فاطمة عطفة (أبوظبي)
أعمال الروائية الكورية الجنوبية هان كانج الحائزة جائزة نوبل للآداب هذا العام، كانت موضوع أمسية «بحر الثقافة»، حيث دار النقاش حول رواية «النباتية».
أدارت جلسة النقاش الإعلامية مليكة أحمد قائلة: «جلستنا اليوم مختلفة قليلاً عن جلساتنا المعتادة، لأن المناقشة اليوم لن تقتصر على رواية واحدة، بل على أعمال أخرى للكاتبة هان كانج، وهي التي سبق لها أن فازت بجائزة «مان بوكر» في عام 2016، عن روايتها «النباتية».


وكانت الأكاديمية السويدية قد أشادت بأسلوب الكاتبة قائلة، إنها نالت جائزة نوبل عن «نثرها الشعري المكثف الذي يواجه الصدمات التاريخية، ويكشف هشاشة الحياة البشرية».
وأشارت الكاتبة مها أبوحليقة إلى «الكتاب الأبيض»، و«النباتية» من أهم أعمال هان كانج، وقالت: "لا أحتمل أن أعود إلى قراءة رواية «النباتية»، ولا خلاف على رهافة اللغة والأسلوب والوصف والتفاصيل وكثافة العبارات، إلا أنها رواية متعبة صادمة خادشة، وإن غاصت في عمق النفس البشرية والمجتمع الكوري، من خلال حلم قاد إلى أن تصبح بطلة القصة نباتية، حد التوحد مع النبات، وتكاد تتمثل الضوء والماء والغوص في عمق التربة. وكانت الخاتمة شاحبة ومفتوحة على مزيد من الحيرة، لكن رواية «الكتاب الأبيض» خفيفة، ذات طابع تأملي روحاني، وجداني، فلسفي. رواية بلا أحداث تقريباً ولا شخوص، كتاب أبيض بمعنى الكلمة، تظلله غمامة بيضاء وندف ثلج".

وتحدثت الروائية مريم الغفلي في مداخلتها عن رواية «النباتية» قائلة إنها فازت بجائزة مان بوكر الدولية 2016 عن استحقاق، وقد نوهت لجنة التحكيم بأن مبعث فوزها هو في أنها نجحت في إظهار التلاحم الطريف بين الجمال والرعب عبر قصة مركزة ودقيقة ومروعة، تروي مأساة امرأة تحولت إلى نباتية بين يوم وليلة دون أي مسوغات، سوى الكابوس الذي نبش حلماً من أحلامها في إحدى الليالي، ليحيل حياتها وحياة كل من حولها إلى جحيم. الرواية في المجمل ممتازة ومتفردة، والتفرد جاء من موضوعها، وفيها إسقاط عميق على حق المرأة في بعض المجتمعات.
وقدمت الروائية آن الصافي دراسة مطولة عن رواية «النباتية» قائلة: "إنها نص روائي يثير الكثير من الأسئلة حول طبيعة الوجود الإنساني، وتأثير المجتمع على الفرد، وقضية الحرية الشخصية، من خلال رحلة تحول البطلة يونغ هاي".
وأوضحت الصافي أن الكاتبة تنفرد بتقديم القصة من ثلاث زوايا مختلفة، ما يضفي على الأحداث بعداً أعمق ويتيح للقارئ فهم الأثر المتبادل بين الشخصيات بشكل أكثر تعقيداً. وهذه البنية ليست مجرد تقنية سردية، بل هي رؤية مستقبلية تعكس كيف يمكن أن تساهم التعددية في إثراء فهمنا للحكاية، وتركز على موضوعات كالعزلة، والتمرد، والتحرر الذاتي، ما يعطيها طابعاً مستقبلياً يتناسب مع أفكار الكتابة للمستقبل في عصر تتزايد فيه العزلة بسبب التطور التكنولوجي والاجتماعي.

