هذه الإصلاحات العسكرية الثمانية التي غير بها محمد صلى الله عليه وسلم العسكرية العربية وغير بها مجرى التاريخ  يوجزها جابرييل فيما يلي:

1 ـ التغيير الاجتماعي:

"غير محمد {صلى الله عليه وسلم} التركيبة الاجتماعية للجيوش العربية من تجمعات عشائرية وقبائلية موالين لأنفسهم فقط إلى جيش وطني موال لكيان مجتمعي يسمى الأمة.

سبق هذا التغيير في الجيش تغيير في التكوين الاجتماعي للمجتمع العربي".

2 ـ وحدة القيادة:

"كان العرب قبل محمد {صلى الله عليه وسلم} يقاتلون تحت إمرة قادة عشائرهم وقبائلهم لمصالح قبلية ضيقة. أما بعد ظهور محمد صلى الله عليه وسلم فقد تحول أفراد القبائل ـ مجتمع المؤمنين ـ إلى مقاتلين يقاتلون تحت إمرة قائد واحد فقط هو محمد صلى الله عليه وسلم أو من يوليه القيادة. واستمر هذا الأمر بعد وفاته. لم تكن وحدة القيادة على المستوى الاستراتيجي فقط بل امتدت أيضا إلى المستويات العملياتية والتكتيكية. وحقيقة أنه يمكن استبدال القادة القدامى للقبائل والعشائر بقادة جدد من مكة كانوا أعداء سابقين لهم هو شهادة نجاح لمحمد في تأسيس وحدة القيادة كإصلاح مؤسسي رئيسي في الجيوش العربية".

3 ـ تماسك الوحدة القتالية:

"ركز الأساس الأخلاقي للحرب العربية على شجاعة الفرد وقتاله ليس كفرد من ضمن جيش؛ وإنما من أجل شرفه ومكانته الشخصية. لذا لم تعكس هذه الحرب تماسك الوحدة القتالية وقدرتها على البقاء سليمة والقتال معا مهما كانت وطأة المعركة. على النقيض تماما، كانت جيوش محمد شديدة التماسك، تقاتل معا مهما فاقهم العدو في العدد والعدة. لقد صار الدين - لا القبيلة أو رابطة الدم - هو مصدر التماسك. وسرعان ما اكتسب جنود محمد سمعة ومكانة لانضباطهم وضرواتهم في القتال، وعناية الجنود بعضهم ببعض كإخوة بموجب تعاليم الإسلام".

4 ـ التحفيز:

"أظهرت جيوش محمد أعلى درجة من الحافزية عن الجيوش العربية، ثم فيما بعد عن جيوش الفرس والروم. أن تكون جنديا ليس فقط أن تكون أكثر قربا من الله بل الأكثر ربحا عن غيره من البشر. كانت الشهادة هي الحافز الأكبر ليهم. هذا التغيير الذي أدخله محمد صلى الله عليه وسلم صنع جنودا يتفانون في القتال بصورة لم تشهدها الجيوش العربية من قبل".

5 ـ حرب استراتيجية:

"كانت الحرب العربية قبل محمد {صلى الله عليه وسلم} حربا تكتيكية من أجل الشرف والنهب، وليس لها أهداف استراتيجية. لكن التغيير الذي أدخله محمد {صلى الله عليه وسلم} هو أنه جعلها حربا استراتيجية. فالهدف النهائي لمحمد {صلى الله عليه وسلم} كان هدفا استراتيجيا وهو تغيير المجتمع العربي تحت مظلة دين جديد. لذا كانت كل خططه وتصرفاته من أجل تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي. وهو أول قائد عربي يستخدم القوة داخل سياق استراتيجي. ولولا هذه الطريقة الجديدة لكان مستحيلا التفكير في قيام الجيوش العربية بإنشاء إمبراطورية عالمية بل وكان أمرا لا يمكن تصوره. بمجرد أن تم تسخير الحرب لتحقيق أهداف استراتيجية، فقد أصبح ممكنا استخدام أبعاد تكتيكية تماما على الحرب العربية التقليدية. سمح إدخال محمد {صلى الله عليه وسلم} للحرب الاستراتيجية استخدام جيوشه بطرق جديدة تماما، وباستخدام التكتيكات بطرق صحيحة كوسيلة لتحقيق غايات استراتيجية أكبر، إذ الحرب ليست غاية في حد ذاتها".

