدنی رئیس التحریر حریة الصحافة الدعم السریع من المدنیین فی السودان کافة أشکال ما بعد
إقرأ أيضاً:
اقتصاد ما بعد الحرب في السودان: بين إعادة الإعمار واستمرار النهب
عمر سيد أحمد
O.sidahmed09@gmail.com
مارس 2025
مقدمة
تعد الحروب من أعنف المهددات للنمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي لأي دولة. ويُمثّل النزاع المسلح الذي اندلع في السودان منذ أبريل 2023 نموذجًا صارخًا لهذا الأثر المدمر. فخلال فترة زمنية قصيرة، دمّرت الحرب الأسس الاقتصادية للدولة، وشلّت القطاعات المنتجة، وأدت إلى نزوح الملايين، مما انعكس سلبًا على الناتج المحلي الإجمالي وقدرة الاقتصاد السوداني على التعافي.
تهدف هذه الورقة إلى استعراض الأثر الاقتصادي للحرب على أهم القطاعات المنتجة في السودان (الزراعة والصناعة)، وعلى البنية التحتية، وكذلك على الإنسان السوداني باعتباره العنصر الرئيسي للإنتاج، مدعومًا بأرقام وتقديرات حديثة.
بعد عامين من الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، يواجه السودان كارثة إنسانية واقتصادية غير مسبوقة، مع تدمير شبه كامل للبنية التحتية وانهيار مؤسسات الدولة.
تشير التقديرات إلى أن الخسائر المباشرة وغير المباشرة للحرب تجاوزت مئات المليارات من الدولارات، بينما يعيش أكثر من 60% من السكان تحت خط الفقر، ويهدد الجوع 26 مليون سوداني وفقًا لمنظمات الإغاثة. في هذا السياق، تبرز تحديات جسيمة لإعادة الإعمار، لكن الفرص لا تزال قائمة إذا توفرت الإرادة السياسية والموارد الكافية.
التكلفة الاقتصادية والإنسانية: دمار شامل
أولًا: أثر الحرب على القطاع الزراعي :يُعتبر القطاع الزراعي العمود الفقري للاقتصاد السوداني، إذ يشغّل نحو 80% من القوة العاملة ويُسهم بحوالي 32.7% من الناتج المحلي الإجمالي قبل الحرب. غير أن الحرب أدت إلى تدمير نحو 65% من النشاط الزراعي و نزوح واسع للمزارعين من مناطق الإنتاج و تعطل سلاسل الإمداد ونقص المدخلات الزراعية (الوقود، البذور، الأسمدة) و فقدان المواسم الزراعية في معظم مناطق الإنتاج.
نتيجة لذلك، شهد السودان أزمة غذائية حادة وارتفاعًا غير مسبوق في أسعار المواد الغذائية. و زيادة الاعتماد على المساعدات الخارجية.
ثانيًا: أثر الحرب على القطاع الصناعي: تم تدمير 75% من البنية الصناعية، خاصة في الخرطوم ومدن الإنتاج. و توقف أغلب المصانع عن العمل بسبب المعارك أو انعدام الأمن. ونزوح وهجرة العمالة الماهرة والفنيين. مما أدي الي انقطاع سلاسل الإمداد وارتفاع تكلفة الإنتاج. أدى هذا الانهيار إلى تراجع مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي وفقدان آلاف فرص العمل.
ثالثًا: أثر الحرب على البنية التحتية: أدي الي دمار واسع في الطرق والجسور الرئيسية. توقف شبكات الكهرباء والمياه والاتصالات في مناطق كثيرة. تدمير 50% من الطرق والجسور وشبكات المياه والكهرباء. وخروج 40-50% من المستشفيات عن الخدمة. وتعطيل جميع المشاريع التنموية الحكومية.
تُقدّر الخسائر المباشرة في البنية التحتية بـ 60 مليار دولار حتى نهاية 2023.** ومع استمرار الحرب خلال عام 2024 وحتي الوقت الحاضر والتدمير الذي شمل جسور جديدة وبنيات تحتية ومنشات جديدة في العاصمة ومدن اخري يعتقد ان التقديرات للخساير قد تضاعفت .
رابعًا: أثر الحرب على الإنسان السوداني : أدي استمرار الحرب الي نزوح أكثر من 12 مليون شخص داخليًا وخارجيًا. و تفشي معدلات الفقر.معر تدهور الصحة النفسية والجسدية لغالبية السكان وفقدان شريحة كبيرة من القوى المنتجة.
خامسًا: أثر الحرب على الناتج المحلي الإجمالي :انكماش الاقتصاد بنسبة **-18.3% في 2023. و تراجع الناتج المحلي الإجمالي إلى 43.91 مليار دولار خلال نفس العام و خسائر اقتصادية مباشرة تقدر بـ **15 مليار دولار في 2023.