المصدر: صحيفة الاتحاد

كلمات دلالية: بحر الثقافة أمسية أدبية الكاتبة هان كانج هان کانج

إقرأ أيضاً:

رواية نجوم ورفاقها لصالح أبو أصبع.. الذاكرة المستعادة والبحث عن الخلاص

يستأنف الأديب الدكتور صالح أبو أصبع (مواليد سلمة، يافا، 1946) في روايته الجديدة (نجوم ورفاقها) تجربته القصصية والسردية التي بدأها منذ منتصف ستينيات القرن العشرين أثناء دراسته في القاهرة، واجتهد طوال السنين في توسيعها وتعميقها من خلال مجموعاته القصصية التي حرص على نشرها خلال العقود الخمسة السابقة، وهي المجموعات الآتية:

عراة على ضفة النهر، القاهرة، مطبعة المعرفة، 1972. محاكمة مديد القامة، بيروت، دار القدس، 1975. أميرة الماء، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1978. وجوه تعرف الحب، قبرص، دار الملتقى، 1992. قصص بلون الحب: أربع مجموعات قصصية (الأعمال القصصية)، عمان، 2001. دعوة عشاء وقصص أخرى، كتاب (دبي الثقافية)، 2016. في ظلال القضية الفلسطينية

وتأتي الرواية القصيرة التي تحمل عنوان (نجوم ورفاقها) المنشورة حديثا عن (دار أزمنة) في عمّان، في سياق هذه التجربة السردية المتميزة، وتبدو -لمن يعرف عالم القصة القصيرة عند صالح أبو أصبع- استئنافا وتوسيعا لكثير من الخيوط والفجوات التي تضمنها عالمه القصصي في مجموعاته القصصية التي أشرنا إليها، فهو ابتداء لم يبتعد عن تلك المنطقة الأثيرة التي اهتمت بها معظم قصصه.

وأعني الكتابة في ظلال القضية الفلسطينية وتجربة المقاومة بوصفها السبيل المتاح أمام الإنسان الفلسطيني لاستعادة وطنه، والمحافظة على هويته في طريق الصراع الطويل، ومعنى ذلك أن الكتابة الأدبية عند صالح أبو أصبع تكافئ التعبير عن فقدان الوطن، والاحتفاظ بفلسطين هوية ووجودا من خلال الذاكرة واللغة.

إعلان

ذلك أن الكتابة في مثل هذا الحال ضرب من التثبيت والأرشفة في مواجهة محاولات المحو والإزاحة، كما أنها تتخذ وظيفة المرآة التي يرى المرء فيها جانبا من ذاته، أو مما فقده، إلى جانب السعي إلى استعادته أو الاحتفاظ به ولو من خلال اللغة الأدبية التي تسمح بتمثيل الفردوس المفقود، مثلما تسمح للضحايا أن يُسمِعوا صوتهم للآخرين، ويرووا حكايتهم أمام محاولات الإسكات والتغييب.

رواية (نجوم ورفاقها) أقرب إلى "النوفيلا"، حيث تمزج بين تكثيف القصة القصيرة وبناء الرواية عبر فصول موجزة مترابطة (شترستوك) جماليات "النوفيلا"

تثير هذه الرواية مسألة أجناسيّة مما يتمثل في تحديد الجنس الأدبي الذي تنتمي إليه، وبالرغم من تجنيسها (وفق الغلاف) ضمن جنس (الرواية) فإننا نراها أقرب إلى جنس مجاوِر هو "النوفيلا" أو "الرواية القصيرة".

وهو جنس يقع في المنطقة التي تتوسط "القصة القصيرة" و"الرواية" ويختلف عن الجنسين المجاورين في عدة أمور، مثلما يرتبط معهما في الوقت نفسه، ذلك أن طول الشريط اللغوي مقارنة بالقصة القصيرة يخلّف آثارا على طريقة البناء واللغة السردية والتعامل مع مختلف العناصر المكوّنة للعمل السردي.

وكذلك فإن كثافة التعبير وقِصَر الشريط اللغوي مقارنة بالشكل المألوف للرواية يخلّف من جهة أخرى تأثيرات تؤدّي إلى التخلص من سمات الرواية التي تتيح الاستطراد والتوسّع والتفصيل، لصالح الكثافة والاجتزاء والاختصار مما يبدو أقرب إلى سمات القصة القصيرة.

رواية "نجوم ورفاقها" يحسُن أن تُقرأ بوصفها "رواية قصيرة" تقارب عالمها بتقنيات قصصية مكثفة ومختزلة كأنها قادمة من عالم القصة القصيرة، وهذه ظاهرة وجدناها في كثير من الروايات التي كتبها مبدعون لهم خبرة طويلة بفن القصة القصيرة، فتجد أنهم يميلون إلى الكثافة لا إلى الاستطراد والتوسع، وإلى التركيز والمعنى المختزل لا إلى الإطالة والتشتيت.