6 ـ قادة فيالق ذوو خبرة قتالية:

"لكونه نشأ يتيما وافتقاره للخبرة القتالية، فقد أحاط محمد صلى الله عليه وسلم نفسه برجال ذوي خبرة قتالية، وكثيرا ما أخذ الجنود بنصائحهم. وكثيرا ما عين أفضل المحاربين من أعدائه السابقين كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص اللذين أصبحا من أكبر قادة الفيالق الإسلامية. وكثيرا ما سعى لمعرفة قدرات جنوده وضباطه وتوسيع معارفهم القتالية".

7 ـ التدريب والانضباط:

"كان لا بد من خلق طابع جديد للجيش يقوم على الإيمان والولاء والانضباط والتدريب المستمر والتنسيق بين الوحدات المختلفة للجيش من رماة وفرسان ومشاة. وواصل الأباء العرب تدريب أبنائهم بعد موت محمد {صلى الله عليه وسلم}، وخاضوا حروبا طويلة في معارك الفتوحات. وأصبح التجنيد والتدريب أمرا رسميا في الجيوش العربية".

8 ـ اللوجستيات وتوظيف القوى:

"لعمله في إعداد القوافل، يبدو أن محمدا {صلى الله عليه وسلم} كان على علم بالخدمات الوجستية والتخطيط. وهي خبرة سمحت له بإظهار القوة والقيام بعمليات في مناطق وعرة وعلى مسافات بعيدة كغزوة تبوك. وسمحت له أيضا بتوفير السلاح والخدمات لقواته واستحداث وتصنيع آلات جديدة للحرب. بدون هذه الخبرة والقدرة ما كان للفتوحات العربية أن تتم أبدا".

فكر مؤسسي

لقد كانت طريقة بناء النبي صلى الله عليه وسلم للجيوش، وتدريب جنوده وضباطه، واختيار قواده، وتوظيف مواهب وإمكانيات أتباعه، نموذجا للفكر المؤسسي المنظم والمتكامل، يقول جابرييل: "لقد عيّن محمد {صلى الله عليه وسلم} في كثير من الأحيان أفضل المحاربين من أعدائه السابقين في مناصب القيادة بمجرد اعتناقهم الإسلام. وسعى لضم الضباط الأكفاء أنى وجدهم، وكلّف الشباب بشن غارات على نطاق ضيق لإعطائهم الخبرة القتالية، واختار في بعض الأحيان ضباطا عاشوا في المدن لقيادة غارات على البدو لتوسيع خبرتهم القتالية بسلاح الفرسان.

واختار دائما قادته العسكريين على أساس خبرتهم وقدرتهم المؤكدة؛ وليس على أساس ورعهم ومدى تدينهم.  ولقد كان محمد {صلى الله عليه وسلم} أول من سعى لإضفاء الطابع المؤسسي في تنمية وتطوير التفوق العسكري لضباط الفيالق العربية. ومن هذا السلك من القادة الميدانيين المدربين وذوي الخبرة جاء الجنرالات الذي كانوا قادة لجيوش الفتوحات".

محارب متفرد لم يسبق له مثيل

"على الرغم من أن إصلاحاته ونجاحاته العسكرية تضعه في مصاف أعظم الجنرالات في العصور القديمة؛ إلا أنه لم يكن جنرالا ميدانيا تقليديا. ولكنه بدلا من ذلك، كان نوعا جديدا من المحاربين، واحدا لم يسبق له مثيل في العصور القديمة. لقد كان محمد {صلى الله عليه وسلم} - أولا وأخيرا - ثوريا وزعيم حرب عصابات دينية، خلق وقاد أول تمرد وطني حقيقي في العصور القديمة ، والذي يُعد مفهوما بالمقاييس الحديثة".