التقديرات تشير إلى تجاوز إجمالي الخسائر المباشرة الي اكثر من 100 مليار دولار بنهاية 2024.
تعقيد تقديرات الخسائر وصعوبة تقدير تكلفة إعادة الإعمار
في ظل استمرار الحرب والتدمير المتواصل للبنية التحتية والقطاعات الإنتاجية، تصبح عملية تقدير الخسائر الاقتصادية مهمة بالغة الصعوبة. فالأضرار ليست ثابتة أو منتهية، بل تتزايد يوميًا مع استمرار المعارك واتساع نطاقها، وتفاقم النزوح، وتوقف الأنشطة الاقتصادية. كما أن انهيار مؤسسات الدولة وغياب البيانات الدقيقة يعيقان الوصول إلى أرقام موثوقة.
لذلك، تظل كل التقديرات المتداولة حول حجم الخسائر وتكاليف إعادة الإعمار تقريبية ومفتوحة على الزيادة، لأن واقع الحرب لا يسمح بوضع تقدير نهائي. كما أن تكلفة الإعمار لن تقتصر على إعادة بناء ما دُمِّر، بل ستشمل أيضًا معالجة الخسائر البشرية والمؤسساتية، وهي أعباء يصعب قياسها بالأرقام وحدها.
التحديات: عقبات في طريق الإعمار
الوضع السياسي الهش :
يستغل قادة الجيش السوداني عملية الإعمار لتعزيز هيمنته عبر شراكات مع شركات صينية، مثل اتفاقيات إعادة بناء الموانئ والطاقة النووية، و ما رشح في الإعلام غير الرسمي عن اتفاقيات وتفاهمات بعض وزراء حكومة الأمر الواقع مع فاعلين ومؤسسات في دول مجاورة عن مشاريع وشراكات واتفاقات مما يهدد الشفافية. كما ان غياب حكومة مدنية شرعية مستقلة قد يعيق تنفيذ إصلاحات مؤسسية ضرورية لاستقطاب التمويل الدولي.
نقص التمويل: تُقدَّر تكلفة الإعمار مئات المليارات دولار أضعاف خساير الحرب ، لكن السودان يعاني من ديون خارجية ضخمة، تضاعفت بسبب الحرب لويعتقد انها تجاوزت ما يفوق ال60 مليار دولار .كما ان المساعدات الدولية مشروطة بإصلاحات قد تزيد الأعباء على المواطنين، مثل خفض الدعم الحكومي.
الفساد وسوء الإدارة
تاريخ من "الاقتصاد السياسي" القائم على المحسوبية وتمكين نافذي الحزب الحاكم خلال العقود الثلاثة قبل الثورة عام 2019 وما شاب تلك الحقبة من فساد لم يسبق له مثيل في تاريخ السودان يهدد بتوجيه الموارد نحو النخب بدلًا من المشاريع التنموية.
الفرص: موارد ذاتية واستراتيجيات مبتكرة
حشد الموارد الذاتية
- يمتلك السودان ثروات طبيعية هائلة، مثل الذهب (إنتاج سنوي ~40 طنًا واحتياطيات تُقدَّر بـ1,000 طن)، والتي يمكن تعظيم عائداتها عبر مكافحة التهريب.
- الزراعة: إمكانية استعادة الإنتاج عبر مشاريع ري حديثة وتنمية المناطق المهمشة.
الشراكات الدولية والإقليمية
- يمكن للسودان الاستفادة من عضويته في المنظمات الإقليمية مثل الاتحاد الأفريقي لضمان دعم مالي وفني، مع التركيز على الشراكات مع دول مثل الإمارات ومصر.
- تجربة رواندا في جذب الاستثمار الأجنبي عبر تحسين بيئة الأعمال وتقديم حوافز ضريبية.
الإصلاح المؤسسي والمصالحة
- تحقيق العدالة الانتقالية ومحاسبة مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان لاستعادة ثقة المجتمع.
- إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس ديمقراطية، مع إشراك المجتمع المدني في صنع القرار.
دروس من تجارب دولية: إعادة الإعمار ليست مستحيلة
- رواندا: نجحت في تحقيق "المعجزة الاقتصادية" عبر المصالحة الوطنية والاستثمار في البنية التحتية الرقمية.
- كولومبيا: اعتمدت على الشراكات بين القطاعين العام والخاص لتمويل مشاريع البنية التحتية بعد انتهاء النزاع المسلح.