إعلان

ويمكن ملاحظة بعض ما نشير إليه في تصميم الفصول القصيرة وفي تجزئة مادة الرواية باقتضاب بين هذه الفصول، فالوحدة المكثفة من هذا النوع هي وحدة قصصية لا تسمح بالإطالة والتفصيل، وهو بناء معروف من أبنية الرواية القصيرة ذات الفصول والوحدات المترابطة.

تحكي الرواية قصة الراوي أحمد السلماوي في رواية إطارية تجسد ثورة الفلسطينيين وشخصياتها (مولدة بالذكاء الاصطناعي-الجزيرة) رواية الشخصية الإنسانية

يمكن وصف هذه النوفيلا بأنها ضرب من رواية الشخصية، ذلك أنها تركّز على الشخصيات وتتخذ منها مفاتيح أساسية للقول السردي، بدءا من الراوي (أحمد السلماوي) الذي يمثل شخصية كاتب وصحفي، وهو أيضا المؤلّف الضمني للرواية، إذ يتولى مهمة السرد عن نفسه وعن بقية الشخصيات في معظم الأحيان.

فهو إلى حدّ كبير قناع المؤلف الحقيقي أو الوسيط والصوت الفني الذي يَعهَد إليه بالسرد نيابة عنه، وتتيح له طبيعته الفنية وقربه من الشخصيات والأحداث المروية أن يقدمها من منظوره ويختار منها ما يلائم الأسلوب المكثف الذي مالت إليه الرواية، أي أنه لا يروي كل ما يعرف وإنما يختار ما يراه كافيا لإقامة بناء الرواية وإيصال الرسالة التي يعبر عنها.

وإذا انطلقنا من كشاف المحتويات فسنجد أن الرواية تميل إلى النظام الإطاري، من خلال وجود "مدخل: توضيح لا بد منه" و"خاتمة: كلمة الراوي الأخيرة" وهذان الإطاران (إطار الافتتاح وإطار الختام) من حصة "أحمد السلماوي" يضاف إليهما 3 فصول من الفصول الخمسة عشر (الأول، التاسع، الخامس عشر) وإلى جانب هذا الحضور المكثف فإن السلماوي لا يغيب عن بقية الفصول حتى لو سميت بأسماء شخصيات أخرى.

فهو يحضر فيها جميعا، بصفته شخصية مشاركة وبصفته راويا ومؤلفا ضمنيا من مهمته تنسيق الأحداث واختيار ما يلائم منها وفق المنظور الذي اختاره لبناء الرواية وتوجيهها.

إعلان

فهو إذن أبرز الشخصيات من ناحية الحضور الكمي والنوعي ومن ناحية الدور الفني أيضا، حتى لو لم يكن له ذلك الدور الموسع من ناحية السيطرة على الأحداث.

تحمل بقية الفصول أسماء شخصيات الرواية التي يقدم الراوي/الكاتب أحمد السلماوي أطرافا من حكاياتها، وهي شخصيات متنوعة تمثل كل واحدة منها نمطا من الأنماط، ويمكننا عبر تحليلها معرفة بعض مرامي الرواية ومنظور مؤلفها الحقيقي المتخفّي وراء شخصية أحمد السلماوي.

وقد حضرت شخصية امرأة تحمل اسم "نجوم" على نحو كثيف نسبيا، وقد منحها حضورها في عنوان الرواية تمييزا وتفريدا عن بقية الشخصيات، ذلك أن عتبة العنوان أهم العتبات وأكثرها لفتا للانتباه.

كما حضرت في فصلين داخل الرواية سُمّيا باسمها، هما الفصل الأول والفصل الحادي عشر، وظل لها حضورها في بقية الفصول من خلال قوة ارتباطها بأحمد السلماوي، الراوي والمؤلف الضمني واتصالها بمعظم الشخصيات الأخرى.

