هل تنجح تركيا هذه المرة في إنهاء المسألة الكردية؟
تاريخ النشر: 4th, November 2024 GMT
كعادته، وكما في مرات سابقة، يبدو أن مرحلة جديدة في السياسة الداخلية التركية أتت إشارتها الأولى من رئيس الحركة القومية وزعيم التيار القومي في تركيا دولت بهتشلي. فالرجل الذي كان السبب في انتخابات 2002 التي أتت بالعدالة والتنمية وأردوغان لحكم البلاد، والذي دعا لإقرار النظام الرئاسي بعد الانقلاب الفاشل في 2016، والذي دعا لتبكير الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في 2018، قدم مؤخرا إشارات بالغة الأهمية بخصوص الملف الأكثر حساسية وخطورة في البلاد وهو الملف الكردي.
ففي الأول من تشرين الأول/ أكتوبر الفائت، وتحت قبة البرلمان، صافح الرجل المعروف بمواقفه المتشددة من الأحزاب "الكردية" في تركيا أعضاء حزب مساواة وديمقراطية الشعوب (الاسم الجديد لحزب الشعوب الديمقراطي). ثم أطلق في الـ22 منه نداء للحزب الأخير ليمنح زعيم حزب العمال الكردستاني المعتقل عبد الله أوجلان فرصة الحديث أمام كتلته البرلمانية "لإعلان وقف الإرهاب وإلغاء المنظمة الإرهابية".
تنبع أهمية النداء المذكور من ثلاث زوايا: أنه أتى من الرجل الأكثر تشددا فيما يتعلق بالمسألة الكردية في البلاد، وأنه حليف الرئيس أردوغان وحزب العدالة والتنمية، ومن توقيته المتزامن مع تغيرات إقليمية بعضها بدأ وبعضها الآخر متوقع و/أو محتمل. وبحصيلة العوامل الثلاثة، ومضمون الكلام الذي أشار لاحتمال رفع "العزل" عن أوجلان، كان من الطبيعي أن يقرأ الكثيرون إمكانية مسار حل جديد في "الملف الكردي" أو "المسألة الكردية" أو "القضية الكردية" أو "المشكلة الكردية"، باختلاف التسميات وفقا لاختلاف الأطراف وزوايا التناول والنظر.
هذا الانطباع الأولي تعزز مع تصريحات الرئيس التركي الداعمة لنداء بهتشلي، بل والشاكرة لموقفه هذا، حيث وصفه أردوغان بـ"القائد الذي يخط مسارات التاريخ"، متحدثا عن فرصة جديدة "لحل مشاكل البلاد المزمنة وفي مقدمتها الإرهاب".
كما تعزز هذا الانطباع كذلك بالرسالة التي أرسلها أوجلان نفسه من معتقله، من خلال ابن أخيه النائب في حزب مساواة وديمقراطية الشعوب عمر أوجلان، الذي زاره في اليوم التالي لنداء بهتشلي، بأنه "يمتلك القوة لسحب هذا المسار من أرضية الصراع والعنف إلى أرضية قانونية وسياسية، إذا ما توفرت الشروط لذلك". كما أعرب حزب مساواة وديمقراطية الشعوب، الذي يُنظر له في تركيا على نطاق واسع على أنه الواجهة السياسية للكردستاني، عن استعداده للاضطلاع بدوره في "تأسيس السلام"، رغم أنه اشترط لذلك إلغاء حالة العزل عن أوجلان كبداية لأي مسار، كما أكد حصول لقاء مع وزير العدل بخصوص هذه المسألة.
أعادت هذه التصريحات للأذهان "عملية التسوية" التي بدأت قبل سنوات بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني؛ بحيث يلقي الأخير سلاحه ويوقف عملياته مقابل صياغة دستور جديد يتضمن منح الحقوق الكاملة للمكوّن الكردي وفق مبدأ المواطنة المتساوية، بعد خطوات متتالية من حكومات العدالة والتنمية شملت إصلاحات ديمقراطية ومشاريع تنموية في مناطق الأغلبية الكردية. بيد أن هذا المسار انهار في 2015 وعاد الكردستاني للعمليات الإرهابية؛ لأسباب في مقدمتها عودة الأمل له بدولة كردية بعد التطورات في سوريا وإعلان الإدارة الذاتية في شمالها.
