مجلة الإيكونوميست تتوقع هوية الرئيس الامريكي القادم
تاريخ النشر: 5th, November 2024 GMT
#سواليف
كتب .. #زياد_ابحيص
يهمل نموذج #التوقع_الانتخابي الأبرز والمعروف باسم صاحبه آلان ليكمان قيمة الحملة الانتخابية، وما يجري فيها من مناظرات، ومن استطلاعات رأي مبكرة ومتأخرة، ويقلل من قيمة الولايات المتأرجحة، وغالباً ما يلجأ لتوقع نتيجة الانتخابات قبل حصولها بعدة أشهر، ولكنه رغم ذلك استطاع توقع نتيجة تسع من آخر عشر جولات انتخابية رئاسية، وهو ما يعني أن صناعةً إعلامية بمئات ملايين الدولارات، وأخرى مشابهة في مجال استطلاعات الرأي تمسي فائضة عن الحاجة في وجود نموذج من 13 مؤشراً تجاب بنعم أو لا قادر على التوقع بمثل هذه الدقة، وهو ما يؤسس بالضرورة لصراع مصالح تدافع فيه هذه الصناعات الكبيرة عن جدواها وأهميتها، علاوة على النقاش الموضوعي لأي نموذج باعتباره عملاً بشرياً يحتمل الخطأ ويحتمل أن تغيب عنه مجموعة من الاعتبارات.
بدءاً من انتخابات 2020، أخذت مجلة الإيكونوميست البريطانية بتطوير نموذجها الخاص للتنبؤ والذي توقع فوز جو #بايدن بـ356 صوتاً من أصوات المجمع الانتخابي بمقابل 182 لدونالد ترامب، وقد فاز جو بايدن بالفعل لكن بـ 306 من أصوات المجمع الانتخابي بمقابل 232 لترامب، ما يجعل هامش الخطأ في التوقع يساوي 50 من أصوات المجمع الانتخابي من أصل 538، وبواقع 9% وهو هامش خطأ كبير.
مقالات ذات صلة القسام: أجهزنا من المسافة صفر على قوة إسرائيلية راجلة في جباليا 2024/11/05في هذا العام تعود الإيكونوميست في محاولة جديدة للتنبؤ وتحسين النموذج، والذي كان يتوقع حتى الساعة الخامسة بتوقيت جرينتش من مساء اليوم السابق للانتخابات أن يفوز دونالد #ترامب بالحد الأدنى الذي يسمح له أن يكون رئيساً بواقع 270 من أصوات المجمع الانتخابي، وأن تخسر كامالا #هاريس مرشحة الحزب الديمقراطي الحاكم خسارة قريبة جداً بواقع 268 من أصوات المجمع الانتخابي، ليقلب التوقع بعد ذلك، وينطلق هذا النموذج من المنهجية التالية:
أولاً: من نتائج الاستطلاعات على مستوى الولايات المتحدة بالكامل أو على مستوى الولايات، ويعتمد إدخال نتائج جميع الاستطلاعات اعتماداً على مصدرين أساسيين.
ثانياً: تحسين نتائج استطلاعات الرأي بناء على توقعات النماذج الأكثر ثباتاً والمبنية على مؤشرات تحكم السلوك التصويتي وأبرزها نموذج “وقت التغيير” الذي طوره عالم السياسة آلان أبراموفيتش، والذي يخرج بمعادلة حسابية تعتمد على ثلاثة عناصر هي مستوى الرضى عن الرئيس في منتصف سنة الانتخابات، والنمو في الناتج الإجمالي في سنة الانتخابات، والمدة التي قضاها الحزب الحاكم في السلطة ليخرج بمعامل رقمي يتوقع مدى التغير المحتمل في الأصوات التي سيحصل عليها الحزب الحاكم، وهو نموذج تمكن من توقع 16 من أصل 18 جولة انتخابية جرى تطبيقه عليها، وعجز عن توقع نتيجة انتخابات 2020 بسبب التراجع الاستثنائي في الناتج الإجمالي خلال سنة الانتخابات بسبب وباء كورونا، ما يجعل نسبة نجاحه 84%.
وقد أصدر آلان أبراموفيتش توقعه للانتخابات الحالية في 22-8-2024 متوقعاً فوز كامالا هاريس بالرئاسة بفارق بسيط بواقع بـ 281 صوتاً من المجمع الانتخابي، واصفاً الانتخابات بأنها ستكون “متقاربة” وأن تبدل النتيجة لصالح ترامب “لن يكون مفاجئاً”.
ثالثاً: تحسين نتائج استطلاعات الرأي اتجاه التغيير في التصويت في كل ولاية لآخر جولتين انتخابيتين، وبذلك يكون عامل التغيير التاريخي في التصويت أحد عناصر الوصول للنتيجة.