وهناك شخصيتان هما "أسامة" "وعبد الغافر عمران" لهما حضور مكثّف من خلال دلالة الفصول، فقد جاء اسم كل واحد منهما عنوانا لفصلين من الفصول الخمسة عشر، وأما بقية الشخصيات فكان نصيبها فصلا واحدا (ريما، ليزا، أم محمد، زهراء، هاني، جورج الراعي).

وهناك شخصيات أخرى في الرواية لم يجر تسمية فصول باسمها ولكنها حاضرة في ثنايا السرد منها: شخصية الشهيد خالد الرماد، الذي ورد محكيا عنه في أكثر من موقف، وتبيّنت صلته تدريجيا ببقية الشخصيات.

وكذلك شخصية الصحفيين الأجنبيين اللذين تعرّف إليهما أحمد السلماوي عندما دعته "نجوم" لمقابلتهما في إطار التواصل مع الكتاب والصحفيين الأجانب الذين كانوا يتصلون بالثورة الفلسطينية وقياداتها ومؤسساتها.

 

الرواية والأنواع المتخللة

من طبيعة الرواية انفتاحها على الأنواع الأخرى وإمكانية أن تستوعب في نسيجها أنواعا متخللة، وقد لجأ المؤلف إلى تضمين الرواية رسالة طويلة نسبية من صديق الراوي (علي عشري) من مصر، لتمثل هذه الرسالة نموذجا مهما على تداخل الرواية مع الرسالة، وكيفية إدماجها في النسيج الروائي. وإلى جانب الرسالة وظف المؤلف قصيدة شعرية في موقع آخر، أيضا جاءت على قدر من الطول بحيث احتلت مساحة واضحة وأدت دورا ضمن بناء الرواية.

إعلان

وهناك أيضا ما يمكن تسميته بالحكايات الفرعية التي ترد فيما يقرب من استطراد بعض الشخصيات في الانتقال من تجربتها إلى تجارب أخرى أثّرت فيها، فتندفع لتحكيها أو تسردها، مما يكشف عن بعض الإمكانات السردية التي تقتضي أن تنشَدّ هذه الأنواع وتلك الحكايات إلى البنية العامة ولا تبعد عنها بل تمضي في خدمة الصورة العامة للرواية.

هذه الرواية بتركيزها على الشخصيات النسوية تؤكد حضور المرأة في السياق الثوري والواقعي الفلسطيني (مولدة بالذكاء الاصطناعي-الجزيرة) دور المرأة

برز الاهتمام بدور المرأة من خلال عدة شخصيات، في مقدمتها شخصية "نجوم" مديرة مدرسة الأشبال وأبناء الشهداء، تلك التي جدد الراوي التواصل معها بعدما تبين أنها رفيقة طفولته منذ زمن بعيد، وانتهى الأمر بزواجه منها في نهاية الرواية.

وهناك أيضا "ريما" التي ظهرت أول الأمر مدرّسة في مدرسة الأشبال، ولكنها غيرت طريقها فشاركت في عملية داخل الوطن المحتل، واستشهدت بعد أسرها، تاركة ذكريات حاضرة في قلوب من عرفوها.

وهناك أيضا زهراء وأم محمد، وكلهن يمثلن نساء فلسطين في نضالهن وفي مشاركتهن. وتقترب شخصية "أم محمد" من شخصية "أم سعد" في رواية غسان كنفاني المعروفة، فهي مثلها سيدة بسيطة في ظاهرها ولكنها شخصية غير هينة كما ترسمها الكتابة، إذ تضحّي دون حساب، وتقدم أبناءها بصبر وثبات في طريق التحرر.

كما أنها تتردد على الراوي وتساعده في أعمال بيته ويدير معها حوارات تتظاهر بالعفوية ولكنها تكشف عن عمق الأم الفلسطينية وعطائها اللامحدود، تشقى في سبيل لقمة العيش، وتصر على الإقامة في المخيم، تخرج منه لشؤون العمل ولكنها تؤوب إليه لأنه يجمع معارفها وجيرانها وأهلها، ويذكّرها بفلسطين وبعموم شعبها المشرد.

ولعل هذه الرواية بتركيزها على هذه الشخصيات النسوية تؤكد حضور المرأة في السياق الثوري والواقعي الفلسطيني، وتسمح للقارئ بأن يتساءل معها عن إسهام الثورة في تحرير المرأة من سياقها الاجتماعي المستبد. وهناك عدة مقاربات بحثية وأدبية لهذه المسألة، يمكن أن نعد مساهمة هذه الرواية واحدة منها.