من يومها، يعلن العدالة والتنمية أنه لا عودة للمسار نفسه أي الحل التفاوضي مع العمال الكردستاني، بل الاستمرار في مكافحة الإرهاب، خصوصا وأن العامين 2015 و2016 شهدا حرب مدن في مناطق الأغلبية الكردية في شرق وجنوب شرق البلاد، بعد إعلان الإدارات الذاتية فيها. ولذلك، كان من المنطقي ألا تأتي الدعوة الأخيرة من الرئيس أردوغان، وإنما من حليفه بهتشلي، بحيث تعطي قوة ومصداقية أكبر وتحجّم -قدر الإمكان - ردات فعل التيار القومي في البلاد.
ورغم أن الحاجة بقيت قائمة لمسار سياسي بعد تقويض قدرات العمال الكردستاني وقدرته على شن العمليات ضد تركيا في إطار العمليات المتواصلة في الداخل والعراق وسوريا (والتي تقول الحكومة إنها حجّمته إلى حد بعيد)، إلا أن السياق الحالي مرتبط إلى حد بعيد بالتطورات الإقليمية وخصوصا الحرب "الإسرائيلية" على غزة والتي باتت تهدد المنطقة برمتها.
فمنذ بدء التهديدات "الإسرائيلية" للبنان هاجم أردوغان ما أسماه مطامع نتنياهو في المنطقة بعد غزة، ثم فصّل لاحقا في تصريحاته مشيرا إلى مخاطر تتهدد لبنان ثم سوريا بل وتركيا التي "يفصلهم عنها ساعتان ونصف فقط". ويبدو أن ذلك تولّد عن قراءة لدى صانع القرار التركي دفعت لتصريح ذكّر بالتدخل التركي في كل من ليبيا وأذربيجان والتلويح بشيء مماثل ضد "إسرائيل"، وهو ما دفع وزير خارجية الاحتلال لتهديد أردوغان بمصير الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين.
ترى أنقرة أنها مهددة في مسارين؛ الأول أي تطورات سلبية في سوريا قد تشمل فوضى عارمة أو تثبيت وجود المليشيات الانفصالية المدعومة أمريكيا، والثاني تعرضها لضغوط وعمليات إرهابية بسبب موقفها المهاجم للاحتلال، وهو ما حصل -وفق المسؤولين الأتراك- في الهجوم الإرهابي الأخير على إحدى شركات الصناعات الدفاعية.
فإضافة لاحتمال التحرك العسكري في شمال سوريا، ركّز أردوغان في تصريحاته على ما أسماه "تمتين الجبهة الداخلية"، ومضاعفة قوة تركيا عسكريا ولا سيما في مجال الصناعات الدفاعية. وبما أن الملف الكردي أكثر الملفات الداخلية حساسية كان هذا التوجه المتسارع، الذي يوحي بمسار قد بدأ منذ مدة. فهل تنجح أنقرة هذه المرة في إغلاق الملف الذي كلفها خلال 40 سنة أكثر من 30 ألف ضحية وما يقرب من 500 مليار دولار وفق بعض التقديرات؟
لا شك أن عبد الله أوجلان يبقى شخصية محورية في العمال الكردستاني، وهو صاحب كاريزما وكلمة لدى الكثيرين، وهو ما أكدته التصريحات الصادرة عن حزب مساواة وديمقراطية الشعوب، وبالتالي فدعوته لإلقاء السلاح، إن حصلت، سيكون لها صدى لدى الكثيرين. لكن هل تكفي؟ وما هي العقبات الرئيسة أمام مسار كهذا؟
هناك خمس عقبات رئيسة أمام المسار المحتمل، تحتاج للعودة لها لاحقا بشيء من التفصيل، هي:
الأولى أن سيطرة أوجلان على العمال الكردستاني بكامل هيئاته وفروعه لم تعد كما كانت في السابق رغم زعامته التاريخية المسلّم بها، وسيكون سهلا على أي طرف لا يرغب في الحل أن يقول إنه معتقل ولا يملك كامل الأهلية والصلاحية لاتخاذ قرار استراتيجي من هذا النوع.
الثانية أن العمال الكردستاني ليس على قلب رجل واحد، بل فيه تيارات متنافسة ومراكز قوى، وواضح أن القيادة المتنفذة في معقله في جبال قنديل في العراق على وجه التحديد ضد أي مسار من هذا النوع.