وتختم الإيكونوميست يتطبيق المحاكاة بالكمبيوتر لإنتاج الاحتمالات الممكنة من كل هذه المعطيات والاستفادة منها للوصول إلى السيناريو الأكثر ترجيحاً.
الملاحظ هنا أن نموذج الإيكونوميست يميل إلى تحسين قراءة استطلاعات الرأي معتمداً على نماذج أخرى أكثر استقراراً تتمكن من إصدار توقعاتها قبل الانتخابات بشهرين مثل نموذج أبراموفيتش، أو من خلال اتجاهات تاريخية للتغيير معروفة من قبل أربع سنوات، وهو ما يعزز ما يقوله آلان ليكمان صاحب النموذج الأبرز، بأن القضايا التي تحكم نتيجة الانتخابات تتعلق بسياسات الحكم وتماسك الأحزاب وطبيعة المرشحين ولا وزن فيها للحملات الانتخابية والمناظرات واستطلاعات الرأي، والإيكونوميست تعترف ضمنياً بهذه الحقيقة من خلال المنهجية التي استحدثتها لنموذجها الخاص، فإنفاق مئات الملايين المرافق للانتخابات يميل لأن يكون ضرورة لحاجات السوق وطبيعة الاقتصاد الرأسمالي أكثر مما هو ضرورة حقيقية للانتخابات ولتحديد خيارات الناخبين فيها.
وأمام هذه النماذج والنماذج المضادة، وصراع المصالح الذي تخوضه صناعة الحملات والإعلام والمناظرات واستطلاعات الرأي؛ يبقى سؤال مركزي أمام النظام بأسره: فهل سيتمكن بهذه البنية من تمييز اللحظات المفصلية والفارقة، ومن الاستعداد لمواجهة عناصر التغيير الكامنة التي يمكن أن تعصف به؛ خصوصاً وأن يوم غد قد يشهد محطة جديدة لتحرك هذه العناصر؟
المصدر: سواليف
كلمات دلالية: سواليف زياد ابحيص بايدن ترامب هاريس استطلاعات الرأی
إقرأ أيضاً:
عن إجرام المجمع الصناعي العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط
لا يحتاج المرء إلى الكثير من الفطنة لكي يدرك بأنّ الولايات المتحدة تعيش على إذكاء الحروب في دول العالم، وخاصة في المنطقة العربية، وذلك من خلال دور المركّب الصناعي العسكري (Military – Industrial Complex) الذي يُعدّ مصدرًا أساسيًا لتمويل حروب الولايات المتحدة وحلفائها، وخاصة “إسرائيل”، باعتبارها الحليفة الأوثق في الشرق الأوسط منذ إنشائها في عام 1948.
إنّ عودة حرب الإبادة الجماعية التي تمارسها “إسرائيل” على غزّة والضفّة الغربية ما كانت لتكون وتستمر بهذه الوتيرة لولا الدعم الأمريكي المطلق لها، إذ لا يمكن فصل هذه الجرائم التي تقوم بها إزاء الشعب الفلسطيني عن دور المجمع الصناعي العسكري الأمريكي الذي يضطلع برفد الجيش “الإسرائيلي” بأحدث آلات القتل، وذلك من خلال شركات الأسلحة الأمريكية الشهيرة مثل: لوكهيد مارتن ورايثيون ونورثروب جرومان وجنرال دايناميكس وبوينغ … في الماضي، أثار الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور عند انتهاء ولايته في عام 1961، معضلة المجمع الصناعي العسكري وخطورته، حيث حذّر من هذا التحالف الذي يتكوّن من الكونغرس وشركات السلاح الرائدة ووزارة الدفاع الأمريكية. ووصف آنذاك الأمر بأنه تهديد للديمقراطية، فضلًا عن تأثيره المباشر في السياسة الخارجية الأمريكية.
يشكّل المُجمع الصناعي العسكري الأمريكي إلى جانب مجتمع الاستخبارات والبيروقراطية الاقتصادية ما يُسمّى بالدولة العميقة (Deep State) في الولايات المتحدة. وتُعرّف “الدولة العميقة” على أنّها مجموعة من الأفراد والمؤسسات التي تُعتبر ذات تأثير كبير في السياسات الأمريكية، ويُعتقد أنّ لديها نفوذًا كبيرًا في رسم السياسات الداخلية والخارجية، على الرغم من افتقارها إلى السلطة التشريعية الرسمية. وتشمل هذه المجموعة عناصر من الجيش، وأجهزة الاستخبارات، والبيروقراطية الحكومية، بالإضافة إلى قطاعات أخرى من المؤسسات التي يُعتقد بأنها تعمل في كثير من الأحيان بشكل مستقل عن الإرادة الشعبية أو الحكومة المنتخبة، وتهدف إلى الحفاظ على استمرارية الأوضاع التي تخدم مصالحها الخاصة. مع التأكيد على أنّ الدولة العميقة تستمدّ قوتها من أجهزة الأمن القومي والاستخبارات الأمريكية.