إعلان قضية الهوية

وفي تفصيل من تفاصيلها تقدم الرواية مقاربة لمسألة الهوية والجنسية، ذلك أن إحدى شخصياتها وهو "جورج الراعي" يمثل شخصية شاب فلسطيني مسيحي من الناصرة أصلا، ولكنه تجنس بالجنسية اللبنانية، ضمن ما أتيح للمسيحيين الفلسطينيين، في سياق صراع المكونات اللبنانية.

قاربت الرواية مسألة الهوية والجنسية من خلال هذه الشخصية، عبر انخراط الشاب في العمل من خلال التنظيم الفلسطيني الذي يقوده، ومع تقدير الفلسطيني لجنسيات الدول التي اضطر إلى حملها في طريق الهجرة ولواحقها فإن تلك الجنسية لا تسقط حقه الوطني وحقه في النضال والعودة.

الجنسية يمكنك التخلي عنها وهي تتعلق بأوراق وإثباتات مفيدة في الحياة العملية المعاصرة، ولكنها ليست مساوية أو بديلا عن الهوية حتى لو كانت مفقودة أو مهددة مثل الهوية الفلسطينية.

تجارب أجيال

تعرض الرواية تجربة أكثر من جيل، جيل الآباء والأمهات قبل النكبة، وجيل ثان يمثل أبناء النكبة الذين شهدوا أحداثها أطفالا أو فتيانا، ثم جيل ما بعد النكبة الذي ولد في مخيمات اللجوء.

هذه الأجيال تتوارث تجاربها، وترى في احتلال وطنها وتهجيرها أساس مشكلتها وتحديها، وهي في كل ما تفعله مهما يكن عملها وتجربتها ومهنتها تعمل لتغيير واقع الاحتلال، بل إن "ريما" مثلًا (وهي أنموذج معبّر) تختار أن تترك التعليم في مدرسة الأشبال وأبناء الشهداء وتشارك مشاركة مباشرة في إحدى العمليات داخل الوطن المحتل، وتستشهد برضا مفضلة هذه النهاية وهي في شبابها وأمامها خيارات متعددة للنضال والمواجهة.

اختار المؤلف مجموعة من الشخصيات المتنوعة التي تمثل حلقة من حلقات تلك التجربة الفلسطينية التي احتكمت إلى الظروف التاريخية والجغرافية المحيطة بها آنذاك، وروى جانبا حيويا من تجاربهم وتطلعاتهم من خلال صوت الراوي (أحمد السلماوي) الذي يحدد في بدء الرواية منظوره وما سيرويه ويختاره:

"أنا أحمد السلماوي، أروي لكم حكاية بعض الذين التقوا في مخيمات اللجوء الفلسطينية في لبنان في سبعينيات القرن الماضي وتنتهي أول الثمانينيات عند الاجتياح الإسرائيلي للبنان".

يحكي الراوي هذه الحكاية بعد عقود من انتهائها وشتات أبطالها وشخصياتها لتكون الكتابة شاهدا على عطاء هذه الشخصيات وعلى ما قدمته في مسيرتها النضالية، وعلى تطلعاتها التي انكسرت ولم تتحقق تماما كما أرادت وحلمت، فقد انتهى ذلك بشتات جديد عاشته تلك الشخصيات بعد الخروج من بيروت.

تمكن صالح أبو أصبع في هذه الرواية من منح كل شخصية مأساتها وفقدانها الخاص، لينسج من خلال ذلك شعورا جمعيا بالفقد يمتد ليشمل الجماعة الفلسطينية بأكملها (الجزيرة) هموم فلسطينية

قدمت الرواية إضاءات مركزة على عدد من الهواجس المهمة التي صاحبت الأدب المرتبط بفلسطين، وفي مقدمتها مسألة جدل الحياة والموت، وحضور الاستشهاد والتضحية في سبيل تحقيق حياة أفضل للأجيال القادمة، فمعظم الشخصيات تحتفظ بتجارب قاسية تتصل بما شهدته أثناء احتلال فلسطين في نكبة عام 1948، منها فقد الآباء والأمهات والأهل بصورة مؤلمة، ومنها فقد الأبناء في مسيرة المقاومة والقصف الإسرائيلي على المخيمات.