الثالثة البعد الخارجي المرتبط بدعم واشنطن ونفوذها لدى المنظمات الانفصالية في شمال شرق سوريا من جهة، وتطورات التصعيد الإقليمي وما يمكن أن ينتج عنه من مسارات في سوريا من جهة أخرى، ما يُضعِف قدرة أوجلان (ومن معه) على توجيه المسار والسيطرة عليه "كرديا".
الرابعة مدى مصداقية المسار المحتمل والثقة به بعد التجربة السابقة من جهة، وفي ظل تشكيك بعض الأطراف بنوايا أردوغان من قبيل أن هدفه الرئيس هو الحصول على دعم الحزب "الكردي" وشريحته الانتخابية لتعديل دستوري يضمن له الترشح مدة رئاسية جديدة والفوز بها. كما أن بيان حزب مساواة وديمقراطية الشعوب وضع نداء بهتشلي في إطار "وصول سياسات التحالف الحاكم في تركيا لطريق مسدود في الداخل والخارج".
الخامسة، أن هذا المسار المحتمل يتضمن بالضرورة خطوات أقل ما يمكن أن توصف به بأنها جريئة من قبل الحكومة التركية، وهو أمر ستكون له ردات فعل وربما أثمان سياسية داخليا يشير لها أردوغان بين الحين والآخر. وفي مقدمة هذه الاستحقاقات المحتملة إلغاء حالة العزل عن أوجلان كبداية، ومسارات قانونية وسياسية وخطابية قد تصل في النهاية لمرحلة الحاجة لاتخاذ قرار بشأن أوجلان ومسلّحي الحزب، وهو أمر بالغ الحساسية في الداخل التركي.
في الخلاصة، ما زالت دعوة بهتشلي المدعومة من أردوغان في مرحلة اختبار النوايا، بيد أن بيان حزب مساواة وديمقراطية الشعوب وتصريح أوجلان يوحيان بالاستعداد لخوض مسار سياسي ما، ولكن مع اشتراطات قد تضع المسار برمته على المحك، ما يعني أن رد الحكومة على هذه الدعوات/الاشتراطات سيحدد ما إذا كان ثمة مسار قريب في هذا الإطار أم أنه سيؤجل مجددا لعدم نضوج الظروف.
x.com/saidelhaj
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات كاريكاتير بورتريه تركيا بهتشلي العمال الكردستاني أردوغان تركيا أردوغان الأكراد العمال الكردستاني اوجلان مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة صحافة صحافة سياسة مقالات رياضة مقالات سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة العمال الکردستانی فی ترکیا
إقرأ أيضاً:
هل يوجد الآن-وهنا بديل لـتصحيح المسار في تونس؟
منذ ظهوره على المنابر الإعلامية "خبيرا دستوريا" أو "تقني معرفة" ذا مصداقية، عمل السيد قيس سعيد على اتخاذ مسافة نقدية من مختلف الأطروحات السياسية التي هيمنت على المرحلة التأسيسية وما تلاها. وبحكم هامشيته في تلك المرحلة لعدم وجود سند حزبي أو لوبي نافذ يقف خلفه، فإن أطروحاته المختلفة جذريا عن التوافقات العامة بين أهم الفاعلين الاجتماعيين لن تُحمل على محمل الجد في مسار الانتقال الديمقراطي، رغم تصريحه بأهم أفكاره منذ اعتصام القصبة 2 سنة 2011 وأمام إحدى لجان المجلس التأسيسي ثم خلال الأزمة المعطّلة لأعمال المجلس التأسيسي (ما يسمى بـ"اعتصام الرحيل")، بعد الاغتيالات السياسية التي استهدفت المرحومين شكري بلعيد والحاج محمد البراهمي سنة 2013، وانتهت بسقوط حكومة الترويكا ومجيء حكومة "التكنوقراط" التوافقية برئاسة السيد مهدي جمعة.
ونحن نُذكّر بهذه المعطيات/الحقائق في فاتحة هذا المقال لإيماننا بأن "تصحيح المسار" وفلسفته السياسية (النظام الرئاسوي، الديمقراطية التصعيدية أو المجالسية، التحرك بمنطق البديل لا الشريك، رفض الأجسام الوسيطة والترويج لنهاية زمن الأحزاب.. الخ) ليست رد فعل على فشل "عشرية الانتقال الديمقراطي" ولا مجرد توظيف لأزمة النخب السياسية -خاصة في البرلمان- بل هي أطروحة سياسية موازية لذلك الانتقال ومهمّشة حتى من أولئك الذين سيتحولون إلى حزام سياسي مؤقت أو دائم للرئيس قبل إجراءات 25 تموز/ يوليو وبعدها. بعد وصوله إلى قصر قرطاج سنة 2019، استطاع "الخبير الدستوري" قيس سعيد أن يدفع بالتناقضات الداخلية للنظام البرلماني المعدّل إلى نهاياته المنطقية التي توجب الاستغناء عنه، وقد ساعدته في ذلك عدة معطيات داخلية وخارجية كثيرة.