تشير الباحثة الأمريكية سارة لي ويتسن، إلى أنّ قطاع الصناعات العسكرية يعتمد على التأثير المباشر على المسؤولين الحكوميين، فعلى سبيل المثال تجاوزت التبرعات الانتخابية في عام 2020 عتبة الخمسين مليون دولار. وغالبًا ما يتم منح وظائف في هذا القطاع للمسؤولين الحكوميين والعسكريين، فبالنسبة إلى المسؤولين المدنيين، تُعدّ العديد من هذه الوظائف أدوات ضغط لصالح المؤسسات الدفاعية. أما المسؤولون العسكريون، فهم غالبًا ما يشغلون وظائف داخل المجمع الصناعي أو يعملون كمستشارين في البنتاغون وفروع الجيش، ويشاركون أيضًا في التفاوض وتنفيذ عقود المشتريات التي كانوا يمثلون فيها الحكومة الأمريكية سابقًا.
في انتخابات عام 2022، أنفق المجمع الصناعي العسكري ما يقارب 101 مليون دولار على جماعات الضغط، وساهم بأكثر من 18 مليون دولار في الحملات السياسية. معظم هذه الأموال كانت تذهب إلى السياسيين – سواء كانوا من الجمهوريين أو الديمقراطيين – الذين يشاركون في اللجان التي تحدد الانفاق الدفاعي السنوي. وعليه، يمكن للمقاولين توقع الحصول على حصة كبيرة من أي انفاق يخصصه الكونغرس والبنتاغون. وهذا إن دلّ على شيء، إنّما يدلُّ على مدى تغوّل وتأثير المركب الصناعي العسكري في تشكيل السياسة الخارجية الأمريكية.
على مدى عقود، اعتمدت استراتيجية الولايات المتحدة الدولية على إشعال الحروب في مختلف أنحاء العالم، وخاصة في الشرق الأوسط، نظرًا لأهميته الجيوسياسية في العقل الأمريكي. واليوم، تتركز الأنظار أكثر من أي وقت مضى على لبنان وسورية والعراق واليمن وإيران وفلسطين، وخاصة بعد أن أعطى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الضوء الأخضر لحكومة “إسرائيل” في استئناف الحرب ضدّ الفلسطينيين في الضفّة الغربية وغزّة من ناحية، وشن غارات شبه يومية على لبنان وسورية من ناحية أخرى. ففي الحرب الجارية، تسببت القوّة النارية الهائلة لجيش الاحتلال في مقتل آلاف المدنيين الفلسطينيين في غزّة وتدمير مدن كاملة، وذلك باستخدام أسلحة قدّمتها الولايات المتحدة. وتتولى الأخيرة في نفس الوقت مهمّة ردع اليمن عن مساندة غزّة والضفّة الغربية، على الرغم من أن عدوانها على اليمن لم يؤت أكله في عهد الإدارة السابقة، وعلى ما يبدو لن يحقق الأهداف المرجوة في ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فاليمن له خصوصية واستقلالية في محور المقاومة، إذ يتمتع بهامش مناورة وإمكانات تجعله مستمرًا في إسناد الشعب الفلسطيني حتّى وقف العدوان الإسرائيلي.
تُعدّ “إسرائيل” أكبر متلقٍ للمساعدات العسكرية الأمريكية، وقد تمّ ترجمة ذلك من خلال مذكرة تفاهم تمتد لعشر سنوات (2019 – 2028). فبحسب تفاصيل المذكرة، تقدم الولايات المتحدة سنويًا 3.3 مليار دولار كجزء من التمويل العسكري الخارجي، بالإضافة إلى 500 مليون دولار لبرامج التعاون في مجال الدفاع الصاروخي. والنقطة التي لا ينبغي إغفالها هو دور اللوبي الصهيوني وتأثيره في السياسات الأمريكية، كان من أبرز الذين أثاروا هذه المسألة هما المنظّران الأمريكيان جون ميرشايمر وستيفن والت، حين أشارا في كتابهما المعنون “اللوبي “الإسرائيلي” والسياسة الخارجية الأمريكية” (The Israel Lobby and U.S. Foreign Policy) إلى مدى قوة اللوبي “الإسرائيلي” مثل إيباك (AIPAC) في دفع الولايات المتحدة بما فيها من أكاديميين وموظفيين حكوميين وعسكريين ورجال أعمال ووسائل إعلام عالمية إلى تبني سردية ومقاربة “إسرائيلية” صرفة من أجل الحصول على كلّ أشكال الدعم الديبلوماسي والعسكري على حدّ سواء.