نمو عسكري شامل ونتائج مذهلة

"على عكس الجنرالات التقليديين، لم يكن هدف محمد {صلى الله عليه وسلم} هزيمة عدو أجنبي أو غازٍ؛ بل إحلال النظام العربي الاجتماعي القائم بآخر جديد يقوم على رؤية جذرية عقائدية مختلفة للعالم. لتحقيق أهدافه الثورية، استخدم محمد {صلى الله عليه وسلم} كل الوسائل - المعترف بها من قِبل المحللين المعاصرين – المميزة والضرورية لنجاح التمرد. وعلى الرغم من أن محمدا {صلى الله عليه وسلم} بدأ نضاله من أجل إقامة نظام جديد بكوادر صغيرة من حرب العصابات قادرة على القيام بغارات محدودة تقوم على الكر والفر، فإنه بمرور الوقت - وخلال عقد واحد - أصبح مستعدا للهجوم على مكة. لقد نمت قوة عصابات صغيرة لتصبح قوة مسلحة تقليدية كبيرة مع وحدات فرسان ومشاة كاملة قادرة على القيام بعمليات قتالية واسعة النطاق".

"على عكس الجنرالات التقليديين، لم يكن هدف محمد {صلى الله عليه وسلم} هزيمة عدو أجنبي أو غازٍ؛ بل إحلال النظام العربي الاجتماعي القائم بآخر جديد يقوم على رؤية جذرية عقائدية مختلفة للعالم."لقد كانت البداية بمجموعة صغيرة من المؤمنين، اعتمد عليها محمد {صلى الله عليه وسلم} في حرب العصابات وشن حملة من الكمائن والغارات لإحداث تآكل في القاعدة الاقتصادية والسياسية لسلطة عدوه. لقد أدخل برامج اجتماعية جديدة، وعقيدة سياسية دينية جذبت الآخرين لقضيته، ووسعت قاعدته من القوى العسكرية العاملة، مما جعل من الممكن تجنيد ونشر قوات عسكرية أكبر. بعد سنوات من حرب العصابات، استطاع محمد {صلى الله عليه وسلم} هزيمة أعدائه عبر سلسلة من المعارك انتهت في نهاية المطاف بالسيطرة على مكة نفسها. ولقد دعم البعدُ السياسي للتمرد المجهودَ الحربي باستعمال التحالفات السياسية لحرمان العدو من المحاربين، ولإحداث تآكل في قاعدة دعمه الشعبي. لقد تم توظيف المناورة السياسية ، والتفاوض، والاستخبارات، والدعاية، والاستخدام الحكيم للإرهاب والاغتيال لشن حملة من الحرب النفسية ضد المصادر المحتملة للمعارضة التي لم يكن من الممكن كسبها من قبل لحسابات مصلحتها الذاتية أو الأيديولوجية".

مثال نموذجي للنجاح

"صعود محمد {صلى الله عليه وسلم} إلى السلطة كان مثالا نموذجيا لنجاح التمرد. في الواقع، إنه أول مثال في التاريخ فيما أعلم. قادة التمرد في العصر الحديث ـ مثل ماوتسي تونج، هوشي منه، جومو كنياتا، فيديل كاسترو، وربما جورج واشنطن ـ وضعوا نصب أعينهم استراتيجية محمد وأساليبه في نضالاتهم الثورية. لقد اعتاد الغرب على التفكير في الفتوحات العربية بصورة عسكرية تقليدية محضة. لكن الجيوش التي حققت هذه الفتوحات لم تكن موجودة في الجزيرة العربية قبل محمد {صلى الله عليه وسلم}. لقد أخرج محمد {صلى الله عليه وسلم} بحرب عصاباته غير التقليدية وتمرده الناجح هذه الجيوش إلى الوجود".

أسباب نجاح النبي صلى الله عليه وسلم

هذا الجانب العسكري من حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد يبدو غريبا على القارئ، إلا أنه طبقا لمقاييس المحللين الغربيين فقد استوفى هذا الجانب كل المعايير اللازمة للنجاح، والتي يوجزها جابرييل لنا فيما يلي:

ـ "شخصية قيادية يلتف حولها الناس.
ـ عقيدة وفكرة تجتذبان الناس.
ـ إصلاح وتغيير سياسي واجتماعي واقتصادي.
ـ ولاء كامل للفكرة متحرر من الولاءات التقليدية العشائرية أو القبلية.
ـ كوادر منضبطة مؤمنة بالفكرة.
ـ توظيف أمثل لقدرات الرجال ، والاستفادة من المواهب المميزة لهم.
ـ إنهاك العدو اقتصاديا وسياسيا عبر سلسلة من العمليات الصغيرة.
ـ انتهاج سياسة الحرب الشعبية ، وبناء قاعدة شعبية داعمة ومؤيدة.
ـ تطوير القدرات الذاتية ، وتأمين إمدادات ومصادر السلاح.
ـ توفير المال اللازم والرعاية الاجتماعية لأسر الشهداء والأسرى.
ـ تحييد القوى المحتمل وقوفها مع العدو ، وضرب تحالفات العدو.
ـ توفير الحماية اللازمة للقيادة من محاولات الاغتيال.
ـ أجهزة استخبارات فعالة حتى في عقر دار العدو.
ـ معرفة كاملة بالطرق والدروب وتوظيف مرشدين لهذا الغرض.
ـ المعرفة الكاملة للولاءات العشائرية والسياسية للعدو وحلفائه ، وتوظيف ذلك لإحداث تأثير عند التفاوض.
ـ الدعاية الجيدة لكسب العقول والقلوب والرد على الدعاية المضادة.
ـ التصرف الحازم السريع والفعال مع مصادر التهديد داخليا وخارجيا".

رسائل مهمة

في ختام مقدمته لهذا الكتاب: "محمد جنرال الإسلام الأول العظيم"، يوجز ريتشارد جابرييل ما يريد أن يؤكد عليه في هذا الكتاب، فيقول: 

ـ "هذا الكتاب هو أول سيرة عسكرية عن محمد {صلى الله عليه وسلم} باللغة الإنجليزية كتبه مؤرخ عسكري.

ـ الاستنتاج الأساسي في الكتاب هو أن محمدا {صلى الله عليه وسلم} كان مصلحا عسكريا، شكل جيشا من نوع جديد، واتبع أسلوبا جديدا للحرب في الجزيرة العربية.

ـ لولا هذه الإصلاحات العسكرية، وكونها جديدة، لكان من المستبعد عسكريا أن تحدث الفتوحات الإسلامية فيما بعد.

ـ إنه من الأهمية بمكان التأكيد على أن محمدا {صلى الله عليه وسلم} هو مخترع استراتيجية حروب التمرد، وهو أول ممارس ناجح لها في التاريخ.

ـ آمل أن العلماء سيعيدون النظر حول افتراضاتهم حول كيفية القيام بهذه الإصلاحات وخوض تلك المعارك وقراءة آثارها. 

ـ وأخيرا لقد حاولت أن أضع حياة محمد {صلى الله عليه وسلم} في سياق جديد تماما. فنجاح محمد {صلى الله عليه وسلم} كنبي لا يمكن إنكاره؛ لكنني أقول أنه ما كان ليستطيع القيام بذلك لولا أنه كان جنديا عظيما. وهو ما يمثل تحديا جديدا لدراسة حياة محمد {صلى الله عليه وسلم} ومكانته في التاريخ".

إقرأ أيضا: "محمد جنرال الإسلام الأول العظيم".. شهادة مؤرخ وعسكري أمريكي (1من2)

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي أفكار كتب تقارير كتب الكتاب اسلام كتاب عرض الرسول محمد كتب كتب كتب كتب كتب كتب أفكار أفكار أفكار سياسة أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة محمد صلى الله علیه وسلم لقد کان لم یکن من أجل

إقرأ أيضاً:

الست من شوال.. احذر صيامها متتالية أو متفرقة في هذه الحالة

لعل كثرة نصوص السُنة النبوية الشريفة الواردة في فضل صيام الست من شوال العظيم، هو ما ينبهنا حتى لا تفوتنا الست من شوال وتكون الخسارة فادحة بالقدر الذي لا يمكن تعويضها، وحيث انقضى يوم العيد - يوم الفطر- فإنه حان موعد صيام الست من شوال ، من هنا ينبغي الوقوف على أحكام صيام الست من شوال باعتبارها تلك النافلة التي أوصى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالحرص عليها واغتنام فضل صيام ستة أيام من شوال ، سواء من حكم صيام الست من شوال متفرقة، وأيهما أولًا قضاء رمضان أم الست من شوال ؟، وهل يجوز صيامهما بنية واحدة، واستفهامات عدة أخرى تدور في فلك صيام الست من شوال وتنبع من فضله العظيم.