أثبت "الثورة التونسية" أن مطلب "الديمقراطية التمثيلية" أو لامركزية السلطة ومحورية "الإرادة الشعبية" في بناء القرار السياسي هي كلها مطالب لا تعني عامة الشعب، بل لا تعني أغلب النخب التي أثبتت إجراءات 25 تموز/ يوليو 2021 أنها صاحبة "دعوى" لا "دعوة". فأغلب النخب، خاصة من يحتكرون صفة "العائلة الديمقراطية"، قد أكدوا أنهم لا يعارضون النظام الرئاسي -بل النظام الرئاسوي- بشرط أن تكون لهم فيه بعض الامتيازات أو المكانة الاعتبارية من جهة أولى، وبشرط الاستهداف المُمنهج لخصومهم الأيديولوجية من "الإسلاميين"
بصرف النظر عن التوصيفات المتعارضة لإجراءات 25 تموز/ يوليو 2021، فإنها كانت إعادة هندسة للمشهد العام في تونس. ورغم فقدان "تصحيح المسار" لجزء كبير من حزامه السياسي وزخمه الشعبي بحكم تداعي "مشروعيته" المرتبطة بعجزه عن تحقيق وعوده الإصلاحية -وهو ما عبّرت عنه كل الاستحقاقات التي عاد فيها النظام إلى الإرادة الشعبية بما في ذلك الانتخابات الرئاسية الأخيرة- فإن ضعف "المعارضة"، سواء ما يسمى بـ"الموالاة النقدية" التي حاولت تغيير خيارات تصحيح المسار من الداخل أو "المعارضة الراديكالية" التي تطرح نفسها بديلا للنظام الحالي، قد مكّن الرئيس من تجديد عهدته الرئاسية الأولى والمضي في خيار سياسي وضع "المعارضة" بمختلف أشكالها أمام خطر "وجودي" يتجاوز مرحلة التهميش. فالديمقراطية المجالسية التي تمثل عند الرئيس وأنصاره إيذانا بنهاية زمن الديمقراطية التمثيلية، لا مكان فيها لسلطات -بل لوظائف- ولا إمكانية فيها لهيمنة الأحزاب على المشهد السياسي، بل لا تقبل بتعددية "الشرعيات" بحكم مصادرتها على أن الرئيس هو الممثل الشرعي الأوحد والنهائي للإرادة الشعبية غير المزيفة أو المتلاعب بها من "الفاسدين" و"المتآمرين" ووكلاء "الإمبريالية" و"الصهيونية".
أمام هذا الواقع المطبوع من جهة أولى بإصرار السلطة على المضي في "بديلها" السياسي إلى النهاية، والمطبوع من جهة ثانية بضعف المعارضة وتشتتها وعجزها عن تقديم أطروحات سياسية تتجاوز مستوى العودة إلى ما قبل 25 يوليو 2021، قد يبدو أن "الواقعية" تجعل من طرح قضية "البدائل" الممكنة "الآن-وهنا" ضربا من الترف الفكري أو من الاحتكام إلى مبدأ الرغبة لا إلى مبدأ الواقع. فأقصى ما تطرحه "المعارضة" قد تحوّل -بمنطق رد الفعل واختلال التوازن بين السلطة وخصومها- إلى مطالب حقوقية لا يتجاوز سقفها ذلك البيت الشعري المعروف لامرئ القيس: "وقد طوّفتُ في الآفاق حتى / رضيتُ من الغنيمة بالإياب". والإياب هنا لا يعني "الخلاص الجماعي" أو الرجوع إلى الديمقراطية التمثيلية ومركزية الأحزاب في عملية السياسية، بل منتهى ما يعنيه هو "الخلاص الفردي" لكل أولئك المستهدفين بالملفات القضائية من مختلف العائلات الأيديولوجية. أما فرض منطق "الشراكة" على الرئيس فقد أصبح خارج دائرة المطالب السياسية حتى للمنتمين إلى "الموالاة النقدية"، فما بالك بمطلب إسقاطه وتشكيل نصاب سياسي جديد، وهو ما كانت "المعارضة الراديكالية" تدعو إليه منذ إعلان الرئيس عن إجراءاته "التصحيحية" يوم 25 تموز/ يوليو 2021.