- العراق: حصل على مساعدات دولية ضخمة (~200 مليار دولار) لإعادة التأهيل، رغم التحديات الأمنية.
التحديات: عقبات في طريق الإعمار.
الوضع السياسي الهش
- يستغل الجيش السوداني عملية الإعمار لتعزيز هيمنته عبر شراكات مع شركات صينية، مثل اتفاقيات إعادة بناء الموانئ والطاقة النووية، وما رشح في الإعلام غير الرسمي عن تفاهمات واتفاقيات لبعض وزراء حكومة الأمر الواقع مع جهات خارجية في الدول المجاورة مما يهدد الشفافية. كما ان غياب حكومة مدنية مستقلة يعيق تنفيذ إصلاحات مؤسسية ضرورية لاستقطاب التمويل الدولي
نقص التمويل
تُقدَّر تكلفة الإعمار بمئات المليارات دولار اضعاف خسائر الحربيين الوقت الذي يعاني فيه السودان من ديون خارجية ضخمة، تضاعفت بسبب الحرب ويعتقد انها بلغت ما يفوق المأة مليار دولار .كما ان المساعدات الدولية مشروطة بإصلاحات اقتصادية قد تزيد الأعباء علي المواطنين مثل ان وجد وخاصة في خفض الدعم الحكومي وانعكاس ذلك علي المواطنين المنهكين بتوقف أعمالهم ونزوحهم وتشردهم بسب الحرب
-
الفساد وسوء الإدارة
- تاريخ من "الاقتصاد السياسي" القائم على المحسوبية والفساد المنتشر في ظل أنظمة شمولية قاهرة وغياب الشفافية يهدد بتوجيه الموارد نحو النخب بدلًا من المشاريع التنموية.
الفرص: موارد ذاتية واستراتيجيات مبتكرة
حشد الموارد الذاتية
- يمتلك السودان ثروات طبيعية هائلة، مثل الذهب (إنتاج سنوي ~40 طنًا واحتياطيات تُقدَّر بـ1,000 طن)، والتي يمكن تعظيم عائداتها عبر مكافحة التهريب..
- الزراعة: إمكانية استعادة الإنتاج عبر مشاريع ري حديثة وتنمية المناطق المهمشة
الشراكات الدولية والإقليمية
- يمكن للسودان الاستفادة من عضويته في المنظمات الإقليمية مثل الاتحاد الأفريقي لضمان دعم مالي وفني، مع التركيز على الشراكات مع دول مثل الإمارات ومصر. والاستفادة من تجربة رواندا في جذب الاستثمار الأجنبي عبر تحسين بيئة الأعمال وتقديم حوافز ضريبية
الإصلاح المؤسسي والمصالحة
- تحقيق العدالة الانتقالية ومحاسبة مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان لاستعادة ثقة المجتمع.
- إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس ديمقراطية، مع إشراك المجتمع المدني في صنع القرار.
دروس من تجارب دولية: إعادة الإعمار ليست مستحيلة:
- **رواندا**: نجحت في تحقيق "المعجزة الاقتصادية" عبر المصالحة الوطنية والاستثمار في البنية التحتية الرقمية.
- **كولومبيا**: اعتمدت على الشراكات بين القطاعين العام والخاص لتمويل مشاريع البنية التحتية بعد انتهاء النزاع المسلح.
- **العراق**: حصل على مساعدات دولية ضخمة (~200 مليار دولار) لإعادة التأهيل، رغم التحديات الأمنية.
الخاتمة: طريق طويل نحو الاستقرار
لقد دمّرت الحرب في السودان كافة ركائز الاقتصاد، من الزراعة إلى الصناعة والبنية التحتية، وأحدثت نزيفًا في رأس المال البشري لا يقل خطرًا عن الدمار المادي. **تُقدّر الخسائر المباشرة بأكثر من 100 مليار دولار**، بينما الخسائر غير المباشرة (البشرية والإنتاجية) يصعب قياسها.
إن تعافي الاقتصاد السوداني لن يكون ممكنًا دون:
1. وقف الحرب بشكل كامل
2. إطلاق برامج إعادة إعمار شاملة
3. استثمارات ضخمة في الإنسان قبل البنية التحتية.
4. تعزيز الشفافية وجذب استثمارات أجنبية ذكية
5. دعم دولي غير مشروط وحكومة مدنية قادرة على الإصلاح.
رغم التحديات، فإن إعادة إعمار السودان ممكنة عبر توظيف الموارد الذاتية وبناء سلام مستدام.
**عمر سيد أحمد**
*خبير مصرفي ومالي مستقل*
*Freelance Banking, Finance & Financial Consultant*
*Email: O.sidahmed09@gmail.com*
*Mob: +97150988121*