إعلان

مما جعل الموت قريبا متداخلا مع الحياة، وإحدى شخصيات الرواية (نجوم الفاروقي) مثلت شخصية مديرة لمدرسة الأشبال من الأيتام وأبناء الشهداء، إلى جانب ما عاشته وعاشه معها الراوي أحمد السلماوي إبان احتلال قريتهما قبل راهن الرواية بسنوات.

ما من شخصية من شخصيات الرواية إلا ولها مأساتها الخاصة، وفقدها الخاص، حتى غدا هذا الفقد عاما يشمل الجماعة الفلسطينية بأسرها، نتج عنه هذا الوعي بمبدأ الموت من أجل الحياة، وأنك إذا لم تذهب إلى الموت/الاستشهاد فإنه سوف يأتي إليك، وكما تقول أم محمد، العاملة في مدرسة الشهداء التي فقدت زوجها وأبناءها شهداء وظلت متماسكة صامدة:

"إذا لم نضحّ نحن فمن يضحي؟ نحن مثل الشجرة كلما قلّمتها ازدادت نموا وقوة".

تبدو معظم هذه الشخصيات مسكونة بالذاكرة المتألمة المرتبطة بالنكبة، فكأن حياة الفلسطيني بأسرها وبكل أجيالها هي ردّ على ذلك الحدث القاسي، وفي حوارات الشخصيات وأحاديثها يحضر الماضي دوما إلى جانب الحاضر ويرسمان معا آفاق مستقبل غائم يشبه الحلم أكثر مما يبدو واقعيا أو ممكنا.

وليس من حلم لدى مثل هذه الشخصيات أكثر من التحرر وتحقيق أمل العودة إلى الوطن الذي انتزعت منه، أو انتزع جيل آبائها. وكل ما تقوم به هو الاستجابة الطبيعية للتهجير والشتات وما صاحبه من الترويع والقتل والإبادة.

تمثل الرواية بمجملها حلقة من حلقات تجربة الجماعة الفلسطينية في شتاتها وصمودها ومقاومتها للذوبان والضياع، ولذلك تطرح مشكلة الهوية وما تعرضت له من محاولات المحو والتغييب، وتدعو إلى الحفاظ عليها بكل صورها الموروثة وبضرورة نقلها إلى الأجيال الجديدة.

مما يبدو في مناهج التعليم التي طبقتها مدرسة الأشبال وأبناء الشهداء، ومما يبدو في حوارات الشخصيات وأحاديثها وتبادلها للخبرات والذكريات التي لا تبعد عن مكونات هذه الهوية وكيفية الحفاظ عليها وتناقلها بالقول والفعل، بالسلم أو الحرب.

إعلان

وبالرغم من شتات الشخصيات في نهاية الرواية فقد أبقى الراوي في خاتمته النهاية مفتوحة على الاحتمالات، فلقد انطوت مرحلة من المراحل، وجولة من الجولات.

ولكن الصراع سيظل مفتوحا باقيا حتى يحقق الشعب الفلسطيني حريته وحقه في الوجود العادل على أرضه التي انتزع منها في واحدة من أقسى تجارب الشتات الجماعي في التاريخ الإنساني بأسره.

مقالات مشابهة

  • أكثر من 24 ألف زيارة تفتيشية على مشروعات الثروة النباتية والحيوانية
  • رواية نجوم ورفاقها لصالح أبو أصبع.. الذاكرة المستعادة والبحث عن الخلاص
  • إنها المباراة!
  • محافظ بني سويف يناقش رفع كفاءة وصلة طريق كفر أبجيج بالواسطى
  • وزير الاستثمار يناقش مع سامسونج خططها التوسعية في مصر.. تفاصيل
  • النواب يناقش مخصصات قطاع الصحة في الموازنة العامة
  • فيفي عبده: أنا مخدتش دور فريدة سيف النصر ونهاية العتاولة هتكون مفاجأة
  • الانتصار: هل يُعيد تشكيل الوعي لمستقبل واعد، أم مجرد فصل جديد في رواية لم يتغير سياقها؟
  • إصدار رواية شمشون وتفاحة للكاتب أمير تاج السر
  • مؤتمر يناقش دور المرأة في التأثير المجتمعي