خطاؤون.. لكنّا لسنا مُكابرين .. محاكم السرديات .. مشانق الحقيقة
تاريخ النشر: 7th, November 2024 GMT
ناجي شريف بابكر
نوفمبر ٢٠٢٤
إحدى التحديات التي تجابهنا في سعينا للمعرفة والإستنارة والإطلاع هي عملية الإسقاط التي يلجأ إليها بعضنا من القراء أو النقاد في محاكمة الأفكار والآراء المطروحة في السرديات التي تصادفنا. وذلك من خلال النبش في السيرة الذاتية للكتاب أو في مجمل أعمالهم والنصوص المسنودة لهم في مواقع وأوقات مختلفة، كمحاولة لإفساد الرسالة التي تستهدفها السردية
شئ أشبه ما يكون بمحاولة النظر إلى العالم من خلال ثقب إبرة، أو حينما تفلح القذاة في عينينا أن تجبر ضوء الشمس أن يتوارى ويضمحل.
كون أن كارل ماركس قد قال ذات يوم "أن الدين أفيون الشعوب" فإن تلك العبارة لوحدها، رغم ما عليها من المآخذ، ربما لا تكون كافية لأن نلقي بأبحاث أكاديمية عملاقة إستغرقت أربعين عاما في حياة الرجل حوتها أربعة مجلدات ضخمة لا يقل أحدها عن الألف صفحة من القطع المتوسط.. تطرقت لإشكالات مفاهيمية تتحكم في تقاسم الموارد والثروات الطبيعية.. وعن إشكالات الإقتصاد الرأسمالي وجحوده في تقاسم الفوائض والدخول، وعن مآلات ذلك الجحود كنقاط ضعف عملت ككرة الجليد لتساهم في إحداث التآكل الذاتي وزوابع التصحيح التي تعد اليوم مصدرا رئيسيا لمعظم النزاعات والثورات الإجتماعية العنيفة التي ظلت تكتنف العالم كل حين.. أن نلق بها رغم كل ذلك الجهد المبذول فيها إلى سلة المهملات.
لم تفلح الخصومة الفكرية والمصالح، ان تقف حجابا أمام مُنظّر رأسماليّ قُح كجون ماينارد كينز في أن يتعاطى بالجدية والأمانة الأكاديمية الكافية مع الأطروحة الماركسية ليقرأ من خلالها الواقع، أن يبني لعشيرته فُلكا من الإصلاحات أفلح أن ينقذ بها الرأسمالية من عطبٍ كاد يفنيها، أيام الركود الإقتصادي العظيم "ذا غريت ديبريشن" مرة في بواكير الحرب الثانية ومرة أخرى في العقد قبل الأخير من القرن الماضي.. ان ينقذها من أن تقع ضحية الأبوكليبس أو "قيامة الراسمالية" التي تنبأت بها الفرضية الماركسية. تمثّل ذلك في أن يتبني إصلاحات جبارة على الميركانتايل أو الكلاسيكال ليزيه فير إكونوميكس، شملت التدخل بإنعاش الطلب وقسمة الدخل والموارد ذلك عبر الإنفاق العام. تمخضت تلك الإصلاحات آخر الأمر عن ميلاد "دولة الرفاهية" أو الويلفير ستيت.. حتى عمّده المدونون "بالرجل الذي أنقذ الرأسمالية من نفسها"¹.
ليس ضروريا ان نُحاكم الآراء والأفكار من خلال اللجوء لمواضع الضعف والقصور لدى كُتّابها.. كون أن أحدهم قد مات مخمورا، أو أن أحدهم قد أدمن التدخين لدرجة أتلفت رئتيه وربما وضعت حدا لحياته، فسيظل من واجبه ما استطاع أن يكتب كواعظ ليبين للأحياء جسامة المخاطر التي قد يحدثها التدخين في صحتهم وسلامتهم.. لا يكفينا أن يقوم أحد النقاد بالتجريح في شخص المدون أن كيف يحذركم من التدخين بينما هو غارق فيه حتى الأذنين.. إن مثل هذا النقد والتنكيل لا يغني عن الحق شيئا.. وأن الولوج للحياة الشخصية للمدونين والكتاب، سوف لن تغنينا عن واجبنا ومسئوليتنا في التنقيب عن الحقائق والعبر والظفر بها ايا كان قائلها.. كالتنقيب عن اللآلي في جوف البحار وظلماتها.. وكما تُخرج حكمة الله جلت قدرته، الحليب ما بين فرث ودم.. أو كما قال أحد النقاد في مواجهة ما عرف بأدب العبث أو اللامعقول الذي راج في بواكير القرن المنصرم.. "لماذا يكون لزاما على كاتبٍ كدي إتش لورانس ان يحمل قراءه لمرافقة شخصيات رواياته حتى دورات المياه؟!".
أن نعرف الحق وأن نتعقبه في النصوص والسرديات أولى لنا الف مرة من ان نغرق في سيرة الناس وحيواتهم الخاصة، ونتنكب موالج عوراتهم ومثالبهم.. أن نتعامل مع النصوص والسرديات بصفة محايدة ليس تجاه مدونيها وكتابها فحسب، بل حتى تجاه انفسنا نحن.. فما الذي يمنعني أن أناصر نصا أو سردية أجدها تطابق الحق في منظوري.. على الرغم من أنها نفسها تناقض مصالحي الإقتصادية أو السياسية.. ما الدافع الذي يجبرنا أن نخلط فيمابين شهادتنا بالحق وإقرارنا به وبين ما نرتكبه من الحماقات والآثام في كسبنا على الصعيد السياسي أو الإقتصادي.. فكل إنسان خطاء.. وان خير الخطائين التوابين..