رغم بعض الوجاهة في الأطروحة التي يدافع عنها الباحث يوسف الشاذلي في مقاله "النظام الرئاسي في تونس وإنتاج الاستبداد "المستقر"، المنشور في موقع "المدونة القانونية" بتاريخ 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، فإن ميل هذا الباحث إلى النظام البرلماني ضدا على النظام الرئاسي ونزوعه الجوهري إلى التحول من استبداد ديمقراطي إلى استبداد قمعي ليستقر في نظام دكتاتوري؛ هو أمر يحتاج إلى تدقيق. فالرئيس قيس سعيد لم ينجح في إنهاء "الديمقراطية التمثيلية" والنظام البرلماني المعدّل إلا لهشاشة هذه المنظومة السياسية أو لقابليتها للانفجار بحكم تناقضاتها الداخلية وفقدانها لمشروعية الإنجاز. كما أن مطلب "النظام الرئاسي" لم يكن مطلب الرئيس فحسب، بل كان مطلب العديد من الفاعلين المهمّين في "عشرية الانتقال الديمقراطي"، ولم يكن خيار "النظام البرلماني المعدل" إلا خيارا انتهازيا مؤقتا يحاول مسايرة التوازنات السياسية الجديدة. فوضع الجيش والديبلوماسية تحت سلطة الرئيس كان خيارا موضوعا أساسا لتحجيم سلطة "الحزب الأغلبي" (أي حركة النهضة تحديدا) وجعلها دائما في علاقة تصادم -أو على الأقل علاقة تجاذب- مع الرئيس الذي تشير كل المعطيات الإحصائية والضغوط الإقليمية بأنه سيكون من خارج تلك الحركة.
إن طرح قضية "الديمقراطية" في مستوى شكل النظام السياسي هو أمر نؤمن بأنه يحرف قضية بناء المشترك المواطني عن مدارها الحقيقي. فالمخيال السياسي التونسي لم يرفض "الديمقراطية التمثيلية" لأنها سيئة في ذاتها، بل لأنها لم توفر له في المستوى الاقتصادي ما وفّرته الأنظمة الموصوفة بـ"الدكتاتورية" منذ بناء ما يسمى بالدولة الوطنية وسيطرة "الجبهة الوطنية" بقيادة الحزب الدستوري الحر على السلطة بعد إرساء دستور 15 آذار/ مارس 195، وهي "الجبهة" التي ستحكم تونس تحت أسماء مختلفة آخرها "العائلة الديمقراطية". لقد أثبت "الثورة التونسية" أن مطلب "الديمقراطية التمثيلية" أو لامركزية السلطة ومحورية "الإرادة الشعبية" في بناء القرار السياسي هي كلها مطالب لا تعني عامة الشعب، بل لا تعني أغلب النخب التي أثبتت إجراءات 25 تموز/ يوليو 2021 أنها صاحبة "دعوى" لا "دعوة". فأغلب النخب، خاصة من يحتكرون صفة "العائلة الديمقراطية"، قد أكدوا أنهم لا يعارضون النظام الرئاسي -بل النظام الرئاسوي- بشرط أن تكون لهم فيه بعض الامتيازات أو المكانة الاعتبارية من جهة أولى، وبشرط الاستهداف المُمنهج لخصومهم الأيديولوجية من "الإسلاميين" أو المطبّعين معهم من جهة ثانية.