هل العمل في أيام العيد حرام أم جائز؟.. 10 حقائق ينبغي معرفتهادعاء للميت في العيد.. بـ12 كلمة تعايده الملائكة وتجعل عيده في الجنة أجملمن لم يصل صلاة العيد أول يوم.. 9 حقائق قد تجعلك تندمماذا يفعل من نسي زكاة الفطر؟.. علي جمعة: بـ3 أعمال تكفر هذا الإثمهل يجوز صيام الست من شوال ثاني أيام العيد؟.. له ثواب شهرينالست من شوال

ورد أن صيام ستة أيام من شوال هو شكل من أشكال المسارعة إلى الخير، وإن حصلت الفضيلة بغيره، فإن فرَّقها أو أخَّرها جاز، وكان فاعلًا لأصل هذه السنة؛ لعموم الحديث وإطلاقه.

ورد في فضل بما روي عن أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ» رواه مسلم في "صحيحه" فيسن للمسلم صيام ستة أيام من شوال بعد رمضان، تحصيلًا لهذا الأجر العظيم.

قالت دار الإفتاء، إن من أفطر في رمضان لِعُذْرٍ؛ فيستحب له قضاء ما فاته أوَّلا، ثم يصوم ما شاء من النوافل ومنها الست من شوال، ففي إجابتها عن سؤال: «ما حكم صيام الست من شوال قبل قضاء رمضان؟»، أنه كره جماعة من أهل العلم لِمَنْ عليه قضاء رمضان بعذرٍ أن يتطوع بصومٍ قبل القضاء، أما من تعدَّى بفطره –أيْ: أفطر بلا عذر- فيلزمه وجوبًا القضاء فورًا.

وأفادت بأنه لابد من التفرقة بين حالتين: الحالة الأولى: إمكان الجمع بين قضاء رمضان وصيام الست من شوال لأن قضاء رمضان وإن كان على التراخي عند كثير من الفقهاء، وأن صيام الست من شوال واجب موسع طوال الشهر فيمكن الجمع بقضاء الفائت من رمضان ، ثم صيام الست من شوال ، وذلك لأن الواجب مقدم على النفل .

وتابعت: الحالة الثانية: عدم إمكان الجمع بأن ضاق شوال وبقي منه ستة أيام لا تكفي لقضاء رمضان والستة من شوال ، والمختار هنا تقديم صوم الست من شوال لأن الزمان صار مضيقا بالنسبة لصوم الست من شوال بينما موسع لقضاء رمضان، مستدلة على ذلك بما ورد عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «إن كان ليكون على الصيام من رمضان، فما أستطيع أن أصومه حتى يأتي شعبان» صحيح ابن خزيمة (2/ 984).

حكم صيام الست من شوال

اختلف الفقهاء في حكم صيام ستة أيام من شوال، وذهبوا في إلى قولين، القول الأول: رأى جمهور العلماء من الشافعية، والحنابلة، والبعض من المالكيّة، والحنفيّة بأن صيام الست من شوّال مُستحَب، واستدلوا على ذلك بحديث بما رُوي عن ثوبان مولى الرسول عن الرسول -عليه الصلاة والسلام- أنّه قال: «صيامُ شهرِ رمضانَ بعشرةِ أشهرٍ، وصيامُ ستةِ أيامٍ بعدَهُ بشهرينِ، فذلكَ صيامُ السنةِ» ممّا يُؤكّد فضيلة صيام ستّة أيّامٍ من شهر شوّال.

واستدلوا أيضًا بقول الله تعالى: «مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشرُ أَمثالِها وَمَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجزى إِلّا مِثلَها وَهُم لا يُظلَمونَ»، فالآية عامّة تدل على أنّ أجر كلّ العبادات مُضاعَفٌ إلى عشرة أمثالٍ، إلّا الصيام الذي استُثنِي بقول الرسول -عليه الصلاة والسلام- عن الله -عزّ وجلّ-: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ له إلَّا الصَّوْمَ، فإنَّه لي وأنا أجْزِي به، ولَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِن رِيحِ المِسْكِ».

والقول الثاني: وردت عن بعض فقهاء المذهب الحنفي، والمالكي كراهة صيام ستّة أيّامٍ من شهر شوّال؛ فقد ورد عن الإمام يحيى بن يحيى؛ وهو فقيهٌ في المذهب المالكيّ، عدم ورود أيّ نصٍّ عن أهل العلم والفقه والسَّلَف يشير إلى أنهّم كانوا يصومون ستّة أيّام من شوّال بعد رمضان؛ خوفًا من وقوع الناس في البِدعة؛ بظنّهم وجوب الصيام.