لماذا نسعى، بل من أين تواتينا الجرأة في أن ننتقل من خانة الخطأ لخانة المكابرة.. أن نتعالى على الحق ونتجاهله، فأن التعالي على الحق مكابرة واستكبار، وإن الإستكبار بمثابة منازعة للخالق في جبروته وسلطانه.. أفلا تعقلون؟!
إرتكبوا ما شئتم من الآثام واستغفروا الله عليها.. وتوبوا لكن حاولوا ما وسعكم ان تجنبوا أنفسكم أن تتنكروا للوقائع والإفادات المناصرة للحقائق.. لا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون.. سعيا لمناصرة خيارات ومسارات سياسية أو إقتصادية سبق لكم ان طرقتموها.. أسلكوا ما شئتم من المتاهات والمفاوز، دون أن تورطوا انفسكم في المكابرة.. إني لكم من الناصحين.
Email: nagibabiker@gmail.com
المصدر: سودانايل
كلمات دلالية: من خلال
إقرأ أيضاً:
فيديو استغاثة عدد من أبناء خريجي دور الرعاية في بورسعيد.. «التضامن» تكشف الحقيقة
أكدت وزارة التضامن الاجتماعي أن الفيديو المتداول على مواقع التواصل الاجتماعي لأحد المواقع الإلكترونية، والذي يتضمن استغاثة عدد من أبناء خريجي دور الرعاية بمحافظة بورسعيد، أن الأبناء المذكورين بالفيديو يبلغ عددهم 9 أبناء من خريجي دور الرعاية ويبلغون من العمر ما بين 23 عاما و24 عاما.
وقام الأبناء بالخروج من الدار بناء على رغبتهم في الاستقلال والاعتماد على النفس، وأخذوا كافة مستحقاتهم المالية من الدار، كما قامت الدار بالوقوف بجانبهم فى تأجير مسكن آخر ودفع المقدم و3 أشهر إيجار مساعدة منها للأبناء، ولكن الأبناء افتعلوا بعض المشاكل مع صاحب العقار، مما أدى إلى تركهم المسكن وتم استئجار مسكن آخر.
أما فيما يتعلق بتخصيص وحدات سكنية من الوزارة للأبناء، فقد تم التعاقد من قبل الوزارة على شراء 9 وحدات سكنية من صندوق الإسكان الاجتماعي ودعم التمويل العقاري ضمن مشروع تخصيص وحدات سكنية للأبناء كريمي النسب خريجي دور الرعاية بالمرحلة الأولى، وبالفعل خصص صندوق الإسكان الاجتماعي 9 وحدات سكنية بمدينة بورفؤاد - بورسعيد إلا أنه لم يتم استلام هذه الوحدات وجار العمل على استلامها.
وتوضح الوزارة أن الأبناء المذكورين في الفيديو المشار إليه غير مدرجين في المرحلة الأولى لمشروع الإسكان المخصص للأبناء من خريجي دور الرعاية، وتم إدراجهم على قوائم المستفيدين من الوحدات السكنية بالمرحلة الثانية الجاري شراء وحدات سكنية لها.
وفيما تضمنه الفيديو بوجود أحد الأبناء من خريجي الدار تم سجنه، فتفيد الوزارة بأن الابن تخرج من الدار في عام 2023 بعد قيامه بأخذ كافة مستحقاته المالية بناء على رغبته في الاستقلال ويبلغ من العمر 23 عاما، هذا وقد اتهم الابن بالاتجار في المخدرات وتم حبسه على أثر ذلك بتاريخ 15 مايو 2023 وقد خرج بتاريخ 25 يناير 2024، إلا أنه قد تم حبسه مرة أخرى بتهمة الاتجار في المخدرات وقد خرج بكفالة على ذمة القضية بتاريخ 31 مارس 2025، وبهذا لا ينطبق على الابن الشروط الخاصة بالاسكان المخصص لخريجي دور الرعاية.
وفيما يتعلق بالشخص المتحدث بالفيديو والذي أفاد بأنه يتابع الأبناء من صغرهم، فهذا الشخص
كان قد كفل أحد الأبناء كأسرة بديلة كافلة إلا أنه بعد إتمام الابن 12 عاما قام هذا الشخص بإعادة الابن للدار مرة أخرى نظرا لإنجابه بنات بيولوجيين.
هذا وتتابع وزارة التضامن الاجتماعي بشكل مستمر كافة أبناء دور الرعاية في كافة مراحلهم العمرية، وتعمل على تقديم ما في المصلحة الفضلى للأبناء وتوفير الرعاية لهم، حيث قامت الوزارة بتسليم عدد 864 وحدة سكنية لعدد 864 ابن وابنة ضمن المرحلة الأولي من مشروع الوحدات السكنية المخصصة لأبنائنا من خريجي دور الرعاية الاجتماعية وجار العمل على توفير المزيد من الوحدات السكنية للأبناء والفتيات.