إذا كانت "الديمقراطيات الرئاسية لا تزال أكثر عرضة للتحول إلى دكتاتوريات مقارنة بالديمقراطيات البرلمانية" كما يؤكد الباحث خوزي أنتونيو شيبوب، فإننا نذهب إلى أن "الديمقراطية البرلمانية" كما عرفتها تونس كانت تحمل في آليات اشتغالها علة إنهاء الحاجة إليها من وجهة نظر نسبة معتبرة من النخب والمواطنين. فأغلب "النخب الحداثية" لم يستطيعوا القبول بنظام سياسي يكون فيه لحركة ذات مرجعية "إسلامية" دورا رئيسا. أما تلك الحركة ذاتها فإن خيارها الاستراتيجي المتمثل في التوافق مع ورثة المنظومة القديمة بشروط تلك المنظومة قد جعلها تتحول تدريجيا إلى "جسم وظيفي" يمكن الاستغناء عنه بعد انتهاء الحاجة إليه، وبعد فقدانه لجزء معتبر من قاعدته الشعبية في الفئات المهمشة رمزيا واقتصاديا. ومن جهة الشعب فإن ديمقراطيةً تعجز عن توفير حاجياته الأساسية (الطعام، الأمن) هي ديمقراطية "فاسدة" لا يمكن الدفاع عنها، كما فعل الأتراك مثلا عند قيام بعض القيادات العسكرية بمحاولة انقلاب سنة 2016. وإذا كانت أغلبية الشعب التونسي لا يمكنها الآن أن تدافع عن "تصحيح المسار"، فإنها لا تجد أمامها أي بديل موثوق ولا نخبا يمكن التعويل عليها في بناء مشروع سياسي بديل.
في أفضل "أمنيات" المعارضة فإن سقوط النظام الحالي لن يكون سقوطا لواقع التخلف والتبعية وفقدان مقومات السيادة ولا تجاوزا جدليا للأساطير المؤسسة للدولة-الأمة ومخيالها السياسي، بل سيكون نوعا من "التنفيس" الذي سيبقي على هيمنة منظومة الاستعمار الداخلي لكن بعد تغيير واجهاتها السياسية، كما فعلت بعد هروب المخلوع وطيلة "عشرية الانتقال الديمقراطي".
لو أردنا تحييد منطق الرغبة والاحتكام إلى المعطيات الموضوعية "الآن-وهنا"، فإن أزمة السلطة وفقدانها للمشروعية لا يعني بالضرورة امتلاك المعارضة لأية قدرة على إسقاط النظام أو حتى حمله على تغيير سياساته والقبول بمنطق الشراكة معها. فالمعارضة لا تمتلك أي بديل، بل إن العودة إلى ما قبل 25 تموز/ يوليو 2021 ليس مشروعا توافقيا بين أهم أطياف المعارضة. وإذا ما جردنا التحليل أكثر، فإن إصرار المعارضة على أن خصمها الأساسي هو الرئيس قيس سعيد ومشروعه السياسي، هو طرح يعمّي على العدو الأساسي المتمثل في منظومة الاستعمار الداخلي أو منظومة الحكم في مرحلة الاستعمار غير المباشر.
لكنّ السرديات السياسية لكل أطياف المعارضة، بما فيها المعارضة الراديكالية، تجعل هذه الحقيقة أ-ي حقيقة أولوية مواجهة منظومة الاستعمار الداخلي- خارج دائرة المفكر فيه، سواء بسبب العجز عن مواجهتها أو الرغبة في التموقع داخلها لتحقيق مكاسب مادية ورمزية معينة، وهو ما يجعل من الجميع مجرد بدائل من داخل تلك المنظومة لا في مواجهتها. ففي أفضل "أمنيات" المعارضة فإن سقوط النظام الحالي لن يكون سقوطا لواقع التخلف والتبعية وفقدان مقومات السيادة ولا تجاوزا جدليا للأساطير المؤسسة للدولة-الأمة ومخيالها السياسي، بل سيكون نوعا من "التنفيس" الذي سيبقي على هيمنة منظومة الاستعمار الداخلي لكن بعد تغيير واجهاتها السياسية، كما فعلت بعد هروب المخلوع وطيلة "عشرية الانتقال الديمقراطي".
وإذا ما أضفنا إلى ذلك أن من يطرحون أنفسهم بديلا للنظام هم أنفسهم -على الأقل في المخيال الجمعي- سبب الأزمة خلال عشرية الانتقال الديمقراطي المجهض، فإن فرصتهم في النجاح، مع غياب أية مراجعات أو نقد ذاتي أو حتى نية تجاوز "الصراعات الهوياتية"، هي أمر مستبعد. وهو ما يجعل من "الكتلة التاريخية" بقيادة نخب بديلة هي أفضل الممكنات للخروج من الأزمة البنيوية للحقل السياسي التونسي، ولكنه بديل لم تنضج بعد شروطه الفكرية والموضوعية بالصورة التي تجعله "ضرورةً" لا مجرد خيار.
x.com/adel_arabi21