ورد أنه لا يلزم المسلم أن يصوم الست من شوال بعد عيد الفطر مباشرة، بل يجوز أن يبدأ صومها بعد العيد بيوم أو أيام، وأن يصومها متتالية أو متفرقة في شهر شوال حسب ما يتيسر له، والأمر في ذلك واسع، وليست فريضة بل هي سنة يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها.

موعد صيام الست من شوال

حث الرسول -صلى الله عليه وسلم- الأمة الإسلامية على صيام الست من شوال، ورغب في صيامه فقال -صلى الله عليه وسلم-: «مَن صامَ رَمَضانَ ثُمَّ أتْبَعَهُ سِتًّا مِن شَوَّالٍ، كانَ كَصِيامِ الدَّهْرِ»، ويبدأ صيام 6 أيام من شوال من ثاني أيام شهر شوال، لأنّه يحرم صيام أول يوم في العيد.

بينت دار الإفتاء المصرية ، بأن صيام الست من شوال مستحب عند كثير من أهل العلم سلفًا وخلفًا، ويبدأ بعد يوم العيد مباشرة؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ فَذَاكَ صِيَامُ الدَّهْرِ»، فإن صامها المسلم متتابعة من اليوم الثاني من شوال فقد أتى بالأفضل، وإن صامها مجتمعة أو متفرقة في شوال في غير هذه المدة كان آتيًا بأصل السنة ولا حرج عليه وله ثوابها.

وأوضحت بأنه قد ورد في الحديث كما في "نيل الأوطار" عن أبي أيوبٍ رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ فَذَاكَ صِيَامُ الدَّهْرِ» رواه الجماعة إلا البخاري والنسائي، ورواه أحمد من حديث جابرٍ رضي الله عنه، وعن ثوبان رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «مَنْ صَامَ رمضان وسِتَّةَ أَيَّامٍ بَعْدَ الْفِطْرِ كَانَ تَمَامَ السَّنَةِ، مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا» رواه ابن ماجه.

واستطردت: في بيانه جاء أن الحسنة بعشر أمثالها؛ فصيام رمضان بعشرة أشهر وصيام الست بستين يومًا، وهذا تمام السَّنة، فإذا استمر الصائم على ذلك فكأنه صام دهره كله، وفي الحديثين دليلٌ على استحباب صوم الست بعد اليوم الذي يفطر فيه الصائم وجوبًا وهو يوم عيد الإفطار، والمتبادر في الإتْباع أن يكون صومُها بلا فاصلٍ بينه وبين صوم رمضان سوى هذا اليوم الذي يحرم فيه الصوم، وإن كان اللفظ يحتمل أن يكون الست من أيام شوال والفاصل أكثر من ذلك، كما أن المتبادر أن تكون الست متتابعة، وإن كان يجوز أن تكون متفرقة في شوال، فإذا صامها متتابعة من اليوم الثاني منه إلى آخر السابع فقد أتى بالأفضل، وإذا صامها مجتمعة أو متفرقة في شوال في غير هذه المدة كان آتيًا بأصل السنة.

ولفتت إلى أن ممن ذهب إلى استحباب صوم الست: الشافعية وأحمد والظاهرية؛ ففي "المجموع" للنووي: [ويستحب صوم الست من شوال؛ لما رواه مسلم وأبو داود واللفظ لمسلم: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، فَذَاكَ صِيَامُ الدَّهْرِ»، ويستحب أن يصومها متتابعة في أول شوال، أي: بعد اليوم الأول منه -الذي يحرم فيه الصوم- فإن فرقها أو أخرها عن أول شوال جاز، وكان فاعلًا لأصل هذه السنة؛ لعموم الحديث وإطلاقه. وهذا لا خلاف فيه عندنا، وبه قال أحمد وداود] اهـ ملخصًا، وفي "المغني" لابن قدامة: [أن صوم الست من شوال مستحب عند كثير من أهل العلم، وبه قال الشافعي، واستدل أحمد بحديثي أبي أيوب وثوبان] اهـ ملخصًا.

فضل صيام ستة أيام من شوال

أولا: الحصول على الأجر العظيم من الله -سبحانه-، كما رُوي في الصحيح من قول النبيّ -عليه الصلاة والسلام-: «مَن صامَ رَمَضانَ ثُمَّ أتْبَعَهُ سِتًّا مِن شَوَّالٍ، كانَ كَصِيامِ الدَّهْرِ».