ولا شك في أنّ الدول العميقة بكلّ عناصرها في الولايات المتحدة تستلهم سياساتها الخارجية تجاه الدول الأخرى من المذاهب الواقعية، فالواقعيون (Realists) على اختلاف آرائهم لا يعترفون إلا بالقوّة كمحدّد محوري للبقاء والحفاظ على أمن ومصلحة الدولة. ولعلّ أكثر ما تتبنّاه السياسة الخارجية الأمريكية في هذا المضمار، هو رؤية الواقعية الهجومية (Offensive Realism) التي نظّر لها جون ميرشايمر، والتي تفترض أنّ الدول بطبيعتها تريد أن تحصل على ما أمكنها من القوّة للوصول إلى الهيمنة. وقد تجلّى ذلك من خلال الحروب العسكرية والاقتصادية والناعمة التي شنتها الولايات المتحدة على الدول التي لا تدور في فلكها، ولا أدلّ على ذلك من أمثلة، هو حروبها في فيتنام وأفغانستان والعراق…، وتمكين حليفتها “إسرائيل” من احتلال فلسطين وقضم الأراضي من دول الطوق. لذلك، لا يمكن فصل سياسات واشنطن في الماضي والحاضر عن المدرسة الفكرية التي اعتمدتها على مدى عقود، وهي مدرسة ترتكز على لغة القوّة والهيمنة، بل إن هذه المدرسة ترى لغة العدالة في النظام الدولي مناقضة لرؤيتها الفكرية ونهجها العملي. هذه النظرة الواقعية لا تسري فقط على خصوم وأعداء الولايات المتحدة، بل تمتد أيضًا لتشمل حلفاءها الأوروبيين التقليديين، وإن كان ذلك بدرجة أقل وبخطاب سياسي أكثر اعتدالًا.
في نهاية المطاف، يمكن القول إنّ المجمع الصناعي العسكري الأمريكي الذي يتمتع بأهمية كبيرة في دوائر صنع القرار، يعمل منذ عقود على تأجيج الحروب وخلق الفوضى في العالم، بهدف إنعاش الاقتصاد الأمريكي من جهة، وتقويض استقرار الدول للتمكّن من الهيمنة عليها من جهة أخرى. واليوم، نرى مفاعيله في غزّة والضفّة الغربية ولبنان واليمن وسورية والعراق. الموضوع هنا يتجاوز الوضع المأساوي في غزّة، حيث يسعى الأمريكيون و”الإسرائيليون” إلى تشكيل شرق أوسط خالٍ من أي مقاومة، وقائم على قهر إرادة الشعوب والسيطرة على المقدرات، تمهيدًا للتطبيع الجديد الذي يعطي “إسرائيل” جرعة إضافية تضمن استمرارية وجودها في منطقة معادية لها شعبيًا، وإن طبّعت بعض الأنظمة العربية معها، فالأغلبية الجماهيرية في الوطن العربي ينظرون إلى “إسرائيل” على أنّها كائن لقيط وظرفي، لن ينعم بالاستقرار على المدى القصير والطويل. ويأتي ذلك، على الرغم من أن القوى المناوئة للمشروع الأمريكي – “الإسرائيلي” تمرّ بمرحلة من الأفول، ولا نبالغ إذا قلنا بأنّ هذه القوى لا تقاتل “إسرائيل” فحسب، بل “الحضارة الغربية” المتوحشة التي خسرت سرديتها ومصداقيتها أمام شعوبها لناحية ادعائها الدفاع عن حقوق الإنسان وحق تقرير المصير (Self – determination)، وهذا ما انعكس في خروج مظاهرات جماهيرية من أعرق جامعات العالم تنديدًا بالجرائم التي يرتكبها الكيان الصهيوني. ولعلّ الواقعيين الكلاسيكيين (Classical Realists) أصابوا حينما قالوا، إن القوى الكبرى هي عدو لنفسها بالدرجة الأولى، لأن الهيمنة التي يولدها النجاح، تدفع الفاعلين إلى النظر إلى أنفسهم ككيانات منفصلة عن مجتمعاتهم وأعلى منها، وهذا بدوره يؤدي إلى فقدان التوازن، مما يستدعي الحاجة إلى إعادة الأمور إلى نصابها وضبط النفس الجامحة.