ثانيًا: جَبر النقص الذي قد يطرأ على الفريضة وإتمامه، ويُستدَلّ على ذلك بِما رُوي عن تميم الداريّ -رضي الله عنه-، أنّ النبيّ -عليه الصلاة والسلام- قال: «أوَّلُ ما يحاسَبُ بهِ العبدُ يومَ القيامةِ صلاتُهُ فإن أكملَها كُتِبَت لَه نافلةً فإن لم يَكن أكمَلَها قالَ اللَّهُ سبحانَهُ لملائكتِهِ انظُروا هل تجِدونَ لعبدي مِن تطَوُّعٍ فأكمِلوا بِها ما ضَيَّعَ مِن فريضتِهِ ثمَّ تؤخَذُ الأعمالُ علَى حَسْبِ ذلِكَ».

ثالثًا: زيادة قُرْب العبد من ربّه، وكَسْب رضاه ومَحبّته، قال النبيّ -عليه السلام- فيما يرويه عن ربّه -عزّ وجلّ-: «ما يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحِبَّهُ، فإذا أحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الذي يَسْمَعُ به، وبَصَرَهُ الذي يُبْصِرُ به، ويَدَهُ الَّتي يَبْطِشُ بها، ورِجْلَهُ الَّتي يَمْشِي بها».

رابعًا: أن الصوم لله عز وجل وهو يجزي به، كما ثبت في البخاري (1894)، ومسلم ( 1151 ) من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي».

خامسًا: إن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، كما ثبت في البخاري (1894) ومسلم ( 1151 ) من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله عز وجل يوم القيامة من ريح المسك».

سادسًا: إن الله أعد لأهل الصيام بابا في الجنة لا يدخل منه سواهم، كما ثبت في البخاري (1896)، ومسلم (1152) من حديث سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ فِي الجَنَّة بَابًا يُقَالُ لَهُ: الرَّيَّانُ، يدْخُلُ مِنْهُ الصَّائمونَ يومَ القِيامةِ، لاَ يدخلُ مِنْه أَحدٌ غَيرهُم، يقالُ: أَينَ الصَّائمُونَ؟ فَيقومونَ لاَ يدخلُ مِنهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فإِذا دَخَلوا أُغلِقَ فَلَم يدخلْ مِنْهُ أَحَدٌ».

سابعًا: إن من صام يومًا واحدًا في سبيل الله أبعد الله وجهه عن النار سبعين عامًا، كما ثبت في البخاري (2840)؛ ومسلم (1153) من حديث أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما مِنْ عبدٍ يصومُ يوْمًا في سبِيلِ اللَّهِ إلاَّ بَاعَدَ اللَّه بِذلكَ اليَوْمِ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سبْعِين خريفًا».

ثامنًا: إن الصوم جُنة «أي وقاية» من النار، ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «الصيام جُنة»، وروى أحمد (4/22) ، والنسائي (2231) من حديث عثمان بن أبي العاص قال : سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «الصيام جُنة من النار، كجُنة أحدكم من القتال».

تاسعًا: إن الصوم يكفر الخطايا، كما جاء في حديث حذيفة عند البخاري (525)، ومسلم ( 144 ) أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر».

عاشرًا: إن الصوم يشفع لصاحبه يوم القيامة، كما روى الإمام أحمد (6589) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ : أَيْ رَبِّ مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ. وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ. قَالَ: فَيُشَفَّعَانِ».

مقالات مشابهة

  • حكم تخصيص يوم الجمعة بالتذكير بالصلاة على النبي .. فيديو
  • سنن مستحب فعلها يوم الجمعة.. التبكير إلى الصلاة وقراءة سورة الكهف
  • جنرال أمريكي يحذر من التخلي عن قيادة الناتو
  • علي جمعة: الدنيا متاع زائل فابتغ ثواب الآخرة
  • هل تعب أهل غزة؟!
  • كيف يجبر الله الخواطر؟ عبادة يستهين بها البعض
  • الست من شوال.. احذر صيامها متتالية أو متفرقة في هذه الحالة
  • هل عليه قضاؤها؟.. حكم صلاة المأموم منفردا خلف الصف
  • حكم من أكل أو شرب ناسيا في صيام الست من شوال
  • متتابعة أم متفرقة.. كيف كان النبي والصحابة يصومون الست من شوال؟